← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

داود ﵇ (١). وعن علي بن أبي طالب ﵁: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه في البيت يورث الفقر (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وثن، أو صنم، أو ملك، أو جِنّ. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنيع لا شريك له. ﴿الْحَكِيمُ (٤٢)﴾ في تأخير العذاب (٣). و﴿مَا﴾ نصب بيدعون، و ﴿يَعْلَمُ﴾ معلق. وقيل: ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، وهو مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾، ومفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ مضمر أي: يدعونه (٤). ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: مثل العنكبوت وبيتها وسائر الأمثال نبينها للناس كافة للاستدلال والتفكر فيها (٥). ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ لا يفطن لحقائقها ولا ينتفع بضربها (٦) إلا أولوا العلم الذين يضعون الأشياء موضعها. ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: مُحِقاً. ﴿إِن فِي ذَلِكَ﴾ في خلقه إياها. ﴿لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾ خصهم بالذكر لانتفاعهم بها. ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ إقرأ القرآن ولا يمنعنك عن ذلك ما يعامل معك الكفار، وقيل: اتل عليهم وأنذرهم. وقيل: اتبع ما فيه (٧).

стр. 2032

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ ودم على إقامة الصلاة المفروضة. ابن عمر ﵄: الصلاة: القرآن (١). ابن بحر: الصلاة: الدعاء أي: قم بالدعاء إلى أمر الله (٢). ﴿إِن الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ الزنا. ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ الشرك. ابن عباس ﵄: تنهى مادام فيها، قال ﷺ : " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا " (٣). وقيل: تنهى، لأن فيها تلاوة القرآن وهو مشتمل على كل وعظٍ (٤). ووصف الصلاة بالنهي توسع كما تقول: العلم ينفع والجهل يضر، والعقل يأمر بكذا، وكتابنا ينطق، وعلى تأويل ابن عمر ﵄ أن القرآن ينهى أي: فيه النهي عن المنكر، وعلى تأويل ابن بحر: إنك بدعائك تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر. ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ فيه وجوه:

стр. 2033

أحدها: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، هذا قول ابن عباس ﵄ (١). وقيل: ولذكر الله أكبر من الصلاة (٢). وقيل: ولذكر الله في الصلاة أكبر منه خارج الصلاة أي: أكثر ثواباً (٣). وقيل: ولذكر الله أكبر من سائر أركان الصلاة (٤). وقيل: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ أي: القرآن أكبر في النهي عن الفاحشة من الصلاة (٥). وقيل: المراد بالذكر ههنا النهي أي: الصلاة تنهى ونهي الله أكبر (٦). وقيل: ولذكر الله أكبر من كل العبادات (٧). وقيل: ولذكر الله أكبر من أن يبقي على صاحبه عقوبة الفحشاء والمنكر (٨). وقيل: ولذكر الله أكبر من الفاحشة والمنكر (٩)، وهذا ضعيف. ويحتمل أن تأويل ذكر الله الصلاة كأنه قال: والصلاة أكبر من سائر العبادات. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ في الصلاة وتلاوة القرآن فيجازيكم عليه.

стр. 2034

﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فيه تلاثه أقوال: قتادة: منسوخة نسختها ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] (١). والثاني: ابن زيد: هي محكمة، والمراد مؤمنوهم (٢). ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بالإقامة على الكفر فإنه يُجَادَل ويقال له الشر. والثالث: مجاهد: محكم، والمراد به ذو العهد إلا الذين ظلموا منهم فقاتل ولم يعط الجزية (٣)، فيكون تقديره: ظلموكم بمنع الجزية. والمجادلة: قَتْل الخصم بطريق الحجاج، وأصله الفتل. وقيل: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ لا إله إلا الله (٤). ﴿وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أبو سلمة (٥)

стр. 2035

عن أبي هريرة ﵁ قال: " كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة وهو بالعبرانية (١) ويفسرونه بالعربية لأهل الإسلام فقال النبي ﷺ : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم " (٢)، أي: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور. ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ معبودنا واحد وهو الله سبحانه. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ خاضعون ومتذللون لأمره ونهيه. ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: كما أنزلنا الكتب على من تقدمك من الأنبياء أنزلنا إليك القرآن، وقيل: الكاف متصلة بقوله ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ و﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا﴾. وقيل: متصلة بما أمر به في الآية الأولى من المجادلة بالأحسن (٣). ﴿فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يريد من آمن من أهل الكتاب. ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني العرب. وقيل: ﴿فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: من تقدم منهم، ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ يعني الذين كانوا في زمان النبي ﷺ (٤). وقيل: ﴿فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم المؤمنون، ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل الكتاب (٥). قوله ﴿يُؤْمِنُ بِهِ﴾ قيل: بالقرآن. وقيل: بمحمد ﷺ (٦).

стр. 2036

﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن. ﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ كتاباً من الكتب. ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ ولا تخط كتاباً بيدك لأنك أمي لا تكتب ولا تقرأ. وعن الشعبي: ما مات النبي ﷺ حتى كتب (١). وقرئ في الشاذ (ولا تَخَطَّه) بالفتح على النهي (٢)، والصحيح أنه لم يكتب. ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ لقالت اليهود كتبه من تلقاء نفسه. وقيل: لارتاب أهل الكتاب، لأن نعتك في الكتب المتقدمة النبي الأمي الذي لا يكتب (٣) ولا يقرأ من الكتاب (٤).

стр. 2037

وقيل: المبطلون عام في جميع الكفار (١). ﴿بَلْ هُوَ﴾ بل القرآن. ﴿آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قتادة: هو القرآن، وأعطي هذه الأمة حفظ القرآن، ومن كان قبلهم لا يقرؤن الكتاب إلا نظراً فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيون (٢). وقيل: بل النبي وأموره آيات بينات (٣). وقيل: كونه لا يقرأ ولا يكتب (٤) آيات بينات (٥). قوله ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قيل: العلم بكتب الله وأحوالك وصفاتك (٦). وقيل: هم أصحاب النبي ﷺ (٧) يحفظونه، ويعتقدون أحكامه، ويفرقون بين كلام الله وكلام البشر (٨). ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ وما ينكر أدلتنا، والجحود الأول متعلق بالوحدانية، والثاني بالنبوة، تقول جَحَدَه وجَحَد به، وكَفَره وكَفَر به، وقيل: تقديره: وما يجحد محمداً بِرَدِ آيتنا.

стр. 2038

﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ كما أوتي موسى وعيسى، وقيل: هو ما سألوه في قوله ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات [الإسراء: ٩٠] (١). ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فهو يأتي بها لست أملك منها شيئا فآتيكم بما تقترحونه علي (٢). ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ﴾ أُنذركم عذاب الله على إقامتكم على شرككم (٣). ﴿مُبِينٌ (٥٠)﴾ أبين لكم الإنذار. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ بلسانهم وهم أفصح الناس (٤) وأعلمهم بأصناف البلاغة وقد تحديتهم لأن يأتوا بمثله، أو عشر سور مثله، أو سورة مثله، فعجزوا فبذلوا الأموال والمهج دونه، وذلك أبلغ من سائر المعجزات وأبعد من أسباب التشكيك. ﴿إِن فِي ذَلِكَ﴾ في القرآن. ﴿لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ لمن همه الإيمان دون التعنت. ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ يشهد لي بالصدق بأني رسوله يعني شهادته في قوله ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقيل: معناه في القرآن الذي بَيّنَ الله بإعجازه صدقي كفاية وشهادة صدق بيني وبينكم لمن طلب الدليل (٥). ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا يخفى عليه فيهما شيء (٦).

стр. 2039

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ الذي لا يجوز الإيمان به وهو إبليس. وقيل: الصنم (١). وقيل: صدّقوا الباطل (٢). ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ الذي يجب الإيمان به والشكر على نعمه. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾ الهالكون. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ بقولهم ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]. قيل: نزلت في أبي جهل (٣). ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: لكل عذاب أنزله الله على أمة أجل معلوم لا يقدمه قبله ولا يؤخره، وهو إذا تناهى الإعذار وقع اليأس من إيمانهم. ﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: ليس تأخره لعجز عن الإنزال ولا لرضى بكفرهم بل لأن الأجل لم يحضر بعد. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأةً لا يحسبونه إذا حضر الأجل المعلوم عنده. وقيل: ولولا أجل مسمى سماه الله لأعمارهم لجاءهم العذاب وليأتينهم أجلهم بغتةً فيعذبون عند نزول الموت بهم (٤). ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾ بوقت مجيئه. وقيل: الأجل المسمى القيامة (٥).

стр. 2040

﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ عجب من جهلهم في استعجال العذاب وقد أعد الله لهم جهنم، وإنها قد أحاطت بهم وهم على شفير جهنم لم يبق إلا أن يدخلوها. وقيل: لمحيطةٌ بهم في الآخرة أي: سيحيط بهم عن قريب لأن ما هو آتٍ قريب. وقيل: كأنها مُحيطة بهم لما لزمهم بكفرهم (١). ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: من كل الجهات لأنه محيط بهم. ﴿وَيَقُولُ﴾ الله. وقيل: الخَزَنة (٢)، ونقول (٣) نحن ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾ أي: جزاء أعمالكم، وذلك زيادة في العقوبة والإيجاع. ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾ أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن هذا نزل فيمن كان مقيمًا بمكة (٤) أُمروا بالهجرة عنها إلى المدينة (٥) أي: جَانِبوا أهل الشرك واطلبوا المؤمنين. وقيل: أرضي واسعة فجاهدوا فيها أعداء الله (٦). وقيل: أرضي واسعة فاطلبوا الرزق (٧).

стр. 2041

وقيل: أراد أرض الجنة واسعة فاعبدون أعطكم (١). وقيل: فاعبدون بالهجرة إلى المدينة (٢). ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: كل نفس تنال كرب الموت وشدائده أينما كانت فلا تقيموا بدار الشرك. وقيل: أراد كل حي يموت (٣). ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾ للثواب والعقاب. ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ لتنزلنهم قصوراً. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨)﴾ ابن عيسى: بوأته منزلاً اتخذت له منزلاً (٤)، ومن قرأ بالثاء (٥) أي: لنجعلنهم ثاوين مقيمين (٦). ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ وكم من دابة.

стр. 2042

﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ في سبب النزول عن ابن عمر ﵄: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى دخل بعض حيطان الأنصار، فجعل يلتقط التمر ويأكل فقال: يا ابن عمر مالك لا تأكل؟ فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله. قال: لكني أشتهيه وهذه صُبيحة رابعة مذلم أذق طعاماً، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر وكيف بك يا بن عمر إذا بقيت في قوم يخبؤون رزق سنتهم ويضعف اليقين قال: فوالله ما برحنا حتى نزلت ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ (١). ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ الدابة: اسم عام لما دَبّ. قوله ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قيل: الادخار (٢). وعن ابن عباس ﵄: لا يدخر شيء مما خلق الله إلا الآدمي، والنمل، والفأرة، والعقعق وأجناس العقعق (٣). وقيل: لا تحمل رزقها لعجزها عن ذلك بل يأكل حاجتها الله يرزقها يوماً فيوماً (٤). وقيل: يأتيها من غير طلب وإياكم يا بني آدم أي: رازق الجميع هو الله (٥).

стр. 2043

ابن جريج: وكأين من دابة لا تحمل رزقها يريد محمد ﷺ ، وحكاه النقاش أيضا (١)، وهو ضعيف لأن اسم الدابة مطلقة لا يقع على الآدمي إلا شتماً، وكذلك الحيوان. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم من أين معاشنا في المدينة؟ (٢). ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في صدوركم من ذلك لأنهم لما نُدِبُوا إلى الهجرة قالوا: بأي شيء نعيش، ومن أي شيء نأكل إذا فارقنا ديارنا. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يوسع على من يشاء من عباده. ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ ويضيق على من يشاء فيعطيه بقدر الكفاية على ما يرى سبحانه فيه المصلحة، والهاء يعود إلى غير مذكور لكن التقسيم يدل عليه، ويحتمل أن الهاء يعود إلى المبسوط له الرزق بمعنى: التقدير أي: ويقدر له البسط في الرزق، ثم اكتفى بذكر أحد الضدين. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: هم مُقِرُّون بذلك. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على قيام حجتي وصدق لهجتي. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ ما يلزمهم بإقرارهم. ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ سريع الانقضاء قريب الانتقال (٣). ﴿وَإِن الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ التي جعلها الله للجزاء.

стр. 2044

﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ الحياة الدائمة التي لا فيها موت ولا زوال ولا انتقال، و ﴿الْحَيَوَانُ﴾: الحياة. الزجاج: تقديره هي دار الحيوان (١). أي: الحياة. وقيل: الحيوان: الحي، وجعل الدار الآخرة حياً على المبالغة بالوصف بالحياة (٢). ابن عيسى: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ ضد الموتان، والتقدير: لهي ذات الحيوان الدائم البقاء، فحذف المضاف (٣). ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ طِيبَ حياة الآخرة لرغبوا فيها. ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ أي: ركبوا البحر فأصابتهم شدة خافوا منها الهلاك. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لا يدعون لكشف الضر عنهم إلا الله. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ خلصهم من البحر إلى البر فآمنوا. ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ عادوا إلى الشرك بالله. ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ﴾ قيل: اللام لام كي. وقيل: لام الأمر على وجه التهديد. وقيل: لام العاقبة، وهو الأظهر (٤). ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ باجتماعهم على عبادة الأوثان وليتواد عليه (٥).

стр. 2045

﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ وعيد لهم. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني: أهل مكة. ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ بلدهم. ﴿حَرَمًا﴾ ممنوعاً مصوناً من أن يدخل لغارة، أو قتل، أو ظلم. ﴿آَمِنًا﴾ يأمن ساكنوه. ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يُخْتَلسون قتلاً وسبياً. ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الصنم والشيطان. ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾ يشركون بها غيره، إستفهام تعجيب. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يجعل له شريكاً. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ محمد ﷺ . ﴿لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ أليس جهنم مأواهم ومنزلهم، استفهام تقرير في مقابلة " لنثوينهم من الجنة"، فالثاء أحسن الوجهين (١). ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ أي: جاهدوا أعداء الله من المشركين. وقيل: هو عام في الأمر والنهي، والرد على الملحدين، وجهاد الشيطان ووساوسه، وجهاد النفس أكبره (٢). ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ سبل الرشاد (٣). وقيل: لنعصمنهم (٤). وقيل: لنوفقنهم (٥). وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: الذين هديناهم سبلنا (٦) جاهدوا فينا (٧). وقيل: سبلنا طرق الجنة (٨).

стр. 2046

﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ ناصرهم ومعينهم. وقيل: مع المحسنين المؤمنين. وقيل: مع النبيين والمؤمنين (١). وقيل: والذين جاهدوا فينا أي: يعملون بما يعلمون (٢) لنهدينهم سبلنا إلى مالا يعلمون (٣). وقيل: نخلص نياتهم في طاعاتهم (٤) وإن الله لمع المحسنين (٥).

стр. 2047

سورة الروم

стр. 2048

سورة الروم ستون آية (١) مكية. قال الحسن: " مكية إلا قوله ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى قوله ﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] فإنها مدنية (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ سبب النزول: أنه بعث كسرى جيشاً إلى الروم، واستعمل عليهم رجلاً يسمى شهر براز، فسار إلى الروم بأهل فارس فظهر عليهم، وقتلهم وخَرَّبَ مدائنهم، وقطع زيتونهم، وكان قيصر بعث رجلاً يدعى بخنس، فالتقى مع شهر براز بأذرعات (٣) وبُصْرى، وهو أدنى الشام إلى أرض العرب (٤)،

стр. 2049

فغلبت فارس الروم، وبلغ ذلك النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم، وكان النبي ﵊ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، وخرج كفار مكة وشمتوا، فلقوا أصحاب النبي ﷺ وقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله هذه الآيات (١)، فخرج أبو بكر ﵁ إلى الكفار فقال: فرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا فلا تفرحوا ولا يقر الله أعينكم فوالله ليظهرن الروم أخبرنا بذلك نبينا. فقام إليه أُبيّ بن خلف الجمحي فقال: كذبت. فقال له أبوبكر: أنت أكذب خلق الله يا عدو الله. فقال: اجعل بيننا أجلاً أُنَاحِبُكَ عليه (٢) أي: أراهنك على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس غرمت، ففعلوا ذلك وجعلوا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي ﵊ وأخبره بذلك، وكان ذلك قبل تحريم القمار فقال ﷺ : ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايِده في الخطر وماده في الأجل، فخرج أبو بكر فلقي أُبياً فقال: لعلك ندمت. قال: لا تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فاجعلها مائة قلوص ومائة قلوص إلى سبع سنين (٣). قال: قد فعلت.

стр. 2050

فلما خشي أُبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه فلزمه وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلاً فكفل له ابنه عبدالله بن أبي بكر (١)، فلما أراد أبيّ بن خلف أن يخرج إلى أُحُد (٢) أتاه عبدالله بن أبي بكر فلزمه وقال: لا والله (٣) لا أدعك حتى تعطيني كفيلاً، فأعطاه كفيلا ثم خرج إلى أُحُد، ثم رجع أبيّ ابن خلف فمات بمكة من جراحته التي جرحه رسول الله ﷺ حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية وذلك عند رأس سبع سنين من مناحبتهم. وقيل: ظهرت الروم يوم بدر، فقمر أبوبكر وأخذ مال الخطر من ورثة أُبيّ (٤)، وجاء به إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : (٥) تصدق به " (٦). قوله ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أي: في أقرب مكان لهم من فارس. وقيل: أقربها من مكة. وتقديره: في أدنى أرضهم، فالتقى الجيشان ببيت المقدس (٧). وقيل: بأذرعات وبصرى، كما سبق (٨).

стр. 2051

وقيل: بأُرْدن وفلسطين (١). وقيل: بالجزيرة (٢). وقيل: بطرف الشام (٣). ﴿وَهُمْ﴾ أي: الروم. ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول أي: بعد أن غُلبوا. الفراء: يريد بعد غلبتهم فحذق التاء كإقام الصلاة (٤). الزجاج وغيره: الغَلَبة والغَلَبُ مصدران، وكذلك الغَلْب بالسكون (٥). ﴿سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ يقهرون، وقرئ في الشواذ (غَلَبَت) الروم بالفتح (٦)، (سيُغْلَبون) بالضم (٧)، وجاء إنكاره عن أبي الدرداء (٨)،

стр. 2052

(١). ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ البضع ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقيل: من الإثنين على التسعة (٢). ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ أي: من قبل أن غُلِبت ومن بعد أن تُغلب، والتقدير: قبل الغلبة وبعد الغلبة.

стр. 2053

وقيل: قبل كل شيء وبعد كل شيء، فحذف المضاف وبني على الضم، لأن الاضافة منوية والظرفية مقدرة، والمعنى: لله الأمر في الحالتين ولو شاء أن لا يكون غلبة فعل (١). ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ يوم تغلب الروم فارس. ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾ لأن ذلك وقع يوم بدر (٢). وقيل: يوم الحديبية (٣)، وكان المؤمنون في الغنيمة، والظفر بالأعداء، والأسر، والفداء. وقيل: بقمرهم وغلبتهم في رهانهم (٤).

стр. 2054

وقيل: بغلبة أهل الكتاب المشركين وخروجهم من بيت المقدس، وكان إحدى آيات نبوته ﷺ (١). وقيل: فَرَحُ طباعٍ لا فَرَحُ اختيار. وقيل: تم الكلام على قوله ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ثم استأنف فقال ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ﴾ أي: أولياءه، فيكون الباء متصلاً ﴿بِنَصْرِ﴾ وعلى الأول متصل بـ ﴿يَفْرَحُ﴾ (٢). ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في الانتقام من الكفار. ﴿الرَّحِيمُ (٥)﴾ في التمكين والنصر للمؤمنين. ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: وَعَدَ وَعْدَه فلا يخلفه، وهو نصب على المصدر، وفي الوعد قولان: أحدهما: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ هو الوعد. والثاني: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ هو الوعد. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ صحة وعده. ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: يعلمون ما يشاهدونه فعل الحيوانات. ﴿وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ أي: لا يستدلون بما يشاهدونه على ما غاب عنهم فعل العاقل المميز. الفراء: يعرفون التجارات والتصرف فيها ولا يعرفون الله (٣). وقيل: يعلمون أمر معاشهم وزراعاتهم وبنائهم وأنهارهم (٤). وقيل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: باطلاً (٥)، وكل أمور الدنيا باطل سوى ما أريد وجه الله، حكاه القفال (٦).

стр. 2055

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قيل: هذا متصل بما قبله على تقدير: أو لم يتفكروا في خلق أنفسهم ليخرجوا عن الغفلة. وقيل: أو لم يتفكروا فيعلموا أنهم يعلمون ظاهراً من الحياة ثم استأنف فقال ﴿مَا خَلَقَ﴾ (١). وقيل: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ متصل بما بعده، ومثله ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]، ومثله ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨] فيكون (في) بمعنى: الباء كأنه قال: أو لم يتفكروا بقلوبهم فيعلموا (٢). ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ أو: فيقولوا ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾. وقيل: أو لم يتفكروا بقلوبهم أن ما خلق الله، و ﴿مَا﴾ نفى الإجماع أي: لم يخلق الله. ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: لم يخلقهما عبثاً، ولكن ليَعْتَبِرَ بهما عباده ويستدلوا على وحدانيته وقدرته. وقوله ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: للحق. وقيل: بالحكمة والغرض الصحيح (٣). ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إذا بلغ ذلك الأجل أفناهما. وقيل: وأجل مسمى في الابتداء، وهو: الوقت الذي عَيّنه لخلقهما أي: خلقهما على مقدار معلوم، في وقت معلوم. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ بالبعث والجزاء. ﴿لَكَافِرُونَ (٨)﴾ جاحدون.

стр. 2056

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ألا ينظرون حال مسيرهم في ذهابهم ومجيئهم (١) إلى مصارع من كان قبلهم من الأمم الخالية وآثارهم (٢) نَظَرَ تفكر واعتبار. ثم ابتدأ فقال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: الأمم الماضية كانوا أشد قوة من قريش. ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ قلبوا وجه الأرض لاستنباط المياه، واستخراج المعادن، وإلقاء البذور فيها للزراعة. وقيل: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾: حرثوها (٣). والإثارة: تحريك الشيء حتى يرتفع ترابه (٤). ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من العُمُر أي: بقوا هم فيها أكثر من بقاء هؤلاء، والتقدير: مماعُمِّروا فيها (٥). والثاني: من العُمْرَى أي: سكنوا فيها. والثالث: من العِمَارة (٦). ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات. ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: فكفروا فأهلكهم الله عدلاً منه لا ظلماً. ﴿وَلَكِنْ﴾ بل. ﴿كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾ الظلم يأتي على ثلاثة أوجه: وضع الشيء غير موضعه، والنقصان، وأخذ الشيء قبل وقته. والآية تحتمل المعاني الثلاثة.

стр. 2057

﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ كفروا. ﴿السُّوأَى﴾ العذاب. وقيل: جهنم (١). و﴿السُّوأَى﴾ فُعْلَى تأنيث الأفعل كالحسنة والفضلى. وقيل: ﴿السُّوأَى﴾ مصدر كالرجعى، ومحلها رفع فيمن نصب ﴿عَاقِبَةُ﴾، ونصب فيمن رفع (٢). والإساءة: فعل السيئة والسوء والسوئ، والسيئة: كل قبيح من فعل أو قول. ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ أي: بأن. وقيل: لأن فحذف الجار. وقيل: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ بدل من ﴿السُّوأَى﴾ أي: عاقبته أن طبع الله على قلوبهم وسمعهم فكذبوا بآيات الله، ويحتمل أن يكون بياناً لقوله ﴿أَسَاءُوا﴾ أي: هو أن كذبوا بآيات الله (٣). ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ ينشئهم. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يحييهم بعد الموت. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ للجزاء. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ أي: يتحيرون وييأسون من الرحمة ومن شفاعة من كانوا يرجون شفاعته. والإبلاس: اليأس، والإبلاس: الحيرة وانقطاع الحجة، والإبلاس: التندم (٤). ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾ قيل: الضمير للكفار في ﴿كَانُوا﴾، أي: يكفرون بآلهتهم وينكرونهم (٥).

стр. 2058

وقيل: الضمير للأصنام من قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، و ﴿كَانُوا﴾ في الآية زيادة (١). وقيل: هو بمعنى: صار. وقيل: معناه: ويكونون، وجاء بلفظ الماضي كأكثر ألفاظ القيامة (٢). ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ﴾ حينئذ. ﴿يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ قيل: الضمير للأصنام والكفار (٣). وقيل: للخلق جميعًا أي: يتفرقون فآخذ ذات اليمين وآخذ ذات الشمال (٤)، ثم فَصَّل فقال: ... ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ في رياضٍ وأنواع من الزهر والأشجار (٥). ﴿يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ يُسَرّون فيتنعمون ويتلذذون بسماع الغناء. ابن عباس ﵄: يكرمون (٦)، تقول: حَبَرَه أكرمه. وخص الروضة بالذكر لأن العرب تعجبها ذلك، وكثر ذكرها في الشعر. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾ بالقرآن (٧). ﴿وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ﴾ البعث. ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ معذبون، والاحضار يستعمل في المكروه أي: أحضرهم الله في النار. وقيل: مُدْخَلون (٨). وقيل: نازلون (٩). وقيل: مُقِيمون (١٠).

стр. 2059

﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: نزهوه عما لا يليق به. وقيل: صَلّوا له (١). ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب والعشاء (٢). وقيل: المغرب وحده (٣). ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ صلاة الفجر، وقدم المغرب لأنه أقرب إلى الليل، والليل مقدم على النهار. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا﴾ يعني: العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ يعني الظهر، تقول: أظهر إذا دخل في وقت الظهر، واتفق المفسرون على أن الصلوات كلها داخلة في هذه الآية، وعن ابن عباس ﵄ ماذكر الله الصلوات الخمس جملة إلا في هذه الآية (٤). وقيل: كلها داخلة إلا العشاء الآخرة فإنها مذكورة في النور ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور: ٥٨] (٥). ومعنى ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو محمود عند سُكان أرضه وسمائه كقوله ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١]. وقيل: الملائكة تسبحه في السماء وبنو آدم تسبحه في الأرض (٦).

стр. 2060

و ﴿فَسُبْحَانَ﴾ (١) نصب على المصدر. وقيل: على الإغراء. وقيل: على النداء. والمساء: بدءُ الظلام بعد مغيب الشمس. والعَشِيّ: آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، من عَشَى العين، وهو نقصان نورها. ابن عيسى: إنما خص العشي والإظهار بالحمد لأنها أحوال تُذكر بإحسان الله (٢)، وذلك أن انقضاء إحسان أول إلى احسان ثاني يقتضي الحمد عند تمام الأول من قوله ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] (٣). وقيل: لأن الإنسان يتقلب في النهار في أحوال توجب حمداً لله عليها وفي الليل على خلوة توجب تنزيه الله (٤) من الأسواء، حكاه الماوردي (٥). ويحتمل معنى آخر وهو: أن التسبيح يدل على رفع الصوت، كقول الشاعر (٦): قَبَّحَ الإلهُ وجوهَ تَغْلِبَ كلما ... سَبّح الحجيج وكَبَّروا إهلالاً. (٧) فكان اتصاله بالصلوات التي يجهر بها بالقراءة أحسن، وليس في لفظ الحمد ما يدل على رفع الصوت فكان بالظهر والعصر أولى (٨)، والله أعلم. وعن أنس بن مالك ﵁ (٩) قال: قال رسول الله ﷺ : " من سره أن يُكالَ له بالقفيز الأوفي فليقل ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٧ _ ١٩]، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ إلى آخر السورة

стр. 2061

[الصافات: ١٨٠ _ ١٨٢] " (١). ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الإنسان من النطفة، والدجاج من البيضة، والنخلة من النواة، والمؤمن من الكافر. ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ على الضد من ذلك كله. ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ﴾ بالنبات. ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها. وقيل: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ﴾ يكثر أهلها فيعمرونها (٢). ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كإخراج الحي من الميت وأحياء الأرض. ﴿تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ من قبوركم بإخراج الله، وقد سبق بيان هذه الآية (٣). ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ أي: خلقكم في أصل الإنشاء من تراب، لأنهم بنو آدم وآدم خُلِقَ من تراب، وإذا كان الأصل تراباً فالفرع كذلك. وقيل: تقديره: خَلَقَ أباكم من تراب، فحذف المضاف (٤). ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ آدميون عقلاء ناطقون. ﴿تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ تتصرفون فيما فيه قوام معاشكم. وقيل: هذا تقريب بين كونه ترابًا وكونهم بشر ينتشرون (٥)، وليس ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي الزمان (٦). ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ المراد به آدم وحواء لأنها خلقت من ضلعه.

стр. 2062

وقيل: أي: النساء خلقن من نطف الرجال (١). وقيل: جعل لكم من أنفسكم أي: من بعضكم كقوله ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أي: بعضكم بعضاً (٢). وقيل: من جنسكم. وقيل: من أمثالكم (٣). ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً﴾ يود الرجل زوجه (٤) والمرأة زوجها. ﴿وَرَحْمَةً﴾ يعطف كل واحد منهما على صاحبه. وفي التفسير: أن المودة والرحمة بين الزوجين من الله وأن الفرك من الشيطان، حكاه الزجاج (٥). وقيل: هي المصاهرة والمخاتنة (٦). وقيل: مودة للكبير ورحمة على الصغير (٧). الحسن: المودة: الجماع، والرحمة: الولد (٨). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ فيعلمون أن قوام الدنيا بوقوع التناسل فيها. ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ليقع التعارف والتفاهم وتمييز الأشخاص بعضهما من بعض (٩)، وفيه قولان: أحدهما: إختلاف الألسن وهي اللغات (١٠). وعن وهب أن جميع الألسن (١١) إثنان وسبعون لساناً؛ منها في ولد سام تسعة عشر لساناً، وفي ولد حام سبعة عشر لساناً، وفي ولد يافث ستة وثلاثون لسانا (١٢). والثاني: إختلاف النغمة والصوت.

стр. 2063

وفي ﴿أَلْوَانِكُمْ﴾ قولان: أحدهما: البياض، والسواد، والأدمة، والشقرة، وغيرها. والثاني: خلقهم جميعاً على صورة واحدة وفرق بينهم بأمور لطيفة من صنعه، حتى لا يلتبس أحد على الناس من غيره مع كثرتهم بل يُعرف كل واحدٍ بما خصه الله به ولو جهد الناس أن يقفوا على ما به بَانَ كل واحد من الآخر لم يقفوا على كنه ذلك، وهم كلهم بنو أب واحد وأم واحدة. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ للإنس والجن (١)، ومن كسر فلأنهم المخصوصون (٢) بمعرفة الدقائق (٣). ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: خَلَق الليل والنهار للنوم وطلب المعاش؛ فإن النوم قد يكون بالنهار وطلب المعاش قد يكون بالليل أي: خلق كل واحد منهما للنوم وطلب المعاش جميعاً هذا ظاهر الآية. وجمهور المفسرين على أن في الآية تقديمًا وتأخيراً (٤) وتقديره: منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار إعتباراً بسائر الآيات في هذا المعنى، قالوا وإن وقع النوم بالنهار وابتغاء الرزق بالليل (٥) فنادر، والحكم للأغلب. ﴿إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾ أي: ينتفعون بسمعهم.

стр. 2064

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ فيه ثلاثه أقوال: أحدها: أن التقدير: أن يريكم البرق، فحذف " أن "، كما حذفه الشاعر في قوله (١): ألا أي هذا الزاجري احضر الوغى ... وأن اشهد اللذات هل أنت مخلدي. وكذلك هو في حرف ابن مسعود ﵁ (٢). والثاني: أن التقدير: ومن آياته آية يريكم بها البرق، كما قال الشاعر (٣)، (٤): فما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغى العيش أكدحُ. أي: فمنهما تارة أموت (٥). والثالث: فيه تقديم وتأخير (٦)، تقديره: ويريكم البرق من آياته. ويحتمل أن الكلام تام على قوله ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ ثم استأنف فقال ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾، كما تقول: فلان يعلم أشياء؛ منها الفقه، ومنها الكلام، ومنها اللغة، ومنها، وتسكت تريد: ومنها الشعر أو غيره، وسكوتك يدل على كثرة ذلك عنده أي: فيهما كثرة يطول تفصيلها، والله أعلم. والمعنى: يريكم البرق. ﴿خَوْفًا﴾ للمسافر. ﴿وَطَمَعًا﴾ للمقيم في المطر. وقيل: طمعاً أن يكون ماطراً، وخوفاً أن يكون خلباً (٧)، قال الشاعر (٨):

стр. 2065

لا يكن بَرْقُكَ برقًا خُلَّبَاً ... إن خيرَ البرقِ ما الغيثُ معه. والعرب تقول: إذا توالت أربعون برقةً أمطرت، قال المتنبي (١): وقد أرد المياه بغير هادٍ ... سوى عُدَىً لها برق الغمام (٢). وقيل: خوفاً من الصواعق، وطمعاً في المطر (٣). وقيل: خوفاً من البرد وطمعاً في المطر (٤). ويحتمل خوفًا من السيل والطوفان والغرق وطمعاً في المطر النافع. وذهب الزجاج (٥) وغيره من المحققين إلى أن نصبهما على المفعول له، وفيه نظر، لأن من شرط المفعول له أن يكون فاعل المصدر فاعل الفعل الناصب له كما تقول: ضربته تأديباً له، ففاعل التأديب هو فاعل الضرب (٦)، ولا يحتمل الآية وذلك لأن (٧) الإراءة من الله، والخوف والطمع من المخاطبين، ووجه ذلك أن يُقال تقديره: إخافةً وإطماعاً كما جاء: فعلته رغماً للشيطان أي: إرغاماً له، ولو جعل خوفًا وطمعًا مصدرين واقعين موقع الحال كقوله ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠] لم يمتنع، والله أعلم. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ مطراً. ﴿فَيُحْيِي بِهِ﴾ بالمطر.

стр. 2066

الْأَرْضَ ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ ثم عاد إلى عد الآيات أي: من آيات قدرته ثباتهما قائمين بلا عمد بأمره لهما بالقيام. وقيل: بفعله، وذكر بلفظ الأمر للمبالغة. ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾ قيل: هي النفخة الأخيرة (١)، والداعي إسرافيل. وقيل: دعاكم توسع إذ ليس خروجهم بفعلهم فيدعوا إليه وإنما ذلك فعل الله سبحانه ذكره بلفظ الدعاء توسعاً، ويحتمل أنه يحييهم بهذا الدعاء أيضاً، والله أعلم (٢). ﴿مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ فيه ثلاثه أقوال: أحدها: حال من المخاطبين أي: دعاكم وأنتم في الأرض. وقيل: دعوة من الأرض فيكون صفة للدعوة لأنهم يسمعونها من الأرض (٣). قال ابن عباس ﵄: من قبوركم (٤)، والأكثر على أنه متصل بالخروج، تقديره: إذا أنتم تخرجون من الأرض، وزيفه المبرد وقال: "ما بعد إذا لا يعمل فيما قبله" (٥).

стр. 2067

﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾ أي: ومن آياته أن كل من في السموات والأرض له قانتون منقادون، وعن النبي ﷺ : مطيعون (١). فيكون طاعة إرادة لا طاعة عبادة أي: خلقهم على ما أراد. وقيل: قائمون في القيامة (٢). وقيل: مقرون بالعبودية (٣). وقيل: مصلون، فيكون المراد به المؤمنين (٤). ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينشئهم ثم يعيدهم للبعث. ﴿وَهُوَ﴾ أي: الإعادة. ﴿أَهْوَنُ﴾ أسهل. وقيل: أيسر (٥). وقيل: أسرع (٦). ﴿عَلَيْهِ﴾ فيه أقوال:

стр. 2068

أحدها: أن الهاء يعود إلى الخلق لأنه بمعنى المخلوق، أي: لا يحتاج إلى تربية ورضاع وتغير من حال إلى حال. وقيل: إلى الميت، وهو القول الأول. وقيل: يعود إلى الله و ﴿أَهْوَنُ﴾ بمعنى: هَيِّن كقوله ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] والله أكبر (١). وقيل: أهون عليه عندكم لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء (٢). وقيل: أهون عليه مما تتوهمون (٣). وقيل: أهون عليه مثلاً (٤). ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: متصل بما قبله على ما ذكرت. والثاني: متصل بما بعده من قوله ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]. والثالث: المثل الوصف أي: وله الوصف الأرفع ليس كمثله شيء (٥). وقيل: هو شهادة أن لا إله إلا الله (٦). وقيل: الإحياء والإماتة وسائر أوصافه التي لا يشاركه فيها أحد (٧).

стр. 2069

﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ عن حمزة بن حبيب الزيَّات (١) أن العرب كانت تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك فأنزل الله ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ (٢). أي: ضرب الله لكم معاشر المشركين مثلاً من أنفسكم لذاته ولما جعلتم شريكاً له سبحانه يقرب الأمر في فهم ذلك عليكم. ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ معاشر الأحرار. ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ عبيدكم. ﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال. ﴿فَأَنْتُمْ﴾ معاشر الأحرار والعبيد. ﴿فِيهِ﴾ في ذلك الرزق (٣). ﴿سَوَاءٌ﴾ شرع يحكم مماليككم في أموالكم كحكمكم ويتصرفون فيها تصرفكم. ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ معاشر السادة عبيدكم فيها، فلا تمضون فيها حكماً دون إذنهم خوفاً من لائمة تلحقكم من جهتكم. ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ كما يخاف بعض الأحرار بعضا فيما هو مشترك بينهم. وقيل: تخافونهم أن يرثوكم بعد موتكم، أي: فلا ترضوا لي مالا ترضون به لأنفسكم (٤).

стр. 2070

وقيل: معناه هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكه في ماله وولده حتى يكون هو ومملوكه في ذلك سواء يخافه كما يخاف غيره من شريكٍ لو كان (١). ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ﴾ نبين كما بينت هذا المثل. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ يتدبرون في ضرب الأمثال. ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا. ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ ما تميل إليه أنفسهم (٢). ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ آتاهم من الله ولا معرفة منهم بصواب ما هم عليه بل تقليد وإِلْف (٣). ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ فلا يقدر أحد على أن يهديهم لإضلال الله إياهم. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾ ناصر يمنعهم لا من الأصنام التي عبدوها ولا من غيرها. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أي: أقبل. وقيل: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أقم: قصدك (٤). وقيل: دينك (٥). وقيل: عملك (٦). الخطاب للنبي صلى لله عليه وسلم والمراد به هو وأمته كقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] بدليل قوله ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ (٧). ﴿لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ حال للدين، أي: للدين الحنيفي. وقيل: حال من المخاطب، والمعنى: مائلاً عن الأديان (٨).
следующие страницы →