← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وقيل: السَّامرة من اليهود ينكرون البعث (١). ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ أي: لا نُبعث (٢) إنكاراً لها. ﴿قُلْ﴾ يا محمد. ﴿بَلَى﴾ رداً لكلامهم وإثباتاً لما بعده. ﴿وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وأكِّد يا محمد الخبر باليمين جريًا على عادة المخاطبين من العرب، ولأن الكلام في نفسه صدق. وقيل: حلف أبو سفيان بالَّلات والعُزّى أن لأبَعْثَ ولا نُشور وأن لا تأتينا الساعة، فقيل: قل يا محمد: وربي لتأتينكم فقابل اليمين باليمين (٣). ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ الجر وصف لقوله ﴿وَرَبِّي﴾ أو بدل، وكذلك من قرأ (علَاّمُ الغيب) (٤)، والرفع على الابتداء ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ خبره، أو هو عالم الغيب. وقيل: بإضمار القول أي: قال ذلك عالم الغيب، وفيه بُعد، ويحتمل أن يرتفع باتصاله بقوله ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ عالم الغيب، ويحتمل أيضاً أنه فاعل قوله ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾، والمعنى: لتأتينكم الساعة ولا يعلم ذلك إلا عالم الغيب. ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ لا يبعد. ﴿عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ وزن نملة صغيرة. وقيل: مثقال ذرة: رأس نملة صغيرة (٥). وقيل: هي ما تقع في الكوَّة مع الشمس (٦).

стр. 2242

ابن الهيصم: سبعون ذرة وزن جناح ذباب، وسبعون جناح ذباب وزن حبة (١). ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾ من مثقال ذرة. ﴿وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ إلا في اللوح المحفوظ، وإنما كتب جرياً على عادة المخاطبين لا مخافة نسيان وليعلم أنه لم يقع خلل وإن أتى عليه الدهر. قوله ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ رفع بالعطف على ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ ويكون ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكن، ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء و (٢) ﴿فِي كِتَابٍ﴾ خبره. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ﴾ متصل بقوله ﴿لَا يَعْزُبُ﴾. وقيل: بقوله ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. وقيل: بما في ﴿كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ من معنى الفعل أُثبت. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ حَسَن، وقيل: بلا مَنّ. وقيل: يتبع الكرامة. وقيل: كريم على من يعطيه الله وهو الجنة (٣). ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا﴾ جاهدوا وبالغوا في رد القرآن وتزهيد الناس في قبوله. وقيل: سعوا في ديننا بالتكذيب (٤). وقيل: جاهدوا في إبطال الآيات (٥). ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مسابقين ظانِّين أن يفوتونا، ومعجزين مثبِّطين عن الإيمان من أراده. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ من سيء العذاب، والرجز: نَفْسُ العذاب.

стр. 2243

﴿أَلِيمٌ (٥)﴾ مؤلم، أي: عذاب من عذاب أليم، ومن رفع أي: عذاب أليم من سيء العذاب (١). ﴿وَيَرَى الَّذِينَ﴾ ويعلم الذين، قيل: محله نصب بالعطف على ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقيل: رفع بالاستئناف. ﴿الذين أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم أهل الكتاب؛ عبدالله بن سلام وأصحابه فيمن قال الآية مدنية. وقيل: هم أمة محمد ﷺ فيمن قال السورة كلها مكية (٢). ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن. ﴿مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ الصدق غير الباطل هو عماد، و ﴿الْحَقَّ﴾ المفعول الثاني وفائدة دخول العماد الإعلام بأن ما بعده خبر عما قبله لا صفة. ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ دين الله الإسلام وطاعته. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني مُنكري البعث يقول بعضهم لبعض على وجه التعجب والتعجيب. ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون محمداً ﷺ . ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم بشيء عجب. ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ فُرِّقْتُم. ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ كل تفريق وصرتم تراباً وأكلتكم دواب الأرض أو طيور الهواء وصرتم رُفاتاً. ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾ يُجَدَّدُ خلقكم وتبعثون. وقيل: إنكم في جملة مخلوقين يجددهم الله إذا نصب بفعل يدل عليه ﴿جَدِيدٍ﴾ أي: تبعثون إذا مُزِّقْتم (٣).

стр. 2244

﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قَسَّموا الكلام فقالوا: هو إما عاقل كاذب، وإما مجنون هاذٍ. ﴿بَلِ﴾ هذا رد من الله عليهم أي: تركتم القسمة الثالثة وهي: إما صحيح العقل صادق. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ أي: هم في ضلال عاجل في الدنيا وعذاب آجل في العقبى. وقيل: خاتمة أمرهم العذاب وفاتحته الضلال (١). وقيل: في عذاب في الآخرة وضلال عن طريق الجنة (٢). قال القفال: "العذاب والضلال في الدنيا"، قال: "ومعنى العذاب (٣) الفناء والأذى كما تقول: أنا في عذاب من هذا الأمر أي: في مقاساة وشدة" (٤). قال عبيد الأبرص (٥): . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... طول الحياة له تعذيب (٦). ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ كيف هو محيط بهم من كل جهة رموا بأبصارهم إليها فهم محصورون كالموكل بهم في موضع قد حُبِسوا فيه. ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: هلا استدلوا بذلك على أنهم في سلطان الله يجري عليهم قدرته كيف شاء وبما شاء من خَسْف، وحَصْب بالحجارة وغيرهما.

стр. 2245

وقيل: معناه: إن تَمَزَّقوا وتفرقوا لم تخرج الأجزاء عن الأرض والسماء (١) فهي في قبضتنا نُحْييها متى نشاء (٢). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في خلق السموات والأرض والقدرة على الخسف والإسقاط. ﴿لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ لدلالة على الإحياء لكل عبد مقر بالعبودية منيب إلى الله بالتفكر في آياته. ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ النبوة، والزَّبور، والصوت البديع، والملك، والقوة، وتستخير الجبال والطير. ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ وقلنا يا جبال أوبي معه فيه ثلاثة أقوال: أحدها: سيري معه، وكانت تسير معه حيث شاء إذا أراد مُعْجِزةً له (٣). والتَّأويب: سير النهار (٤). وقيل: سبِّحي معه، من تأويب القارئ كما تقول: رَجَّع القارئ، وكان إذا قرأ الزبور صوتت معه الجبال (٥). واصغت له الطير (٦). وهب: أوبي نوحي معه (٧).

стр. 2246

﴿وَالطَّيْرَ﴾ يساعدك على ذلك. قال: وكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعطفت عليه الطير من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس من ذلك اليوم حكاه الثعلبي (١)، وفيه ضعف. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ نصب من ثلاثة أوجه: أحدها: بالعطف على محل الجبال لما لم يمكن عطفه على لفظه لمكان الألف واللام. والثاني: بمعنى مع. والثالث: وسخرنا له الطير (٢). وقرأ رَوْح (٣)، وزيد (٤) عن يعقوب (٥) بالرفع عطفًا على لفظ ﴿يَا جِبَالُ﴾ (٦).

стр. 2247

وقيل: بالعطف على الضمير في ﴿أَوِّبِي﴾ (١). ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: جعل الحديد في يده كالشمع يعمل منه وبه ما يريد (٢). والثاني: بحرارته وقوة كفه (٣) يلينه كما تلينه النار (٤). والثالث: سهَّلنا عليه العمل به فليَّناه في يده (٥)، وكان يعمل في كل يوم درعًا (٦) فيبيعها بستة الآف درهم، وكان يتصدق بأربعة آلاف وينفق الباقي. وقيل: لما مات بقي منها في خزائنه ألف درع (٧). ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ ﴿أَنِ﴾ هي المفسرة أي: اعمل. وقيل: هو بمعنى الخبر أي: بأن يعمل (٨) سابغات. والسابغات: الدروع التامة من السبوغ كما تسمى المُفاضَة أي: أفيضت على لابسها (٩)، وجاء في التفسير أول من اتخذ الدرع داود ﵇ وكان قبل ذلك صفائح من حديد (١٠). ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ فيه ثلاثة أقوال:

стр. 2248

أحدها: السَّرْد: النسج، وهو مصدر، والسَّراد، والزراد، والمسرودة (١)، الدرع واشتقاقها من السرد بمعنى: التتابع (٢). وقيل: السَّرْد: الثقب، ومنه سمي المثقب والإشْفَى مسردًا (٣)، ويكون المعنى: اجعل ثقوب طرفي الحِلَق على قدر المسامير (٤). وقيل: لا توسع الحِلَق فينفد السهم والطعن (٥). وقيل: السَّرْد: المسمار (٦). ابن الهيصم: الدرع التي عملها داود كانت بغير مسمار لأنها كانت معجزة له فلو كانت مسمرة لما كان بين داود وبين غيره فرق مع ما أنا قد رأينا ما بقي من الدرع التي عملها داود فكانت بلا مسامير ويزول أيضاً فائدة قوله ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (٧). وقيل: السَّرْد: الدرع وهو من أسمائه (٨).

стр. 2249

﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ خطاب لداود ﵇، وجمع لأن المراد به هو وآله. والعمل الصالح قيل: هو الشكر هاهنا (١). ابن عباس ﵄: قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (٢). وحُكِيَ أن داود ﵇ جعل العبادة والصلاة بينه وبين آلِه (٣) منقسمة فلم يزل واحد منهم كان في الصلاة ليلاً ونهارًا. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾ فأجازيكم عليه أحسن جزاء وأتمه. ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح. وقيل: وألنا له الحديد وألنا لسليمان الريح (٤). وقرئ بالرفع على تقدير: ولسليمان تسخير الريح (٥). الحسن: لما شغلت الخيل سليمان ﵇ حتى فاتته صلاة العصر غضب لله فعقر الخيل فأبدله الله خيرًا منه فسخر له الريح تجري بأمره رخاء (٦)، ولم يسخر له الرياح جميعًا إنما سخر له واحدة، ولهذا أجمع القُرَّاء السبعة على توحيدها (٧).

стр. 2250

﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ غُدُوُّها على انتصاف النهار مسيرة شهر أي: سَيْرُها من لدن طلوع الشمس إلى زوالها مسيرة دواب الناس في شهر ومسيرتها بالعشي (١) كذلك، وروى الثعلبي أن سليمن ﵇ سار من أرض العراق غاديًا فَقَال بمدينة مرو (٢)، وصلى العصر بمدينة بَلْخ (٣)، ثم سار منها إلى بلاد الترك ثم جازهم إلى أرض الصين، يغدو على مسيرة شهر ويروح على مثل ذلك، ثم عطف يمنةً عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى أرض القُنْدُهَار (٤)، وخرج منها إلى مُكْران (٥) وكَرْمان (٦)،

стр. 2251

ثم جازها حتى أتى أرض فارس فنزلها أيامًا وغدا منها فَقَالَ بكَسْكَر (١)، ثم راح إلى الشام وكان مستقره بمدينة تدمر، وتدمر مما بناها الجن له (٢). ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ وأذبنا له عين النحاس سيلت له ثلاثة أيام كما يسيل الماء، وكانت بأرض اليمن وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان ﵇، وكان ينبع من معدنه فيسيل كالماء من غير معالجة كما أَلان لأبيه الحديد. قال الزجاج: "هو الصُّفر" (٣). وقيل: عين الرصاص. وقيل: الحديد (٤). ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: وسخرنا له من الجن من يعمل، ويجوز أن يكون رفعاً بالابتداء. ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ﴾ يَمِل ويَعْدِل. ﴿عَنْ أَمْرِنَا﴾ الذي أمرناه من طاعة سليمان ﵇. ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾ وذلك أن الله وكَّلَ بهم مَلَكًا بيده سوط من نارٍ فمن زاغ عن أمر سليمان ﵇ ضربه ضربةً أحرقته. وقيل: نذقه من عذاب السعير في الآخرة، وعليه أكثر المفسرين (٥).

стр. 2252

﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ قيل: المساجد (١). وقيل: القصور والمساكن (٢). ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ جمع تمثال وهو الصورة، وكانوا يُصَوِّرن تماثيل العباد، والملائكة، والأنبياء، قائمين راكعين ساجدين ليقتدي بهم من وراءهم ولم تكن يومئذ محرمة محظورة (٣). الحسن: يعني النقوش وصور الأشجار وذلك مباح (٤). وجاء في بعض التفاسير أنهم كانوا عملوا له أسَدَيْن أسفل كرسيه ونسرين فوق كرسيه وكان كرسيه عظيمًا، فإذا أراد أن يصعد الكرسي بسط الأسد ذراعه فكان يصعد عليه وإذا قعد عليه أظله النسران بأجنحتهما، فلما مات سليمان ﵇ جاء افريذون، وقيل: بخت نصر ليصعد الكرسي ولم يدر كيف يصعد فلما دنا منه ضرب الأسد على ساقه فكسر ساقه فلم يجسر أحد بعده أن يدنوا من ذلك الكرسي (٥). قيل: كانت التماثيل من نُحاس (٦). وقيل: من رخام وشَبَه (٧).

стр. 2253

﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جَفْنَة أي: صِحَاف. ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية وهي: الحوض (١)، يأكل من كل جفنة منها ألف رجل، وأصله كالجوابي فحذف الياء تخفيفًا كالمهتد والمناد وهذا أولى بالحذف فإن الجمع ثقيل، وكان له اثنا عشر ألف خباز واثنا عشر ألف طباخ وكانوا يصلحون الطعام في تلك الجفان لكثرة القوم. ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ابن عباس ﵄: أثافيها منها وكانت من حجارة (٢). غيره: ﴿رَاسِيَاتٍ﴾ ثابتات لا ينزلن عن أماكنهن لعظمهن ولا يزلن (٣)، وفي بعض التفاسير: أن تلك القدرو باقية في اليمن (٤). ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ أي: وقلنا لهم وأمرناهم اشكروا يا آل داود شكرًا فهو نصب على المصدر. وقيل: اعملوا من الطاعات شكراً فهو مفعول له، وهذا أحسن. والمراد به: تقوى الله والعمل بطاعته (٥). وقيل: المراد به: الحمد (٦). وقيل: الصوم والصلاة (٧)، والقول الأول يَعُمُّ الكل. ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ أي: ما يقوم بشكرنا إلا القليل من عبادنا وهم المؤمنون الموحدون.

стр. 2254

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ أي: على سليمان ﵇. ﴿مَا دَلَّهُمْ﴾ أي: الجن. وقيل: آل داود. ﴿عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ هي الأرَضَة (١). ابن زيد: دابة تأكل العيدان يقال لها: القادح (٢)، والأرض هي مستقر الخلق أضيفت إليها (٣). وقيل: الأرض مصدر أرضت الخشبة فهي مأروضة أي: مأكولة، والأرضة جمع أرضة مثل كفرة وفجرة. وقيل: دابة الأرض هي الأرض، وفيه بعد (٤). ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ حال، والمِنْسَأة: العصا، مشتقة من نَسَأْت البعير أي: زجرته وطردته ليزيد في السير (٥)، والهمز وترك الهمز لغتان (٦). وفي تفسير النقاش: المنسأة عتبة الباب (٧). وفي سبب أخفاء موته أقوال:

стр. 2255

قال بعضهم: كان سليمان ﵇ كلما صلى ببيت المقدس نبت بين يديه نبات فكان يقول له: ما اسمك؟ ولم أنت؟ فيقول: لكذا وكذا، فيُقْلَع ويُغْرِس في موضع ويكتب اسمه ومنفعته، فصلى يومًا فنبت نبات فقال له: ما اسمك؟ فقال: خروب. قال: ولم أنت؟ قال: لخراب هذا المسجد. فقال سليمان ﵇: ما كان الله ليخربه وأنا حي، وكان قبل ذلك يخلو السنة والشهر والشهرين في بيت المقدس يدخل فيه طعامه وشرابه ثم إنه دخل البيت وأدخل الطعام والشراب واتكأ على عصاه فمات (١). وقيل: كان ذَكَر لملك الموت إذا أُمِرْتَ بي فأعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان قد أُمِرْتُ بك. فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحًا من قوارير ليس له باب فقام يصلي واتكأ على عصاه فقبضت روحه وهو متكئ على عصاه (٢). وقيل: كان لم يتم بناء بيت المقدس فلما حضره الموت قال لأهله: لا تخبروا الجن بموتي ولا تبكوا علي سنةً حتى يفرغوا من بنائه (٣). وفي تفسير النقاش عن جويبر (٤) عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "من زعم أنه قُبِضَ وهو متكئ على عصاه فقد كذب بل قبضه الله على فراشه فمكثوا في العذاب سنة (٥) فبعث الله الأرضة على عتبة الباب فأكلته فخر الباب" (٦)، وهذا مزيف.

стр. 2256

مجاهد: تحنط سليمان ﵇ وتكفن ثم جلس على كرسيه وجمع كفيه على طرف عصا ثم وضعها تحت ذقنه فمات وبقي كذلك سنة إلى أن أكلت الأرضة أسفل عصاه فخر ساقطاً (١). وقيل: أرسلت الجن الأرضة على العصا حتى أكلتها (٢). وقيل: قالت الشياطين للأرضة بعد أكلها (٣): لو كنت تأكلين الطعام وتشربين الشراب لأتيناك بأطيب طعام وألذ شراب ولكن سننقل إليك الماء والطين حيث كنت (٤). ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ سقط سليمان ﵇. وقيل: الباب على ما سبق، وهو مزيف. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا﴾ وفي قراءة ابن عباس ﵄ (حولاً كاملاً) (٥). ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ تقول: تَبَيَّنْتُ الشيء: علمته، وتبين لي الشيء: ظهر، وقد فسر بهما فقيل: فلما خر ظهر أمر الجن أن لو كانوا، فيكون ﴿أَنْ﴾ مع ما بعده في محل رفع على البدل من ﴿الْجِنُّ﴾ وأمره.

стр. 2257

وقيل: فلما خر علمت الجن (١) أن لو كانوا فيكون ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا﴾ في محل نصب، وذلك أن الجن كانوا يزعمون أن عندهم شيئاً من علم الغيب فعلموا يومئذ أن الأمر بخلاف ذلك. وقيل: كانوا يُظهرون للناس تمويهاً أنهم يعلمون الغيب فلما بقوا في العذاب حولاً بعد موته علموا أن ذلك قد ظهر للناس. قرأ ابن عباس ﵄ (تَبَيَّنَتِ الإنس أن لو كانوا)، وقرأ ابن مسعود ﵁ (تَبَيَّنَتِ الإنس أن الجن لو كانوا) (٢)، وقرأ يعقوب (٣) (تُبُيِّنَتِ الجن) على ما لم يسم فاعله (٤) وهو غير قراءة ابن عباس وابن مسعود (٥) ﵄ فإن ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا﴾ فيهما مفعول. قال القفال حاكياً: "قد دلت هذه الآية على أن الجن لم يُسخروا إلا لسليمان ﵇ وأنهم بعد موته تخلصوا من تلك الأعمال (٦) الشاقة، وإنما تهيأت لهم ذلك لأن الله زاد في أجسامهم وقواهم وغَيَّرَ خلقهم عن خلق الجن الذين لا يُرَون وكانوا بمنزلة الأسرى في يديه، ثم مات هؤلاء بعد سليمان ﵇ فجعل الله خلق الجن على ما كانوا عليه قبل ذلك من الدقة والضعف والخفاء فصاروا لا يُرون ولا يقدرون على شيء من هذه الأعمال ولا على نقل الأجسام الثقال لأن ذلك كان معجزة لسليمان ﵇ والله أعلم" (٧).

стр. 2258

﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ من صرفه جعله اسم أبي القبيلة (١) أو الحي ومن لم يصرفه جعله اسم القبيلة (٢)، وهم قبائل ينتسبون إلى سبأ ابن يشحب بن يعرب بن قحطان. الحسن: سبأ اسم أرض (٣). قتادة: سبأ أرض باليمن يقال لها مأرب بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال (٤). وفي أكثر التفاسير أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن سبأ أجبل هو أم أرض أم امرأة؟ فقال ﷺ : " ليس بجبل ولا أرض ولا امرأة وإنما هو رجل من العرب ولد رجالاً عشرة صار كل واحدٍ أبًا لقبيلة تيمن منهم ستة، وتشأم أربعة؛ فأما الذين تيمنوا فكندة، والأزد، والأشعريون، ومذحج، وأنمار الذين هم بجيلة، وخثعم، وأما الذين تشأموا فعاملة، وجذام، ولخم، وغسان" (٥). ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ من جمع طلب الموافقة لأن كل واحد منهم كان له مسكن، ومن فتح جعل مصدر كالسكنى ووحد كما يوحد المصادر، ومن كسر جعله اسم المكان وهو مما شذّ كالمسجد، والمغرب، والمشرق، ووحد لأنه ذهب به إلى البلد واكتفى بجمع المضاف إليه عن جمع المضاف كقوله: في حلقكم وفي بعض بطنكم (٦).

стр. 2259

﴿آَيَةٌ﴾ دلالة ظاهرة وحجة واضحة تدل على وحدانية الله وقدرته (١). وقيل: في قصتهم من حالتي النعمة والنقمة آية تدل على قدرة الله وعلى وحدانيته (٢) ودعاء إلى طاعته وزجر عن معصيته (٣). ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ بدل من ﴿آَيَةٌ﴾ أي: عن يمين بلدهم وشماله. وقيل: يمين من أتاها وشماله (٤)، وثنى الجنتين لتثنية اليمين والشمال، والمعنى: الأشجار والمياه والبساتين محيطة بها عن أيمانهم وعن شمائلهم. وقيل: كانتا جنتين اثنتين ممتدتين طولاً وعرضاً (٥). وقيل: كانتا بين جبلين (٦). وقيل: كان لكل واحد منهم في منزله جنتان عن يمين وشمال (٧). ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أي: منها. ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على نعمه. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ كثيرة الرِّيع والثمر ليست بسبخة من قوله ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ الاية [الأعراف: ٥٨] وقيل: أراد صحة هوائها وعذوبة مائها وسلامة ترتبها (٨). وقيل: لم يكن يرى في بلدهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية وإن كان الركب ليأتون وفي ثيباهم القمل والدواب فكلما رأوا بيوتهم تموت الدواب، وإن كان الإنسان ليدخل البستان ويمسك القُفَّة (٩).

стр. 2260

وقيل: المكتل على رأسه فيخرج حين يخرج (١) وقد امتلأت القُفَّة من أنواع الفاكهة من غير أن يتناول منها بيده شيئاً، والتقدير: بلدتكم طيبة وربكم (٢). ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ يُضعِّفُ الحسنات ويعفوا عن السيئات. ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ قال وهب: "بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيًا فدعوهم إلى الله وذكروهم نعم الله وأنذروهم عقابه فكذبوهم ولم يؤمنوا بهم وجحدوا نعم الله عليهم" (٣). ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ في العَرِمِ أربعة أقوال: أحدها: أنه المُسَنَّاة (٤) والسَّكْر (٥)، وكانت لهم مسناة تحبس الماء (٦) ولها ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض يجتمع الماء إليها من الشِّحْر (٧) وهو واد باليمن (٨) فيسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني والثالث فلا ينفد حتى يثوب الماء من السنة القابلة، وأضاف السيل إلى العَرِم لأنه بخرابه جاء السيل، والمعنى: أزلنا ما كانوا يحبسون به ذلك الماء (٩).

стр. 2261

الثاني: العَرِم اسم للوادي (١)، وأضاف السيل إليه لأنه جاء من قبله ماء أحمر وكان سبب الخراب (٢). الثالث: العَرِم صفة السيل (٣) من العرام وهو الشدة أي: سيلاً لا يمتنع منه فيكون من باب مسجد الجامع وصلاة الأولى، فيكون العَرِم المطر الشديد (٤). الرابع: العَرِم الخُلْد، وهو: الجُرَذ الأعمى فنقب السَّكْرَ من أسفله فسال منه الماء فخرب جناتهم وملأها رملاً (٥). وقيل: غاض الماء فيه الأرض فجفت جناتهم وخربت وذهبت أنهارها (٦). ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ ذكر الجنتين ازدواجًا للكلام فإن الثانيتين موصوفتان بأشجار البادية دون أشجار الجنان فصار كقوله ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقيل: التبديل تغيير الصفات مع بقاء الذات (٧) وعلى هذا حمل القائل (٨) ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. قال النقاش في تفسيره: " وقد طعن بعض أهل الالحاد في هذه الآية فقال (٩): وبدلناهم بجنتيهم خَبْتَيْن (١٠)، لأن الجنتين لا يكون فيهما خمط ولا أثل".

стр. 2262

قال النقاش: "وهذا جهل عجيب وغلط بين لا يخفى على صاحب نظر ولا خبر ولا لغة؛ أما الأخبار فمتواترة على خلاف ما قال هذا الطاعن وأما النظر فإن لهذه الآية نظائر كثيرة في القرآن منها ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ [النحل: ١٢٦] ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦] وأما في اللغة (١) فلوكان خبتين لقال: ذوي لأن الخبت مذكر (٢) والجنة مؤنث" انتهى كلامه (٣). قوله (٤) ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ الأُكُل: الثمر يُثَقَّل ويُخَفف (٥)، والخَمْطُ: البرير عند بعضهم وهو ثمر الأراك، وعند بعضهم الخَمْطُ: الأراك (٦)، فمن جعله الثمر نون ﴿أُكُلٍ﴾ وجعل خمط بدلاً منه، ومن جعله الشجر أضاف ﴿أُكُلٍ﴾ إليه (٧). وقيل: الخمط كل شجرة ذات شوك وأكلها جناها (٨). وقيل: كل نبت أخذ طعمه من المرارة حتى لا يمكن أكله فهو خمط (٩).

стр. 2263

﴿وَأَثْلٍ﴾ الأثْل: الطَّرْفَاء (١). وقيل: شبيه بها إلا أنه أعظم (٢). وقيل: شجرة حطب لا ثمر لها (٣). ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)﴾ قيل: هو السَّمُرُة (٤)، وفيه بُعْد فإن السدر شجر النَّبْق (٥). و﴿قَلِيلٍ﴾ وصف لـ ﴿شَيْءٍ﴾، وإنما وصفه بالقلة لأن السدر مما يكون في الجنان فأراد: وفيها شيء قليل من السدر يتذكرون به ما فاتهم من الثمار. وقيل: القليل وصف لجميع ما فيهما من الخمط والأثل والسدر. وقيل: معنى ﴿قَلِيلٍ﴾ هاهنا: حقير (٦). ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: جزيناهم ذلك بكفرهم (٧) فهو مفعول متقدم (٨). ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ استفهام جحد أي: وهل يُجَازي بمثل ما فعلنا بهم إلا من كفر النعمة ولم يشكرها. وقيل: كفروا بالله (٩).

стр. 2264

وقال بعضهم: المؤمن يجزى والكافر يجازى لأن لفظ المفاعلة يقتضي المكافأة، والمماثلة تكون في السيئة (١) وأما الحسنات فإنها مضاعفة أضعافاً (٢). وقيل: الجزاء لفظ عام في المؤمن والكافر والمجازاة للكافر خاص (٣). وقيل: الكافر يجازى بالسيئات والمؤمن يبدل الله سيئاته حسنات (٤). قال القفال: " ذهب جماعة من أهل العلم والنظر في هذه الآية إلى أن المجازاة بمعنى التجازي أي لا يرتجع ما أنعم به عليه (٥) إلا ممن يكفر ولا يشكر كقوله ﴿لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] قال: والكفور من كفران النعمة" (٦). ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ بين سبأ. ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي: بالتوسعة على أهلها في النعم وهي: الشام، والأردن، وفلسطين، وبيت المقدس. ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ يظهر بعضها لبعض لتقاربها. وقيل ﴿ظَاهِرَةً﴾ أي (٧): معروفة يقصدها من أراد الشام، كما تقول: هذا شيء ظاهر أي: معروف (٨). وقيل: الظاهرة كل أرض مشرفة غليظة كأنها على جبل (٩).

стр. 2265

﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي: جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم يَقِيلُ المسافر في قرية ويروح في أخرى. وقيل: جعلنا مسيرهم بمقدار حيث أرادوا إن يحلوا حلوا بقرية (١). ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (١٨)﴾ أي: متى شئتم أمر إباحة. وقيل: إن اللفظ للأمر (٢)، والمعنى للماضي أي: ساروا فيها آمنين من العدو، والجوع، والعطش، والسباع (٣). ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ بطروا النعمة وجهلوا العاقبة فسألوا الله تغيير ما بهم من النعمة بأن يباعد بين أسفارهم فأجابهم إلى ما سألوه لأنفسهم (٤). وقيل: قالوا مُرْنا بالأسفار البعيدة الشاقة (٥). وقيل: طلبوا ذلك ليتطاولوا على الفقراء. وقيل: طلبوا ذلك للتجارة فإن السفر إذا طال كان الربح فيه أكثر (٦). النقاش: معناه: زد في عمارتها حتى تبعد فيها أسفارنا (٧). وقرأ يعقوب (ربُنا) بالرفع (٨)

стр. 2266

(بَاعَدَ) بلفظ الماضي، فهذا شكوى منهم لبعد سفرهم وتمنى قصره. ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ حيث عدو النعمة نقمة والإحسان إساءة. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ﴾ أي: جعلنا ما حل بهم. ﴿أَحَادِيثَ﴾ يُضرب بهم المثل فيقال: تفرقوا أيدي سبأ، وصاروا أيادي سبأ (١) ويذكر ما كانوا فيه وصاروا إليه. ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فرقناهم في البلاد كل تفريق أي: غاية ما يكون من التفريق وتبديد الشمل (٢) حتى وقع بعضهم إلى الشام، وبعضهم إلى عُمان وبعضهم إلى يثرب. وقال بعض المفسرين: لما جرى عليهم سيل العَرِم بقيت منهم بقية عاهدوا الأنبياء بأن لا يعودوا إلى الكفر والمعصية ثم لم يفوا بالعهد (٣) فحينئذ عوقبوا بالتمزيق في البلدان. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذُكر. ﴿لَآَيَاتٍ﴾ لمواعظ وعبرًا. ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ أي: مؤمن يصبر على الطاعة ويشكر على النعمة. ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ "في" و "على" يتعاقبان في مثل هذا الموضع (٤)، والضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يجوز أن يعود إلى أهل سبأ، ويجوز أن يكون عاماً فيمن كفر.

стр. 2267

﴿إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ ظَنُّ إبليس ما ذكره الله في القرآن (١) في غير موضع منه قوله ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحِجر: ٣٩] و ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] و ﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] الآيات، فمن شدد ﴿صَدَّقَ﴾ جعل ﴿ظَنَّهُ﴾ مفعولاً به، ومعناه: حقق ظنه فيهم، ومن خفف جاز أن يكون مصدرًا أي: صَدَقَ إبليس ظناً ظنه، هذا لفظ الزجاج (٢)، وفيه خلل، ويجوز أن يكون ظرفاً أي: في ظنه كلاهما عن الزجاج (٣). وفي الحجة: ويجوز أن يكون مفعولاً به (٤). وقيل: فيه تقديم وتأخير أي: اتبعوه فصدق عليهم إبليس ظنه (٥)، والمعنى الذي أراد هذا القائل موجود في ترتيب الآية من غير تقديم تقول: أكرم الأمير فلاناً فركب إليه، وركب الأمير إلى فلان فأكرمه لأن التصديق وقع بالاتباع والاتباع وقع بالتصديق (٦). وقوله ﴿إِلَّا فَرِيقًا﴾ من المؤمنين هو كقوله ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣]، و ﴿مَنْ﴾ يجوز أن يكون للبيان، ويجوز أن يكون للتبعيض فيكون بعض المؤمنين يتبعون وساوسه فيذنبون ويتوبون. ﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾ لإبليس.

стр. 2268

﴿عَلَيْهِمْ﴾ على الذين صار ظنه فيهم صدقاً. ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ جبر وإكراه. وقيل: حجة وبرهان بل دعاهم بوساوسه فاتبعوه وغرّهم بما زين لهم فانخدعوا له (١). ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ قيل: الاستثناء منقطع أي: لكن ابتلينا المكلفين بوساوسه لنعلم. وقيل: متصل وتقديره: ما خلينا بينهم وبين وساوسه إلا لنعلم (٢). ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ الْجُودِيِّ فِي شَكٍّ﴾ أي: ليظهر المسلم من الكافر، والمطيع من العاصي فيقع الثواب والعقاب بعد ظهور الأفعال منهم وإن كان الله عالماً بذلك. وقيل: لنعلم عندكم كما قلنا وهو أهون عليه عندكم. وقيل: معنى ﴿لِنَعْلَمَ﴾ ليكون إيمان المؤمن بها وشك الشاك فيها كما تقول: ما عَلِمَ الله هذا مني (٣) أي: لم يكن مني. وقيل: ليُعْلَم أولياؤنا. وقيل: معنى ﴿لِنَعْلَمَ﴾ لنميز. وقيل: لنعلم إيمان المؤمن وشك الشاك موجودين كما علمناه غيباً، وهذا هو القول الأول، وهذه الوجوه كلها ذكرها القفال (٤). ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾ حافظ أي: عالم رقيب مجازٍ. ﴿قُلِ﴾ يا محمد لمشركي قومك. ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ ادَّعَيْتُم أنهم آلهة. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا أمر تهديد، وهي: الأصنام. وقيل: هم الملائكة (٥)، وذلك أن بني مليح قالوا: الأصنام على صورة الملائكة، والملائكة بنات الله فنحن نعبدها ليَكُنَّ لنا شفعاء عند الله.

стр. 2269

﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ الشِّرْك: الشركة، والظَّهِير: المعين، واحد وقع موقع الجمع، والمعنى: لو كان لهم في السموات والأرض مُلْك أو كان لهم فيها شركة أو كان منهم مظاهرة في خلقها لاستحقوا بوجهٍ من هذه الوجوه أن يُعْبَدوا، وإذا لم يكن كذلك (١) بطل زعمهم، ثم قال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أي: ليس لهم شفاعة أيضاً كما زعموا. ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ قيل: أذن أن يُشْفع له (٢). وقيل: لمن أذن له أن يَشْفع (٣). ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: كُشِفَ وأُزِيلَ وجُلُيَ عنها الفزع، والمِفْزَعُ: الشجاع (٤)، والفعل لله سبحانه بدليل من قرأ (فَزَّعَ) بثلاث فتحات (٥). وفي الضمير ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قولان: أحدهما: أنه يعود إلى الملائكة، وقد تقدم ذكرهم ضمناً وإن لم يكن صريحاً فإن بني مليح كانوا يعبدون الملائكة، وفي معناه أقوال:

стр. 2270

قال القفال: " أُذِنَ لهم في الشفاعة ففزعوا حين ورد (١) على أسماعهم كلام الله بالإذن فيها، فإن ابن عباس ﵄ قال: " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صَلْصَةً كصَلْصَلة السلسلة على الصفوان فيرون أنه أمر الساعة" (٢). وقيل: يفزعون أن يلحق في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير في وضع الشفاعة غير موضعها فإذا فزع عن قلوبهم الغشية التي لحقتهم من الخشية، ﴿قَالُوا﴾ الملائكة فوقهم (٣). ﴿(مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ أي: ماذا أمر الله به فيقولون لهم ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ وهو أن أذِن لكم في الشفاعة للمؤمنين. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ وجُلُّ المفسرين على أن الله إذا أراد إحداث أمر بوحي أحدث في السماء صوتاً يشبه جرس السلاسل على الصفوان، فيفزع الملائكة لذلك ويغشى عليهم مخافة أن تكون القيامة، فإذا أزال الله الفزع عن قلوبهم سألوا جبريل ومن معه من الملائكة ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق، أي: لا يخبرونهم بل يقولون قال ما وجب عنده أن يقول وهو العلي الكبير. وروي أن الحارث بن هشام (٤)

стр. 2271

قال لرسول الله ﷺ : " كيف يأتيك الوحي؟ قال: يأتيني في صلصلة كصلصلة الجرس فيفصم عني حين يفصم وقد وعيته، ويأتيني أحيانا في مثل صورة الرجل فيكلمني به كلاماً وهو أهون علي" (١). ابن عباس ﵄ "انقطع الوحي بعد عيسى فلما تكلم الله بالوحي إلى محمد ﷺ سمعت الملائكة صوتاً كصوت الحديد على الصفا فغشي عليهم، فلما جلي عنهم قالوا: ماذا قال ربكم فقالوا أوحي إلى محمد" (٢). وقيل: إذا مرّ المعقبات بسائر الملائكة فزعوا أن يكون حدث أمر الساعة (٣). والقول الثاني: أن الضمير يعود إلى الناس، وفيه قولان: أحدهما: عند النزع، أي إذا فُزِّع عنهم الشرك والشك قالوا أي: الملائكة للمشركين ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق، فيقرون حين لا ينفعهم ذلك (٤). وقيل: هذا في القيامة حين كشف الغطاء، فيقال لهم: ماذا قال ربكم (٥) في الدنيا؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير، فلا ينفعهم إيمانهم (٦). ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ الأمطار.

стр. 2272

﴿وَالْأَرْضِ﴾ النبات والأشجار. ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: إن سكتوا هم (١) أو ردوا الجواب إليك فقل أنت: الله، إذ ليس لهذا الكلام جواب غير هذا. ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ هذا تعريض في الكلام توصلاً إلى المقصود بلفظ غير شنع، كما تقول لصاحبك: أحدنا كاذبٌ. فيكون ألطف من أن تقول: إنك كاذب (٢). وقيل: تقديره: إنا على هدى وإياكم في ضلال مبين (٣) كقوله ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [القصص: ٧٣] وقد سبق، فيكون ﴿أَوْ﴾ بمعنى: الواو وهذا ضعيف (٤). وقيل: تقديره: إنا لعلى هدى أو إياكم على هدى، وإنا في ضلال أو إياكم في ضلال (٥). النقاش: قل الله يرزقنا وإياكم على هدى كنا أو في ضلال، وهذا القول من حيث المعنى حسن لكن يدفعه إن واللام (٦). ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾ أي: لا تحاسبون على أعمالنا ولا نحاسب على أعمالكم خيرها وشرها. قال القفال: " ويجوز أيضاً أن يكون هذا إلطافًا للخصم إلى الإصغاء فأضاف إلى أنفسهم الجرم وأضاف إليهم العمل جملة" (٧). ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يوم القيامة.

стр. 2273

﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ يحكم بيننا ويقضي من غير ميل ولا جورٍ فيظهر المحق من المبطل (١). ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ القاضي. ﴿الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ بالقضاء. ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ أي: أعلموني بأي صفة ألحقتموهم بالله وجعلتموهم شركاءه (٢)! . وقيل: هذا كقول القائل لغيره إذا أفسد شيئًا: أرني ما أفسدته (٣). ﴿كَلَّا﴾ نهي ونفي. ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ الغالب فلا يشاركه أحد وهو ﴿الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ فلا يشرك معه أحداً. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ أي: وما أرسلناك على ساقة الأنبياء (٤) خاتماً لهم إلا لتكون رسولاً إلى بني آدم كافة جميعًا من اليوم إلى قيام الساعة، و ﴿كَافَّةً﴾ حال مقدم، والتقدير: للناس كافة، أي: جميعاً فيكون حالاً من الناس (٥). وقيل: ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ تكفهم عن الكفر والهاء للمبالغة (٦).

стр. 2274

وقيل: كافًا جامعًا، من قولهم: كففت الثوب لأن ذلك جمع لما تفرق منه (١). ﴿بَشِيرًا﴾ للمؤمنين. ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ فيحملهم جهلهم على مخالفتك (٢). ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩)﴾ يريدون قوله ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ [سبأ: ٢٦]. ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾ أي: هذا مُوَقت بيوم لا يغرنكم تأخره فإنه كائن لا محالة. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: كفار قريش وقيل: قاله أبو جهل (٣). ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني التوراة. وقيل: جميع كتب الله، وذلك أن مؤمني أهل الكتاب قالوا للكفار إنَّ محمداً حق ونحن نجد صفته في كتابنا فقالوا: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه (٤). وقيل: نزلت في اليهود، والكتاب الذي بين يديه الإنجيل (٥). وقيل: الذي بين يديه البعث والنشور والجنة والنار (٦). ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: في موضع المحاسبة.

стр. 2275

﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ أي: يراجعون الكلام فيما بينهم بالعتاب، واللَّوْم، واللَّعْن، وتبرؤ بعضهم عن بعض بعدما كانوا في الدنيا أخِلَاّء، ويحتمل أن الرجع هو ما حكى الله عنهم فقال ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم القادة. ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لولا دعاؤكم إيانا إلى الكفر لاتبعنا محمداً وصدقناه. ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ إستفهام إنكار أي: لم نصدكم عن قبول الهدى حين جاءكم. ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ بل أنتم بأنفسكم كفرتم إذ لم يكن لنا عليكم من سلطان. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ أي: يقول الأتباع للمتبوعين: بل مكركم بنا في الليل والنهار ومواصلتكم خديعتنا والاحتيال علينا في المنع عن الإيمان حملنا على أن نكفر بالله ونجعل له شركاء، وكان ذلك مكراً منكم وخديعة لا أصل له ولا حقيقة، وأضاف المكر إلى الليل والنهار كما تقول: نهار فلان صائم وليله قائم. وقيل: بل الليل والنهار مكراً وبطول السلامة فيهما حتى ظننا أنكم على حق ويقويه قراءة من قرأ (مَكَرُّ الليل والنهار) من الكرور (١)

стр. 2276

كقوله ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]. وقيل: التابع والمتبوع صادقان، فإن قول التابع: هلكنا باتباعكم صدق، والجواب: لم نكرهكم صدق، وقولهم: خدعتمونا صدق (١). ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أخْفَوْها لأن الندامة في القلب (٢). والثاني: أظهروها، وهو من الأضداد أي: ظهرت آثار الندامة على أسرة وجوههم (٣). والثالث: تعاتبوا سراً من قوله ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [الأنبياء: ٣] (٤). وقوله ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: الجحيم. ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفاً على قوله ﴿رَأَوُا﴾ أي: لما رأوا العذاب ولما جعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا فيكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ غير هؤلاء. والثاني: أن التقدير: وجعلنا الأغلال في أعناق التابعين والمتبوعين وسائر الكفار فيكون عطفاً على ﴿أَسَرُّوا﴾. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: هل يجزى المسيء إلا عمله، أي: هل يُقضى إلا عمله كأن الجزاء دين قضي، ويجوز أن يكون تقديره: هل يجزون إلا بما كانوا يعملون فحذف الجار، وجواب ﴿لَمَّا﴾ محذوف. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾ بلد من البلدان. ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ نبي. ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ متنعموها. ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ بزعمكم كافرون جاحدون.

стр. 2277

﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: أكرمنا الله بالمال والولد ثم لا يعذبنا، لأن من يعذب لا يكرم. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ امتحاناً وابتلاءً لاكرامةً لمن يعطيه ولا هواناً. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ ذلك. ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ أي: لا تُقَرِّبُكم عندنا منزلة ولا درجة، والزُّلْفَى الدرجة، والمنزلة مثل القربى فيكون إسماً (١)، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير لفظ الفعل الأول أي: تقربكم عندنا ازدلافاً (٢). ﴿إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً أي: لكن من آمن وعمل صالحاً. ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ قيل: الضِّعْف: المِثْل، فيكون مثل قوله ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وجُلُّ المفسرين على أن التقدير: لنجزينهم على طاعتهم بالواحدة عشرة إلى سبعمائه فما فوقها، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلاً على تقدير (٣): إلا من تاب فإن ماله وولده يُقَرِّبَانه إلينا بأن ينفق ماله في سبيل الله واستظهر بأولاده في نصرة دين الله، فيكون الاستثناء من ضمير المخاطبين.

стр. 2278

قال الفَرَّاء: " وإن شئت جعلته رفعاً أي: ما هو إلا من آمن" (١)، وهذا الكلام غير مفهوم إلا أن تجعل التقدير: وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم إلا أموال من آمن وأولاده، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ أي: في الجنات. ﴿آَمِنُونَ (٣٧)﴾ وهذه جمع الكثرة كالمسلمات، والمؤمنات، والقانتات، ويجوز أن يكون لكل واحدٍ غُرُفات، والغُرْفة فيمن قرأ موحدة (٢) جاز أن يكون اسما للجنة، وجاز أن يكون اللام للجنس. ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا﴾ في رد آيتنا وإبطال ديننا. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ أي: سابقين لأنبيائنا وأوليائنا. ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يريد المؤمنين. ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ وليس هذا تكرارًا فإن الآية الأولى للكفار وهذه للمؤمنين، وقيل: الأولى معناها: يُوِسِّع على واحد ويُضَيِّق على آخر، والثانية معناها: يُوَسِّع على من يشاء من عباده وإن يشاء يضيق عليه من بعد التوسعة؛ فالأولى في شخصين وهذه في شخص ألا ترى إلى قوله ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾. وقيل: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ في الأولى من قوله ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّق، وهذه من القُدْرة (٣) التي هي الاستطاعة. وقيل: ويَقْدرُ على أن يَخْلِفَ عليه (٤) إذا أنفقه في سبيل الله (٥).

стр. 2279

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ قيل: يخلفه في الآخرة أجراً (١). وقيل: يُخْلِفه في الدنيا (٢). وقيل: فيهما جميعاً (٣). وقيل: معناه: وما أنفقتم من شيء فالله أخلفكم ذلك أي: أعطاكم ورزقكم أي: فأنتم تنفقون من رزقه كقوله ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] (٤). ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ المعطِين، وجاز جمعه فإن الرزق قد يستعمل (٥) لغير الله كقوله ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] ورَزْقُ الجند (٦). ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ التابعين والمتبوعين. ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ﴾ يعني: بني مُلَيْح لأنهم زعموا أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله. وقيل: يعني: المشركين (٧). ﴿إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾ وهذا توبيخ للعابدين كما سبق في ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. ﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكة. ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهاً لك أن يُعْبَد غَيْرُك معك. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: أنت معبودنا ونحن العابدون والعابد لا يستحق أن يُعْبَد.

стр. 2280

وقيل: معناه: اتخذناك وليَّاً واتخذتنا أولياء، فأنت ولينا ونحن أولياؤك، ونحن لم نتخذ هؤلاء أولياء، فليس بيننا ولاية وإن زعموا أنهم اتخذونا أولياء لأن الولاية تكون من الجانبين (١). ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن ابليس والجن كانوا يتراؤن لهم ويصورون لهم أنا ملائكة الله فكانوا يعبدون الجن على زعم أنهم الملائكة (٢). والثاني: أنهم عبدوا الملائكة بأمر الجن فلما عبدوهم بأمرهم فكأنهم عبدوا من أمَرَهم بذلك (٣). ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر الإنس. ﴿بِهِمْ﴾ بالجن. ﴿مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ مصدقون. وقيل: كلهم بالجن مؤمنون (٤). ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ مما كنتم ترجون من شفاعتهم لكم. ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا. ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾ في الدنيا. وقيل: القول صلة، وتقديره: ونذيقكم عذاب النار فهو أمر في معنى الخبر كما قلنا في قوله ﴿سِيرُوا فِيهَا﴾ [سبأ: ١٨]. وقيل: يقول لهم الملائكة ذوقوا عذاب النار (٥). ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: إذا قرئ عليهم القرآن مع ظهور إعجازه. ﴿قَالُوا﴾ أي: المشركون. ﴿مَا هَذَا﴾ يعنون محمداً ﷺ . ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ﴾ ويصير لذلك سيدكم. ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا﴾ يعنون القرآن.
следующие страницы →