← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ابن زيد في جماعة معناه: أن الواهبة نفسها لك خالصة لا يحل لأحد من أمتك أن يتزوجها في حياتك وبعد وفاتك (١). قتادة، ومجاهد: هو أن يتزوجها بغير مهر، ولا يحل لغيرك (٢). وقيل: إن النكاح بغير ولي ولا شهود خالصة للنبي (٣). وقيل: تملك نكاحها بلفظ الهبة وليس ذلك لغيرك (٤). وقيل: خلو الوطئ عن البدل خالصة لك (٥). وقيل: خالصة صفة للمرأة، أي: خَصَّك الله بها (٦). وقيل: خالصة يرجع إلى جميع ما في الآية (٧)، أي: هذا الاكثار من النكاح خالصة لك من دون المؤمنين، وأنهم مقصورون على أربع نسوة (٨)، وهذا القول عن أبي بن كعب (٩). وخالصة، وخاصة (١٠) مصدران يستوي فيهما لفظ المذكر والمؤمنث كالخاطئة، والكاذبة، واللاغية، بمعنى: الخطيئة، والكذب، واللغو. ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ يريد شرائط صحة النكاح من حضور الولي، والشهود، والصداق، وأن يكون على عدد معلوم (١١).

стр. 2207

﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ بالشري وغيره من وجوه إلإملاك. وقيل: قد علمنا ما فر ضنا عليهم في أزواجهم فقصرناهم على أربع (١). ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ ضِيق وحظر، ولام ﴿لِكَيْلَا﴾ متصل بما قبله أي: قد خصصناك في باب النكاح بأشياء لكيلا يكون عليك حرج في النكاح، فعلى هذا يكون قوله ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ متصلاً بالمؤمنين، والوصل أحسن من الوقف (٢). ويحتمل أن يكون المعنى: لكيلا يكون عليك حرج إذا سألك المؤمنون عن فرض النكاح. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لمن قام بهذه الأحكام ولم يتعدها. ﴿رَحِيمًا (٥٠)﴾ حيث وسَّع عليه الأمر. ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ في سبب النزول أنها نزلت حين غار بعض نساء النبي ﷺ وآذينه بالغيرة وطَلَبِ زيادة النفقة، فهجرهن رسول الله ﷺ شهرًا حتى نزلت آية التخيير، وأمره الله أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة، وأن يُخلي سبيل من اختارت الدنيا، ويمسك من اختارت الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، ولا يَنكحن أبدًا، وعلى أنه يؤوي من يشاء إليه، ويرجي من يشاء منهن ويرضين به قَسَمَ لهن أو لم يَقْسِم، أو فَضَّلَ بعضهن على بعض في النفقة والقسمة، ويكون الأمر في ذلك إليه يفعل ما يشاء فرضين بذلك كله، فكان رسول الله ﷺ مع هذا كله يُسوي بينهن في القَسْم (٣).

стр. 2208

روت معاذة (١) عن عائشة قالت: " كان رسول الله ﵊ بعد ما نزلت هذه الآية يستأذننا إذا كان في يوم المرأة منا". قالت معاذة: فقلت ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول: إن كان ذلك إليّ لم أوثر أحداً على نفسي" (٢). وعن هشام بن عروة (٣) عن أبيه عن عائشة ﵄ أنها قالت لرسول الله ﷺ حين نزلت هذه الآية: " أرى ربك يُسارع لك في هواك " (٤). والإيواء: الضَّمُ والتقريب. والإرجاء: التأخير يُهمز ولا يُهمز (٥).

стр. 2209

وكانت ممن آوى: عائشة، وحفصة (١)، وزينب، وأم سلمة (٢). وكانت ممن أرجى: أم حبيبة (٣)، وميمونة (٤)، وصفية (٥)، وسودة (٦)، وجويرية (٧)، ﵅. ابن عباس ﵄: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي تُطلق من تشاء وتمسك من تشاء (٨). ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ طلبت. ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي: طَلَّقْتَ بالرجعة. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ الحسن: هذا في الابتداء أي: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت، ومن طلبت ممن تركت فلا جناح عليك (٩).

стр. 2210

وقيل: هذا متصل بقوله ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أي: ترد نكاح من شئت، وتقبل نكاح من شئت (١). مجاهد: تَعزل من شئت منهن فلا تأتيها وتأتي من شئت فلا تعزلها (٢). ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قتادة: تؤخر عن الفراش، وتؤوي إلى الفراش (٣). ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ يجوز أن يكون رفعاً بالابتداء ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ خبره، ولايجوز أن يكون نصبًا، ويكون شرطا ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ جزاؤه. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي: إنك إذا لم تجعل لواحدة منهن يوماً (٤) كُنَّ في ذلك سواء تؤمل أن تؤويها على فراشك بدلا عن صاحبتها. وقيل: هذا يرجع إلى قوله ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي: إذا أويت المعزولة طابت سائر المعزولات نفسًا فلم ينقطع طمعهن فيك. وقيل: معناه هذا الذي أبحته لك من ترك القَسْم وغيره إذا علمن أنه من قِبَلي ومن أمري طابت نفوسهن بذلك منك لعلمهن بالثواب على طاعتهن، وإذا كان من قبلك حزن وحملن على ميلك إلى بعضهن دون بعض (٥). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فاجتهدوا في الإحسان إليهن وطلب رضاهن. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمن عدل فيهن. ﴿حَلِيمًا (٥١)﴾ عمن لايعدل فلا يعجل بالجزاء، و ﴿كُلُّهُنَّ﴾ رفع تأكيد للضمير في ﴿يَرْضَيْنَ﴾.

стр. 2211

﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ في هذه الآية أقوال: علي، وابن عباس ﵄، والضحاك، ذهبوا إلى أنها منسوخة بالآية التي سبقت وهي ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ وإلى هذا ذهبت عائشة ﵂، وقالت: "ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء " (١). وعن أم سلمة ﵂ قالت: " لم يَمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء من شاء إلا ذات مَحْرم " (٢). ولا يمتنع صحة هذا التأويل لتقدم الآية الناسخة على المنسوخة، لأن ذلك في التلاوة لا في النزول كما قلنا ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] في البقرة (٣). والقول الثاني: أنها محكمة، وأن الله أحل لنبيه نساءه التسع وستة أصناف أخرى؛ بنات العمّ، وبنات العمة، وبنات الخال، وبنات الخالة، وامرأة مؤمنة تهب نفسها للنبي (٤)، وماشاء من الإماء، وحرم ما سوي ذلك من الكتابيات، والعربيات النسب كما تقدم في الآية الأولى وهي ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية (٥).

стр. 2212

والقول الثالث: قال الحسن: قَصَره الله على التسع اللاتي اخترن الله ورسوله، وحَرَّم عليه أن يتزوج سواهن، وأباح له التسري ما شاء (١). قوله ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ قيل: من بعد هذه الصفة. وقيل: من بعد المسلمات (٢). وقيل: من بعد ما قص عليك (٣). وقيل: من بعد اللواتي عندك (٤). ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ أي: ليس لك أن تستبدل بهن غيرهن وإن وقع في قلبك حبهن. قيل: إن التي أعجبه حسنها أسماء بنت عُميس بعد قتل جعفر بن أبي طالب (٥) عنها (٦).

стр. 2213

وقيل: حرم عليه أن يبدل بعض نسائه (١) بيهودية أو نصرانية، وفيه بُعْد (٢). وأبعد من هذا ما حكي عن ابن زيد أن العرب كانت تبادل بأزواجها، يقول أحدهم للآخر (٣): خذ زوجتي وأعطني زوجتك، فنفي الله ذلك عنه ﷺ ، وهذا يقتضي، ولا أن تُبادل بهن (٤). قوله ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أي: الإماء، و ﴿مَا﴾ محله رفع وإن شئت قلت نصب. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾ حافظاً غير ساه ولا غافل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ في سبب النزول أن النبي ﷺ لما بَنى بزينب بنت جحش أوْلمَ عليها بتمر وسَويق (٥)، وذبح شاة. قال أنس ﵁: " وبَعَثَتْ أمي أم سُلَيم (٦) بِحَيْس (٧)

стр. 2214

في تور من حجارة فأمرني النبي ﷺ أن أدعو أصحابه إلى الطعام، فدعوتهم فجعل القوم يجيؤن ويأكلون ويخرجون ثم يجيء القوم فيأكلون ويخرجون. فقلت يا نبي الله: قد دعوت حتى ما أرى أحدًا أدعوه. فقال: ارفعوا طعامكم فرفعوا، وخرج القوم وبقى ثلاثة يتحدثون في البيت فأطالوا المكث وتأذى بهم رسول الله ﷺ وكان شديد الحياء، فنزلت هذه الآية (١). ابن عباس ﵄: نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام رسول الله فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يُدْرِك ثم يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله صلى الله ﷺ يتأذي بهم فنزلت هذه الآية (٢). والمعنى: لا تدخلوا منازل النبي إلا أن يُؤْذَن لكم إلى طعام، أي: إلا أن يدعوكم إلى طعام يريد أن يُطْعِمْكُموه، والتقدير: إلا أن يؤذن ولأن يؤذن لكم. ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ غير منتظرين إدراكه وما يُراد أن يبلغه، وفيه ثلاث لغات: أنى الشيء إناءً، وأناً، وأنياً (٣).

стр. 2215

و ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ حال من ﴿لَكُمْ﴾، والمعنى: غير منتظرين إناه، وقرئ في الشواذ (غيرِ) بالجر، وأجازه الفَرَّاء، وهو ضعيف عند البصريين غير جائز لأنه جري على غير من له الفعل فلابد من إبراز الضمير وهو أنتم (١). ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ تفرقوا ولا تمكثوا بعد الفراغ من الطعام. ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: لا تشتغلوا بعد الفراغ من الطعام بحديث يحدث بعضكم بعضًا ليؤنسه به. و﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾ نصب بالعطف على ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾. الفَرَّاء: جر بالعطف على ناظرين أي: غير ناظرين وغير مستأنسين (٢). الزجاج: نصب تقديره: لا تدخلوا مستأنسين (٣). ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أي: إن في لبثكم بعد الفراغ أذى (٤) للنبي يضيق المنزل عليه وعلى أهله، فيستحي منكم أن يأمركم بالخروج من منزله. ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ لا يترك إبانة الحق بل يأمركم بما فيه تعظيم نبيه بترك دخول بيته بغير إذنه، وترك اللبث في منزله بعد الفراغ مما يدعوكم له. وقرئ بين يدي إسماعيل بن حكيم (٥)

стр. 2216

هذه الآية فقال: "هذا أدب أَدَّب الله به الثقلاء" (١)، وعن الحسن، والسدي قالا: " ذكر الله الثقلاء في القرآن فقال ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ " (٢). ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ أثاثاً، وقيل: صحف القرآن (٣). وقيل: شيئًا مما ينتفع به من طعام وآلة وأداة (٤). ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ذهب جل المفسرين إلى أن سبب نزول آية الحجاب قول عمر ﵁ للنبي ﷺ " لو حَجَّبْتَ أمهات المؤمنين فإنه يدخل عليك البر والفاجر " (٥). وفي سبب النزول أن رجلاً كان يأكل مع النبي ﷺ وعائشة ﵂ معهما فأصابت يد الأعرابي يد عائشة فكره النبي ﷺ ذلك. وقيل: كان ذلك الرجل عمر فأصابت أصبعه أصبع عائشة فقال: حس وهي كلمة تستعمل عند الوجع من الشيء مثل أوه لو أطاع ما مارأتكن عين فنزلت آية الحجاب (٦). وقيل: نزلت في عرس زينب ﵂ كما سبق، فَضَرب عليهن رسول الله ﷺ الحجاب وأُمرن أن يحتجبن من المؤمنين (٧).

стр. 2217

قوله ﴿سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ يريد نساء النبي ﷺ ، ولم يتقدم في الآية ذكرهن لكن لفظ البيوت دلت عليهن كأنه قال: لا تدخلوا بيوت النبي وفيها النساء. وقيل: النساء عام، وذهب بعضهم إلى أن البيوت هاهنا النساء (١)، كما قال الشاعر: مالي إذا نَزَعْتُها صَأيْتُ ... أَكِبَرٌ غَيّرني أم بَيْتُ (٢). وهذا بعيد، لا يقال دخلت البيت إذا أرادوا به المرأة. ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من خواطر الشيطان وعوارض الفتن من ميل الرجال إلى النساء والنساء إلى الرجال طبعًا. ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن هذا هو الأول، وتقديره: إن ذلكم كان يؤذي النبي وليس لكم أن تؤذوا رسول الله، و ﴿كَانَ﴾ زيادة عند أبي عبيدة، بل أفاد كان أن هذا هو حكم الله السابق (٣). والقول الثاني: أن تؤذوا رسول الله بمخالفة ما أمر الله في حق نسائه. ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ أي: بعد موته، وقيل: بعد فراقه وطلاقه (٤). وفي سبب النزول عن ابن عباس قال رجل من سادة قريش: لو توفي رسول الله لتزوجت عائشة، فأنزل الله ما أنزل (٥).

стр. 2218

أي: ما كان لكم أن تؤذوه في حياته ولا بعد مماته، لأن من فارق الدنيا وعنده أن امرأته لا تَنْكح زوجاً بعده كان ذلك أطيب لنفسه (١) في تلك الحالة، وإنما حرمن لأنهن أمهات المؤمنين والرجل لايَنْكح أمه، ولأنهن أزواج النبي ﷺ في الجنة، والمرأة في الجنة لآخر أزواجها كما جاء في الحديث (٢)، ولهذا لم يجب عليهن العدة بوفاة رسول الله صلى الله عليه، ولزمت نفقاتهن في بيت المال. وقيل: وجبت عليهن العدة لأنها عبادة (٣). ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ أي: إيذاء النبي ﷺ . وقيل: نكاح نسائه من بعده وإظهار هذه اللفظة في حال حياته (٤). ﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ في الإثم يُستحق عليه الوعيد. ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ فيه إيذاء النبي ﷺ .

стр. 2219

﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في أنفسكم مما لو ظهر له لآذاه، ويحتمل أن بعضهم أضمر نكاح بعض نسائه في قلبه وبعضهم أظهر فتوعد بذلك الفريقان بقوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾ أي: فاحذروا مخالفته. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ ثم استثنى من يجوز لهن أن لا يحتجبن عنه فقال ... ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ ﴿آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ جمهور المفسرين على أنهن النساء المؤمنات، أي: عليهن الاحتجاب عن الكوافر والكتابيات، والاضافة إشارة إلى الاجتماع على الإيمان. وقيل: عام (١). ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ قيل: الإماء. وقيل: عام في العبيد والإماء (٢)، وقد سبق في سورة النور (٣). ولم يذكر الأعمام والأخوال لمكان بَنِيهم (٤)، ولم يذكر البعولة لأن الاحتجاب لأجلهم.

стр. 2220

وأما بنوا البعولة فقال عمرو بن دينار (١): " كان الحسن والحسين لا يريان أمهات المؤمنين". وقال ابن عباس ﵄: " إن رؤيتهن لهما تحل" (٢). وقيل: لم يُذكرا لأنهما كانا يومئيذ صغيرين (٣). ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أي: عقاب الله (٤) من دخول الأجانب عليكن. وقيل: واتقين الله في مجاوزة ما أمرتن به (٥). ﴿إِن اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾ عالماً، وقيل: شاهداً يشهد على كل نفس بما عملت (٦). ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ في سبب النزول عن كعب بن عجرة (٧)

стр. 2221

قال: " قيل للنبي ﷺ : قد عرفنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فقال ﵊: " قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد " (١). وروى بعضهم: كما صليت على آل إبراهيم وكذلك كما باركت على آل إبراهيم (٢). وفي رواية ابن مسعود ﵁ "كما باركت على آل إبراهيم في العالمين" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من صلى علي واحدة صلى عليه الله عشرًا" (٤). وقال مجاهد: " لما نزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال أبو بكر ما أعطاك الله من خير إلا أشركتنا فيه فنزلت ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (٥).

стр. 2222

سعيد بن حبير: صلاة الله المغفرة، وصلاة الملائكة الاستغفار، وصلاة المؤمنين الدعاء (١). وقيل: صلاة الله الثناء، وصلاة الملائكة الدعاء (٢). وقيل: صلاة الله على النبي إشاعة الخير عنه (٣). وقيل: معنى صلى على محمد: زد محمداً بركة ورحمةً (٤). وروي أنهم قالوا: أرأيت يا رسول الله قول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال: " هذا من العلم المكنون، ولولا أنتم سألتموني عنه لما أجبتكم، إن الله وكَّلَ بي ملكين فلا أُذكَر عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين آمين، ولا أُذكر عند عبد مسلم فلا يصلي علي إلا قال ذانك الملكان: لا غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين آمين" (٥). وذهب بعض المفسرين إلى أنه إذا صلى عليه مرة فقد امتثل وأدى الفرض، والجمهور على أنه يجب كلما ذكره أو ذُكِرَ بين يديه (٦).

стр. 2223

قال أبو علي: "ليس في قوله ﴿يُصَلُّونَ﴾ ضمير الله سبحانه لأن الله لا يُضْمَر مع غيره كما قال ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وقد سبق، وتقديره: إن الله وملائكته يصلون هم وهو" (١). المبرد: لا يجوز وملائكتُه بالرفع، ولو كان التقدير: إن الله يُصلي وملائكته يُصَلون لجاز (٢) لأنك لا تقول إن الله يُصلون (٣). قوله ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قيل: معناه: وسلموا عليه سلاماً (٤). وقيل: أُمروا بأن يقولوا صَلِّ على محمد وسَلِّم (٥). وقيل: معناه: انقادوا لأمر الله وابذلوا الجهد فيه وسلموا الأمر بالطاعة له (٦). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قيل: يؤذون أولياء الله، فحذف المضاف (٧). وقيل: ذكر الله تعظيم كما سبق في قوله ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. وقيل: معنى ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ يعصون الله (٨). وفي جميع التفاسير هم أصحاب التصاوير كأنهم يعارضون الله ويرون أنهم يخلقون مثل خلقه (٩)، وأذى الرسول ما كان المنافقون يقولون في نكاح زينب وفي نكاح صفية بنت حيي (١٠).

стр. 2224

وقيل: الآية عامة لجميع المعاصي الكبيرة (١). ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل، والسبي، وعذاب القبر. ﴿وَالْآَخِرَةِ﴾ بالنار والعذاب الأليم. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ يهينهم مع الإيلام. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ في سبب النزول عن ابن عباس أن عمر ﵁ رأى جارية من الأنصار متبرجة فضربها وكزة لما رأى من زينتها، فذهبت إلى أهلها تشكوا عمر فخرجوا إليه فآذوه فأنزل الله هذه الآية (٢). مقاتل: نزلت في علي ﵁ وذلك أن ناساً من المنافقين كانوا يؤذونه ويُسْمِعونَه (٣). الضحاك، والكلبي، والسدي: نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء (٤) إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيرون المرأة فيدنون منها فيغمزونها فإن سكتت اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولكن لم يكن يومئيذ يُعرف الحُرَّة من الأَمَة إنما يخرجن في درع وخمار، فَشَكَوْنَ ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية (٥). وقيل: نزلت في قصة عائشة وصفوان (٦).

стр. 2225

﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ كذبًا عظيمًا. ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ ظاهرًا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: حرائر المؤمنين (١). وقيل: أزواج المؤمنين (٢). ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يغطين في بروزهن من البيوت أبدانهن بملاحفهن وأرديتهن بخلاف الأمة التي هي مكشوفة الرأس. المبرد: الجلباب: ما يستر الكل مثل الملحفة، تقول العرب: تَجَلْبَبْتُ الليل أي: تسترت به (٣). ابن عيسى: هي الخمار، أي: المقنعة (٤). وفي أكثر التفاسير: الرِّداء، أمرهن الله بستر مواضع العورة من أبدانهن (٥). وقيل: تستر بالإزار وجهها الا عيناً واحدة (٦). ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بزيهن أنهن حرائر. ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ فلا يؤذيهن أهل الريبة. وقيل: يعرفن بالعفاف (٧). ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما سلف من ترك الجلباب. ﴿رَحِيمًا (٥٩)﴾ بعباده. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ هم الذين أظهروا الإيمان وأسرُّوا الكفر.

стр. 2226

﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك. وقيل: زناً (١). ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هم ثلاثه نفر (٢)، والمرجفون: هم قوم من المسلمين يرجفون بالأخبار الكاذبة يسمعونها فيذيعونها حبًا منهم للفتنة. وأصل الارجاف تحريك القلوب من قوله سبحانه ﴿تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] (٣)، أي: إن لم ينته هؤلاء من أذى المؤمنين والتضريب بينهم وإلقاء الشكوك في قلوبهم والإرجاف بأن فعل فلان كذا وفعلت فلانة كذا، وتوليد الأخبار التي لا أصل لها (٤) من عند أنفسهم. وقيل: هم قوم واحد، وهم المنافقون وصِوفوا بهذه الأوصاف (٥). ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لنسلطنك عليهم ولنأمرنك بقتالهم كما أمرناك بقتال الكفار من المشركين، والإغراء: الدعاء إلى تناول الشيء بالتحريض عليه (٦).

стр. 2227

﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾ في المدينة إذا أمرناك بقتلهم وقتالهم (١) لم يطل مقامهم معك في المدينة (٢) بل يضطرون إلى الجلاء عنها إلى بلاد أُخَر. ﴿إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾ زمانا قليلاً (٣)، أو جواراً قليلاً. والقِلَّة: الذلة، والقِلَّة: ضد الكثرة. ﴿مَلْعُونِينَ﴾ الزجاج: منصوب على الحال، والمعنى: لا يجاورنك إلا وهم ملعونون، هذا لفظه (٤). ابن عيسى: يجوز ملعونين على الذم وعلى الصفة لقليل، كأنه قيل: إلا أذلاء ملعونين، قال: ويجوز أن يكون حالا من الضمير في قوله ﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾، هذا لفظه (٥). الفرَّاء: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ منصوبة على الشتم وعلى الفعل، أي: لا يجاورونك فيها إلا ملعونين (٦)، قال: وقد يجوز أن يجعل القلة من صفتهم كأنك قلت: إلا أَقِلَاّءَ ملعونين (٧). وإنما حكيت ألفاظهم لأنهم جميعًا أجازوا النصب على الحال من الضمير في ﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾، وفيه نظر، لأن ما قبل ﴿إِلَّا﴾ لا يعمل فيما بعده، ولعلهم جعلوا في النية مقدمًا على مثل ما يأتي في القرآن من التقديم والتأخير.

стр. 2228

وفيه وجه رابع لم يذكروه وهو: النصب على أصل الاستثناء، وتقديره: إلا قليلاً ملعونون كقوله ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٦٦]، ثم نصب فصار إلا قليلا ملعُونين، كقراءة ابن عامر (إلا قليلا) (١)، وليس هذا هو الذي ذكره ابن عيسى على الصفة لقليلاً (٢) لأنه جعل نصبه إلا أذلاء ملعونين على الحال لا على الاستثناء. وفي بعض التفسير أنه متصل بما بعده، وهذا خطأ لأن الشرط لا يتقدم عليه ما بعده، ونص الزجاج على امتناعه (٣). ومعنى ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مبعدين من الرحمة. وقيل: مبعدين من المدينة (٤). وقيل: ملعونين على ألْسِنة المؤمنين (٥). ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ ... ظفر بهم. ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ فلم يبق منهم أحد، والتشديد يدل على التكثير. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: سَنَّ الأخذ والقتل (٦) في المنافقين، والشَّاكِّين، والمرجفين كما سَنَّ. ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مضوا. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هذه سنته في جميع من تقدم. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ يجوز أن يكون المعنى: لا يُبَدِّل الله سنته (٧) بل يجريها مجرىً واحدًا في الأمم، ويجوز أن يكون المعنى: لا يَقْدِرُ أحَدٌ على تغيير سنة الله وتبديلها.

стр. 2229

﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ﴾ أي: الكفار. ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾ سؤال تعنت وإنكار. ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ استأثر الله بعلمه فلا اطلاع لأحد عليها. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ قيل: خطاب للنبي ﷺ على التعظيم لشأنها أي: فاعلم أنها كذلك (١). وقيل: تقديره: قل لكل من سألك عنها ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ أي: عن قريب تكون (٢). و﴿قَرِيبًا﴾ أي: عن قريب تكون، و ﴿قَرِيبًا﴾ نُصِبَ على الظَّرْف. والمراد: بالساعة ما يقع فيها من الثواب والعقاب، ويجوز أن يكون نصباً بخبر كان وذكر كما ذكر في قوله ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقد سبق. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤)﴾ أي: خلق لهم نارًا. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ في النار. ﴿أَبَدًا﴾ دائماً. ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يحفظهم. ﴿وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ ناصراً يمنعهم. ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ وجوه منكري البعث تصرف في جهات النار زيادة في العذاب. وقيل: تُقَلَّب لتنضج بنار جهنم (٣). وقيل: تُقَلَّب فيها حالاً بعد حال، ولونًا بعد لون فَتَسْوَدُّ مرةً وتَخْضَرُ أخرى (٤). ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾ فنتخلص من هذا العذاب (٥) أي: تمنوا الإيمان حين لا ينفع التمني.

стр. 2230

والألف في أواخر هذه الآيات (١) لموافقة ما قبلها وما بعدها مراعاة للفواصل، ومن ظن أنه للتذكر فقد أساء لأن التذكر والغلط غير جائزين على الله سبحانه. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ علماءنا وشيوخنا. ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ أي: قَلَّدْناهم من غير حجة وبيان فجاروا بنا عن قَصْد الحق. وسادة: جمع سَيِّد (٢)، وسادات جمع الجمع. وقيل: نزلت في المطعمين يوم بدر (٣)، وكانوا اثنى عشر رجلاً. ﴿رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: عَذِّبْهم مثلي عذاب غيرهم بضلالهم وإضلالهم أيانا (٤). وقيل: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة (٥). ﴿وَالْعَنْهُمْ﴾ وأبعدهم عن رحمتك. ﴿لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ دائماً، متواتراً، كثيرًا لا ينقطع. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى﴾ أي: احذروا أن تكونوا مؤذين للنبي ﷺ كما آذى بنو إسرائيل موسى. ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾ أظهر براءته. ﴿مِمَّا قَالُوا﴾ أي: قالوه فيه. ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: كان موسى عند الله. ﴿وَجِيهًا (٦٩)﴾ ذا جاه ومنزلة وكان محبباً مقبولاً، وقيل: وجيهًا لم يسأل شيئاً إلا أعطاه (٦).

стр. 2231

واختلف المفسرون في الذي أذوا به موسى؛ فروى جماعة عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " بأن موسى كان رجلاً حييًا، ستيرًا لا يكاد يُرى من جلده شيء استحياءً، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: لا يتستر هذا التستر إلا من عيب (١) بجلده؛ إما برص، وإما أَدَرَة (٢)، وإما أفة، فأراد الله أن يبرئه وأن موسى خلا يومًا وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها عدا الحجر بثيابه فأخذ موسى عصاه وتبع الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن الناس خَلْقاً. قال: فقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق يضرب الحجر ضربًا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعًا وذلك قوله ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾ (٣).

стр. 2232

وقيل: ادعوا عليه غرامة قتل أخيه هارون، روي عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵄ (١)، أن موسى وهارون صعدا الجبل فمات هارون فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته. فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرئيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرفت بنو اسرائيل أنه مات فبرأه الله من ذلك، فانطلقوا به فدفنوه فلم يطلع على قبره أحدٌ من خلق الله إلا الرَّخَم فجعله الله أصم أبكم، ذكره الثعلبي والنقاش وعليهما العهدة (٢). قال أبو العالية (٣): هو قارون استأجر مؤمسة لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمه الله وبرأ موسى وأهلك قارون كما سبق في سورة القصص، حكاه الثعلبي (٤).

стр. 2233

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ قال أبو القاسم (١) روي عن ابن المبارك (٢) أن رجلاً أتي ابن مسعود ﵁ فقال: اعهد إليّ. فقال: إذا سمعت الله يقول يا أيها الذين آمنوا فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه (٣). ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ لا ينقص بعضه بعضاً، وقيل: قصدًا (٤)، سَدَّ يَسُدُّ سَدَّاً فهو سديد. وقيل: قولوا في زينب وزيد قولاً سديداً (٥). وعن ابن عباس ﵄: قولوا لا إله إلا الله (٦). وقيل: ﴿سَدِيدًا﴾ صدقًا (٧). وقيل: عدلاً، صواباً، مستقيمًا (٨). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ يوفقكم للأعمال الصالحة. وقيل: يصلحها بالقبول والإثابة عليها (٩). ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ باستقامتكم في القول والعمل. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فرائضه. ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في سنته. ﴿فقد فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ ظفر بالثواب ونجا من العقاب. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ للمفسرين فيها أقوال:

стр. 2234

أحدها: أن الله لما خلق السموات والأرض والجبال خاطبهن فأفهمهن خطابه وقال: إني فرضت فريضة وخلقت جنة ونارًا، ثوابًا لمن أطاعني وعقاباً لمن عصاني. فقالت السموات والأرض والجبال: نحن مُسَخَّرات على ما خلقتنا لا نحتمل فريضة ولا نبتغي ثوابًا ولا عقابًا (١). فلما خلق آدم عرض ذلك عليه فتحمله (٢). ومثله في القرآن ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت: ١١]، ومثلها ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، ومثلها ﴿أَلَمْ تَرَ أَن اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الحج: ١٨]، وكذلك قوله سبحانه ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. وتقديره: عرضنا قبول الأمانة فيكون العرض بالقول والخطاب. واختلفوا في الأمانة ما هي؟ ابن عباس ﵄: الفرائض التي أمر الله العباد بها (٣). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " الأمانة ثلاث؛ الصوم، والصلاة، والاغتسال من الجنابة" (٤).

стр. 2235

وقيل: الأمانة: العقل عرض عليهن أن يجعلهن عقلاء (١) بشرط أن من عمل بمقتضى عقله أثيب ومن عمل بخلافه عُوقب (٢). وقيل: الأمانة التقوى والقول السديد لأن نسق الآية يقتضي ذلك (٣). ويحتمل أن الأمانة التكليف ولا يمتنع أن يكون للجماد معرفة بربها، وإن كنا لا نعرف كيفية ذلك ولا ينكر العقل ذلك من قدرة الله وليس إذا تعود الإنسان وقوع شيء (٤) على وجه ينكر وقوعه على غير ذلك الوجه في مقدور الله، ويجوز أن يكون الله تعالى صيرها عاقلةً في وقت وأعلمها حال الأمانة وما فيها وعليها وخَيَّرَها فاستعفت فأعادها الله جمادات كما هي الآن. والثاني: إنا عرضنا الأمانة الفرائض على أهل السموات وأهل الأرض وأهل الجبال وهم الملائكة الذين فيها، فيكون كقوله ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية (٥). والثالث: أن هذا من مجاز كلام العرب وتوسعهم في الأخبار عن الجمادات بأنها سُئِلت فأجابت، وأنها قالت ونطقت وليس هناك سؤال ولا جواب ولا قول ولا نطق، ومثل هذا في الشعر كثير، وكذلك قوله تعالى ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ الآية [مريم: ٩٠]. والرابع: أن التقدير: أنا لو عرضنا كما قال ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية [الحشر: ٢١].

стр. 2236

الخامس: عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فقبلنها (١). ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ أي: أبين الخيانة فيها. ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ خفن من الخيانة فيها. ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ أي: خان فيها، فتكون الأمانة (٢) على هذا الدلالة على وحدانية الله وقدرته، وخيانة الإنسان كفره وأشراكه مع الله غيره. السادس: الأمانة وعرضها هي إئتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده حين خروجه إلى الحج، قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، وقال لقابيل فقال: نعم، فخان فيها بقتل ولده هابيل (٣). والعَرْض على وجهين: عرض بالقول والخطاب وهو الحقيقة، وعرض مجاز، تقول: عرضت الناقة على الحوض تريد عرضت الحوض على الناقة، والإباء أيضاً قد يكون حقيقة نحو: دعوت زيداً فأبى، ومجازاً نحو: سللت سيفي (٤) فأبى. والحَمْلُ يكون بمعنى: الرفع، ويكون بمعنى: الخيانة، ويكون بمعنى: الحِمَالة وهي الكفالة وقد فسر الآية بها (٥).

стр. 2237

﴿إِنَّهُ﴾ إن الإنسان قيل: آدم. وقيل: ابن آدم قابيل. وقيل: عام في بني آدم. ﴿كَانَ ظَلُومًا﴾ لنفسه. ﴿جَهُولًا (٧٢)﴾ بعواقب الأمور. ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ اللام متصلة بقوله ﴿عَرَضْنَا﴾ وقيل: متصلة بجميع ما في السورة. وقيل: اللام لام العاقبة. وقيل: كان قبول الأمانة ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات (١). ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ للمؤمنين والمؤمنات.

стр. 2238

سورة سَبأ

стр. 2239

سورة سبأ (١) أربع وخمسون آية (٢)، مكية عند الجمهور. مجاهد، ومقاتل، والكلبي مكية إلا آية وهي ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] الآية فإنها نزلت بالمدينة (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الثناء والشكر والمدح له. ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكاً فلهذا استحق الحمد وحَرَّض عليه. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ﴾ لاستدامة موجب الحمد.

стр. 2240

وقيل: يحمدونه سرورًا به لا تعبدًا ومثله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، [الزمر: ٧٤] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ﴾ [فاطر: ٣٤] ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] وأمثالها (١). وفي تفسير النقاش ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾ أي: في السموات والأرض لأن إحداهما خُلقت قبل الأخرى (٢)، وهذا تأويل بعيد لأنه ليس في القرآن الأولى. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في صنعه. ﴿الْخَبِيرُ (١)﴾ بعباده أي: العالِم بهم. ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ من الأموات، والكنوز، والنَّامي (٣)، والحيوان. ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من الأرض من النَّامي، والحيوان، ويحتمل ما يلج في الأرض من الأموات في الدنيا وما يخرج من الأرض من الأحياء في الأُخرى. ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من مَلَكٍ، وكتابٍ، وقضاءٍ، ومطرٍ، ورحمةٍ، وعذاب. ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ يصعد فيها من مَلَكٍ، وكلام طيِّب، وعمل صالح، ودعاء بإخلاص، وروح طاهرة، ونبي مُكَرَّم بالمعراج، وكذلك فيما ينزل من السماء من شيطان مارد من قوله ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ الآيات [الجن: ٩، ٨]. ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ لمن أطاع. ﴿الْغَفُورُ (٢)﴾ لمن تاب. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يريد المشركين دون أهل الكتاب.

стр. 2241

وقيل: السَّامرة من اليهود ينكرون البعث (١). ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ أي: لا نُبعث (٢) إنكاراً لها. ﴿قُلْ﴾ يا محمد. ﴿بَلَى﴾ رداً لكلامهم وإثباتاً لما بعده. ﴿وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وأكِّد يا محمد الخبر باليمين جريًا على عادة المخاطبين من العرب، ولأن الكلام في نفسه صدق. وقيل: حلف أبو سفيان بالَّلات والعُزّى أن لأبَعْثَ ولا نُشور وأن لا تأتينا الساعة، فقيل: قل يا محمد: وربي لتأتينكم فقابل اليمين باليمين (٣). ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ الجر وصف لقوله ﴿وَرَبِّي﴾ أو بدل، وكذلك من قرأ (علَاّمُ الغيب) (٤)، والرفع على الابتداء ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ خبره، أو هو عالم الغيب. وقيل: بإضمار القول أي: قال ذلك عالم الغيب، وفيه بُعد، ويحتمل أن يرتفع باتصاله بقوله ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ عالم الغيب، ويحتمل أيضاً أنه فاعل قوله ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾، والمعنى: لتأتينكم الساعة ولا يعلم ذلك إلا عالم الغيب. ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ لا يبعد. ﴿عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ وزن نملة صغيرة. وقيل: مثقال ذرة: رأس نملة صغيرة (٥). وقيل: هي ما تقع في الكوَّة مع الشمس (٦).

стр. 2242

ابن الهيصم: سبعون ذرة وزن جناح ذباب، وسبعون جناح ذباب وزن حبة (١). ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾ من مثقال ذرة. ﴿وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ إلا في اللوح المحفوظ، وإنما كتب جرياً على عادة المخاطبين لا مخافة نسيان وليعلم أنه لم يقع خلل وإن أتى عليه الدهر. قوله ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ رفع بالعطف على ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ ويكون ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكن، ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء و (٢) ﴿فِي كِتَابٍ﴾ خبره. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ﴾ متصل بقوله ﴿لَا يَعْزُبُ﴾. وقيل: بقوله ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. وقيل: بما في ﴿كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ من معنى الفعل أُثبت. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ حَسَن، وقيل: بلا مَنّ. وقيل: يتبع الكرامة. وقيل: كريم على من يعطيه الله وهو الجنة (٣). ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا﴾ جاهدوا وبالغوا في رد القرآن وتزهيد الناس في قبوله. وقيل: سعوا في ديننا بالتكذيب (٤). وقيل: جاهدوا في إبطال الآيات (٥). ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مسابقين ظانِّين أن يفوتونا، ومعجزين مثبِّطين عن الإيمان من أراده. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ من سيء العذاب، والرجز: نَفْسُ العذاب.

стр. 2243

﴿أَلِيمٌ (٥)﴾ مؤلم، أي: عذاب من عذاب أليم، ومن رفع أي: عذاب أليم من سيء العذاب (١). ﴿وَيَرَى الَّذِينَ﴾ ويعلم الذين، قيل: محله نصب بالعطف على ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقيل: رفع بالاستئناف. ﴿الذين أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم أهل الكتاب؛ عبدالله بن سلام وأصحابه فيمن قال الآية مدنية. وقيل: هم أمة محمد ﷺ فيمن قال السورة كلها مكية (٢). ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن. ﴿مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ الصدق غير الباطل هو عماد، و ﴿الْحَقَّ﴾ المفعول الثاني وفائدة دخول العماد الإعلام بأن ما بعده خبر عما قبله لا صفة. ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ دين الله الإسلام وطاعته. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني مُنكري البعث يقول بعضهم لبعض على وجه التعجب والتعجيب. ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون محمداً ﷺ . ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم بشيء عجب. ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ فُرِّقْتُم. ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ كل تفريق وصرتم تراباً وأكلتكم دواب الأرض أو طيور الهواء وصرتم رُفاتاً. ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾ يُجَدَّدُ خلقكم وتبعثون. وقيل: إنكم في جملة مخلوقين يجددهم الله إذا نصب بفعل يدل عليه ﴿جَدِيدٍ﴾ أي: تبعثون إذا مُزِّقْتم (٣).

стр. 2244

﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قَسَّموا الكلام فقالوا: هو إما عاقل كاذب، وإما مجنون هاذٍ. ﴿بَلِ﴾ هذا رد من الله عليهم أي: تركتم القسمة الثالثة وهي: إما صحيح العقل صادق. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ أي: هم في ضلال عاجل في الدنيا وعذاب آجل في العقبى. وقيل: خاتمة أمرهم العذاب وفاتحته الضلال (١). وقيل: في عذاب في الآخرة وضلال عن طريق الجنة (٢). قال القفال: "العذاب والضلال في الدنيا"، قال: "ومعنى العذاب (٣) الفناء والأذى كما تقول: أنا في عذاب من هذا الأمر أي: في مقاساة وشدة" (٤). قال عبيد الأبرص (٥): . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... طول الحياة له تعذيب (٦). ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ كيف هو محيط بهم من كل جهة رموا بأبصارهم إليها فهم محصورون كالموكل بهم في موضع قد حُبِسوا فيه. ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: هلا استدلوا بذلك على أنهم في سلطان الله يجري عليهم قدرته كيف شاء وبما شاء من خَسْف، وحَصْب بالحجارة وغيرهما.

стр. 2245

وقيل: معناه: إن تَمَزَّقوا وتفرقوا لم تخرج الأجزاء عن الأرض والسماء (١) فهي في قبضتنا نُحْييها متى نشاء (٢). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في خلق السموات والأرض والقدرة على الخسف والإسقاط. ﴿لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ لدلالة على الإحياء لكل عبد مقر بالعبودية منيب إلى الله بالتفكر في آياته. ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ النبوة، والزَّبور، والصوت البديع، والملك، والقوة، وتستخير الجبال والطير. ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ وقلنا يا جبال أوبي معه فيه ثلاثة أقوال: أحدها: سيري معه، وكانت تسير معه حيث شاء إذا أراد مُعْجِزةً له (٣). والتَّأويب: سير النهار (٤). وقيل: سبِّحي معه، من تأويب القارئ كما تقول: رَجَّع القارئ، وكان إذا قرأ الزبور صوتت معه الجبال (٥). واصغت له الطير (٦). وهب: أوبي نوحي معه (٧).
следующие страницы →