← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

الْأَرْضَ ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ ثم عاد إلى عد الآيات أي: من آيات قدرته ثباتهما قائمين بلا عمد بأمره لهما بالقيام. وقيل: بفعله، وذكر بلفظ الأمر للمبالغة. ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾ قيل: هي النفخة الأخيرة (١)، والداعي إسرافيل. وقيل: دعاكم توسع إذ ليس خروجهم بفعلهم فيدعوا إليه وإنما ذلك فعل الله سبحانه ذكره بلفظ الدعاء توسعاً، ويحتمل أنه يحييهم بهذا الدعاء أيضاً، والله أعلم (٢). ﴿مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ فيه ثلاثه أقوال: أحدها: حال من المخاطبين أي: دعاكم وأنتم في الأرض. وقيل: دعوة من الأرض فيكون صفة للدعوة لأنهم يسمعونها من الأرض (٣). قال ابن عباس ﵄: من قبوركم (٤)، والأكثر على أنه متصل بالخروج، تقديره: إذا أنتم تخرجون من الأرض، وزيفه المبرد وقال: "ما بعد إذا لا يعمل فيما قبله" (٥).

стр. 2067

﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾ أي: ومن آياته أن كل من في السموات والأرض له قانتون منقادون، وعن النبي ﷺ : مطيعون (١). فيكون طاعة إرادة لا طاعة عبادة أي: خلقهم على ما أراد. وقيل: قائمون في القيامة (٢). وقيل: مقرون بالعبودية (٣). وقيل: مصلون، فيكون المراد به المؤمنين (٤). ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ينشئهم ثم يعيدهم للبعث. ﴿وَهُوَ﴾ أي: الإعادة. ﴿أَهْوَنُ﴾ أسهل. وقيل: أيسر (٥). وقيل: أسرع (٦). ﴿عَلَيْهِ﴾ فيه أقوال:

стр. 2068

أحدها: أن الهاء يعود إلى الخلق لأنه بمعنى المخلوق، أي: لا يحتاج إلى تربية ورضاع وتغير من حال إلى حال. وقيل: إلى الميت، وهو القول الأول. وقيل: يعود إلى الله و ﴿أَهْوَنُ﴾ بمعنى: هَيِّن كقوله ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] والله أكبر (١). وقيل: أهون عليه عندكم لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء (٢). وقيل: أهون عليه مما تتوهمون (٣). وقيل: أهون عليه مثلاً (٤). ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: متصل بما قبله على ما ذكرت. والثاني: متصل بما بعده من قوله ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]. والثالث: المثل الوصف أي: وله الوصف الأرفع ليس كمثله شيء (٥). وقيل: هو شهادة أن لا إله إلا الله (٦). وقيل: الإحياء والإماتة وسائر أوصافه التي لا يشاركه فيها أحد (٧).

стр. 2069

﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ عن حمزة بن حبيب الزيَّات (١) أن العرب كانت تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك فأنزل الله ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ (٢). أي: ضرب الله لكم معاشر المشركين مثلاً من أنفسكم لذاته ولما جعلتم شريكاً له سبحانه يقرب الأمر في فهم ذلك عليكم. ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ معاشر الأحرار. ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ عبيدكم. ﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال. ﴿فَأَنْتُمْ﴾ معاشر الأحرار والعبيد. ﴿فِيهِ﴾ في ذلك الرزق (٣). ﴿سَوَاءٌ﴾ شرع يحكم مماليككم في أموالكم كحكمكم ويتصرفون فيها تصرفكم. ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ معاشر السادة عبيدكم فيها، فلا تمضون فيها حكماً دون إذنهم خوفاً من لائمة تلحقكم من جهتكم. ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ كما يخاف بعض الأحرار بعضا فيما هو مشترك بينهم. وقيل: تخافونهم أن يرثوكم بعد موتكم، أي: فلا ترضوا لي مالا ترضون به لأنفسكم (٤).

стр. 2070

وقيل: معناه هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكه في ماله وولده حتى يكون هو ومملوكه في ذلك سواء يخافه كما يخاف غيره من شريكٍ لو كان (١). ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ﴾ نبين كما بينت هذا المثل. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ يتدبرون في ضرب الأمثال. ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا. ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ ما تميل إليه أنفسهم (٢). ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ آتاهم من الله ولا معرفة منهم بصواب ما هم عليه بل تقليد وإِلْف (٣). ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ فلا يقدر أحد على أن يهديهم لإضلال الله إياهم. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾ ناصر يمنعهم لا من الأصنام التي عبدوها ولا من غيرها. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أي: أقبل. وقيل: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أقم: قصدك (٤). وقيل: دينك (٥). وقيل: عملك (٦). الخطاب للنبي صلى لله عليه وسلم والمراد به هو وأمته كقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] بدليل قوله ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ (٧). ﴿لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ حال للدين، أي: للدين الحنيفي. وقيل: حال من المخاطب، والمعنى: مائلاً عن الأديان (٨).

стр. 2071

وقيل: مستقيماً، وقد سبق (١). ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ دين الله الذي فطر عليه الخلق، لأن الله خلق المكلفين العقلاء خلقة متى خلوا وإياها أدتهم إلى الإقرار بصانع واحد قدير حكيم عليم. وقيل: هي من قوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. والفطرة: الملة (٢)، والفطرة: العهد الذي أخذ على آدم، ومنه "كل مولولد يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذين يهودانه وينصرانه ويُمَجِّسَانه " (٣). ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ خلقهم على ذلك في الابتداء. وقيل: ﴿عَلَيْهَا﴾ بمعنى: لها، واللام وعلى يتقاربان في المواضع (٤)، بعثك لهذا وعلى هذا (٥). و﴿فِطْرَةَ﴾ نصب على المصدر، ويدل على فعله ما قبله وما بعده. وقيل: نصب على الإغراب أي: الزموا واتبعوا فطرة الله. ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبدلوا دين الله فهو نهي. وقيل: لا يقدر أحدٌ أن يغير هذه الخِلْقَة. وقيل: لا تبديل لخلق الله الناس للدين المستقيم (٦). وقيل: لا تبديل لخلق الله أي: لا يقدر أحد أن يخلق كخلق الله (٧).

стр. 2072

وقيل: هو نهي عن الخِصَاء (١)، والوِجَاء (٢)، وبتك الآذان (٣). أبو بكر الورَّاق (٤): ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾: الفقر والفاقة ولا تبديل لذلك (٥). ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الإسلام، و ﴿الْقَيِّمُ﴾ المستقيم. وقيل: القضاء المستقيم (٦). وقيل: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ﴾: الحساب، حكاه الماوردي (٧)، وهو بعيد في هذه الآية. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ لا يتفكرون فيعلموا (٨) أن لهم خالقًا مدبراً. ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه، مشتق من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى، ومنه النوبة (٩). ابن عيسى: منقطعين إلى الله من النَّاب لأنه قاطع (١٠)، وهو نصب على الحال من قوله

стр. 2073

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ كما سبق، أو من المقدر في ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ وهو الزموا واتبعوا، أو مما بعده وهو ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أدوها في أوقاتها على شرائطها. ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ﴾ من المشركين. وقيل: متصل بما بعده، أي: كل حزب من الذين ﴿فَرَّقُوا﴾ وقيل: تقديره: من المشركين ومن الذين فرقوا، والواو مقدر. ومعنى ﴿فرقوا دِينَهُمْ﴾ أوقعوا فيه الاختلاف فصار بعضهم يعبد صنماً، وبعضهم يعبد الشمس، وبعضهم يعبد غيرها (١). وقيل: هم اليهود والنصارى (٢). وجاء مرفوعاً أنهم الخوارج (٣). وقيل: أهل البدع (٤).

стр. 2074

ومعنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: تركوا دينهم الذي وجب عليهم العمل به. ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ جماعات مختلفين. وأصل الشيعة المعاونة، تقول: شَيِّع نَارَك أي: ضع عليها حطباً دِقَاقَاً تحث الحطب الغلاظ (١). ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ جماعة. ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ مُعْجَبون مسرورن يظنون أنهم على الحق. وقيل: كل حزب من الذين فرقوا دينهم بما لديهم فرحون (٢) كما ذكرت (٣). ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ﴾ المشركين. ﴿ضُرٌّ﴾ سوء. ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ تائبين، مقبلين بالدعاء إليه، وتركوا الأصنام لعلمهم أنه لا فَرَجَ عندها. ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ عافية من الضُّر النازل بهم. ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: وجدت فريقاً منهم. ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ في العبادة. وقيل: ﴿النَّاسَ﴾ عام في المؤمنين والمشركين. ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ هم: المشركون. ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ﴾ أي: يفعلون ذلك ليكونوا كفار أي: أدى الأول إلى الثاني. وقيل: اللام لام التهديد في صيغة الأمر. وقيل: لام العاقبة (٤). ثم خاطبهم فقال: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أي: بكفركم قليلا أمرُ وعيد.

стр. 2075

﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ عاقبة أمركم. وقيل: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ ماضٍ، وهذا فيمن قرأ (يعلمون) بالياء، وذلك أحسن (١)، وهو شاذ (٢). ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا﴾ أي: أنزلنا. ﴿عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ رسولاً. وقيل: كتاباً (٣). وقيل: برهاناً (٤). ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾ أي: يُوضِح عذرهم، فمن حَمَلَه على رسول فالتكلم ظاهر لاكلام فيه، ومن حَمَلَه على الكتاب فهو كقولنا: كتابنا ينطق، ومن حمله على البرهان فكأنه قال: سلطاناً يتسلّطون به على تصويب ما ذهبوا إليه، فيكون المتكلم مجازاً، كقول الشاعر (٥): وَعَظَتْكَ أَجْدَاثٌ صُمُتْ ... ونَعَتكَ أزمنةٌ خُفُتْ. وَأَرَتْكَ قبرك في القبور ... وأنت حي لم تمت. ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ أي: المشركين. ﴿رَحْمَةً﴾ نعمة. ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ بطروا بسببها (٦). ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ شدة. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بشؤم عملهم.

стр. 2076

﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾ ييأسون، أي: يَبْطَرُ عند النعمة وييأس عند الشدة، لا يشكر في الأولى ولا يحتسب في الثانية فعل المؤمنين. وقيل: الناس أهل مكة (١). والرحمة: المطر والخصب، والسيئة: الجدب والقحط، وهذا من الفرح المذموم من قوله ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] و ﴿إِذَا﴾ جواب الشرط كالفاء. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: كلاهما من الله فلا يجب أن يستبعد منه أحدهما عقيب الآخر. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ خاطب من بسط عليه الرزق بأداء حق الله من المال وصرفه إلى من يقرب منه في رحم وهو الذي لا يجب عليك نفقته. وقيل: هو الذي يجب عليك نفقته إذا كان فقيرًا، ولهذا قال: ﴿حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ بالمواساة، والحقوق الواجبة (٢). وقيل: الخطاب للنبي ﷺ ، وذو القربى بنوهاشم، وبنوالمطلب، يعطون حقوقهم من الغنيمة والفيء (٣). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: إيتاء حقوقهم. ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ من البخل. وقيل: خير لهم في القيامة يُضاعف لهم أضعافاً (٤). وقيل: خير لهم في الدنيا لأن إخراج الزكوة يزيد في المال (٥).

стр. 2077

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾ الباقون في النعيم المقيم. ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ أي: إذا أعطيتم طلباً للمكافأة والاستكثار. ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا يزداد ولا يُضَاعَف لكم ثوابه وأجره. ابن عباس ﵄: هما ربوان؛ حلال وحرام، فما تعاطيتم بينكم حلال وهو ما نُهي عنه النبي ﵊ في قوله ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، لأنه كان مأمورًا بمكارم الأخلاق (١). وقيل: هو أن تُعطي من خدمك شيئاً من ربح لك (٢) جزاءً من خدمته. وقيل: هو الربا الحرام (٣). وقوله ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في حكمه بل يمحقه ويذهب بركته. ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ قيل: هي المفروضة (٤). ابن عباس ﵄: الصدقة (٥). ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ثوابه. وقيل: طاعته (٦).

стр. 2078

﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ الذين يُضاعف لهم الثواب من قولهم: رجل موسر: صاحب يَسَار. ورجل مُقْوٍ: صاحب قوة. الفراء: هم أصحاب المضاعفة، كما تقول: هو مُسْمِن، أي: صاحب إبلٍ سِمَان، ومُعْطِشْ: صاحب إبلٍ عطشى (١). وقيل: ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ يعني: المضعّفون، أي: ضَعَّفوا ثوابهم وجعلوه أضعافاً مضعفة بإخراج الزكاة والصدقة، وهذا أظهر لأن أضعف يأتي على وجهين: أحدهما: أضعف صار أصحابه ضعفاء، وهذا لا وجه له في الآية. والثاني: أضعف بمعنى: ضَعَّف وضاعف أي: جعل الشيء مثليه، أو أمثاله (٢). و﴿وَمَا﴾ فيهما يصلح أن يكون شرطًا، ويصلح أن يكون موصوله؛ فإن جعلته للشرط فمحله نصب، وإن جعلته للموصول (٣) فمحله رفع، والضمير العائد محذوف، وعدل عن الخطاب فقال: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ولم يقل فأنتم ليكون أعم، أي: من فعل هذا فسبيله (٤) سبيل المخاطبين. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: هو الخالق وحده، والرازق وحده، والمميت وحده، والمحيي وحده. ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ أي (٥): أصنامكم التي زعمتم أنهم شركاء لله. ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي (٦): شيئًا، و ﴿مِنْ﴾ صلة. ﴿ ﴾ تبرأ، أو ارتفع.

стр. 2079

﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ عن أن يكون له شريك. وقيل: نَزِّهوه عن ذلك (١). ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ القتل، وقطع الطريق، والجَدْب، والقحط. ﴿فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: في جميع الأرض، كما تقول: هو معروف في البر والبحر أي: في الدنيا. ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ من الشرك والعصيان. المؤرج: البر: الفيافي، والبحر: الأمصار (٢). الزجاج: كل بلد ذي ماءٍ جارٍ فهو بحر (٣). وقيل: البر: البادية، والبحر: القرى (٤). وقيل: البر: ظهر الأرض، والبحر: هو المعروف (٥). وقيل: ظهر الفساد في البر هو: قتل قابيل أخاه هابيل، والبحر: غصب السفينة من قوله ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] (٦). وقيل: ظهر القحط في البر والبحر لأن المطر إذا قَل في الأرض قل النبات، وإذا قَل في البحر قَل اللؤلؤ والجوهر (٧).

стр. 2080

وقيل: ظهر الفساد أي: جزاءُ الفساد وهو العذاب في البر أهل العُمُد كعاد، وفي البحر أهل القرى المهلكة (١). وقيل: البر: القرى، والبحر: الجزائر (٢). وقيل: البر: النفس، والبحر: القلب. وقيل: البر: اللسان، والبحر: القلب، حكاهما الماوردي واستبعدهما (٣). ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ أي: ليذوقوا العقوبة على ذلك فينزجروا ويتعظوا ويتوبوا، وإنما قال ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ لأنه كان في الدنيا وتمامه: مُعَدٌ لهم في الأخرى. ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي قريش. ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ فإنكم سترون تلك الآثار وتعرفوا أحوالهم، واحذروا أن يحل بكم مثل ما حل بهم. ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ أقم قصدك واجعله جهتك. وقيل: استقم عليه، واعمل به (٤). وقيل: وجه وجهك نحوه (٥). ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يعني القيامة. ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لا يرده الله. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: يوم من الله لا مرد له.

стр. 2081

﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)﴾ يتفرقون، (١) وأصله من الصدع وهو الشَّق، أي: فريق في الجنة وفريق في السعير، ويحتمل يتفرقون كالفراش المبثوث. ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: جزاء كفره. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾ يوطؤون لأنفسهم في الآخرة قراراً في الجنة ومسكناً. وقيل: فلأنفسهم يُسوون المضاجع في القبور على ما يأمنون به من عذاب الله فيها، وأصل المهد إصلاح المضجع ثم صير لإصلاح الأمور. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قيل: اللام متصل بقوله ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: فضلاً من فضله. وقيل: ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء أي: بفضله (٢). ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾ فيَشُوبَهم بالمؤمنين بل يفرق بينهم. ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ أي: من آيات قدرته. ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالمطر تتقدمه وتطمع فيه. وقيل: تبشر بصحة الأبدان وخصب الزمان (٣). وكل ما في القرآن من الريح بلفظ الجمع فهو الرحمة، وأجمعوا على الجمع في هذه الواحدة لقوله ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ إلا شاذاً (٤). ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ ليرزقكم خصباً وسعة. وقيل: ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ من البَرْد والطيب، وتقديره: ليبشركم وليذيقكم (٥).

стр. 2082

وقيل: وليذيقكم يرسلها (١). وقيل: الواو زيادة (٢). ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ في البحار. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بالرياح التي تسير بها السفن، والرياح بأمر الله فهي جارية بأمره. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا الربح في التجارة (٣) في البحر. وقيل: بالذهاب إلى الجهاد في البحر (٤). ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾ أي: واصل لكم نعمه لتشكروه. والريح: جسم رقيق يجري في الجو. وقيل: هواء متحرك. وقيل: تموج الهواء بتأثير الكواكب (٥)، وهذا من كلام الأوائل (٦). ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أي: فكفر بهم قوم وآمن بهم قوم، فأهلكنا الكفار ونصرنا المؤمنين وهو قوله ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾. ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ قيل: تقديره: وكان الانتقام حقاً. وقيل: وكان نصر المؤمنين حقاً (٧). وفي الآية تسلية للنبي ﷺ ، وبشارة للمؤمنين فإن اللفظ عام. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ فتهيج الريح السحاب من حيث أراد الله. ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ فيبسط الله السحاب. ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ في الهواء.

стр. 2083

﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ مسيرة يوم أو أيام من ناحية الجنوب، أو ناحية الشمال، أو ناحية الدبور أو ناحية الصَّبَا. ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قطعاً يركب بعضه بعضاً. والكِسْفة: القطعة من السحاب يغطي ما فوقها، من كسفت الشمس (١). وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: فتثير سحاباً ويجعله كسفاً فيبسطه في السماء. الضحاك: يجعله كسفًا في سماء دون سماء (٢). ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر، (٣) وقيل: البرق (٤)، وهو غريب. ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ وسطه. ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ بالمطر. ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨)﴾ لمجئ الخصب وزوال القحط. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ المطر. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ الأخفش: من قبله تأكيد كقولهم: كلهم أجمعون. قطرب: من قبل الإنزال من قبل المطر، وحكاهما الزجاج أيضا (٥). المبرد: الثاني: للسحاب لأنهم لما رأوا السحاب كانوا راجين المطر (٦). ابن عيسى: من قبل الإرسال (٧).

стр. 2084

صاحب النظم: من قبل النبات، قال: ولم يتقدم ذكره، وكذلك ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ أي: النبات؛ لأن المطر يدل عليه، وهذا قول جميع المفسرين. وكنت سُئِلْتُ عن هذه الآية فاستخرجت لها عشرة أوجه سوى ما حكيت عن الأئمة، منها: الها يعود إلى الاستبشار، وتقديره: من قبل الإنزال من قبل الاستبشار، لأنه قرنه بالإبلاس، ولأنه مَنَّ عليهم بالمطر وبالاستبشار، والله أعلم. وأضربت عن إيراد التسعة الباقية لأن في الاستبشار مقنعاً ومغنيً. ﴿لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾ آيسين. وقيل: ساكتين منقطعين (١). ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ﴾ بالنبات والأشجار وأنواع الثمار. ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بعد أن صارت تراباً لا نبات بها ولا ثمار. ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ أي: إن ذلك الذي قَدِرَ على إحياء الأرض بعد موتها قادرٌ على إحياء الموتى بعد موتهم. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإماتة والإحياء (٢). ﴿قَدِيرٌ (٥٠)﴾ قادر بذاته. ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا قَاضٍ فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ أي: الزرع بعد اخضراره فخافوا هلاكه، والمطر وإحياء الأرض دليلان على النبات والزرع فصار كتقدم الذكر. وقيل: يعود إلى أثار رحمة الله (٣) لأنه النبات (٤).

стр. 2085

وقيل: يعود إلى السَّحاب لأن السَّحاب الأصفر لا يمطر (١). ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد الاستبشار. ﴿يَكْفُرُونَ (٥١)﴾ اللفظ للماضي، والمعنى: الاستقبال لأنه جواب الشرط، واللام جواب القسم، ودلَّ على القسم لام توطئة القسم في ﴿وَلَئِنْ﴾، والمعنى: أنهم كانوا إذا استبطئوا الرزق جحدوا نِعَمَ الله. وقيل: إذا استبطئوا الرزق سألوا الله المطر فإن حُبِسَ عنهم كفروا (٢). ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أي: هؤلاء في حكم الموتى فلا تطمع في قبولهم منك. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢)﴾ أي: هم لا ينتفعون بما يسمعون فهم صم، وإنما قال ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، والأصم: لا يسمع مقبلاً ولا مدبراً، لأنه حالة الإقبال يفهم بالرمز وبالإشارة (٣) فإذا وَلّى فلا يسمع ولا يفهم بالإشارة (٤). وقيل: إذا ولى هؤلاء مدبرين (٥). ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ أي: هم في حكم العمي في قلة الانتفاع بالمرئيات. وقيل: أراد بالعمى عمى القلوب أي: لا يمكنك أن تهدي الأعمى إلى طريق قد ضل عنه ليسلك بإشارة منك له إليه مع ذهاب بصره (٦). ﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾ أي: ما تسمع مواعظ القرآن. ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا﴾ أي: المؤمنين. ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾ خاضعون لله بالطاعة.

стр. 2086

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ خلقكم من النطف أي: حال ضعف. قتادة: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ من نطفة (١). وقيل: خلقكم وأنتم ضُعَفاء في أول خلقه إياكم (٢). ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ حال الشباب وبلوغ الأشد. وقيل: حين ركب فيه الروح لتمام خلقه فإن ذلك بالإضافة إلى كونه نطفة حال قوة (٣). ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ وهي حالُ الهَرَم يصير الإنسان فيه إلى مثل ما كان عليه في حال الطفولية (٤). ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ من صغر، وكِبَر، وضَعْفٍ، وقوةٍ، وشباب، وشيب. ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم. ﴿الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ على تغييرها. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ استقلوا مدة الدنيا لمّا عاينوا الآخرة، أي: يحلف المشركون المنكرون للبعث إذا بُعثوا يوم القيامة إنهم مالبثوا في الدنيا إلا ساعة. وقيل: ما لبثوا في قبورهم، وذلك ما بين النفختين (٥). ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾ يُصرفون عن الصدق إلى الكذب، فكانوا يحلفون وهم يعلمون. وقيل: كانوا يُكَذِّبون بالقيامة (٦). وقيل: إنما أقسموا لأنه كان عندهم كذلك ولا يجري في القيامة كذب عند أكثرهم (٧).

стр. 2087

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ المؤمنون. وقيل: الملائكة (١). ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ حكم الله. وقيل: علمه (٢). وقيل: اللوح المحفوظ (٣). وقيل: فيما كتب الله لكم في سابق علمه (٤). وقيل: في القرآن، وهو قوله ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] (٥). قتادة: فيه تقديم وتأخير، تقديره: أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان لقد لبثتم (٦). ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾ قالوا لهم توبيخاً. وقيل: ولكنكم كنتم لا تعلمون هذه فحلفتم على جهل ولكنكم كنتم لا تعلمون أنه يكون وأنكم مبعثون فكنتم به تكذبون (٧). ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ ثم اعتذروا وسألوا الرجعة إلى الدنيا لاستدراك الفائت فلا يجابون، وهو قوله ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾ أي: لا يدعون إلى التوبة. النقاش: لا يعاتبون على سيئاتهم (٨). وقيل: لا يُستتابون (٩). وقيل: لا يُطلب منهم العتبى (١٠).

стр. 2088

﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ ينبههم على التوحيد، وعلى صدق الرسول. ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ﴾ إن جئت هؤلاء المعاندين بمعجزة أو آية من القرآن فيه مَثَل. ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمحمد والمسلمين. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨)﴾ ما أنتم على حق بل أنتم على باطل. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩)﴾ أي: كما طبع على قلوب هؤلاء وختم عليها جزاءً لكذبهم يطبع الله على قلوب من لا علم عنده ولا تمييز. وقيل: هذا فيمن أخبر أنهم لا يؤمنون (١). ﴿فَاصْبِرْ﴾ على أذاهم. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ إياك بالنصر. ﴿حَقٌّ﴾ كائن لا محالة. ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ أي: لا يحملنك (٢) عنادهم على أن يدخلك خِفة وعجلة لشدة غضب يعتريك فيمنعك عن تبليغ رسالة الله. وقيل: معناه: ولا تأخذ بك العجلة (٣) في أمرهم فإن الله سيعاقبهم (٤). وقيل: لا يستنزلنك (٥). وقيل: لا يستخفن حلمك ورأيك الذين لا يؤمنون بالمعاد (٦).

стр. 2089

سورة لُقمَان

стр. 2090

سورة لقمان أربع وثلاثون آية (١)، مكية إلا ثلاث آيات نزلن في المدينة، وهن ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧ - ٢٩] (٢)، وسيأتي ذكرها. الحسن: مكية إلا آية وهي ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [لقمان: ٤] فإن الصلاة والزكاة مدنيتان (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ سبق نظائره. وقيل: تلك الحروف علامات كتاب الحكمة نوحيها إليك (٤). و﴿الْحَكِيمِ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: المتضمن للحكمة. وقيل: فعيل بمعنى مفعل أي: الممنوع من البطلان (٥). ابن عيسى: جاز أن يُقال للكتاب حكيم، وإنما هو حكمة لأنه يُظهر الحق من الباطل كما يُظهر الحكيم بقوله (٦). ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ قريء بالرفع والنصب (٧)؛

стр. 2091

فالنصب على الحال، والرفع على أن ... ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، و ﴿آَيَاتُ الْكِتَابِ﴾ (١) خبره، و ﴿هُدًى﴾ (٢) خبر بعد خبر، وإن شئت قلت: هو هدى ورحمة، فيكون خبر مبتدأ محذوف. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ أي: للمومنين (٣)، والإحسان: النّفع الذي يُستحق عليه الحمد. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ المفروضة. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الواجبة. ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ﴾ بالدار الآخرة. ﴿هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ كرر ﴿هُمْ﴾ لماّ حِيل بين المبتدأ والخبر بأجنبي. ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ ﴿هُمُ﴾ يجوز أن يكون ابتداءً، ويجوز أن يكون عِمادًا (٤). ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي﴾ يختار. وقيل: يشتري بماله كتباً فيها ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (٥). وفي سبب النزول، أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخرج إلى فارس ويشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدث بها قريشاً ويقول لهم: إن محمداً يحدثكم بحديث عادٍ وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، ويَسْتَمْلِحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فنزلت فيه هذه الآية (٦). وقيل: نزلت في أبي بن خلف، حكاه القفال (٧). مجاهد: نزلت في شراء القيان والمغنيات (٨).

стр. 2092

وعن أبي أمامة (١) قال: قال رسول الله ﷺ : " لايحل تعليم المغنيات، ولا يبعهن، وأثمانهن حرام، وفي مثل هذا نزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانَين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب ولا يزالان يضربان بأرجلهما (٢) حتى يكون هو الذي يسكت " (٣). ابن عباس: ﵃ نزلت في رجل اشترى جارية تغنيه ليلاً ونهارًا (٤). وتقديره: يشتري ذات لهو. الحسن: هو كل ما يُلْهِي عن الله وعن دينه (٥). ابن جريج: هو الطبل (٦). قتادة: كل لهو ولعب (٧). عطاء: هو الترهات البسابس (٨).

стр. 2093

قال أبو القاسم الكعبي (١) في تفسيره: " رخّص جماعة من فقهاء المدينة في السماع إذا لم يكن فُحشاً ولا كذباً"، قال: "ورَخّص قومٌ في ضرب العود، وكره ذلك أهل العراق وأكثر علماء أهل الأمصار (٢) ". وقيل: اللهو: الشرك، والحديث: الخبر عن حوادث الزمن (٣).

стр. 2094

وأصل اللهو: الأخذ فيما يصرف الهَمَّ من غير الحق. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فاعل ﴿لِيُضِلَّ﴾ هو المشتري، ويجوز أن يكون هو اللهو (١)، ومن فتح الياء فهو المشتري لا غير (٢). ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الله. وقيل: قراءة القرآن واستماعه (٣). ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جهلاً منه. وقيل: لم يعلم عاقبة ذلك (٤). وقيل: أي مثل هذا لا يسمى عالماً (٥). وقيل: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ صفة للمُضَلِّ لا للمُضِلّ أي: ليَضِلَّ تقليداً وتوهمًا أنه على علم، حكاه القفال (٦). ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ أي: السبيل. ﴿هُزُوًا﴾ سخرية يسخر منها وممن اعتقدها. النصب بالعطف على ﴿لِيُضِلَّ﴾، والرفع بالعطف على ﴿يَشْتَرِي﴾ (٧). ﴿أُولَئِكَ﴾ أي (٨): الموصوفون بهذه الصفة. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ يخزيهم على رؤوس الأشهاد (٩). ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا﴾ القرآن.

стр. 2095

﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أعرض عن تدبرها متكبراً، رافعًا نفسه عن طاعة الرسول ﷺ والإصغاء إلى القرآن. ﴿كأن لم يسمعها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ حالان من الضمير في ﴿وَلَّى﴾ أي: أعرض إعراض من لم يسمعها كإعراض من في أذنيه (١) وقر صممٌ لا يقرع مسامعه صوت. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ولم يشتروا لهو الحديث. ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ﴾ أي: وعد ذلك وعد الله. ﴿حَقًّا﴾ حال الوعد (٢). ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ الباء للحال و (العُمُد) (٣): جمع عماد. ﴿تَرَوْنَهَا﴾ الهاء يعود إلى السماء أي: أنتم ترونها كذلك بغير عمد. وقيل: الضمير يعود إلى العمد، أي: بغير عمد مرئية (٤)، وتلك العمد قدرة الله، وقد سبق (٥). ثم رجع من الغيبة إلى الخطاب ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جبالاً. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ كراهة أن تميد.

стр. 2096

وقيل: لئلا تميد بكم، ومعنى " مَادَ ": مَالَ، ومادهم مال عليهم بالعطاء، ومنه المائدة (١). ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ ونشر في الأرض من كل دابة من أنواع الدواب بالناسِ الحاجةُ إليها في مطاعمهم، ومراكبهم، ومنافعهم إذ لا تخلوا دابة من صفة وخاصية (٢). ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ صنف. ﴿كَرِيمٍ (١٠)﴾ حسن البنية، مُونِق المنظر (٣). وقيل: كريم يكرم على العباد لحاجتهم إليه (٤). ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقُه. ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: أروني ماذا خلقه الأوثان (٥)، و ﴿مَاذَا﴾ منصوب بـ ﴿خَلَقَ﴾، والجملة الفعلية قامت مقام المفعولين، وإن شئت قُلت (مَا) رفع بالابتداء و (ذا) خبرُه، والفِعْل صلتُه، والتقْدير: خلقَه، والجملة الاسميّة قامَت مقام المَفعُولين. ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ خطأ وجهل. ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ﴾ هو: لقمان بن باعُور، وكان حكيماً ولم يكن نبياً. عكرَمة، والشعبي (٦) قالا: كان نبيًّاً (٧).

стр. 2097

وقيل: كان عبداً صالحاً. وعن سعيد بن المسيب قال: كان خياطًا (١). وعن خالد الربعيّ (٢) قال: كان عبداً حَبشيّا، نجارًا (٣). وفي معاني الزجّاج: نجاداً بالدّال (٤). وَقِيل: كَانَ رَاعياً (٥). مُجَاهد: كان لقمان عبداً أسود، عظيم الشفتين، متشقق القدمين (٦). الفرّاء: كان حَبَشيّاً، مَجدوع الأنف ذا مَشْفَر (٧). وقيل: كان نُوبِياً (٨).

стр. 2098

وقيل: كان تلمّذ لألف نبيّ، وتلمّذ له ألفُ نَبيّ. (١) ﴿الْحِكْمَةَ﴾ العقل، والعِلمَ، والعَمل به، والإصابة في الأمور، وكانت الحكمة تجري على لسانه. وفي التفسير: فأخبر بذلك مولاه، فأراد أن يجربه فدعاه، فقال: اذبح شاة وأتني بأطيبب مضغتين منها. فذبح شاة وأتاه بالقلب واللسان. ثم قال: له اذبح شاة وأتنى بأخبث مضغتين منها (٢)، فذبح شاة وأتاه بالقلب واللسان. فسأله عن ذلك فقال: إنهما أطيب شيء إذا طابا، وأخبث شيء إذا خبثا (٣). وذكر الزجاج أن إنساناً وقف عليه وهو في مجلسه فقال: ألست الذي كنت ترعى معي في مكان كذا وكذا؟ قال: بلى. فقال: ما بلغ بك ما أري؟ فقال: صدق الحديث، والصَّمتُ عما لايعنيني (٤).

стр. 2099

وفي بعض التفاسير قال له داود يوماً: كيفَ أصبَحت؟ فقال: أصبحتُ في يدي غيري. فتفكر داود فيه فَصَعِقَ صَعقةً (١). وفي الحكم المرويَّة عنه كثرة، وأبلغها ما حكى الله عنه في القرآن. ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ الزجاج: لأن تشكر لله (٢)، قال: "ويجور أن يكون ﴿أَنِ﴾ المفسرة، فيكون المعنى (٣) أي: اشكر لله، وتقديره (٤): قلنا له اشكر لله (٥). وقيل: بدل من الحكمة. ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن الشاكر يستحق المزيد من قوله ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] أي: تعود منفعة شكره إليه (٦). ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر لم يضر الله فإنه غني عن العباد وشكرهم. ﴿حَمِيدٌ (١٢)﴾ محمود في صُنعه. وقيل: مُستحمد إلى خَلقه بالإنعام عليْهم (٧). ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ﴾ قال الزجاج: " مَوضع ﴿وَإِذْ﴾ (٨) نصب بقوله ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان ١٢] لأن هذه الموعظة حكمة (٩) ". وقيل: واذكر إذ قال لقمان لابنه، واسمُه: أَنْعَمَ (١٠). وقيل: مِشْكَم (١١).

стр. 2100

وقيل: مَاثَان (١). ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ﴾ تصغير تقريب. ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: مع الله. ﴿إِن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ أي: وضع العبادة غير موضعها، ولا ذنب أعظم مِنه. قيل: كان ابنه كافرًا فأسلم (٢). وعن بعض القُرّاء الوَقف على قوله (٣): ﴿لَا تُشْرِكْ﴾ والابتداء باليمين، وليس بالبعيد. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁، وقد سبق في العنكبُوت (٤).

стр. 2101

وفَصَلَ اللهُ به بين حكاية وَصية لُقْمَان لابنه لأن كلام لُقمان في هذا المَعْنى (١). وَقيل: تقديره: إن الشرك لظلم عظيم، ونحن قد وَصّيْنَا الإنسان بوالديه حُسْنًا، وأمرناه أن لا يطيعهما في الشرك. وجاء في كلام لُقْمان أنَّهُ قال لابنه: " إنَّ الله رَضيَني لك فلم يوصِني بِكَ ولم يرضك لي فوصاك بي". ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ضَعْفًا على ضَعْف. وقيل: شدةً على شدة (٢). وقيل: جهدًا على جهد (٣). وقيل: وهنًا على وهن على حسب زيادته في بطنها، وثقله عليها (٤). وفي الوهن ثلاث لغات: وَهَنَ يَهِنُ مثل: وَعَدَ يَعِدُ، ووَهِنَ يَوْهَنُ مثل: وَجِلَ يَوْجَلُ، ووَهِنَ يَهِنُ مثل: وَرِثَ يَرِثُ. وقيل: وهنًا على وهنٍ صفة للولد أي: نطفة ثم علقة إلى آخر الخلقة (٥).

стр. 2102

وقيل: ضعف الوالدة على ضعف الولد (١). وقيل: ضعف نطفة الأب على ضعف نطفة الأم (٢). ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: فِطامه بعد الولادة في انقضاء حولين وذلك مما يزيدها ضَعفاً. ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ليشكر لي ويشكر الوالدين، وتقديره: وصينا بأن اشكر فحذف الجار. المبرد: محله جر بالبدل من والديه بدل الاشتمال (٣). وقيل: وقلنا له أن اشكر لي ولوالديك (٤). ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ مصيرك إليّ وحسابك عليّ. ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: أطِعْهما فيما يأمرانك به كله وإن حملاك على أن تجعل لي شريكاً لم يحصل لك العلم بأنه لي شريك، لأن ذلك مستحيل لا يكون فلا تطعهما على ذلك. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ أي: أحسِن مصاحبتهما، و ﴿مَعْرُوفًا﴾ صفة مصدر محذوف أي: مصاحبة أو صحاباً معروفا يستحسن. وقيل: وصاحبهما في أمور الدنيا بالمعروف لمثلهما (٥)، وقال ﷺ " رضى الله في رضى الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين " (٦).

стр. 2103

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في أبي بكر ﵁ وذلك أنه حين أسلم أتاه عبدالرحمن بن عوف (١)، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد (٢)، وعثمان، وطلحة (٣)، والزبير (٤) فقالوا لأبي بكر: آمنت وصدقت محمدًا؟ فقال: نعم. فأتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فأنزل الله يقول لسعد ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يعني: أبا بكر ﵁ (٥).

стр. 2104

وقيل: اتبع محمدًا ﷺ (١). ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ بعد الموت ويحتمل أن الكلام تم على قوله ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ كقوله ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] ثم ابتدأ فقال على وجه التهديد ﴿إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ بالموت ثم إلي مرجعكم بالبعث. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ أجازيكم عليه. وقيل: أنبئكم ذلك في كتاب الحفظة (٢). ثم عاد إلى عظة لقمان ابنه فقال ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ﴾ إن القصة والأمر والشأن وذلك فيمن رفع ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾، ومن نصب جعلها كناية عن الخَصلة أو الفعلة (٣). وقيل: عن السيئة (٤). ومثقال الشيء: ما يساويه في الوزن، وكثر في الكلام فصار عبارة عن مقدار الدينار، وأنثه من رفعه (٥) لاضافته إلى مؤنث، وقد سبق (٦). ﴿مِنْ خَرْدَلٍ﴾ هو: الحب المعروف يضرب به المثل في الصغر (٧). ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ في أخفى موضع وأشده. ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ في أجواف السموات. ﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أجوافها.

стр. 2105

﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ يُحْضِرها الله فيجازي عليها، وأكثر المفسرين على أنها الصخرة التي عليها الأرض وهي التي تسمى السِّجين، وليست من الأرض (١). وقيل: المراد بها الجبل، والمراد بالأرض: المهاد منها، كقوله ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٦] (٢). وذُكر أن آخر ما قال لابنه ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ ثم تَفَطَّر من هيبة هذه الموعظة فمات، وكان آخر كلامه. وقيل: المراد بها الرزق، أي: إن كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء بها الله حتى يخرجها ويسوقها إلى من هي رزق له (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراج ذلك. ﴿خَبِيرٌ (١٦)﴾ عالم بمكانه. ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ حافظ عليها لمواقيتها وما شُرع فيها. ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما رأيْتَه من معروف حَسَنٍ في العقول قد تُرِك فأمر به. ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وما رأيته من شيء تُنكره أن يُؤتى (٤) فانْهَ عنه وامْنَع منه.
следующие страницы →