﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في طلحة بن عبيد الله (١)، (٢) ثَبَتَ مع رسول الله ﷺ حتى أصيبت يده فقال رسول الله ﷺ : " أَوْجَبَ طلحة الجنة"، ومَرَّ طلحة على النبي ﵊ فقال: " هذا ممن قضى نَحْبَه" (٣).
وقيل: ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ نزلت في مبايعتهم ليلة العقبة (٤).
وقيل: ما عاهدوا الله عليه بنذر نذروه (٥) بأن قاتل حتى قُتِل، أو قاتل حتى يُقْتَل أو ينصر (٦). الفرَّاء: من قضى نحبه نزلت في حمزة وأصحابه (٧).
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ بل هو عازم على أن يفعله (٨) إذا اتفق له المشهد. وقيل: ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات، أي: مات حَتْفَ أنفه ثابتًا على عهده، ومنهم من ينتظر الموت ناويًا الصدق.
وقيل: ﴿نَحْبَهُ﴾ أجله (٩).
وقيل: ﴿نَحْبَهُ﴾ عهده (١٠).
وذكر القفال أن النَّحْبَ يأتي على وجوه:
أحدها: النَّذْر, أي, قضى نذره.
стр. 2172
ومنها: الخطر, أي: فرغ من خطر الحياة، لأن الحي على خطر ما عاش.
ومنها: السَّيْر السريع, أي: سار بسرعة إلى أجله.
ومنها: النوبة, أي: قضى نوبته.
ومنها: النَّفَس، أي: فرغ من أنْفَاسِه.
ومنها: النَّصَب, أي: فرغ من نَصَبِ العيش وجهده.
قال: "وهذا كله يعود إلى معاني الموت وانقضاء الحياة" (١).
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ قيل: اللام متصل بقوله ﴿عَاهَدُوا﴾ ليجزي.
وقيل: ما بدلوا ليجزي.
وقيل: وعدنا الله ليجزي الله (٢).
وقيل: ابتلى المؤمنون ليجزي. وقيل: أمر بالوفاء ليجزي الصادقين بصدقهم على صدقهم (٣). ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ أي: الكاذبين.
﴿إِنْ شَاءَ﴾ في الاستثناء قولان:
أحدهما: أن من المنافقين من تاب من نفاقه فاستحق أن يتوب عليه.
والثاني: يعذب المنافقين بأن لا يوفقهم للتوبة من نفاقهم إن شاء، فالاستثناء من التوفيق لا من العذاب.
﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ لمن تاب.
﴿رَحِيمًا (٢٤)﴾ بعباده.
стр. 2173
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ مالاً. وقيل: ظفراً، وسماه خيرا بزعمهم. وروي عن عائشة إنها قالت: " خرجت يوم الأحزاب استروح الأخبار فإذا أنا برجل يقول: لبِّثْ رُويدًا يلحق الهيجاء جمل، فإذا أسيد بن حضير (١) وإذا امرأة تسوق بعيراً (٢) فقلت: ما الخبر؟ فقالت: رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً ورسول الله لم يمت، فأنزل الله على لسانها الآية (٣).
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بريح الصَّبَا، والملائكة، وكَبَّر الملائكة في عسكرهم فلما سمعوا التكبير قالوا: قد بدأ محمد بالسِّحْر، فانصرفوا لا يلوون على شيء.
стр. 2174
﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم: بنو قريظة، ظاهروا أبا سفيان والمشركين على رسول الله والمسلمين، وكانت بنو قريظة قد عاهدوا رسول الله ﷺ على التَّكَاف، فنقضوا العهد لمَّا رأوا كثرة الأحزاب ولم يشكوا أنهم يغلبون المؤمنين، فلما انهزم الأحزاب جاء جبريل وقال: يا محمد أتنزع لأمتك والملائكة لم يضعوا سلاحهم منذ أربعين ليلة؟ . ثم قال له: إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فإني قد قَطْعُت أوتادهم، وفَتَحْتُ أبوابهم، وتركتهم في زلزال وبلبال، واستلأم رسول الله ﷺ (١) ودعا عليًا فأعطاه لواءه، وأمر بلالاً فنادى: أَنْ لا تصلوا العصر إلا ببني قريظة، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁ (٢) فيهم، فحكم سعد أن يُقتل مقاتلتهم، ويُسبى ذراريهم، ويُقْسم أموالهم، ويكون عقارهم للمهاجرين، وقال للأنصار: إنكم ذوو عقار وليس للمهاجرين عقار.
فَكَبَّر رسول الله ﷺ وقال: قضى فيهم بحكم الله فوق سبعة أرقعة، فَقُتِل منهم أربعمائة وخمسون، وسُبِي سبعمائة وخمسون.
والمعنى: أنزل الله الذين أعانوا الأحزاب من اليهود (٣).
стр. 2175
﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ حصونهم، والصِّيصِية: القَرْن، وشوكة الديكة، وشوكة الحائك، والصِّيصية: الأصل أيضاً، ويحتمل أن يكون المعنى: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ من أصولهم أي: فَجَذَّ الله أصولهم (١).
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ الخوف. ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ الرجال.
﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)﴾ النساء والذراري.
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ مزارعهم. ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾ بلادهم وحصونهم.
﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾ المواشي، والذهب، والفضة، والأثاث.
﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ لم تقاتلوا عليها، قيل: هي خيبر (٢).
وقيل: مكة (٣).
وقيل: فارس والروم (٤).
وقيل: جميع ما يظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة (٥).
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ قادرًا بذاته.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ السعة في الدنيا، وكثرة المال.
стр. 2176
﴿وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ كان أزواج النبي ﷺ سألْنَه من عرض الدنيا, وآذينه بزيادة النفقة وبالغيرة, فهجرهن وآلى أن لا يقربهن شهرًا, فأنزل الله هذه الآيات فأمره الله بتخيير نسائيه حسمًا لمادة أذاهن فقرأها عليهن فاخترنه (١).
قوله ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطكن ما عندي، فيه أقوال:
قال بعضهم: إنما قال ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ لأن قولهن لو قلن نريد الحياة الدنيا وزينتها كان طلاق، فيكون بعده المتعة ثم التسريح، لأن هذا منه ﵊ كقول الرجل: لامرأته اختاري، فقالت: اخترت نفسي (٢)، وقع الطلاق.
وقال بعضهم: هذا تخيير بين الدنيا وزينتها وبين الآخرة ونعيمها، فإن اخترن الدنيا طلقهن حينئذ، وتقدير الآية على هذا: فتاعلين أطلقكن، وأمتعكن (٣)، وأسرحكن.
стр. 2177
وقال بعضهم: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بالطلاق (١)، وجاز تقديم المتعة لأنها من باب الأموال، وتقديم حقوق الأموال جائز، ومن قال: يقع الطلاق بمجرد قوله: اختاري فليس له من الآية دليل.
قوله ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: لاضرار فيه ولا مشاجرة.
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ أي: تنلن من صحبتي ما تردن من رضى الله. وقيل: جنته (٢).
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ معصية ظاهرة. وقيل: نشوزاً وسوء خلق (٣). وقيل: زنًا بَيِّن (٤).
﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي: ضعفي عذاب غيرهن من النساء تعظيماً لهن، كما جعل حد الحر ضعفي حد المملوك.
стр. 2178
قيل: هو في الدنيا (١). وقيل: هو في الآخرة (٢).
وقيل: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة (٣).
وقيل: جعل العذاب ضعفين كما جعل الأجر مرتين (٤).
قال أبو عبيدة: " ضعفين ثلاثة أعذبةٍ" (٥)، وأنكره الزجاج، وقطرب، وغيرهما من المفسرين وقالوا: ضعف الشيء مثله، ولا يكون أن يعطي على الطاعة أجرين وعلى المعصية ثلاثه أعذبة (٦).
ومحتمل أن أبا عبيدة لم يقل ثلاثة أعذبة من حيث رد عليه المفسرون لأن ذلك في غاية البعد، فإن الضِّعْفَ الواحد ينبئ حينئذ عن واحدٍ ونصفٍ ضرورة، وهذا لايقوله أحد بل من وجه آخر وهو: أن الدرهم إذا ضاعفته مرة صار درهمين، وإذا ضاعفته مرتين صار ثلاثة دراهم، فصار معنى قوله ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ يجعل لها العذاب ومثيله.
وما ذهب إليه بعض الفقهاء أن الرجل إذا قال: أَوْصَيت لزيد بضعف نصيب عمرو، ونصيب عمرو درهم يلزمه درهمان، ثم إن قال: (٧) بضعفي نصيب عمرو قال: تلزمه ثلاثة دراهم (٨) إستدلالاً بقول أبي عبيدة فشيئ لاوجه له في العربية، لأن أبا عبيدة ذهب إلى ذلك (٩) لوجود لفظ التضعيف أو المضاعفة وليس كذلك الوصية. والله أعلم.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: تضعيف العذاب على الله سهل. وقيل: ﴿يَسِيرًا﴾ أي: لااعتراض عليه.
стр. 2179
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ومن يَدُم منكن على طاعة الله وطاعة رسوله.
وقيل: ومن يطع (١).
وقيل: ومن يخضع (٢).
﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ طاعة.
﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ مثل ثواب غيرها.
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ جليل القدر، وهو الجنة. وقيل: ومن يقنت منكن بطاعة النبي (٣) فيما بينهن وبينه من أمور الزوجية، ويكون ذكر الله على وجه التعظيم كما سبق في قوله ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١].
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ أي: الله فضلكن على سائر النساء بأن جعلكن أزواجاً لنبيه الذي هو أكرم خلقه عليه، وذلك التقوى فألزمنها (٤).
وقيل: إن التكليف عليكن أشد، كما أن ثوابكن أكثر.
وقيل: تم الكلام على ﴿كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ثم استأنف فقال (٥) ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ﴾ وإنما قال ﴿كَأَحَدٍ﴾ ولم يؤنث لأن لفظه للعموم يقع للواحد والجمع والمذكر والمؤنث (٦).
وقيل: يقع على من يعقل وعلى من لايعقل أيضاً (٧).
قوله ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ أي: في مخاطبة الأجانب.
﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ نفاق. وقيل: فجور (٨).
وقيل: مَيْل إلى المعصية (٩).
стр. 2180
وقيل: شهوة. وقيل: حب الزنا (١).
﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ سديداً مستقيماً.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ من فتح فمن قَرِرتَ بالكسر أَقَر بالفتح، وكأن الأصل أْقررن فنقلت الفتحة إلى القاف فحذف الراء لالتقاء الساكنين والألف للاستغناء عنه، ومن كسر جعله من قَرَرَت بالفتح أقِر بالكسر على ما ذكرت (٢).
وقيل: هو أمر من وَقَرَ يَقِر، والمعنى: لاتخرجن من بيوتكن وكن فيها ذوات وقار وسكون (٣).
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ قيل: التبرج: التبختر في المشي والانكسار، وأصل البروج: الظهور (٤).
قال المؤرج: " لا تخرجن بلغة كنانة " (٥).
وقيل: التَّبرج: التزين، يستعمل في النساء خاصة (٦).
وقيل: التَّبرج: إظهار الزينة (٧)،
стр. 2181
والتقدير: لاتبرجن تبرجاً مثل تبرج النساء في ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.
والجاهلية: ماكنوا يتعاطونه مما لم يأت به شرع، والأول والأولى اسم للسابق المنفرد تأخر غيره عنه (١) أولم يتأخر.
واختلفوا في زمن الجاهلية:
فقيل: هو ما بين آدم ونوح ﵉ ثمانمائة عام (٢).
وقيل: مابين نوح وإدريس ﵉ (٣).
وقيل: ما بين عيسى ومحمد ﵉ (٤).
ابن عباس ﵄: كانت الجاهلية الأولى ألف سنة (٥).
وقيل: هو زمن داود ﵇ كانت المرأة تلبس درعاً من الؤلؤ مفرج الجانبين لا ثوب عليها غيرها تمشي في الطرق (٦).
وقيل: كانت في الجاهلية الأولى أمور قبيحة منها: أن المرأة كانت تجمع زوجاً وخِلْماً أي: خدناً (٧)، فتجعل للزوج النصف الأسفل وذلك ممنوع عن الخِلْم، وللخِلْم النصف الأعلى لا تمنع من تقبيلها وتَرَشُّفِها (٨)، فعند ذلك يقول أحد الخلوم لزوج صاحبته:
стр. 2182
فهل لك في البدال أبا حروب ... فأرضى بالأكارع والعجوب (١).
وقيل: الجاهلية الأولى قبل الاسلام، والثانية: حال من عمل بعمل أولئك في الإسلام (٢).
وقيل: الجاهلية الأولى هي: التي تقول لها الجاهلية الجهلاء (٣). ومعنى الأولى: القديمة (٤).
﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾ المفروضة.
﴿وَآَتِينَ الزَّكَاةَ﴾ الواجبة.
﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمر وينهى.
стр. 2183
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ في سبب النزول عن أبي سعيد ﵁ قال: " نزلت في خمسة؛ في النبي ﷺ ، وعلي، وفاطمة (١)، والحسن (٢)، والحسين (٣)، ﵃" (٤).
وعن أم سلمة ﵂ (٥) أن النبي صلى عليه وسلم كان في بيتها فأتته فاطمة ﵂ ببرمة فيها خزيرة (٦)،
стр. 2184
فدخلت بها عليه فقال لها: أُدعي لي زوجك وابنيك. قالت: فجاء علي، والحسن، والحسين، ﵃ فدخلوا وجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو ﵊ على منامة له، وكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أُصلى فأنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به ثم أخرج يديه فألوى بهما إلى السماء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم رجس الشيطان وطهرهم تطهيراً. قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنك إلى خير إنك إلى خير" (١).
ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في نساء النبي ﷺ (٢).
عكرمة: ليس الذي تذهبون إليه في الآية إنما هي في أزواج النبي ﷺ ، وكان عكرمة ينادي بهذا في السوق (٣).
والمحققون على أنها نزلت فيهم خمستهم، وفي جميع نساء النبي ﷺ بدليل ما تقدم وما تأخر من الآيات، ولأن امرأة الرجل من أهل بيته بدليل قول الله في قصة إبراهيم
﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣].
стр. 2185
ومن ذهب إلى الأول جعل هذا اعتراضاً وتقديره: وأَطِعْنَ الله ورسوله واذكرن ما يتلى (١)، وأهل البيت منصوب على النداء، وأجاز الزجاج نصبه على المدح (٢).
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ في ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ قولان:
أحدهما: اذكرن نعمتي عليكن إذ جعلتكن أهل بيت النبوة، ومعدن نزول الوحي، وأزواج رسول الله ﷺ .
والثاني: أَمَرَهُنّ أن يَتَّعِضْنَ به، ويعملن بموجبه.
وفي ﴿الْحِكْمَةِ﴾ قولان:
أحدهما: أنها الكتاب.
والثاني: وهو قول الجمهور أنها السنن (٣)، فيكون من باب قوله: متقلداً سيفاً ورمحاً (٤)، فإنه لايقال: تلوت السنة.
وقال أبو علي: التلاوة لاتستعمل إلا في قراءة كتاب الله (٥).
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أي: لطيفاً باختيارِكُن له، خبيراً بأحوالِكُن.
стр. 2186
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ في سبب النزول، قال قتادة: " لمَاَّ ذكر الله أزواج النبي ﷺ دخلت نساء من المسلمات عليهن وقلن: " ذُكِرتُن ولم نذكر ولو كان فينا خيراً ذُكِرْنا " فأنزل الله هذه الاية (١).
قال مقاتل بن حيان: " بلغني أن أسماء بنت عميس (٢) لما رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب (٣) دخلت على نساء النبي فقالت: " هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن لا. فأتت رسول الله صلى الله عليه الصلاة وسلم فقالت: إن النساء لفي خيبةٍ وخسار يارسول الله. قال ومم ذاك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فأنزل الله إن المسلمين والمسلمات" (٤)، وهم الذين على دين الإسلام في قوله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
стр. 2187
وقيل: المتذللين (١).
﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ هم الذين كتب في قلوبهم الإيمان.
وقيل: المُصَدِّقون الله فيما وعدهم وأوعدهم (٢).
﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ المطيعين لله في أمره ونهيه. وقيل: الدَّاعين (٣).
﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ أي: في أيمانهم، وعهودهم.
وقيل: في أخبارهم وأفعالهم (٤).
﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ على أمر الله وعن نهيه.
وقيل: الصابرين في البأساء والضراء (٥).
﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ المتواضعين، الخائفين. وقيل: المصلِّين (٦).
﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ الذين يخرجون زكاة أموالهم.
وقيل: المتطوعين بإعطاء النوافل (٧).
﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ يريد صوم شهر رمضان.
﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ أي: عَمَّا لا يحل, وأراد والحافظاتها فحذف من الثاني، لأن الأول يدل عليه.
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ بالتسبيح, والتحميد, والتهليل, والتكبير، والذاكراته.
وقيل: التَّالين القرآن (٨).
وقيل: المصلين (٩).
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ لذنوبهم.
﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ لطاعاتهم.
стр. 2188
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ في التفسير أنها نزلت في زينب بنت جحش (١) وأخيها، وذلك أن النبي ﷺ خطبها لزيد فكرهت ذلك وكرهه أخوها، فأنزل الله هذه الآية فرضيا به (٢).
وقال بعضهم كانت هذه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط (٣) وهبت نفسها للنبي صلى الله
عليه وسلم فزوجها زيد بن حارثه، فكرهت ذلك فنزلت (٤).
والمعنى: ما كان لأحد من أهل الإيمان حين حكم الكتاب أو السنة بأمر أن يختار غيره، ولا يجوز له أن يفعل إلا ما حكم الله به في القرآن (٥) أو حكم به رسوله في السنة.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ فخالف الكتاب. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ فخالف السُّنة.
﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ عن الصواب والرشاد. ﴿ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ غير خافٍ. والخِيَرَة: التخيرة، قاله الزجاج (٦).
الأخفش: أراده اختيار الشيء على غيره من أمرهم (٧).
ومعنى ﴿قَضَى﴾ حكم. وقيل: أحكم (٨).
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يعني بالإسلام.
﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق، والتَّبَني، يعني زيداً.
стр. 2189
وقيل: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ﴾ ذكر تعظيمًا وإجلالاً كما يقول الرجل لعبده: أعتقك الله وأعتقتك، ومثله (١) ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] وكذلك ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] في أحد وجوههما (٢).
وأجمع المفسرون على أنها نزلت في زينب بنت جحش، وكانت ابنت عمة النبي ﷺ زوجها منه بعد أن كانت تكره ذلك فرضيت لنزول الآية (٣) على ما سبق في الآية الأولى، وكانا لا يتفقان لما فيها من الكِبْر والحِدَّة، فلما رآهما لا يتفقان وكثرت شكاية زيد منها ومن تَكَبُّرها عليه، خطر بباله ﷺ لأجل القرابة التي بينهما أن لو طلقها لتزوجها النبي ﷺ ، ويؤويها إلى نفسه كما يضم القريب قريبه إلى نفسه، وكلما شكا زيد إليه (٤) قال له ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني زينب.
﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمرها.
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أي: وتخفي في نفسك نكاحها أن لو طلقها زيد، وهو الذي أبداه الله، فالمخفى المبدى هو النكاح.
وقال بعض المفسرين: إن زيبب شاورت رسول الله ﷺ في رجلين أن يتزوجها أحدهما: معاوية، والثاني: أبو الجهم.
стр. 2190
فقال: ﵊ أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يرفع عصاه عن أهله ولكني أزوجك من زيد فقالت: لا أرضاه وأنا أَيِّمُ قريش وابنة عمتك. فقال ﷺ : لكني أرضاه لك ونزلت الآية (١)، فرضيت.
ثم بعد أن تزوجها زيد أتى النبي ﷺ منزل زيد لحاجة فرأى زينب في درع وخمار فقال: سبحان الله مقلب القلوب وخرج، فلما عاد زيد أعلمته زينب ما كان من النبي ﷺ فعلم أنها وقعت في قلبه، وفي بعض الروايات فكرهت إليه في الوقت فأراد أن يفارقها.
وروي عن زينب أنها قالت: لما وقعت في قلب النبي ﷺ لم يستطعني زيد وما امتنع منه غير ما يمنعه الله مني فلا يقدر على ذلك فأتى النبي ﷺ وقال: إن زينب فيها كبر وأنا أريد طلاقها. فقال النبي ﷺ : أمسك عليك زوجك واتق الله وفي نفسه حب تزوجها أن لو طلقها، وهو قوله ﴿فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ (٢)
стр. 2191
يعني تزوجها ونكاحها لأن الله قال ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو سبحانه لم يبد إلا تزوجها ولو كان فيها غيره لابداه.
﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أي: وتخشى أن يعيب الناس ما فعلت.
وقيل: تستحي الناس (١).
وقيل: ﴿يَخْشَى﴾ تكره (٢).
وقيل: تخشى قالة الناس أي: يقولون أمره بتطليقها ثم تزوجها (٣).
وقيل: يقولون نكح امرأة ابنه (٤).
﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ لو كان في ذلك ما تخشى.
وروى المفسرون عن علي بن الحسين (٥) أنه قال: " كان الله سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيداً يُطلقها " (٦).
فيكون المعنى على هذا: وتخشى الناس في بيان ما أخبرك الله به من تزوجها والله أحق أن تخشاه فلا تكتم ما أخبرك به أي: هَلَاّ أظهرت ذلك، ولم قُلْتَ له ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ بعد ما أخبرك به فأظهرت خلاف ما أضمرت (٧)، وكان أن تخشى الله في إظهار غير ما في القلب أولى من أن تخشى الناس.
стр. 2192
قالت عائشة: " لو كتم رسول الله ﷺ شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية" (١).
وقال الحسن: "ما أتت عليه أشد منها" (٢).
وقال القفال: " ليس في هذه القصة عتاب لرسول الله ﷺ ولا إضافة مكروه إليه فيما كان منه، وذلك أنها إن وقعت بقلبه فلا لوم عليه فيه لأنه ليس من فعل العبد" (٣). ومعنى الآية: أن الله أخبره بإكرامه إياه بإيصاله إلى محبته فقال ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: تقول هذا عاملاً بما يلزمك أن تعمله لأن من يقع في قلبه استحسان امرأة غيره فلا لوم عليه في ذلك ولا عيب، ولكن ينبغي له أن لا يظهر لذلك أمرًا يخرج معه إلى مساءة زوج المرأة، ولا أن يسعى في إفساد ما بينهما بإغراء، وتضريب، وسعاية، وإكراه على الفراق فإذا لم تفعل هذا فقد جاهدت نفسك وعلى الله ثوابك.
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو محبتك لأن تَبِينَ من زوجها فتتزوجها، فتقضي وطرك منها بالوجه الذي أباحه الله لك, وهذا أيضاً مدح له (٤).
﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أي: قَالة الناس لو أظهر الله ما أخفيت فيزوجكها بأن يقولوا: نكح امرأة ابنه، أو يقولوا هَوِيَها فَعَلِمَ بذلك زيد فطلقها.
стр. 2193
﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ أي: لو كان في ذلك ما تخشى بأن يكون فعلاً لك لكان الله عندك أحق بأن تخشاه، فلم تكن لتفعله أصلاً فمن لامك فهو جاهل فلا تكترث بلومه.
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أي: فقد أكرمْتُك بأن كَرَّهْتَها إلى زيد فطلقها فزوجتكها إيصالاً لك إلى محبتك، وتوسعة عليك في المَلاذ المباحة لك.
﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ في نكاح أزواج المتبنين.
﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ قوله ﴿قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ كناية عن الطلاق كما يقول الرجل لامرأته: لا حاجة لي فيك يريد به طلاقًا فتطلق.
وقيل: قضى محبته منها بغضتها إليه (١).
وقيل: فلما نال منها مراده وملها فطلقها (٢).
ومعنى قضاء الوطر: إدراك الحاجة وبلوغ المراد منه (٣).
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ أي: ما قضاه الله كائن.
وقيل: وكان تزوج زينب كائناً لا محالة (٤).
وقيل: وكان قضاء الله في تزويج الأدعياء كائناً بخلاف أبناء الولادة وابناء الرضاع (٥).
وجاء في الحديث أن زينب كانت تفتخر على سائر نساء النبي ﷺ وتقول: إن الله تولى إنكاحي من النبي ﷺ ، وأنتن إنما زوجكن أولياؤكن" (٦).
стр. 2194
قال الشعبي: " كانت زينب تقول للنبي ﷺ إني لأُدْلِ عليك بثلاث لا تُدْلِ بها غيري؛ جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله في السماء، وإن السفير جبريل" (١).
وقال يحيى بن سلام (٢): " دعا رسول الله ﷺ زيدًا فقال له: إئت زينب فأخبرها أن الله تعالى قد زوجنيها، فانطلق زيد واستفتح الباب فقالت: من هذا؟ فقال: زيد. قالت: وما حاجة زيد إليَّ وقد طلقني؟ فقال: رسول الله أرسلني. فقالت: مرحبًا برسول الله رسول الله، ففتحت له فدخل عليها وهي تبكي فقال زيد: لا أبكى الله عينك قد كنت نعمت المرأة إن كنت لتَبَرِّين قسمي، وتطيعين أمري, وتتبعين دعوتي, وقد أبدلك الله خيراً مني. قالت: من لا أبالك؟ قال: رسول الله ﷺ فخرت ساجدة" (٣).
قال أنس: " وجاء رسول الله ﷺ حتى دخل عليها بغير إذنٍ" (٤).
وكانت زينب أول امرأة ماتت بعد موت النبي ﵊ من أزواجه, وأول امرأة حُمِلت على نعش لأن عمر ﵁ قال حين ماتت: " واسوأتاه تُحْمَلُ أم المؤمنين مكشوفة كما يحمل الرجال"، فقالت أسماء بنت عميس (٥): يأمير المؤمنين أني كنت شاهدت في بلاد الحبشة شيئاً فيه للمرأة صيانة فوصفته له فأمر بعمله, فلما رآه قال: نعم خباء الظعينة (٦).
стр. 2195
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ إثم وضيق.
﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أحل له وأمره به، وهو نكاح زينب امرأة زيد.
وقيل: ﴿فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ وَقَّتَ له من عدد النساء (١).
وقيل: معناه: في التي وهبت نفسها للنبي (٢).
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: سنة الله في الأنبياء الذين مَضَوا من قبله في زوال الحرج منهم ومن أمتهم فيما أباحه وأحله لهم من الملاذّ والمناكح.
الكلبي، ومقاتل: أراد داود ﵇ جمع الله بينه وبين المرأة التي هويها حتى ولدت ولداً مثل سليمان ﵇ (٣).
وقيل: الإشارة بالسنة إلى النكاح فإنه من سنة الأنبياء (٤).
وقيل: إلى كثرة الأزواج، مثل قصة داود وسليمان ﵉ (٥).
стр. 2196
و ﴿سُنَّةَ﴾ نُصِبَ على المصدر من غير لفظ الفعل الأول، وقال الكوفيون نصب على القطع.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ ماضياً كائناً.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ أي: الذين كانوا يبلغون فحذف "كان" لأن قوله
﴿خَلَوْا﴾ يَدُل عليه.
﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ هذه صفة الذين خلوا من قبل ومحله جر، والمعنى: لا يخشون قَالَةَ الناس ولائمتهم فيما أحل الله لهم وفرض عليهم.
القَفَّال: يجوز أن يكون وصفاً للنبي في قوله ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾ ويكون المراد به العموم، قال: " ويجوز أن يكون رفعًا بالخبر، ويجوز أن يكون نصبًا بأعني" (١).
وقيل: هذه الخشية غير تلك؛ لأن تلك في الدين وهذه استحياء وكانت في حق نفسه ﵊ (٢).
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبهم عليها (٣).
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أي: من رجالكم البالغين, وليس المراد بالرجال الذكور فإنه ﷺ كان أبا القاسم, والطيِّب, والطاهر, وإبراهيم, والحسن (٤) , والحسين (٥) , ﵉، فإن النبي ﷺ قال: " كل بني إبنةٍ منسوبون إلى أبيهم إلا الحسن والحسين"، وروي" إلا أولاد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم (٦) ".
стр. 2197
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ قرئ بالكسر والفتح (١)؛ فمن كسره جعله اسم الفاعل من ختم أي: خُتِمَ به النبيين (٢) فليس بعده نبي، ومن فتح جعله اسمًا أي: آخر النبيين، وقيل: الفتح والكسر لغتان في الاسم (٣).
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ فلعلمه بمصلحة عباده جعل محمدًا ﷺ آخر النبيين، وأفاد دخول ﴿وَلَكِنْ﴾ أن محمداً ﷺ ليس بأبي أحدٍ من رجالكم بل هو أبو الجميع كما في مصحف أُبي (وهو لهم أب).
وقيل: الفائدة فيه نفي الابن لأن منصبه يقتضي ان ابنه لو عاش لكان نبيَّاً (٤)، فلم يكن النبي ﷺ حينئذ خاتم النبيين، فلما كان خاتم النبيين عُلم أنه ما كان محمد أبا أحد من رجالكم (٥).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير.
وقيل: اذكروه أي: أطيعوه، والطائع لله ذاكرُ الله وإن كان ساكتاً، ولا تكونوا كالمنافقين الذين لا يذكرون الله إلا قليلاً (٦).
﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً﴾ أول النهار. ﴿وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ آخر النهار.
وقيل: التسبيح الصلاة أي: صلوا بالغداة والعشي (٧)،
стр. 2198
وخصتا بالذكر لأن ملائكة الليل وملائكة النهار مجتمعون فيهما. وقيل: ﴿بُكْرَةً﴾ صلاة الفجر، ﴿وَأَصِيلًا﴾ الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء (١).
وقيل: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ دائمًا (٢).
أبو عبيدة: الأصيل: العصر (٣). غيره الأصيل: العشي (٤).
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي: هو الذي يرحمكم معاشر المؤمنين.
﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ أي: يستغفرون لكم بأمره من قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ الآيات [غافر: ٧ - ٩].
وقيل: نزلت هذه بعد نزول قوله ﴿وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وسيأتي ذكره إن شاء الله (٥).
﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: من الضلالة إلى الهدى، ومن الشرك إلى الإيمان.
وقيل: من ظلمات جهنم إلى نور الجِنَان (٦). وقيل: من الجهل إلى العلم (٧).
والمعنى: ليستديموا الخروج من الظلمات إلى النور لا أنهم حين يصلي الله عليهم وملائكته في الظلمات (٨).
وقيل: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يثني عليكم من قوله ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
أبو عبيدة: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يبارك عليكم (٩).
стр. 2199
الفَرَّاء: ﴿يُصَلِّي﴾ يغفر لكم وملائكته تستغفر لكم (١).
وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره: وسبحوه بكرة وأصيلاً ليخرجكم من الظلمات إلى النور هو الذي يصلي عليكم وملائكته (٢).
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ أي: تحية المؤمنين من الله يوم دخول الجنة سلام.
وقيل: تحيتهم من الله السلامة لهم من جميع الآفات، فيكون مضافًا إلى المفعول (٣).
وقيل: تحية بعضهم بعضاً السلام (٤).
وقيل: تحييهم الملائكة على أبواب الجنة بالسلام، وإذا دخلوها حيّا بعضهم بعضًا (٥) بالسلام ثم يأتيهم تحية ربهم إياهم بالسلام (٦).
وقيل: تحيتهم يوم يلقون الموت سلام أي: يحييهم ملك الموت ويقول: الله يقرؤك السلام (٧). ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ ثوابًا عظيم القدر يعني: الجنة ونعيمها.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ لأمتك وعليهم ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين. ﴿وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ للكافرين. ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى توحيده.
﴿بِإِذْنِهِ﴾ بأمره لك بالدعاء. وقيل: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بتوفيقه (٨).
стр. 2200
﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ أكثر المفسرين على أن السِّرَاج القرآن، فيكون له تقديران: أحدهما: وتالياً سراجًا.
والثاني: وذا سراجٍ منير، ذا كتابٍ بين (١).
وقيل: السِّرَاج المنير صفة للنبي ﷺ أي: ضياء لمن اهتدى به (٢).
وقيل: السِّرَاج المنير الدال المبين للناس أمور دينهم حتى يتبينوا ذلك كتبينهم بالسراج (٣).
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ أي: يعطيهم الزيادة على ما يستحقون.
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فيما يدعونك إليه من مهادنة.
﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ الأذى بمعنى: الايذاء، فيحتمل أن يكون مضافًا إلى الفاعل أي: لا تُبالِ بهم ولا تخف من إيذائهم إياك.
وقيل: تحمل عنهم، ويحتمل أن يكون مضافًا إلى المفعول أي: دع إيذاءك اياهم، وإليه ذهب الحسن، وقال: هي مكية ومثلها ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] فتكون منسوخة، والأول أظهر (٤).
стр. 2201
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فَوِّض أمورك إليه فإنه لك كافٍ (١)، وهذا يقوي الوجه الأول.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ حافظاً ومعيناً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: إذا تزوجتم النساء المؤمنات.
﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ تجامعوهن.
﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ فليس عليهم أيام التربص بأنفسهن.
﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ اعتدّ يأتي على وجهين:
أحدهما: بمعنى: عَدَّ، تقول: عَدَّ الشيء واعتده أحصاه، ومنه: اعتدت المرأة فيكون إسناده إلى الرجال في هذه الآية لبيان أن العدة حق الزوج استبراء للرحم.
والثاني: بمعنى استوفى، كما تقول: زانه وازدانه، وكاله واكتاله، وعده عليه واعتده، فيكون المعنى: فما لكم عليهن من عدة تستوفونها.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ هذا لغير المدخول بها غير المفروض لها، أن المفروض لها نصف ما فرض، وذهب بعضهم إلى أن المتعة واجبة لكل مطلقة، وقد سبق في البقرة (٢).
стр. 2202
﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ طلقوهن للسنة، وقيل: أخرجوهن من منازلكم إذ ليس لكم عليهن عدة (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن، وسمي أجرًا لأنه العوض عن الشيء، أي: تزوجتهن على مهر مفروض معلوم.
﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ في التفسير كانت عنده صفية بنت حييّ (٢)، وجويرية بنت الحارث (٣) وكان النبي ﷺ أعتقهما وتزوجهما، ومارية القبطية (٤) أهداها ملك اسكندر.
стр. 2203
القفال: هي ما كان يصطفيه من الغنائم مما يشاء من جارية وغيرها (١).
﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ بنات العباس وغيره من أولاد عبدالمطلب.
﴿وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ من ولد بنات عبدالمطلب.
﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ من ولد عبد مناف بن زهرة.
﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ هاجرن دار الشرك كما هاجرت، ووحَّدَ العم والخال وجمع العمات والخالات لأن بني العم وبني الخال كَثُرَ دَوْرُها في الكلام فَحَسُنَ الإيجاز وُعِرف (٢)، ولم يكثر دورها مع العمة والخالة فجاءت على الأصل.
المبرد: الواحد الذي يقوم مقام الجمع لا يكون إلا مذكرا نحو ﴿الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، و ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا﴾ [الأنبياء: ٨]، قال (٣) ": ولم يأت مثل ذلك في المؤنث" (٤).
﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ﴾ تم الكلام على قوله ﴿هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ ثم استأنف فقال ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ﴾ ﴿نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أحللنا له فيكون بمعنى المستقبل، لأن الشرط لا يكون في الماضي البتة، ويقوي هذا قول ابن عباس ﵄، ومجاهد فإنهما قالا: "لم يكن عنده ﷺ امرأة وهبت نفسها له" (٥).
قال القفال: " معنى ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ إدامة إحلال من كن عنده ﷺ واستئناف إحلال من لم يكن عنده" (٦).
стр. 2204
وقرئ (أن وهبت) بالفتح، ووهبت من غير (إن) فعلى هذين الوجهين محمول على الأول (١). واختلفوا في الواهبة نفسها منه ﷺ :
قال ابن عباس ﵄، ومجاهد: لم يكن عنده امرأة وهبت نفسها له (٢)، كما ذكرت.
قالت عائشة: " إنها خولة بنت حكيم" (٣)، (٤).
وقيل: ميمونة بنت الحارث (٥)، (٦).
стр. 2205
وقيل: زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار (١)، (٢).
وقيل: هي أم شريك بنت جابر (٣)، (٤).
﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ نكح واستنكح بمعنى، وقيل: طلب نكاحها.
стр. 2206
﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ابن زيد في جماعة معناه: أن الواهبة نفسها لك خالصة لا يحل لأحد من أمتك أن يتزوجها في حياتك وبعد وفاتك (١).
قتادة، ومجاهد: هو أن يتزوجها بغير مهر، ولا يحل لغيرك (٢).
وقيل: إن النكاح بغير ولي ولا شهود خالصة للنبي (٣).
وقيل: تملك نكاحها بلفظ الهبة وليس ذلك لغيرك (٤).
وقيل: خلو الوطئ عن البدل خالصة لك (٥).
وقيل: خالصة صفة للمرأة، أي: خَصَّك الله بها (٦).
وقيل: خالصة يرجع إلى جميع ما في الآية (٧)، أي: هذا الاكثار من النكاح خالصة لك من دون المؤمنين، وأنهم مقصورون على أربع نسوة (٨)، وهذا القول عن أبي بن كعب (٩). وخالصة، وخاصة (١٠) مصدران يستوي فيهما لفظ المذكر والمؤمنث كالخاطئة، والكاذبة، واللاغية، بمعنى: الخطيئة، والكذب، واللغو.
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ يريد شرائط صحة النكاح من حضور الولي، والشهود، والصداق، وأن يكون على عدد معلوم (١١).
стр. 2207
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ بالشري وغيره من وجوه إلإملاك.
وقيل: قد علمنا ما فر ضنا عليهم في أزواجهم فقصرناهم على أربع (١).
﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ ضِيق وحظر، ولام ﴿لِكَيْلَا﴾ متصل بما قبله أي: قد خصصناك في باب النكاح بأشياء لكيلا يكون عليك حرج في النكاح، فعلى هذا يكون قوله ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ متصلاً بالمؤمنين، والوصل أحسن من الوقف (٢).
ويحتمل أن يكون المعنى: لكيلا يكون عليك حرج إذا سألك المؤمنون عن فرض النكاح.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لمن قام بهذه الأحكام ولم يتعدها.
﴿رَحِيمًا (٥٠)﴾ حيث وسَّع عليه الأمر.
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ في سبب النزول أنها نزلت حين غار بعض نساء النبي ﷺ وآذينه بالغيرة وطَلَبِ زيادة النفقة، فهجرهن رسول الله ﷺ شهرًا حتى نزلت آية التخيير، وأمره الله أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة، وأن يُخلي سبيل من اختارت الدنيا، ويمسك من اختارت الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، ولا يَنكحن أبدًا، وعلى أنه يؤوي من يشاء إليه، ويرجي من يشاء منهن ويرضين به قَسَمَ لهن أو لم يَقْسِم، أو فَضَّلَ بعضهن على بعض في النفقة والقسمة، ويكون الأمر في ذلك إليه يفعل ما يشاء فرضين بذلك كله، فكان رسول الله ﷺ مع هذا كله يُسوي بينهن في القَسْم (٣).
стр. 2208
روت معاذة (١) عن عائشة قالت: " كان رسول الله ﵊ بعد ما نزلت هذه الآية يستأذننا إذا كان في يوم المرأة منا". قالت معاذة: فقلت ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول: إن كان ذلك إليّ لم أوثر أحداً على نفسي" (٢).
وعن هشام بن عروة (٣) عن أبيه عن عائشة ﵄ أنها قالت لرسول الله ﷺ حين نزلت هذه الآية: " أرى ربك يُسارع لك في هواك " (٤).
والإيواء: الضَّمُ والتقريب. والإرجاء: التأخير يُهمز ولا يُهمز (٥).
стр. 2209
وكانت ممن آوى: عائشة، وحفصة (١)، وزينب، وأم سلمة (٢).
وكانت ممن أرجى: أم حبيبة (٣)،
وميمونة (٤)، وصفية (٥)، وسودة (٦)، وجويرية (٧)، ﵅.
ابن عباس ﵄: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي تُطلق من تشاء وتمسك من تشاء (٨).
﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ طلبت. ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي: طَلَّقْتَ بالرجعة.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ الحسن: هذا في الابتداء أي: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت، ومن طلبت ممن تركت فلا جناح عليك (٩).
стр. 2210
وقيل: هذا متصل بقوله ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أي: ترد نكاح من شئت، وتقبل نكاح من شئت (١).
مجاهد: تَعزل من شئت منهن فلا تأتيها وتأتي من شئت فلا تعزلها (٢).
﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قتادة: تؤخر عن الفراش، وتؤوي إلى الفراش (٣). ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ يجوز أن يكون رفعاً بالابتداء ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ خبره، ولايجوز أن يكون نصبًا، ويكون شرطا ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ جزاؤه.
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي: إنك إذا لم تجعل لواحدة منهن يوماً (٤) كُنَّ في ذلك سواء تؤمل أن تؤويها على فراشك بدلا عن صاحبتها.
وقيل: هذا يرجع إلى قوله ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي: إذا أويت المعزولة طابت سائر المعزولات نفسًا فلم ينقطع طمعهن فيك.
وقيل: معناه هذا الذي أبحته لك من ترك القَسْم وغيره إذا علمن أنه من قِبَلي ومن أمري طابت نفوسهن بذلك منك لعلمهن بالثواب على طاعتهن، وإذا كان من قبلك حزن وحملن على ميلك إلى بعضهن دون بعض (٥).
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فاجتهدوا في الإحسان إليهن وطلب رضاهن.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمن عدل فيهن.
﴿حَلِيمًا (٥١)﴾ عمن لايعدل فلا يعجل بالجزاء، و ﴿كُلُّهُنَّ﴾ رفع تأكيد للضمير في
﴿يَرْضَيْنَ﴾.