← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أصل القضاء: إحكام الصنعة والفراغ منها، ويأتي بمعنى: حكم وأمر وفعل وصنع وأعلم وأومى، والكل قريب. والأجل: الوقت المعين. واختلف المفسرون في الأجلين (١): قال ابن عباس ﵄: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ هو النوم، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ الموت (٢). وقيل: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ مدة الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ القيامة. وقيل: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ للحياة، وهو وقتها، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ للممات (٣)، وهو وقته (٤). وقيل: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ من مولده إلى مماته، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ من الممات إلى البعث. وقيل: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ لمن مضى، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ لمن بقي أو يأتي. وقيل: الأجل المسمى: عمر الإنسان، و ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ يقطع الأجل المسمى وهو الآفات، فتحول بينه وبين الوقت المسمى، واستدل بقوله: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] ومعنى مسمى عنده: مثبت معلوم لا يعلمه غيره. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ تشكون، وقيل: تختلفون. ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾. الجمهور: على أن (هو) كناية عن الله سبحانه، و ﴿اللَّهُ﴾ خبره. وذكر أبو على: أن (هو) كناية عن الأمر والشأن، و ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ (٥). والمشكل في الآية الظرف: فقيل: إنه متصل بـ (الله) على تقدير: وهو الإله في السموات وفي (٦) الأرض، أي: المعبود، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]. وقيل: إن هذا في اسم الله لا يصح، لأنه حذف منه الهمزة وعوض عنها الألف واللام عوضاً لازماً كما سبق، وأجرى مجرى الأعلام.

стр. 247

والأعلام لا تعمل فيما بعدها؛ لكنه يدل على أوصاف (١): كالقدرة، والإرادة والتدبير، فكأنَّه قال: هو المدبِّر القادر في السموات وفي الأرض. وروي عن محمد بن جرير أنه قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ فجعله متصلاً بالأول، ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ﴾ أي: يعلم في الأرض، ولعله (٢) اعتبر ما في الملك من قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] والمراد: عرشه وصنعه، فإن الله منزَّه عن الظَّرف والمكان (٣). وقال أبو على: (هو): كناية عن الأمر والشأن، (والله) مبتدأ و (يعلم) خبره، والظرف متصل بالخبر، أي: الله يعلم في السموات وفي (٤) الأرض. وقيل: ظرف للمصدر، وهو خطأ؛ لأن صلة المصدر لا يتقدم على المصدر. وقيل: ظرف لقوله: ﴿تَكْسِبُونَ (٣)﴾. وأهل السموات: الملائكة. وأهل الأرض: الإنس والجن. ويحتمل أن يكون الظرف حالاً من المصدر تقدم على ذي الحال وعلى العامل وهذا على أرباب الصنعة غير خاف. والسر: إخفاء الشيء في النفس، والجهر: إظهار المعنى الذي في النفس. ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾ المراد بالآية هاهنا: المعجزة. وقيل: القرآن. وقيل: انشقاق القمر. و﴿مِنْ﴾ الأولى زيادة، والثانية للتبعيض، و (كان) زيادة (٥).

стр. 248

وقيل: أعرضوا كما (١) علم منهم، والمعنى: تركوا النظر فيها. وحقيقة الإعراض: الانصراف بالوجه عن الشيء، وقد سبق. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾. قيل: هو القرآن (٢). وقيل: الإسلام. وقيل: محمد ﷺ . والمعنى: نسبوا محمداً ﷺ إلى الكذب بسبب ردهم الحق. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾ يريد العذاب في الآخرة. ابن عباس ﵄: في الدنيا، بقتلهم بالسيف يوم بدر (٣). ابن بحر: سيعلمون ما يؤول إليه عاقبة أمرهم واستهزائهم في الدارين (٤) والعذاب فيهما. ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ ألم يبصروا كم أهلكنا. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ القرن: الزمان، والقرن: أهل الزمان (٥)، والقرن من الزمان: ثمانون سنة، وقيل: سبعون سنة، والمراد به: أهل ذلك الزمان.

стр. 249

الزجاج: القرن: أهل كل مدة فيها نبي أو كان طبقة من أهل العلم قلت السنون أم كثرت (١). واشتقاقه من: قرنت. ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ يريد: أعطيناهم من نعيم الدنيا والأمر والنهي بين أهلها ما لم نعطكم. ابن عيسى: التمكين إعطاء ما يصح به الفعل كائناً ما كان، ومعنى مكنته الشيء: أزلت الحائل بينهما (٢)، ومكنت له الشيء بمعناه، وجاءت الآية بهما، ووزن مكان عند الخليل: مَفْعَل. قال: ولكثرته في الكلام أجرى الميم مجرى الفاء، كقولهم: تمسكن وتمدرع، وفيه ضعف لشذوذه، والأصح أن يكون من: المكن. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ الإرسال: الإنزال، والسماء: المطر. وحكوا عن العرب: مازلنا نطأ السماء حتى أتيناكم (٣). والمدرار: الدائم، وهو من: در يدر دروراً مأخوذ من الحلب، والمعنى: عاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار وسقيا الغيث المتصل المدرار. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: لم يغن ذلك عنهم شيئاً. ﴿وَأَنْشَأْنَا﴾ خلقنا وأحدثنا. والإنشاء: إحداث من غير سبب. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾ وخلقنا آخرين بدلاً منهم (٤). ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾. في سبب النزول قال الكلبي: إن مشركي قريش قالوا: يا محمد (٥)، والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون إنه من عند الله وإنك رسوله فأنزلت هذه الآية (٦).

стр. 250

والمعنى لو أجبناهم إلى ما سألوا وأنزلنا كتاباً مكتوباً في كاغد. ابن عباس ﵄: طلبوا كتاباً معلقاً من السماء إلى الأرض (١). ابن عيسى: التشديد لطول المكث بين السماء والأرض (٢). قوله (٣): ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي: عاينوه ومسوه (٤). وخص اللمس لأنه يتقدمه الإبصار ولا يقع معه التزوير، وأسند إلى اليد توكيداً له (٥)، فإنه قد يستعمل للفحص كقوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: ٨]. قوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ ما هذا (٦). ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ ظاهر، سُحِرَتْ أعيننا، أي: لو أجبناهم إلى ما سألوا لم يؤمنوا. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: هلا، ومعناه التحضيض على الفعل، أي: أنزل معه ملك يكلمنا أنه نبي (٧). فقال الله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ لعوجلت (٨) عقوبتهم. وقيل: لقامت القيامة؛ لأن الملك يرى في القيامة وحالة الموت، ولأن الآية المقترحة إذا جاءتهم فلم يؤمنوا بها عاقبتهم في الحال من غير إهمال. ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾ لا يؤخرون طرفة عين. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: المطلوب أو الرسول ﴿مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ أي: ميّزناه آدمياً ذكراً، فإن الملائكة ليسوا بإناث. الزجاج: لو أرسلناه ملكاً لم نرسله إلا في صورة إنسان؛ لأن الملائكة روحانيون لا يمكن النظر إليهم ولا المكالمة معهم، ولأنهم عظام الأجسام، لا يدرك بصر الإنسان منهم إلا اليسير من جملتهم (٩)، ولهذا كانوا يأتون الأنبياء على صورة الآدميين كدحية وأضياف إبراهيم ولوط وخصمي داود ﵈، ورؤيتهم على هيئتهم معجزة فلا تكون إلا لنبي (١٠).

стр. 251

﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: لشبهنا وأشكلنا عليهم من أمره إذ كان سبيله كسبيلك يا محمد. ﴿مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ أي: على أنفسهم. وقيل: على ضعفائهم، يقولون: إنما هذا بشر مثلكم. أي: لبسنا لبساً كلبسهم، و ﴿مَا﴾ للمصدر. وعن ابن عباس ﵄: هم أهل الكتاب، لبس الله عليهم ما لبسوا (١) على أنفسهم بتحريف الكلام عن مواضعه (٢). وحكى أقضى القضاة لجويبر (٣): للبسنا على الملائكة من الثياب ما يلبسه الناس (٤). وهذا لا تحتمله العربية؛ لأنك تقول: لبَست الأمر بالفتح؛ ألبِسه بالكسر؛ ولبِست الثوب بالكسر؛ ألبَسه بالفتح، وقرئ في الشواذ بالتشديد للمبالغة (٥). وقيل: لخلطنا عليهم ما يخلطون. ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ثم عزى نبيه على ما أصابه من استهزاء قومه. ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ أي: نزل بهم وبال فعلهم. الزجاج: الحيق: ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله (٦). وقيل: معناه: وجب. وقيل: حاق وحَقَّ بمعنىً. ﴿مَا كَانُوا﴾ أي: الذي (٧)، ويجوز أن يكون للمصدر، أي: استهزاؤهم. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أبعدوا فيها نحو اليمن مرة ونحو (٨) الشام أخرى. ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ لتروا كيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال، ومثل ذلك بالمرصاد لمن سلك سبيلهم بالكفر والفساد. الحسن: سيروا في الأرض، أي: اقرءوا القرآن فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (٩).

стр. 252

وذكر بلفظ ﴿ثُمَّ﴾ لأنهم أمروا بسيرٍ (١) بعد سيرٍ وذلك يقع في زمان بعيد (٢)، والفاء يوجب سيراً واحداً يتعقبه النظر. والسير: استمرار الانتقال لطلب الإبعاد. والنظر: طلب إدراك الشيء (٣) من جهة البصر (٤) أو الفكر. ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ملكها، وقيل: تسخيرها. ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾. ابن عباس ﵄: إن أجابوك، وإن لا فقل لله (٥). وقيل: فقل لله فإنهم لا ينكرون. قال صاحب النظم: فقيل لهم ما أُمِرَ، فقالوا: فلمن هي؟ فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ (٦). ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: قضى وأوجب عليه سبحانه تفضلاً وتكرماً (٧). وذكر النفس لارتفاع الوسائط، والمعنى من رحمته إمهاله إياهم بعد كفرهم. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ استئناف وقسم، أي: ليجمعنكم (٨) في القبور إلى يوم القيامة الذي أنكرتموه. وقيل: ليجمعنكم في يوم القيامة، وإلى بمعنى في (٩). وقيل: ليجمعنكم متصل بالرحمة، أي: من رحمته بعثه إياكم وإنعامه عليكم. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: في اليوم، وقيل: في الجمع. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ غبنوها.

стр. 253

﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ قيل: إنه استئناف ومحله رفع بالابتداء, ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبره. وقيل: ذم. وقيل: بدل من ضمير المخاطب ومحله نصب. ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ في سبب النزول قال الكلبي عن ابن عباس ﵄: إن كفار مكة أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا يا محمد: إنا قد علمنا أنه إنما يحملك (١) على ما تدعونا إليه الحاجة، فنحن نجعل لك نصيباً في أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً وترجع عما أنت عليه فنزلت هذه الآية (٢). والمعنى: له ماسكن في الليل والنهار وتحرك فيهما، فاكتفى بأحد الضدَّين عن الآخر. وقيل: ذكر السكون؛ لأنه أعم من الحركة (٣). وقيل: السكون: الحلول، أي: له ما يشتمل عليه الليل والنهار من الأجسام والأعراض. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ (١٣)﴾ بأفعالهم. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ ناصراً ومعبوداً، وذلك أنه دُعي (٤) إلى الشرك وعبادة الأصنام.

стр. 254

﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما وموجدهما. وأصل الفطر: الشق. وذكر المفسرون عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما كنت أعرف معنى فطر حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها (١). ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: يَرزُقُ ولا يُرزَقُ. وقيل: خص الطعام بالذكر؛ لأن الحاجة إليه أشد كقوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧]. ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أول من يدخل في دين إبراهيم ﵊. الحسن: أول من آمن من أمته (٢). ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ تقديره كن أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين. ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ أي: إني أخاف عذاب يوم عظيم وهو القيامة (٣) إن عصيت ربي، وقد أمرني أن أكون أول مسلم عاقبني عليه، فالجزاء محذوف، والشرط معترض بين الفاعل والمفعول به (٤). ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: من يصرف العذاب عنه، أو يصرفه الله

стр. 255

﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أنعم عليه ونجاه ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ بلية وفقر ومرض ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾ لا دافع له ﴿إِلَّا هُوَ﴾ إلا الله. ومعنى مسه بكذا: أصابه ذلك. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ عافية وغنى وصحة ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من ذلك ﴿قَدِيرٌ (١٧)﴾ (١). ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾ الغالب المقتدر ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي: عال عليهم بالقدرة (٢)، خبر بعد خبر, والعباد: المملوكون، وهي مخصوصة بالإضافة إلى الله، وسائر جموعه عام. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أمره ﴿الْخَبِيرُ (١٨)﴾ بعباده. ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾. في سبب النزول: قال الكلبي: إن رؤساء مكة (٣) قالوا، يا محمد: ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من يشهد لك إنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ (٤) أعظم شهادة لا يجري فيها الخطأ والسهو والكذب (٥)، وقيل: أفضل.

стр. 256

﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: فإن أجابوك وإلا فقل: الله (١). وقيل: كان القوم مقرين بأن الله أكبر شهادة، فلهذا لم ينتظر الجواب. ووقف بعض القراء على ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ و ﴿شَهِيدٌ﴾ خبر مبتدأ (٢)، أي: هو شهيد (٣). وذهب بعض المفسرين إلى أن الله أمره أن يَشْهَدَ عليهم بتبليغ الرسالة إليهم بقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾. ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، أراد: لأنذركم ولأبشركم، فاكتفى بأحد الضدين. ويحتمل (٤) أنهم يُنْذَرون إلى أن يؤمنوا. ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: ومن بلغه القرآن، فهو نصب عطفاً على ضمير المخاطبين، ومن بلغه القرآن فقد (٥) أنذره محمد ﷺ ، وفي الخبر: (من بلغه القرآن فقد بلغه محمد ﷺ ) (٦).

стр. 257

﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ يعني: الأصنام، استفهام إنكار وتبكيت ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ بما تشهدون ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بل أشهد أن لا إله إلا هو (١) ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾ أي: وأتبرأ من الأصنام التي تزعمون أنها له شركاء. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ التوراة والإنجيل ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يعني محمداً ﷺ ، وقيل: يعرفون القرآن ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ سبق تفسيره في البقرة (٢). ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بلغوا النهاية في الخسران، لأن من خسر ماله تعزى بسلامة نفسه. وقيل: خسروا منازلهم وأهاليهم في الجنة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ استفهام يتضمن معنى النفي، أي: لا أحد أظلم لنفسه ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾ اختلق ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فيصفه بغير صفاته، والافتراء: تحسين الكذب ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: كذب نبيه برد آياته ﴿إِنَّهُ﴾ كناية عن الأمر والشأن ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ لا ينالون خيراً. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: اذكر (٣)، وقيل: أنذرهم. ابن جرير: تقديره: لا يفلح الظالمون أبداً ويوم نحشرهم، أي: من قبورهم، يريد الظالمين والخلق جميعاً (٤). ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: أشركوا مع الله غيره. ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ سؤال تنكير, أي: أين أعيانها, وقيل: شفاعتها (٥). ومعنى ﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾ أي: سميتموهم شركاء لله. ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)﴾ أي: تزعمونهم شركاء. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: مقالتهم، وقيل: الفتنة: الخلاص.

стр. 258

وقيل: معذرتهم. وقيل: عاقبة فتنتهم. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: عند أنفسنا بل ظننا مصيبين (١). وقيل: تخلقوا في القيامة بأخلاقهم في الدنيا من الكذب فجحدوا كفرهم. وقيل: هؤلاء قوم كانوا مشركين ولم يعلموا أنهم مشركون فيحلفون على اعتقادهم في الدنيا. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ أي: انظر يا محمد، وقيل: الخطاب (٢) للملائكة. كذبوا ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) أي: في الدنيا، لأن القيامة لا يكذب فيها أحد. وقيل: المراد به كذبهم بقولهم ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. والقيامة مواطن: فما لم يصيروا إلى الجنة أو النار يجري فيها الخصام والمراء والصدق والكذب. وقيل: صار وبال كذبهم على أنفسهم. وقيل: كذبوا على أنفسهم، أي: جحدوا. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ أي: ما يدعونه من الشركاء، ومعناه: ذهب عنهم. وقيل: اشتغل عنهم. وقيل: معنى ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ نسوا (٤). ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾. في سبب النزول: قال ابن عباس ﵄ في رواية أبي صالح: إن أبا سفيان والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة وأمية وأبياً ابني خلف استمعوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا للنضر: ما تقول؟ فقال (٥): والذي جعلها بَيْتَهُ (٦) ما أدري ما يقول، إلا أني أرى تحريك شفتيه يتكلم بشيء، وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدِّثكم عن القرون الماضية. قال: وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأول (٧) وكان يحدث قريشا ويستملحون حديثه فأنزل الله ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: من الكفار ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ يتعرض لسماع القرآن (٨).

стр. 259

﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطية، جمع كنان، وهو ما سَتَرَ الشيء (١) ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: كراهة أن يفقهوه، وقيل: أن لا يفقهوه (٢) ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ثقلاً يمنع من السمع ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ يريد انشقاق القمر وسائر ما رأوا من دلائل النبوة ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ أي: انتهى كفرهم إلى أن جاءوك مجادلين (٣) ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ كتبهم. أبو عبيدة: أساطير: ترَّهات (٤). والأساطير جمع لا واحد له، كعباد يد. وقيل: جمع أَسْطَار وإِسْطَارة وأَسْطُور (٥) وأُسْطُورة، وسَطَّرَ الرجل: أتى بالحديث الباطل، وهو سَطْر وسَطَر (٦) وأَسْطُر وأَسْطَار وسُطُور (٧). وذهب بعضهم إلى أنها نزلت (٨) فيمن قصدوا النبي ﷺ ليؤذوه ويرجموه، وكانوا يستدلون بقراءته على موضعه، فألقى الله عليهم النوم إذا قعدوا يرصدونه (٩)، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا﴾ [الإسراء: ٤٥] الآيتان (١٠). وقيل: هذا ذم، كقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقد سبق (١١). الزجاج: فعل ذلك بهم مجازاة لكفرهم (١٢).

стр. 260

﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ في سبب نزولها قولان: أحدهما: أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ويتباعد عما جاء به. قال مقاتل: اجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سُوْءاً بالنبي (١) ﷺ ، فقال أبو طالب: والَّلهِ لَنْ يَصِلُوا إليك بِجَمْعهمْ ... حتى أوسدَ في الترابِ دفينا فاصدع بأمركَ ما عليكَ غضاضةٌ ... أَبْشِرْ (٢) وقَرَّ بذاكَ منكَ (٣) عيونا لولا الملامةُ أو حَذَارِيَ سُبَّةً ... لوجدتني سمحاً بذاكَ مُبينا (٤) والثاني: قول محمد بن الحنفية والسدي والضحاك: نزلت في كفار مكة، كانوا ينهون الناس عن اتباع محمد ويتباعدون بأنفسهم عنه (٥). والهاء في ﴿عَنْهُ﴾ تعود إلى النبي ﷺ ، وقيل: إلى القرآن، أي: ينهون عن سماعه ويتباعدون عنه مخافة ميل القلوب إليه. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ أي: يوقفون ﴿عَلَى النَّارِ﴾ أي: عاينوها. وقيل: صاروا فوق النار وصارت النار تحتهم (٦).

стр. 261

وقيل: حُبِسوا في النار. وذكر أقضى القضاة وجهاً آخر: أي جعلوا وقفاً على النار من الوقوف المؤبدة، ويدفعه قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ (١) [الأنعام: ٣٠]. ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ تمنوا الرد إلى الدنيا ليؤمنوا ويخلصوا إيمانهم. ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ استئناف كلام منهم، ومن نصب: جعل الواو ينوب عن الفاء، كأنهم تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن (٢) يكونوا مؤمنين، وجواب لو: محذوف تقديره: لرأيت عجيباً. ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ بل: للإضراب عن الوفاء بما تمنوا، وبدا لهم: ظهر لهم. ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ قيل: في الدنيا، أي: الشرك والنفاق والمعاصي. وقيل: هو قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، أي: بدا بشهادة الجوارح، أي: بدا عنهم. وقيل: بدا جزاء ذنوبهم. ابن بحر: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ ظهر وبان لهم (٣) ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ﴾ أي: يجدونه خافياً، كما يقول: أحمدته: وجدته محموداً، وأعمرت البلاد: وجدتها عامرة (٤). ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ أي: إلى الدنيا.

стр. 262

﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: إلى (١) الكفر. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾. قيل: في الدنيا. وقيل (٢): في قولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]. ﴿وَقَالُوا﴾ أي: في الدنيا. ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ما هي، وهي كناية عن المدة، وقيل: عن الحياة. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ وهو عطف على ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. وقيل: متصل بقوله: ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: لعادوا وقالوا إن هي إلا حياتنا (٣). ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ قضاء ربهم فيهم. وقيل: مسألة ربهم إياهم عن أعمالهم. وقيل: وقفوا لحساب ربهم. وفسر بعض المشبهة ﴿وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: وقفوا عليه فشاهدوه، وهذا فاسد لأنا إنما نثبت الرؤية لله في حق المؤمن دون الكافر (٤).

стр. 263

﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا﴾ هو إشارة إلى البعث وما يتبعه من الثواب والعقاب. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالكائن الموجود لا بالباطل المعدوم. ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ أقروا وأكدوا الإقرار باليمين. ﴿قَالَ﴾ أي (١): الله ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. ابن عيسى: إنما قال ﴿فَذُوقُوا﴾ لأنهم في كل حال يجدونه وجدان الذائق في شدة الإحساس ولا يصيرون إلى نقصان الإدراك (٢). ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ بسبب كفرهم (٣). وقيل: الباء للبدل، أي: مكانه وبدلاً منه. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أي: فاتهم النعيم وهلكوا. ولقاء الله: البعث بعد الموت. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ يعني: القيامة، وسميت القيامة ساعة: لسرعة الحساب فيها للجزاء، كقوله: ﴿أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]. وقيل: أراد الساعة التي إذا جاءت بطلت الدنيا، فحذف الصفة. ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة، وهي نصبٌ على الحال، أي: بَاغِتَةً، وهي ورود الشيء على صاحبه من غير علمه بوقته. ﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾ تحسروا على تقصيرهم ونادوا (٤) الحسرة، أي: تعالي

стр. 264

فهذا أوانك. وقيل معناه: انتبهوا على حسراتنا. ومعنى ﴿فَرَّطْنَا﴾: قصرنا. ابن بحر: فَرَطَ: سَبَقَ، والفَارِطُ: السابق، وفَرَّطَ: خلى السبق لغيره (١). ﴿فِيهَا﴾ قيل: في الدنيا (٢). وقيل: في الصفقة، ودل ﴿خَسِرَ﴾ عليها. وقيل: في الساعة، أي: فرطنا في التقدمة لها. ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ أي: آثامهم، وَزَرَ الرجل يَزِرُ وِزْرَاً: أَثِمَ، وَوُزِرَ فهو موزور: إذا أثم أيضاً، وأصله الثِّقْلُ، والوزارةُ حَمْلُ الثِّقْلِ. وقيل الوَزَرُ: الملجأ، والوِزَارةُ منه، وخُصَّ الظهرُ لأنه لايحملُ عليه إلا الأثقل، وخُصَّ بالإضافة نفياً للمجاز، كقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وروي: وزِرَ يَزِر، بالكسر فيهما، لغة، وقيل: هو مجاز بمعنى اللزوم. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾ أي: بئس شيئاً (٣) يحملونه، وأفاد ﴿أَلَا﴾ تعظيم ما يذكر بعده (٤). ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ جواب لقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ أي: وما أعمال الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، وقيل: وما أهل الحياة الدنيا إلا بأهل لعب ولهو، أي: سريعة الانقضاء قليلة البقاء.

стр. 265

وقيل: لأنه لا منفعة (١) في عاقبته. وقيل: عاقبة اللعب واللهو الغم والندم (٢). ابن عيسى: اللعب: عمل يشغل عما ينتفع به إلى ما لا ينتفع به، واللهو: صرف النفس عن الجد إلى الهزل، وأصله من لهيت عنه، ومنه: إذا استأثر الله بشيء فَالْهَ عنه (٣). ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ لدوامها وبقائها ولحسن عاقبة المتقين (٤) فيها. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾ أي الحالتين خير. ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾. في سبب النزول قال السدي: التقى الأخنس ابن شريق وأبو جهل ابن هشام، فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم: أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا أحد يسمع (٥) كلامك غيري. فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق، وما كذب (٦) محمد قطّ، ولكن إذا ذهب بنو قُصَيٍّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش، فأنزلت هذه الآية (٧).

стр. 266

وقال أبو ميسرة: إن رسول الله ﷺ مَرَّ بأبي جهل وأصحابه، فقالوا يا محمد: إنا والله لا نكذبك (١)، إنك عندنا لصادق، ولكن نكذب ما جئت به، فنزلت: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ (٢). وعن مقاتل: إنها نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، كان يُكذِّبُ النبيَّ ﷺ في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: مامحمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقا، فأنزل الله هذه الآية (٣). وكلمة ﴿قَدْ﴾ تأتي للتوقع وتأتي للتقريب من الحال وتأتي للتقليل، والآية تحتمل الأوجه الثلاثة. وفي الآية تسلية للنبي ﷺ على تكذيبهم إياه وقولهم له: إنه كاذب وساحر ومجنون وشاعر (٤). ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ لايخصّونك بالتكذيب، وإنما يجحدون آيات الله. وقيل معناه: لا يكذبونك بحجة ولا يعتد بتكذيبهم. وقيل: لا ينسبونك إلى الكذب (٥).

стр. 267

و (يُكْذِبُونَكَ) بالتخفيف معناه: لا يجدونك كاذباً، وقيل: هما بمعنىً (١). ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كهود ولوط وصالح وشعيب. ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ فتأس بهم واصبر ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ معونتنا ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ لا مخلف لوعده، يعني قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [غافر: ٥١]، وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ الآية (٢) [المجادلة: ٢١]. ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ أي: قصصهم وما حل بقومهم، والفاعل مضمر، وقيل: ﴿مِنْ﴾ زيادةٌ، وفيه بُعْدٌ. ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾ عظم وشق ﴿عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ عنك وعن الإيمان بك وبالقرآن (٣)، وحرصت على إيمانهم ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ﴾ تطلب ﴿نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ تغوص فيها، والنفق: سَرَبٌ له مَخْلَصٌ إلى مكان آخر ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ مصعداً تصعد فيه، وقيل: درجاً، وقيل: سبباً (٤)، وسمي سلماً لتسليمه إلى المقصد. ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾. ابن عباس ﵄: بآية خير مما معك فافعل (٥)، والمعنى (٦): لا يؤمنون وإن اجتهدت كل الاجتهاد وجئتهم بما اقترحوا من الآيات. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ بإنزال آية تضطرهم إلى الإيمان.

стр. 268

وقيل: لو شاء الله (١) أن يطبعهم على الهدى لفعل (٢). ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ أي: بحكم الله في عباده، وقيل: لا تجزع في مواطن الصبر فتقارب حال الجاهل، ويحتمل أن المعنى: فلا تكن ممن لا يعلم هذا، وليس المراد به الجهل المذموم، وقيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره. ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يجيب المؤمنون الذين ينتفعون بسمعهم. ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ أي: فأما الكفار الذين هم كالموتى الذين لا يسمعون ولا يبصرون فيبعثهم مع الموتى (٣)، فإنهم في عدادهم، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ أي: إلى أرض المحشر. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾ أي: هلا أنزل عليه (٤) ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون مااقترحوا عليه من جعل الصفا ذهباً وأن يوسع لهم أرض مكة ويفجر الأنهار خلالها تفجيراً. ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ من الآيات التي اقترحتم، لكنها سؤال إعنات وطلب مدافعة، وهو سبحانه لا ينزل مثل هذه الآيات، وقد أنزل عليك القرآن، وهو من أبلغ الآيات وأظهر المعجزات ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾ لأنها تستدعي تأملاً فيها وتفكراً. ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ثم ذكر ما يستدل (٥) على قدرته على الآيات.

стр. 269

والدابة: اسم لما يدبّ، يقع على المذكر والمؤنث، ولا يطلق على الآدمي إلا شتماً، وكذلك الحيوان. ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ قيد الطيران بالجناحين قطعاً لمجاز السرعة، والجناح: أحد ناحيتي الطير، مشتق من جنح: إذا مال. ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في الخلق والرزق والموت وفي الحاجة إلى مُدَبِّر يُدَبِّرُ أَمْرَ مَرَاشِدِهَا، وإن انفرد كل نوع بخاصة لا توجد في غيره. والأمة: جماعة (١) تشترك في نوع. وقيل: أمثالكم في الأكل والشرب. الدمياطي: في أنها تعرف الله تعالى وتوحده وتسبح له (٢)، من قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] قال: وتسبيحه يا حليم يا غفور. الزجاج: أمثالكم في الخلق والموت والبعث (٣). ومن ظن أن أصناف الحيوان مكلفة متعبدة لقوله: ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ وقوله (٤): ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] فجاهل بتأويل القرآن، لأن المماثلة لا توجب الاتفاق في كل شيء، ولأن قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] من الإنس والجن. ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. قيل: الكتاب: اللوح المحفوظ، وهو مشتمل على ما يجري في العالم من جليل

стр. 270

ودقيق من جميع الحيوانات وغيرها. وقيل: الكتاب: القرآن. وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: من شيء احتجتم إلى بيانه (١)، وهو مشتمل على ما تَعَبَّدَنَا به كناية وتصريحاً أو مجملاً وتفصيلاً. ابن بحر: الكتاب: هو كتاب الأجل، لقوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]، ولقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ولقوله: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] (٢). ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ للبعث والقصاص. ابن عباس ﵄: حشرها: موتها (٣). وقيل: تحشر وتعوض عما لحقها من الآلام وينصف بعضها من بعض (٤) وتدخل الجنة وتكون من جملة دواب الجنة. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ عن الخير ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ خبر بعد خبر، ويريد بالظلمات: ظلمة الجهل والحيرة والكفر وظلمات المحشر والنار. ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ فيموت على الكفر ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ أي: الإسلام. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ كلمة استفهام وتعجيب ليس لها نظير، والكاف فيها: حرف خطاب لا محل له من الإعراب، والتاء قبلها: ضمير الفاعل، لزم طريقة واحدة

стр. 271

استثقالاً للجمع بين علامتي خطاب، ومعناه: تنبه وتفكر. وقال الكوفيون: الكاف اسم، ومحله نصب، وكأنهم أضمروا المفعول الثاني (١). ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ أي: كما جاء من قبلكم ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ التي تحيون فيها وتخرجون من قبوركم ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ فيكشف ما نزل بكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)﴾ في أن الأصنام آلهة. وجزاء الشرط: مضمر تقديره: فادعوها. ثم قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ لأنهم كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله لا غيره، دليله قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ﴾ [الزمر: ٨]، وقوله: ﴿إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [لقمان: ٣٢]، وأمثاله. ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: فيكشف الضر الذي تدعون الله إليه. تقول: دعوت الله إلى أن يغفر لي، ودعوت الله بأن يسهل لي. ﴿إِنْ شَاءَ﴾ يريد: فيكشف (٢) العذاب في الدنيا؛ لأن الساعة لا تُكشف ولا يُكشف ما ينزل بهم فيها. ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ وتتركون، وقيل: تنسون: من النسيان، وقيل: تعرضون عنه إعراض الناسي ﴿مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ أي: الذي تشركونه مع الله. وقيل: ﴿مَا﴾ للمصدر، أي: تنسون إشراككم. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ﴾ يعني: رسلاً ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ مِنْ: زيادة (٣)، أي: زمانهم قبل

стр. 272

زمانك ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ أي: فكفروا بهم وكذبوهم فأخذناهم ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ الشدة والفقر ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ الضرّ والآفات ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾ ليعودوا إلى الله. والضَّراعة: الذلَّة، وتضرَّع: تَصَاغر وخضع، والمعنى: فعلنا ما ذكرنا فلم تخشع قلوبهم ولم تضرع نفوسهم (١). ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ أي: هلا تضرعوا بالتوبة والإنابة. ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فلم ينزجروا بما ابتلوا به. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ خَيَّلَ إليهم أنها تقربهم من الله. ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: فلما لم يتعظوا بالبلايا فتحنا عليهم أبواب كل شيء. الزجاج: أي: فتحنا عليهم ماكان مغلقاً عنهم (٢). ابن جرير: فتحنا عليهم أبواباً من النعم كنا سددناها عليهم (٣). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (مُكِرَ بالقوم ورب الكعبة) (٤).

стр. 273

﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ أعجبوا ﴿بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة. وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره: فرحوا بما أوتوا ونسوا ما ذكروا به أخذناهم بغتة. ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ إذا هذه تسمى المفاجأة، كما تقول: خرجت فإذا زيد قائم. ومعنى ﴿مُبْلِسُونَ﴾: آيسون. الزجاج: المبلس: الشديد الحسرة اليائس الحزين (١). قطرب: الإبلاس: الخشوع (٢). أبو عبيدة: الكئيب والحزين (٣). ابن جرير: الساكت عند انقطاع الحجة (٤). الدمياطي: أي: يئسوا من الخير كما يئس إبليس. ابن عيسى: الإبلاس: اليأس من النجاة عند ورود الهلاك. الحسن: مبصبصون (٥). وقيل: الإبلاس: الإطراق من الحزن والندم.

стр. 274

﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: آخر من بقي منهم، يقول: دَبَرَهُ دَبْرَاً ودُبُورَاً: إذا تَبِعَهُ. ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ أي: هو محمود على ما فعل، فإنه سبحانه قد أعذر وأنذر وأنعم وأمهل. وقيل: الحمد لله على هلاك أعدائه وأعداء أنبيائه. وقيل: عَلَّمَ المؤمنين كيف يحمدونه على نعمه بالمؤمنين ونقمه (١) من الكافرين (٢). ويحتمل أن المعنى: أهلكهم (٣) والحمد لله كما كان، لم ينقطع بهلاكهم. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ فأصمكم ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ فأعماكم ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ فسلب العقول عنها والتمييز. وقيل: ختم على قلوبكم فأماتكم. ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: من يأتيكم به، لأنهم علموا أن لا أحد يعطيهم عوضها. والهاء في ﴿بِهِ﴾ قيل تعود إلى الأخذ، والمراد المأخوذ. وقيل: إلى الختم، والمراد المختوم عليه (٤). وقيل: إلى السمع، ويكون ما عطف عليه داخلاً معه. وقيل: يأتيكم (٥) بأحد هذه الأشياء. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نكررها ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)﴾ يعرضون.

стр. 275

والصدوف: الإعراض عن الشيء. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ من غير مقدمة ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ تتقدمها أدلة وعلامات. الحسن: ﴿بَغْتَةً﴾ ليلاً ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ نهاراً (١). وقيل: ﴿بَغْتَةً﴾ آمنين (٢) ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ تنظرون (٣). ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾ أي: لو أُجِبْتُمْ إلى ما تقترحون من إسقاط السماء كسفاً وغيرها، لم يهلك به إلا الكافرون المعاندون. ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ بالجنة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ بالنار، وليست بأيديهم الآيات ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ أي: دام على إيمانه ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كذبوا رسلنا برد آياتنا ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ ينالهم العذاب (٤) ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾ بسبب فِسقهم وخروجهم عن طاعة الله. ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ خزائن رزقه (٥). وقيل: خزائن عذابه. وقيل: خزائن آياته فَأَفْعَلُ كل ما أريد. وقيل: خزائنه: مقدورا ته (٦).

стр. 276

﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: كل الغيب، إلَاّ ما علمنيه سبحانه ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي: أقدر على ما يقدر عليه الملائكة. والمعنى: لست أدعي شيئاً مما لا يليق بي. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ما يأمرني به (١) بالوحي. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ العالم والجاهل، وقيل: الضال والمهتدي، وقيل: معناه لست مثلكم، فإني مهتد وأنتم ضالون. ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ فتعقلوا ذلك. ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ أي: بما يوحى إليك، وهو القرآن ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: المؤمنين، وخصهم لانتفاعهم بالإنذار. وقيل: هم الكفار، شكوا في البعث وقالوا: آلهتنا شفعاؤنا عند الله. ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ﴾ يلي أمرهم ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ يشفع لهم (٢). وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ واقع موقع المفعول الثاني لـ (أنذر) (٣). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾. ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ في سبب النزول عن سعد (٤) قال: نزلت هذه الآية فيَّ وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال، قالت قريش لرسول الله ﷺ : إنا لا نرضى أن نكون أتباعاً لهؤلاء فاطردهم عنك، فدخل قلب رسول الله ﷺ من

стр. 277

ذلك ما شاء الله أن يدخله، فأنزل الله هذه الآية (١). وعن خبَّاب بن الأَرَتّ قال: فينا نزلت، كنا ضعفاء عند النبي ﷺ بالغداة والعشي يعلمنا القرآن والخير، وكان يخوفنا بالجنة والنار، فجاء الأَقْرَعُ بن حابس وعُيَيْنَةُ بن حِصن فقالا: إنَّا من أشراف قومنا وإنَّا نكره أن يرونا معهم فاطردهم إذا جالسناك، قال: (نعم)، قالوا: لا نرضى حتى تكتب كتاباً، فَأُتِىَ بأديم ودواةٍ (٢)، فنزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (٣). والطرد: إقصاء على جفاء. ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أي: يصلون الصلوات الخمس في الجماعة. وقيل: يدعون بالتمجيد والتحميد. وقيل: صلاة الفجر والعصر. وقيل: هو قراءة القرآن. وقيل: عام في العبادات. والغَدَاةُ: تنكر وتدخلها الألف واللام للتعريف، وغُدْوَة: معرفة لا تدخلها

стр. 278

الألف واللام، وكذلك: بُكْرَة، ومن العرب من لا يصرفها. وابن عامر قاس غدوة على الغداة، وفيه بعد عند النحاة (١). ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يريدون الله. والوجه ذكر تعظيماً، كقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] (٢). وقيل: الوجه: الجهة، أي: يقصدون جهة الله بطاعتهم. (٣) ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في الحساب هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: حساب أعمالهم (٤)، كقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣]. والثاني: حساب أرزاقهم. والثالث: من كفايتهم، تقول: حسبي، أي: كفاني. ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ فتبعدهم، وقيل: تؤخرهم عن الصف الأول إلى الأخير. ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ بسبب طردهم. وقوله ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب النفي (٥)، وقوله: ﴿فَتَكُونَ﴾ جواب النهي (٦)، وقيل: عطف. ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: امتحنا الفقير بالغني والغني بالفقير.

стр. 279

﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ المعنى: لو كان هذا الأمر الذي دخلوا فيه - يعنى الإسلام - نعمة وفضلاً لما خصوا به من بيننا، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ أي: هو أعلمُ بمن يشكرُ نعمته ممن يكفرها، فمنَّ عليهم بالهداية لشكرهم وخَذَلَ غيرهم لكفرهم. واللام (١): لام العاقبة، وقيل: لام كي. ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ في سبب النزول قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيه عن طردهم، فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: (الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام) (٢). وقال ماهانُ الحنفيُّ: أَتَى قومٌ النبي ﷺ فقالوا: إِنَّا أصبنا ذنوباً عظاماً، فما إخاله رَدَّ عليهم بشيء، فلما ذهبوا وتولوا نزلت: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ (٣). أي: يصدقون بالقرآن، وقيل: بحججنا وبراهيننا. ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمره الله أن يبدأهم بالتسليم عليهم. الحسن: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: من ربكم (٤). المبرد: السلام في اللغة أربعة أشياء: اسم من أسماء الله تعالى، وجمع سَلَامة، ومصدر سَلَّم، واسم شجر (٥)، ومعنى سلام عليك: سَلِمْتَ من الآفاتِ ديناً ودُنْياً. ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أوجبها. وقيل: كتب في اللوح المحفوظ وما كتب أبقى وأثبت. ﴿أَنَّهُ﴾ الهاء: للأمر والشأن. ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا﴾ ذنباً ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ جهل كنه ما يؤول إليه. وقيل: بجهالة في اختياره.

стр. 280

الحسن: من عَمِلَ عَمَلَ (١) خطيئة فهو جاهل (٢). ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد السوء أوالعمل أو الجهل. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ عزم أن لا يعود إلى الذنب. ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ فتح أن الأولى على البدل من الرحمة، والكسر على الاستئناف، وكسر الثاني على الابتداء، والفتح على تقدير: فالأمر أنه (٣)، و (مَنْ): يجوز أن يكون للشرط، والفاء: دخل للجزاء، ويجوز أن يكون بمعنى: الذي، والفاء دخل للخبر (٤). ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكما بينا الحجج في هذه السورة وما قبلها. ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ نبينها. والفصل: بون ما بين الشيئين. والفصل في القضاء من هذا. والتفصيل: التبيين بين المعاني الملتبسة. ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ اللام عطف على المعنى، أي: نفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين. ويحتمل: وليستبين سبيل المجرمين فصلنا (٥). والمعنى: سبيل المجرمين وسبيل المؤمنين، فاكتفى بأحد الضدين. واستبان: لازم ومتعد.

стр. 281

والبيان: فصل المعنى مما التبس به. والسبيل: يذكر ويؤنث. ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾. ابن عيسى: النهي: الزجر عن الفعل بطريقة لا تفعل. ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: تعبدون. وقيل: تدعون من الدعاء، وقيل: تدعونها آلهة، أي: تسمونها، كما تقول: دعوت (١) ولدي زيداً، أي: سميته. ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ ابن عيسى: الهوى: أريحية النفس إلى ما تحن إليه. ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ مع وضوح أعلامه وكثرة شواهده (٢). ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ إلى شيء من مراشدي (٣). الزجاج: ما أنا من النبيين الذين سلكوا الهدى (٤). ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ في سبب النزول قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحارث ورؤساء قريش، كانوا يقولون: يا محمد: ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به، استهزاء منهم، فنزلت (٥). ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ معجزة. وقيل: القرآن. وقيل: دين صحيح. الحسن: النبوة (٦).

стр. 282

﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾. الزجاج: الهاء: تعود إلى البيان (١). وقيل: إلى مدلول البينة. وقيل: إلى القرآن. وقيل: إلى ربي. ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: ليس عندي الذي تطلبونه ولا في قدرتي هذا العذاب. وقيل: ما اقترحوا عليه من الآيات. والاستعجال: طلب الشيء قبل وقته. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: ليس الحاكم بيننا إلا الله، وهو يظهر المحق من المبطل. ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ (٢) يقضي القضاء الحق، وقيل: يصنع الحق. و﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ يبين الحق، ويجوز: يقص القصص الحق (٣). ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾ لا حيف ولا جور في حكمه. ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: لو كان العذاب بيدي وفي مقدوري. ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ لأنزلته عليكم ولم أكن لأحلم (٤) عنكم، ولصار (٥) الأمر إلى آخره وانقطع ما بيني وبينكم.

стр. 283

﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾ أي: بمن (١) ينبغي أن يؤخذ وبمن (٢) يمهل. ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ فهو يظهر ما أراد منها. والمفاتح: جمع مفتح، وهو ما يفتح به. والغيب: ما غاب عن معارف الخلق. ابن عباس ﵄: مفاتح الغيب خزائن العذاب والرزق (٣). ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ لا ينزل العذاب والرزق إلا الله (٤). وقيل: مفاتح الغيب: الأمور التي بها يستدل على الغائب فيعلم حقيقته، من قولك: فتحتُ على الإمام: إذا عرّفته ما نسي. وعن النبي ﷺ : (مفاتح الغيب خمس، ثم تلا (٥) ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾) الآية (٦). ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ﴾ ما في القِفَارِ (٧) من النبات والدواب. ﴿وَالْبَحْرِ﴾ من الحيوان والجواهر. وقيل: ﴿الْبَرِّ﴾: الفلاة، ﴿وَالْبَحْرِ﴾: القرى (٨). ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ ثابتة وساقطة. وقيل: كم انقلبت ظهراً لبطن إلى أن وقعت على الأرض. وروي عن كعب: ما على الأرض شجرة إلا وكِّلَ بها ملكان، يكتب أحدهما ما سقط منها والآخر ما يطلع، فقيل له: ولا الحشيش، فقال: ولا الحشيش، فتلا هذه الآية (٩). ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ تحت الأرض السابعة. وقيل: تحت التراب.

стр. 284

﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ أي: جميع الأجسام، لأنها إنما تكون رطباً أو يابساً. ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ في اللوح المحفوظ تطلع عليه الملائكة المقربون، وليعلم العباد أن أعمالهم محصاة للجزاء. وقيل: الكتاب مجاز عن الحفظ. وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ مع قوله: ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ استثناء بعد استثناء، كقول الشاعر (١): ما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدةٍ ... دارُ الخليفةِ إلا دارُ مروانا وقرئ: (ولا حَبّةٌ) (ولا رطبٌ ولا يابسٌ) بالرفع فيكون ما بعد (إلا) خبر المبتدأ (٢). ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أي: ينيمكم. وخص الليل بالنوم والنهار باليقظة على الأغلب ومجرى العادة. والتّوفِّي هاهنا: مستعار من الوفاة التي هي الموت، وحسن هذه الاستعارة: لما بين النوم والموت من المناسبة من زوال الإحساس والمعرفة والفكر والتمييز وما يلحقه من استرخاء الأعضاء ويمنعه عن الكسب، ومثله ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] فاستعمل الحقيقة والمجاز جميعاً (٣). والتوفي: قبض الشيء على التمام، وأصله من استيفاء العدد، قال (٤): إن بني الأَدْرَم ليسوا مِنْ أَحَدْ ... ولا توفتهم قريشٌ في العَدَدْ ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: كسبتم. وقيل: أثمتم، من قوله: ﴿اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]. ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ ينبِّهكم ويوقظكم. وضع البعث في مقابلة التوفي (٥).

стр. 285

﴿فِيهِ﴾ (١) في النهار. الحسن: في الأجل (٢). وقيل: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: ثم يبعثكم في النهار ويعلم ما جرحتم فيه. ويحتمل أن النهار هو السابق على الليل، ولفظ الماضي يدل عليه. وقوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي: في نهار آخر، كقوله: عليَّ (٣) درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر، وكل شاة وسخلتها بدرهم، أي: سخلة شاة أخرى. أو يعود إلى الأجل كما روي عن الحسن. ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ ليبلغ آخر أجله المسمَّى في الدنيا. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بالموت. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾ أي: يجازيكم على أعمالكم. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾ الغالب ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ علوّ شأن لا مكان (٤). ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ﴾ وينزل عليكم ﴿حَفَظَةً﴾ يحفظونه ويحفظون عليه أعماله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ حتى: لغاية الحفظ (٥)، ويريد بالموت: وقت الموت ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ يريد ملك الموت، وجمع: لأن له أعواناً.
следующие страницы →