← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وفَصَلَ اللهُ به بين حكاية وَصية لُقْمَان لابنه لأن كلام لُقمان في هذا المَعْنى (١). وَقيل: تقديره: إن الشرك لظلم عظيم، ونحن قد وَصّيْنَا الإنسان بوالديه حُسْنًا، وأمرناه أن لا يطيعهما في الشرك. وجاء في كلام لُقْمان أنَّهُ قال لابنه: " إنَّ الله رَضيَني لك فلم يوصِني بِكَ ولم يرضك لي فوصاك بي". ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ضَعْفًا على ضَعْف. وقيل: شدةً على شدة (٢). وقيل: جهدًا على جهد (٣). وقيل: وهنًا على وهن على حسب زيادته في بطنها، وثقله عليها (٤). وفي الوهن ثلاث لغات: وَهَنَ يَهِنُ مثل: وَعَدَ يَعِدُ، ووَهِنَ يَوْهَنُ مثل: وَجِلَ يَوْجَلُ، ووَهِنَ يَهِنُ مثل: وَرِثَ يَرِثُ. وقيل: وهنًا على وهنٍ صفة للولد أي: نطفة ثم علقة إلى آخر الخلقة (٥).

стр. 2102

وقيل: ضعف الوالدة على ضعف الولد (١). وقيل: ضعف نطفة الأب على ضعف نطفة الأم (٢). ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: فِطامه بعد الولادة في انقضاء حولين وذلك مما يزيدها ضَعفاً. ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ليشكر لي ويشكر الوالدين، وتقديره: وصينا بأن اشكر فحذف الجار. المبرد: محله جر بالبدل من والديه بدل الاشتمال (٣). وقيل: وقلنا له أن اشكر لي ولوالديك (٤). ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ مصيرك إليّ وحسابك عليّ. ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: أطِعْهما فيما يأمرانك به كله وإن حملاك على أن تجعل لي شريكاً لم يحصل لك العلم بأنه لي شريك، لأن ذلك مستحيل لا يكون فلا تطعهما على ذلك. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ أي: أحسِن مصاحبتهما، و ﴿مَعْرُوفًا﴾ صفة مصدر محذوف أي: مصاحبة أو صحاباً معروفا يستحسن. وقيل: وصاحبهما في أمور الدنيا بالمعروف لمثلهما (٥)، وقال ﷺ " رضى الله في رضى الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين " (٦).

стр. 2103

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في أبي بكر ﵁ وذلك أنه حين أسلم أتاه عبدالرحمن بن عوف (١)، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد (٢)، وعثمان، وطلحة (٣)، والزبير (٤) فقالوا لأبي بكر: آمنت وصدقت محمدًا؟ فقال: نعم. فأتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فأنزل الله يقول لسعد ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يعني: أبا بكر ﵁ (٥).

стр. 2104

وقيل: اتبع محمدًا ﷺ (١). ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ بعد الموت ويحتمل أن الكلام تم على قوله ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ كقوله ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] ثم ابتدأ فقال على وجه التهديد ﴿إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ بالموت ثم إلي مرجعكم بالبعث. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ أجازيكم عليه. وقيل: أنبئكم ذلك في كتاب الحفظة (٢). ثم عاد إلى عظة لقمان ابنه فقال ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ﴾ إن القصة والأمر والشأن وذلك فيمن رفع ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾، ومن نصب جعلها كناية عن الخَصلة أو الفعلة (٣). وقيل: عن السيئة (٤). ومثقال الشيء: ما يساويه في الوزن، وكثر في الكلام فصار عبارة عن مقدار الدينار، وأنثه من رفعه (٥) لاضافته إلى مؤنث، وقد سبق (٦). ﴿مِنْ خَرْدَلٍ﴾ هو: الحب المعروف يضرب به المثل في الصغر (٧). ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ في أخفى موضع وأشده. ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ في أجواف السموات. ﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أجوافها.

стр. 2105

﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ يُحْضِرها الله فيجازي عليها، وأكثر المفسرين على أنها الصخرة التي عليها الأرض وهي التي تسمى السِّجين، وليست من الأرض (١). وقيل: المراد بها الجبل، والمراد بالأرض: المهاد منها، كقوله ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٦] (٢). وذُكر أن آخر ما قال لابنه ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ ثم تَفَطَّر من هيبة هذه الموعظة فمات، وكان آخر كلامه. وقيل: المراد بها الرزق، أي: إن كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء بها الله حتى يخرجها ويسوقها إلى من هي رزق له (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراج ذلك. ﴿خَبِيرٌ (١٦)﴾ عالم بمكانه. ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ حافظ عليها لمواقيتها وما شُرع فيها. ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما رأيْتَه من معروف حَسَنٍ في العقول قد تُرِك فأمر به. ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وما رأيته من شيء تُنكره أن يُؤتى (٤) فانْهَ عنه وامْنَع منه.

стр. 2106

﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ في ذات الله إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر. وقيل: واصبر على ما أصابك من شدائد الدنيا من الأمراض، والفقر، والهم، والغم (١). ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: الصبر. وقيل: إن ذلك الذي أوصيتك به (٢). ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ مما عزم الله على عباده أي: أمرهم به أمرًا حتمًا. والعزم: تَوْطِين النفس على الفعل. وقيل: عَزْمُ الأمور: ضبط الأمور وإصلاحها (٣). المؤرج: العزم الحزم بلغة هذيل (٤). المبرد: الحزم: العزم قُلِب العين حاء (٥)، وهذا بعيد لأن كل واحد منهما أصل برأسه مطَّرد في جميع أحواله، والحزم: الحذر. والعزم، الثبات، وقد سبق ذكره (٦). ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تَعْرِض بوجهك عمن يُقْبِلُ عليك استخافاً به، والصَّعَرُ: الميل في العنق، وصَعَّر، وصَاعَر لغتان كضَعَّفَ وضَاعَف (٧).

стр. 2107

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ خيلاءً وكبرًا، مصدر وقع موقع الحال. وقيل: مرحًا أي: في معصية (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ متكبر. وقيل: مَنّان (٢). والاختيال: أن يرى لنفسه طولاً على غيره فيشمخ بأنفه. ﴿فَخُورٍ (١٨)﴾ يعدد مناقبه تطاولاً. ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ القصد: التوسط بين الغلو والتقصير، قال الشاعر (٣): . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كلا طَرَفَيْ قصد الأمور ذميم. المؤرج: معنى ﴿وَاقْصِدْ﴾: أسرع بلغة هذيل (٤). وعن ابن مسعود ﵄ قال: "كانوا ينهون عن خَبَبَ اليهود ودبيب النصارى ولكن مشيًا بين ذلك " (٥). وعن النبي ﷺ " سرعة المشي يذهب بهاء المؤمن " (٦). وقيل: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ انظر في مشيك موضع قدمك (٧).

стр. 2108

﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ انقص منه، والغَض: النقصان، وقد سبق (١). ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ أقبحها. وقيل: أثقلها على السمع عند الناس (٢). عكرمة: ﴿أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾: شر الأصوات (٣). الحسن: أشد الأصوات (٤). وقيل: أبعد الأصوات، لأن أوله زفير وآخره شهيق (٥). وعن سُفيان: صياح كل شيء تسبيحه إلا الحمار فإنه يصيح لرؤية الشيطان (٦). ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ قيل: الصوت في معنى الجمع لأنه مصدر. وقيل: بل الحمير في معنى الواحد لأنه، أتم للجمع (٧). وقيل: أراد بذكر الحمير التزهيد في رفع الصوت على الناس، كما تقول: الشَّره من فعل الكلاب (٨). وقيل: لا يمتنع أن يكون في الأصوات ما هو أنكر من صوت الحمار فيصير تقدير الآية: إن من أنكرالأصوات لصوت الحمير، فحذف (من) فارتفع الصوت.

стр. 2109

وروي عن النبي ﷺ " إن الله يبغض ثلاث أصوات: نهقة الحمير، ونُباح الكلب، والداعية بالحَرب" (١) يعني النائحة. وقيل: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ هي: العطسة المنكرة، حكاه اقضى القضاة الماوردي (٢)، ولا أرى له وجهاً، ولعل هذا القائل جعل الحمير فعيلا من قولهم: طعنة حمراء أي: شديدة، ومن قولهم: حمّارة القيظ (٣): شدته. والحمار سمي حِمارًا لشدته ثم لا تخصيص له بالعطسة دون غيرها من الأصوات. ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مكنكم من الانتفاع بما في السماء من الشمس، والقمر، والنجوم، وما في الأرض من الجبال، والبحار، والنبات، والأشجار، والدواب، والريح، والسحاب. وقيل: معنى (سخرها): ذللها (٤). وقيل: سهلها (٥)، والوجه هو الأول. ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ تمم حتى فضل. قرئ: (نِعْمَةً) (٦). ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ والمراد بها الإسلام عن ابن عباس ﵃ (٧).

стр. 2110

أي: ظاهرة على اللسان وباطنة على الجوارح بالطاعة (١). وقيل: في القلوب بالاعتقاد والنية (٢)، ويجوز أن يكون واحدة في اللفظ جمعًا في المعنى كقوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وقرئ (نِعَمَه) بالجمع لأن نعم الله لا تحصى كثرة. ومعنى ﴿ظَاهِرَةً﴾ يراها الناس من الجاه، والمال، والخدم، والأولاد (٣). ﴿وَبَاطِنَةً﴾ الخلق، والعلم، والقوة، وسائر ما يعلمه العبد من نفسه (٤). وقيل ﴿ظَاهِرَةً﴾ ما يعلم العبد من نفسه، ﴿وَبَاطِنَةً﴾ ما يعلمه الله ولا يعلم العبد (٥). والهاء في ﴿نِعَمَهُ﴾ يعود إلى الله. وقيل: إلي ما في السموات. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نزلت في النصر بن الحارث (٦). وقيل: في يهودي خاصم النبي ﷺ فأخذته صاعقة فأهلكته (٧). أي: ومع هذه النعم منهم من يجادل في توحيد الله ويميل إلى الشرك والتعطيل (٨) بغير علم وعقل. ﴿وَلَا هُدًى﴾ سنة نبي.

стр. 2111

﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ أنزله الله بل تقليداً وإلفاً، وهو قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ بوسوسته وتخييله وجوب اتباع الآباء. ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ إلى ما يؤول إليه يتَّبِعونه، استفهام إنكار وتعجيب. ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ يخلص عمله لله، و ﴿إِلَى﴾ بمعنى اللام كقوله ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]. وقيل: انقاد لأمره واستسلم. وقيل: يقصد بطاعته إلى الله (١). ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله مخلص في نيته. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ تمسك وتعلق. ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ كلمة التوحيد لا إله إلا الله. وقيل: القرآن والإسلام (٢)، و﴿بِالْعُرْوَةِ﴾: ما تعلق به الشيء. و﴿الْوُثْقَى﴾: تأنيث الأوثق، والشيء الوثيق: ما يأمن صاحبه من السقوط (٣). ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ ومصير الأمور (٤) في أواخرها إلى الله وهو المجازي عليه. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ ولم يسلم وجهه. ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فليس عليك منه تَبِعَة. ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ يوم الحساب.

стр. 2112

﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ وأُيجازيهم على أعمالهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣)﴾ بضمائر القلوب. وقيل: بما في ضميرك من الحزن على كفرهم (١). ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ نبقيهم في الدنيا يتمتعون فيها مدة أعمارهم إلى حلول آجالهم. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ شديد الآلام، كثير الأجزاء لايتاناهى. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: مع كفرهم مُقِرُّون بأن الله خالق السموات والأرض (٢). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على انقطاع حجتهم. وقيل: الحمد لله لمن خلق هذه الأشياء لا لمن لا يخلق وهم يخلقون (٣). وقيل: قل الحمد لله على العلم والهداية (٤). ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ ما في ترك عبادة الله من العقاب والعذاب الأليم. وقيل: لا يعملون بما يعلمون (٥). وقيل: هو متصل بما بعده تقديره: لا يعلمون. ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كما تقول: لا يعلم لزيد ما في الدار (٦). ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾ الغني عن إيمانهم وطاعتهم، الحميد المحمود لا ينقطع حمده بكفرهم.

стр. 2113

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ في سبب النزول؛ سألت اليهود رسول الله ﷺ وسلم عن الروح فأنزل الله بمكة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أتاه أحبار اليهود (١) وقالوا: يا محمد بلغنا عنك أنك تقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً، أفعنيتنا أم قومك؟ فقال: كُلاً قد عنيت. فقالوا: ألست تتلوا فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : وهو في علم الله قليل، وقد أتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم (٢). قالوا: يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير كثير؟ فأنزل الله ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ (٣) أي: لو بُرِيَت أشجار الأرض أقلامًا. ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ يزيد فيه. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد نفاد ما فيه. ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ سوى بحار الدنيا، لأن قوله ﴿وَالْبَحْرُ﴾ للعموم، وفيه الألف واللام للجنس، أي: فيصير الكل مدادًا، كقوله ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ [الكهف: ١٠٩].

стр. 2114

وقيل: ﴿يَمُدُّهُ﴾ يجعله مدادًا (١) أسود يُكتب به (٢). قال أبو عبيدة " البحر هاهنا: الماء العذب (٣) لأن الملح لا ينبت الأقلام " (٤). قال القفال: " قول أبي عبيدة: البحر الملح (٥) لا ينبت الأقلام يُوجب أنه جعل المعنى: والبحر يمده من بعده سبعة أبحر فأنبتت أقلامًا " (٦). قول أبي عبيدة ضعيف لأن الله سبحانه (٧) أراد التكثير والمبالغة وليس فيما ذكر أبو عبيدة كثير مبالغة، وعذر القفال عنه حَسَن كأنه جعل هذه الآية مشتملة على ذكر الأقلام فحسب، كما أنَّ ما في الكهف للمداد فحسب اكتفاء بذكر أحدهما عنِ الآخر، كما اكتفى بذكر الأقلام والمداد عن القرطاس أو ما يكتب عليه أو عن الكَتَبة، لأن تقدير الآية: لو جعلت الأشجار أقلامًا، والبحر بعد المداد مدادًا (٨)، والسموات والأرض قرطاسًا، والملائكة والجن والإنس كتابًا ثم كتبوا به منه عليه لنفدت هذه الأشياء واعيت الكتبة قبل أن تنفد كلمات ربي، والله أعلم. ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ واختلفوا في معنى ﴿كَلِمَاتُ﴾؛ فقيل: المراد بها: العلم، وسمي علمه كلمات لأنه لا يمكن كتابته إلا إذا كانت كلمات (٩).

стр. 2115

وقيل: معنى ﴿كَلِمَاتُ﴾ أسماء ما خلقه الله وما يخلقه في الآخرة (١) لأنها غير متناهية، والأقلام والبحار متناهية. وقيل: نعم الله على خلقه. وقيل: ما قضاه الله في اللوح المحفوظ (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ منيع في ملكه. ﴿حَكِيمٌ (٢٧)﴾ في خلقه. قرئ ﴿وَالْبَحْرُ﴾ بالرفع على الابتداء، وبالنصب على العطف وبفعل يدل عليه ما بعده (٣). ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلا كخلق نفسٍ واحدة، وبعث نفس واحدة يقول لها: كن فيكون، لا حاجة إلى آلةٍ ولا إلى استعانة. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لكلام من أنكر البعث. ﴿بَصِيرٌ (٢٨)﴾ بأحوال الأحياء والأموات. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: كل ذلك يجري إلى وقته المسمى له. ﴿وَأَن اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الذي خلق وصنع. ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ بسبب أنه هو الله حقاً. وقيل: فَعَلَ ذلك لتعلموا أن الله هو الحق (٤).

стр. 2116

﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ أي: ما تدعون من الأصنام وتسمونهم آلهة (١). وقيل: تجعلونهم آلة (٢). وقيل: تعبدونهم (٣). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على كل شيء. ﴿الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ كلُ شيءٍ دونه. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ الباء للحال أي: مُنْعِماً بها عليكم. وقيل: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: بالريح؛ لأن الريح من نعم الله (٤). ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ﴾ عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ أي (٥): للمؤمنين؛ فإن الإيمان نصفان؛ نصفٌ صَبْر، ونصف شكر. وقيل: ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ مادام فيها، ﴿صَبَّارٍ﴾ إذا خرج منها (٦). ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ علاهم فغطاهم كالجبال. وقيل: كالسحاب (٧). ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يخلصون له الدعاء والطاعة ولا يدعُون أحدًا سواه. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ خَلَّصَهم. ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ مقيم على عبادة الله (٨)، ومنهم جاحد، فحذف لقوله ﴿وَمَا يَجْحَدُ﴾ بعده.

стр. 2117

والثاني: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ جاحد، فيكون الاقتصاد على القول الأول مدحًا، وعلى القول الثاني ذماً (١). ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ﴾ غَدَّار بدينه أسوأ غدر. وقيل: جاحد (٢). ﴿كَفُورٍ (٣٢)﴾ لربه. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ خافوه واستتروا عن عقابكم بطاعتكم له. ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ وخافوا يومًا يعني: يوم القيامة. ﴿لَا يَجْزِي﴾ أي: فيه، فحذف الجار ثم حذف الهاء، والمعنى: لا يقضي، ولا يغني، ولا يحمل، وقد سبق (٣). ﴿وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ خص الوالد بالذكر لأنه أحرص الأشياء على دفع المضرة عن الولد. ﴿وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ قوله ﴿مَوْلُودٌ﴾ عطف على الوالد وهو مبتدأ. و (٤) ﴿جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ﴾ خبره، والجملة صفة لمولود (٥)، ويجوز أن يجعل ﴿عَنْ﴾ من صلة ﴿يَجْزِي﴾ و ﴿هُوَ جَازٍ﴾ صفته أي: في الدنيا. ﴿إِن وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: الساعة. وقيل: ما وَعَدَ من الثواب والعقاب (٦).

стр. 2118

﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: زينتُها وغَضَارَتُها (١). وقيل: آمالها. وقيل: لا تشغلنكم عن طاعة الله (٢). ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ الشيطان الذي يدعوكم إلى معصية الله بأن يرجيكم التوبة والمغفرة والمغني لا يغفلنكم عن طاعة الله تقول ما غرك به (٣) وما أغفلك عنه بمعنى ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. في سبب النزول أنها نزلت في الوارث بن عمرو حارثة بن محارب من أهل البادية أتى النبي ﷺ فسأله عن الساعة ووقتها وقال: " إن أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث؟ ، وتركت إمرأتي حبلى فماذا؟ ، تلد وقد علمت أين ولدت فبأي ارض أموت؟ " فأنزل الله هذه الآية (٤).

стр. 2119

وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لايعلم متى تقوم الساعة إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام، إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا تعلم نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله" (١). قوله ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي علم قيام الساعة. ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ أي: ويعلم متى ينزل الغيث، فظاهر القرآن يدل على أن الله ينزل الغيث وليس فيه تعرض لعلم وقت نزول الغيث إلا أن يضمران فيصر التقدير: علم الساعة وإنزال الغيث، وكذلك قوله ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ يضمران فيصر التقدير: وعلم ما في الأرحام من الذكورة والأنوثة. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ ما تعمل في المستقبل من خير أو شر، إن جعلت ﴿مَاذَا﴾ في حكم كلمة واحدة فمحله نصب بـ ﴿تَكْسِبُ﴾، وإن جعلت كلمتين فـ (ما) رفع بالابتداء، و (ذا) خبره، والفعل صلته والضمير مقدر. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ في حضر أو سفر براً وبحر. وقيل: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ من قَدَم إلى قَدَم، لأن كل قَدَمٍ تقع على أرض غير الأولى في المشي (٢). وقيل: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾ بأي قَدَم، والأرض القدم. وقيل: في أي خطوة (٣). وقيل: بأي قدم من الشقاوة أو السعادة، حكاه النقاش (٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بهذه الأشياء. ﴿خَبِيرٌ﴾ بها فمن ادعى علم شيء من هذه الخمسة فهو كافر بالله سبحانه.

стр. 2120

سورة السَّجْدَة

стр. 2121

سورة ألم السجدة، ثلاثون آية (١)، مكية (٢)، ويقال لها " تنزيل السجدة" (٣)، ويقال لها "سورة الجرز" (٤). مكية إلا خمس آيات من قوله ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ (١٦)﴾ (٥). الكلبي، ومقاتل: إلا ثلاث آيات من قوله ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا (١٨)﴾ (٦). ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الم (١)﴾ سبق. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ تقديره: تنزيل الكتاب من رب العالمين، لا كما يزعم الكفار أنه من تَقَوُّلِ محمد. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه أن الأمر كذلك (٧).

стр. 2122

وقيل: نفي في معنى النهي أي: لا ترتابوا فيه (١). وقيل معنى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ (٢)﴾ لا كهانة، ولا سحر، ولا شعر فيه (٢). ﴿أَمْ يَقُولُونَ (٣)﴾ بل يقولون. ﴿افْتَرَاهُ﴾ اختلقه محمد، فيكون ﴿أَمْ﴾ هي المنقطعة. وقيل: هي المتصلة، وتقديره: أيصدقون أنه تنزيل من الله أم يقولون افتراه (٣). وقيل: ﴿أَمْ﴾ بمعنى الواو (٤). ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ﴾ بل رد لقولهم ﴿افْتَرَاهُ﴾، أي: ليس كما زعموا، و ﴿هُوَ﴾ ضمير القرآن (٥). وقيل: ضمير الكتاب أي: هو الحق (٦). ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ لم يفتره محمد. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: أهل الفترة من العرب. و﴿مَا﴾ للنفي أي: لم يأتهم منذر. و﴿قَبْلِكَ﴾ كقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤]، والمعنى: لتنذر قومك من العذاب. وقيل: ﴿مَا﴾ بمعنى: الذي، وهو بدل من القوم، فيكون المعنى: أُنذر آباؤهم ولم ينذر هؤلاء فهم غافلون، والوجه هو الأول (٧). ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ إلى الرشاد بإنذارك ويرتدعون عن كفرهم. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (٤)﴾ سبق. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ سوى الله. ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولى أمركم ويقوم بمصالحكم.

стр. 2123

﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾ إن وافيتموه كافرين. وقيل: ولا شفيع مما زعمتم أنها لكم شفعاء (١). ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أفلا تتعظون بمواعظ الله. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أقام لذلك مدبرات كقوله ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وهم: الملائكة في الأصح. وقيل: معنى ﴿يُدَبِّرُ﴾ يُوحي (٢). وقيل: يقضي (٣). أي: يقضي ما يريد أن يقضيه في السماء، فيكون ﴿مِنَ﴾ بمعنى: في، فينزل به المَلَكُ إلى الأرض، فيفعل ما أُمر، ثم يَصْعدُ إلى مكانه مسيرة خمسمائة سنة نزولاً وخمسمائة صعوداً، وهو قوله ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ أي: من أيام الدنيا. وقيل: مقداره ألف سنة لو صعد فيها غير المَلَك. قيل: الهاء في ﴿إِلَيْهِ﴾ يرجع إلى الله سبحانه أي: حيث أَمر الله، كقول إبراهيم ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] (٤). وقيل: يرجع إلى السماء، وجاز لأن تأنيثها غير حقيقي. وقيل: يدبر الله الأمر فيظهر في اللوح المحفوظ، فينزل به المَلَكُ، ثم يعرج إليه في ذلك اليوم (٥). وقيل: يقضي قضاء ألف سنة، فينزل به المَلَك، ثم يعرج لألفٍ آخر إذا مضى الألف (٦).

стр. 2124

وقيل: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يعود إلى قوله ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: مقدار كل يوم ألف سنة (١). وقيل: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ ظرف لقوله ﴿يُدَبِّرُ﴾ (٢). وقيل: هاهنا زيادة، ويحتمل أن يكون بمعنى المستقبل كأكثر ألفاظ القيامة (٣). وقيل: كان مقدار العروج (٤). وقيل: ﴿يَعْرُجُ﴾ بمعنى: ينزل (٥). وقيل: ﴿يَعْرُجُ﴾ بمعنى: يرجع، وتقديره: يدبر أمر الدنيا من أولها إلى آخرها ثم يموتون ثم يبعثون ثم يرجع الأمر إليه (٦). وقيل: قوله ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ كقول القائل: فلان يملك من المشرق إلى المغرب (٧). قال صاحب النظم: " ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يعنى: الشمس، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ طلوعاً، ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ غروباً، ثم ترجع إلى موضعها من حيث طلعت. قال: ومعنى ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ للسائر المجد، لأن مسيرها من المشرق إلى المغرب خمسمائة سنة، ومثله من المغرب إلى المشرق " (٨). وقوله في الآخرى ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] يأتي في موضعه إن شاء الله.

стр. 2125

وذهب بعض المفسرين إلى أن هذا يجوز أن يكون كعادة العرب في وصف اليوم المكروه بالطول واليوم المحبوب بالقِصَر (١). ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ العلانية. وقيل: الغيب: الآخرة، والشهادة: الدنيا (٢). وقيل: الغيب: ما غاب عن الخلق، والشهادة: ما ظهر لهم (٣). وقيل: الغيب: ما سيوجد، والشهادة: الموجود (٤). والغيب: خفاء الشيء عن الإدراك، والشهادة: ظهوره للإدراك. ﴿الْعَزِيزُ﴾ على أعدائه. ﴿الرَّحِيمُ﴾ على أوليائه. ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ من سَكَّنَه فله وجوه (٥): أحدها: أنه بدل من كل شيء، فيكون المعنى: الذي أحسن خلق كل شيء. وقيل: معناه: أَتْقَن (٦). وقيل: عَلِمَ، من قول العرب: هو يحسن هذا أي: يعلم (٧).

стр. 2126

وقيل: ﴿أَحْسَنَ﴾ بمعنى: أعطى، فيصير تقديره: أعطى كل شيء حاجته (١) ثم هدى، وقد سبق في طه (٢). وقيل: ﴿خَلَقَهُ﴾ نصب على المصدر أي: خلق كل شيء خلقاً (٣). ومن قرأ: ﴿خَلَقَهُ﴾ بالفتح، فالتقدير: جميع مخلوق الله حَسَنٌ متقن (٤). ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ آدم. ﴿مِنْ طِينٍ﴾ من تراب مُبْتَلٍ بالماء. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أولاد آدم. ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ من نطفة منتزعة كالفظالة. ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هو: المَنِي، وهو بدل من السلالة (٥). وقيل: معناه: سُلالة سُلّت من جملة ماء (٦). ﴿مَهِينٍ﴾ ممتهن، محتقر، فعيل بمعنى مفعول. ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني الإنسان. وقيل: النسل، أي: خلقه معتدلاً في الشكل. وقيل: معتدلاً في الطبع (٧). ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ الروح: ما يمتاز به الحي من الميت، والإضافة للتشريف كبيت الله، وناقة الله. وقيل: ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾ أي: ريحه الذي يحيى بها الإنسان (٨). ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لتسمعوا، وتبصروا، وتعقلوا، وتعلموا.

стр. 2127

﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون قليلاً، وقد سبق. ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ بَلِينا وهلكت أجسادنا فيها، وصارت تراباً، وذهبنا عن أعين الناس كما يضل الماء في اللبن. ﴿أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ نُحي كما كنا قبل موتنا أي: هذا عَجَبٌ منكر. وقيل: ﴿ضَلَلْنَا﴾ خمدنا فلم يوجد لنا لحم ولا عظم، قاله أبو عبيدة (١). وقرئ بالصاد، والمعنى: أنتنا (٢). ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ بالبعث والنشور. ﴿كَافِرُونَ﴾ جاحدون. وقيل: بسبب إنكارهم البعث كافرون (٣). ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ يحصي آجالكم، ويقبض أرواحكم، وهو من تَوْفِية العدد، أي: يقبض أرواح الكل فلا ينقص أحداً منكم. وقيل: من الوفاء (٤)، ولا منفاة بين قوله ﴿تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧]، و﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١]، و ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢]،

стр. 2128

و ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] لأن الملائكة رسل الله، وهم هاهنا أعوان ملك الموت، وملك الموت يقبض بأمر الله، والدنيا بين يدي ملك الموت كالطبق يختار منها ما علم أنه قد استوفى أجله. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ للثواب والعقاب. ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يامحمد. ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ حياءً وذلاً، أي: ينكسون رؤوسهم من الخزي. ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون ربنا. ﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي: زالت الآن الشكوك في البعث والنشور فتيقنا. وقيل: أبصرنا وسمعنا ما كنا لا نصدق به (١). وقيل: ربنا لك الحجة علينا فقد أبصرنا رسلك وسمعنا كلامهم (٢). ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ لكنا نسأل الرجعة فارجعنا إلى الدنيا. ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ أي: نعمل على طاعتك. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ الآن. وجواب ﴿وَلَوْ﴾ محذوف تقديره: لرأيت أمراً عظيماً. ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ما يهتدون به إلى النجاة. وقيل: لأكرهناهم على الإيمان (٣). وقيل: ﴿هُدَاهَا﴾ الرجعة التي سألوها (٤). وقيل: ﴿هُدَاهَا﴾ طريق الجنة (٥). ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ سبق وعيدي. ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من كَفَرِة الجن والإنس، ويجوز أن يكون ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ تفسير القول.

стр. 2129

قال الحسن: "لو آمن إلا واحد لملأها الله من ذلك الواحد" (١). ﴿فَذُوقُوا﴾ أي: العذاب. ﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: تركتم الإيمان به. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ تركناكم فيها فلم ننظر إليكم. وقيل: جازيناكم على نسيانكم (٢). ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ الدائم. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر وتكذيب الرسل. ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ وعظوا بها. ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ خوفاً من عذاب الله ولقائه. وقيل: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ دعوا إلى الصلوات الخمس بالأذان أجابوا (٣). ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ نزهوا الله ويثنون عليه بما يحمدونه، فالباء للسبب. وقيل: حامدين، والباء للحال (٤). وقيل: إذا سجدوا قالوا سبحان الله وبحمده (٥). ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان به والسجود له (٦) ولا يأنفون. ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ في سبب النزول، قال مالك بن دينار (٧):

стр. 2130

سألت أنس بن مالك ﵁ عن هذه الآية فيمن نزلت فقال: "كان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ يُصَلُّون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فأنزل الله فيهم هذه الآية" (١). الحسن، ومجاهد: نزلت في المتهجدين (٢). وقيل: فيمن صلى العشاء الآخرة وصلاة الصبح في الجماعة (٣). ومعنى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾: ترتفع أضلاعهم. ﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الفرش، ومواضع النوم. والمضجع: موضع النوم. وقيل: عن النوم، والمضجع النوم أيضاً، تقول إذا وضع جنبه: ضجع ضَجعاً وضُجوعاً (٤). والتجافي: التنحي إلى جهة الارتفاع (٥). وقيل: تتجافى جنوبهم لذكر الله بالدعاء، وهو قوله ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ للخوف وللطمع (٦)، فهو مفعول له (٧). وقيل: حال أي: خائفين طامعين كقوله ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠].

стр. 2131

وقيل: مصدر أي: يخافون خوفاً ويطمعون طمعاً (١). ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يتصدقون، وقيل: يزكون (٢). وقيل: ينفقون على عيالهم (٣). ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ يريد من الذين تتجافى جنوبهم. وقيل: من المجاهدين (٤). ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ أي: لا يعلم أحد ما يعطي الله عباده المؤمنين مما تقر به عيونهم من السرور والنعيم، لأنه لا نهاية ولا انقطاع، ومثله قوله ﷺ حكاية عن الله سبحانه " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كله ما أطلعتهم عليه، ثم قال: اقرأوا إن شئتم ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ " (٥). وفي بعض التفاسير ذكر بيان شيئ مما أعد لهم (٦)،

стр. 2132

وذلك بعيد لأن الله تعالى يقول ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾، والنبي ﷺ يقول " ولا خطر على قلب بشر". ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: للجزاء على أعمالهم في الدنيا. قوله ﴿مَا أُخْفِيَ﴾ بمعنى: أي شيئ، ومحله رفع بالابتداء فيمن قرأ (أُخْفيَ) بفتح الياء، ونصب فيمن قرأ (أخفي) بسكون الياء (١). و﴿تَعْلَمُ﴾ متعَلق (٢)، وقيل ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، فيكون العلم بمعنى المعرفة، أو يكون المفعول الثاني مقدراً، والوجه هو الأول. ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ قال: "قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط (٣) لعلي بن أبي طالب ﵁ " أنا أحَدُّ منك سِناناً، وأبسط منك لِساناً، وأملأ منك للكتيبة "، (٤) فقال له علي ﵁ " أسكت فإنما أنت فاسق "، فنزلت ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ يعنى: علياً ﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ يعنى: الوليد بن عقبة " (٥).

стр. 2133

ثم قال ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ لا في الدنيا ولا في الآخرة (١). وجمع لاطراد الحكم فيه، ولأنه مصمود بهما، ودخل ﴿كَانَ﴾ لأنه حال القيامة، أي: أفمن كان بهذه الصفة في الدنيا. ﴿أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ يأوون إليها في الآخرة، ولا ينتقلون عنها. ﴿نُزُلًا﴾ منزلاً. الحسن، وعطاء: هو مايعد للنازل (٢). ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قال الحسن: " يرفعهم لهب جهنم حتى يصيروا في أعلاها وكاد تقذفهم، فيضربهم الزبانية فيرجعوا في أسفلها " (٣). قال القفال: " ليس أنهم يقصدون ولا يطمعون ولكن هو كما تقول: كلما أراد الحائط أن يقع دعمته" (٤). ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ وتقولون لا جنة ولا نار. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ أي: قبل العذاب الأكبر، والعذاب الأدنى: قيل: القتل والسبي (٥). وقيل: الجدب والقحط (٦).

стр. 2134

وقيل: المصائب والأمراض (١). وقيل: الحدود (٢). وقيل: عذاب القبر (٣)، وهو ضعيف في هذه الآية لقوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فإن الرجوع بعد الموت إلى الإيمان غير مقبول. وقيل: العذاب الأدنى غلاء الأسعار، والعذاب الأكبر خروج المهدي بالسيف، حكاه النقاش وغيره (٤). الحسن: ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ الشدائد. ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ الاستئصال (٥)، فإنه لا يكون في هذه الأمة (٦). ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لعل من بقي ولم يُقْتَل ﴿يَرْجِعُونَ﴾، وقيل: لعل المعذبين بالعذاب الأدنى سوى القتل يرجعون فيتوبون.

стр. 2135

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ﴾ أي: بالقرآن (١). ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ فلم يتدبر فيها. ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: لا ندع الانتقام ممن أشرك بالله تمييزاً بين المطيع والعاصي. ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراة. ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ شك. ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ اختلف المفسرون فيه: فقيل: من لقاء موسى ﵇ الكتاب، وهذا ظاهر (٢). وقيل: من لقائك موسى ليلة الإسراء؛ فإن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ " رأيت ليلة أُسري بي موسى بن عمران رجلاً آدم طِوالاً، جعداً، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم رجلاً مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سَبْطَ الرأس " (٣). وقيل: من لقاء موسى إياك (٤). وقيل: تقديره: آتينا موس الكتاب، فلقي من قومه شدائد فلا تكن في شك من لقاء مثله من قومك (٥).

стр. 2136

وقيل: من لقاء موسى ربه، حكاه النقاش في تفسيره (١)، وهذا مع قوله ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] بعيد؛ لإجماع المفسرين على أن المعنى: لن تراني في الدنيا، ولعل النقاش أراد: فلا تكن في مرية من لقاء موسى ربه في الآخرة أي: سيلقاه. وقال صاحب النظم: "هذا اعتراض وهو يرجع إلى أوائل السورة، وتقديره: ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى" (٢). وقوله ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ متصل بقوله ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠] أي: فلا تكن أنت في مرية من لقائه. ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعنى: الكتاب. وقيل: موسى (٣). ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ هم علماؤهم. وقيل: أنبياؤهم (٤). ﴿يَهْدُونَ﴾ يدلونهم على الطريق المستقيم. ﴿بِأَمْرِنَا﴾ أي: بأمرنا إياهم بذلك. وقيل: ﴿بِأَمْرِنَا﴾ بديننا (٥). ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ حين صبروا على الطاعة وعن المعصية. وقرئ (لِمَا صبروا) أي: لصبرهم (٦). ﴿وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا﴾ التوراة. وقيل: الآيات التسع (٧). ﴿يُوقِنُونَ﴾ يعلمونها علماً لا يخالجه شك.

стр. 2137

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: يحكم بين الأنبياء وأممهم فيما اختلفوا. وقيل: يفصل بين المؤمنين والمشركين فيظهر المحق من المبطل (١). وقيل: ﴿يَفْصِلُ﴾ يفرق بين المؤمنين والكافرين بالمنازل (٢)؛ فالمؤمنون في الجنة والكافرون في النار (٣). ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ فاعل ﴿يَهْدِ﴾ مقدر، أي: أولم يهد إهلاكنا القرون الماضية الذين يمشون هؤلاء في مساكنهم. والمعنى: لم لايعتبرون بإهلاكهم، وهم يمشون في ديارهم، ويرون ما حل بهم بسبب كفرهم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ﴾ لادلالات ومواعظ وزواجر. ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ مايوعظون فيرتدعوا. و(٤) ﴿كَمْ﴾ في الآية لا يجوز أن يكون فاعل ﴿يَهْدِ﴾، و (لا) مفعوله، لأن ﴿كَمْ﴾ للاستفهام، والاستفهام لايعمل فيه ما قبله، بل يعمل فيه مابعده، ومحله في الآية نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، ويحتمل أن يكون ﴿يَهْدِ﴾ بمعنى: يُعلم، ويُدري، ويُري، فيكون الفاعل مضمراً يعود إلى الله، كقراءة من قرأ (نهد) بالنون (٥)، ثم يكون معلقاً، واللام في ﴿لَهُمْ﴾ زيادة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ الماء: ماء المطر.

стр. 2138

وقيل: ماء الأنهار (١). والأرض الجرز: اليابسة التي لا نبات بها (٢)، من قولهم: رجل جروز يأكل كل شيء، وسيف جراز يقطع كل شيء (٣). ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ بالماء، ويحتمل بالمكان (٤). ﴿زَرْعًا﴾ نباتاً. وقيل: نباتاً وأشجاراً (٥). ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ التِّبْن، والورق، والحشيش. ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ الحب والتمر، وحر البقل. ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ بأعينهم فيستدلوا به على قدرته على إحياء الموتى. وقيل: الأرض الجرز اسم موضع بعينه. وقيل: هي اليمن (٦). وقيل: هي ما لا يصل إليه ماء النهر فيسوق الله إليه المطر (٧). وقيل: لا يكفيه المطر فيسوق الله إليه السيل (٨). ويحتمل: أنها التي انقطع نباتها في الشتاء فإذا أصابها مطر الربيع نبت (٩).

стр. 2139

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الفرّاء: فتح مكة؛ وذلك أن المؤمنين كانوا يَعِدُونَ المشركين ذلك فقالوا استهزاءً ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ فأنزل الله ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (١). أكثر التفاسير أنها نزلت في قوم قتلهم خالد بن الوليد (٢) يوم فتح مكة، فيكون خاصاً في ذلك القوم، لأن أكثر أهل مكة آمنوا فنفعهم إيمانهم (٣).

стр. 2140

وقيل: المراد بالفتح: الفَصْلُ والقضاء يوم القيامة؛ لأنهم كانوا يستهزؤن بذكره وينكرونه فأنزل الله ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لأنهم مضطرون فلا يستحقون به ثواباً (١). الزجاج: أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يوشك أن يكون لنا يوم نستريح فيه. فقال المشركون: متى هذا الفتح؟ (٢) فأعلم الله أن الراحة في الجنة في الآخرة. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ عن مشركي قريش بمكة. والآية منسوخة بآية السيف في براءة (٣). وقيل: معناه: تَغَافل عن قولهم متى هذ الفتح. وقيل: أعرض عنهم بالهجرة (٤).
следующие страницы →