← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

كقوله ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]. وقيل: التابع والمتبوع صادقان، فإن قول التابع: هلكنا باتباعكم صدق، والجواب: لم نكرهكم صدق، وقولهم: خدعتمونا صدق (١). ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أخْفَوْها لأن الندامة في القلب (٢). والثاني: أظهروها، وهو من الأضداد أي: ظهرت آثار الندامة على أسرة وجوههم (٣). والثالث: تعاتبوا سراً من قوله ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [الأنبياء: ٣] (٤). وقوله ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: الجحيم. ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفاً على قوله ﴿رَأَوُا﴾ أي: لما رأوا العذاب ولما جعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا فيكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ غير هؤلاء. والثاني: أن التقدير: وجعلنا الأغلال في أعناق التابعين والمتبوعين وسائر الكفار فيكون عطفاً على ﴿أَسَرُّوا﴾. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: هل يجزى المسيء إلا عمله، أي: هل يُقضى إلا عمله كأن الجزاء دين قضي، ويجوز أن يكون تقديره: هل يجزون إلا بما كانوا يعملون فحذف الجار، وجواب ﴿لَمَّا﴾ محذوف. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾ بلد من البلدان. ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ نبي. ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ متنعموها. ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ بزعمكم كافرون جاحدون.

стр. 2277

﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: أكرمنا الله بالمال والولد ثم لا يعذبنا، لأن من يعذب لا يكرم. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ امتحاناً وابتلاءً لاكرامةً لمن يعطيه ولا هواناً. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ ذلك. ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ أي: لا تُقَرِّبُكم عندنا منزلة ولا درجة، والزُّلْفَى الدرجة، والمنزلة مثل القربى فيكون إسماً (١)، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير لفظ الفعل الأول أي: تقربكم عندنا ازدلافاً (٢). ﴿إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً أي: لكن من آمن وعمل صالحاً. ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ قيل: الضِّعْف: المِثْل، فيكون مثل قوله ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وجُلُّ المفسرين على أن التقدير: لنجزينهم على طاعتهم بالواحدة عشرة إلى سبعمائه فما فوقها، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلاً على تقدير (٣): إلا من تاب فإن ماله وولده يُقَرِّبَانه إلينا بأن ينفق ماله في سبيل الله واستظهر بأولاده في نصرة دين الله، فيكون الاستثناء من ضمير المخاطبين.

стр. 2278

قال الفَرَّاء: " وإن شئت جعلته رفعاً أي: ما هو إلا من آمن" (١)، وهذا الكلام غير مفهوم إلا أن تجعل التقدير: وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم إلا أموال من آمن وأولاده، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ أي: في الجنات. ﴿آَمِنُونَ (٣٧)﴾ وهذه جمع الكثرة كالمسلمات، والمؤمنات، والقانتات، ويجوز أن يكون لكل واحدٍ غُرُفات، والغُرْفة فيمن قرأ موحدة (٢) جاز أن يكون اسما للجنة، وجاز أن يكون اللام للجنس. ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا﴾ في رد آيتنا وإبطال ديننا. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ أي: سابقين لأنبيائنا وأوليائنا. ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يريد المؤمنين. ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ وليس هذا تكرارًا فإن الآية الأولى للكفار وهذه للمؤمنين، وقيل: الأولى معناها: يُوِسِّع على واحد ويُضَيِّق على آخر، والثانية معناها: يُوَسِّع على من يشاء من عباده وإن يشاء يضيق عليه من بعد التوسعة؛ فالأولى في شخصين وهذه في شخص ألا ترى إلى قوله ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾. وقيل: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ في الأولى من قوله ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّق، وهذه من القُدْرة (٣) التي هي الاستطاعة. وقيل: ويَقْدرُ على أن يَخْلِفَ عليه (٤) إذا أنفقه في سبيل الله (٥).

стр. 2279

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ قيل: يخلفه في الآخرة أجراً (١). وقيل: يُخْلِفه في الدنيا (٢). وقيل: فيهما جميعاً (٣). وقيل: معناه: وما أنفقتم من شيء فالله أخلفكم ذلك أي: أعطاكم ورزقكم أي: فأنتم تنفقون من رزقه كقوله ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] (٤). ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ المعطِين، وجاز جمعه فإن الرزق قد يستعمل (٥) لغير الله كقوله ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] ورَزْقُ الجند (٦). ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ التابعين والمتبوعين. ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ﴾ يعني: بني مُلَيْح لأنهم زعموا أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله. وقيل: يعني: المشركين (٧). ﴿إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾ وهذا توبيخ للعابدين كما سبق في ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. ﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكة. ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهاً لك أن يُعْبَد غَيْرُك معك. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: أنت معبودنا ونحن العابدون والعابد لا يستحق أن يُعْبَد.

стр. 2280

وقيل: معناه: اتخذناك وليَّاً واتخذتنا أولياء، فأنت ولينا ونحن أولياؤك، ونحن لم نتخذ هؤلاء أولياء، فليس بيننا ولاية وإن زعموا أنهم اتخذونا أولياء لأن الولاية تكون من الجانبين (١). ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن ابليس والجن كانوا يتراؤن لهم ويصورون لهم أنا ملائكة الله فكانوا يعبدون الجن على زعم أنهم الملائكة (٢). والثاني: أنهم عبدوا الملائكة بأمر الجن فلما عبدوهم بأمرهم فكأنهم عبدوا من أمَرَهم بذلك (٣). ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر الإنس. ﴿بِهِمْ﴾ بالجن. ﴿مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ مصدقون. وقيل: كلهم بالجن مؤمنون (٤). ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ مما كنتم ترجون من شفاعتهم لكم. ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا. ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾ في الدنيا. وقيل: القول صلة، وتقديره: ونذيقكم عذاب النار فهو أمر في معنى الخبر كما قلنا في قوله ﴿سِيرُوا فِيهَا﴾ [سبأ: ١٨]. وقيل: يقول لهم الملائكة ذوقوا عذاب النار (٥). ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: إذا قرئ عليهم القرآن مع ظهور إعجازه. ﴿قَالُوا﴾ أي: المشركون. ﴿مَا هَذَا﴾ يعنون محمداً ﷺ . ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ﴾ ويصير لذلك سيدكم. ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا﴾ يعنون القرآن.

стр. 2281

﴿إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ كذب مضاف إلى الله وليس من عنده. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ للقرآن. ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ وعجزوا عن الإتيان بمثله (١). ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾ ظاهر لا يخفي فمرة جعلوه سحرًا، ومرةً جعلوه افتراءً على الله. قال القفال: " يجوز أن يكون الرمي بالسحر من قول الأتباع، والرمي بالإفك من قول الرؤساء لافتراق اللفظين، ويحتمل أنهم كانوا يقولون: القرآن في نفسه سحر عجيب لكنه من محمد أضافه إلى الله" (٢). ﴿وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾ أي: من أين يقولون ما يقولون ولم يأتهم كتاب ولا رسول وإنما يحصل العلم من هذين الوجهين فظهر كذبهم وافتراؤهم. ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل قومك. ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ﴾ مِعْشَار على وزن مِرْبَاع وهو العُشْر. وقيل: العُشْر جزء من العشرة، والعشير جزء من العشر والمعشار جزء من العشير فيكون الواحد من الألْف، والقول هو الأول لأن العشر والعشير والمعشار في اللغة واحد (٣)، ثم اختلفوا في الضمير:

стр. 2282

فقيل: ما بلغ قومك معشار ما أتينا مَنْ قَبْلَهم (١) من المال والقوة والعدة والكثرة (٢). وقيل: ما بلغ أولئك شكر معشار ما أتيناهم من النعمة (٣). وقيل: ما بلغوا أي: ما عملوا معشار ما أمروا به (٤). وقيل: ما بلغ أولئك معشار ما أتينا قومك من العلم والبيان والحجة والبرهان، فإن ابن عباس ﵄ قال: " ليس أمة أعلم من أمة محمد ﷺ ، ولا كتاب أبين من كتابه" (٥). ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾ قيل: إنما كرر ﴿فَكَذَّبُوا﴾ لأن الأول لتكثير الكذب لا لتكذيب الغير، والكفار كانوا كذَّابِين قبل مجيء الرسل في إيجاب الشرك وإنكار البعث فلما جاءهم الرسل كذبوهم أي: نسبوهم إلى الكذب. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: عقابي وتغييري حالهم. وقيل: إنكاري عليهم. وقيل: النكير جزاء المنكر من الفعل (٦). الخليل: النكير الاسم من الإنكار، والمعنى: فما آمن هؤلاء من مثل ذلك (٧). ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أُذَكِّرُكُم وأُحَذِّرُكم سوء عاقبة ما أنتم فيه بموعظة واحدة.

стр. 2283

وقيل: بكلمة واحدة كقوله ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] (١). وقيل: هي كلمة التوحيد (٢). وقيل: طاعة الله (٣). وقيل: النصيحة. وقيل: هو ما فسرها فقال ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ تقصدوا، وليس من القيام على الرِّجْل (٤). وقيل: بأن تقوموا ولأن تقوموا (٥). ﴿لِلَّهِ﴾ لوجه الله والتماس القرب إليه لا لعصبية، ولا تقليد لسَلَفٍ، ولا لإلْفٍ جريتم عليه. ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ مجتمعين ووحدانا، وأن يأخذ الرَّجُلُ يد صاحبه فيخلوا ويتفكروا فيما أتى به محمد ﷺ لأن الناظر تتجلى له الشبهة (٦) أحياناً منفردا وأحيانا يستعين بغيره فيما يحتمل أن يكون ذاهبًا عن درك الصواب فيه. ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ تستعملوا فكركم (٧) بالتدبر بعقولكم هل فيما يدعوكم إليه محمد ﷺ فساد؟ وهل في حاله ضعف عقل واختلاف قول وفعل مما يُرى في المجانين؟ . فإذا تفكرتم ونظرتم فما وجدتم به أثر جنون فاعلموا أنه صادق نبي مرسل. ثم نفي الله عنه الجنون فقال ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ﴾ يعني محمداً ﷺ . ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ جنون. وقيل: ﴿مَا﴾ للاستفهام أي: تتفكروا أيُّ شيء بصاحبكم من آثار الجنون وأماراته حتى يجوز أن يُدعي مجنوناً (٨). ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو.

стр. 2284

﴿إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ قُدَّام عذاب شديد إما في الدنيا وإما في الآخرة. ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ فيه أقوال: أحدها: أن ﴿مَا﴾ نفي أي: لا أسألكم على الرسالة مالاً وجُعْلاً فهو لكم أي: مالُكُم لَكُم من غير تعرض (١). الثاني: هو كالرَّجُل يقول لمن لا يقبل نُصحه: ما أعطيتني من أجر فخذه أي: النُّصْح مَجَّان (٢). الثالث: الذي سألتكم أن تعطونيه (٣) نفعه راجع إليكم وهو أن تقبلوا مني ما تنجون به لا أسألكم أجرًا سوى هذا (٤). الرابع: قال الكلبي: " هذه الآية ناسخة لقوله ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] أي: الذي سألتكم من مودة القربى فهو لكم لأنهم قالوا: يحثنا محمد على حب قرابته ويشتم آلهتنا، وزيَّف بعضهم هذا القول (٥). ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي. ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)﴾ هذا تأكيد لقوله ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ أي: يأتي به. وقيل: ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يرمى بالإسلام في الآفاق (٦).

стр. 2285

ابن عيسى: القذف: إلقاء الشيء عن عظم شأن (١). وقيل: يقذف بالحق على الباطل فحذف. وقيل: ﴿نَقْبًا بِالْحَقِّ﴾ يوحى بالقرآن (٢). وقيل: يقذف بالحق في قلب من شاء وعلى لسان من شاء (٣). ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾ أي: هو علام الغيوب (٤) فلا يخفى عليه شيء. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلام. وقيل: الجهاد (٥). وقيل: السيف (٦). وقيل: القرآن (٧). وقيل: بعثة النبي ﷺ (٨). ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾ أي: ما يخلق إبليس شيئاً (٩). ﴿وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ ولا يبعث. وقيل: الباطل: الأصنام (١٠). وقيل: معناه: وزال الباطل أي: الشرك (١١) كقوله ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] ومثله ﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨].

стр. 2286

وقيل: هذا مَثَلٌ يُضرب لكل من انقطع عن الاحتجاج ما يبدئ وما يعيد وما يحلى وما يمر، وجمهور المفسرين على أن ﴿مَا﴾ نفي، وقيل: هي استفهام بمعنى النفي ومحله نصب أي: أيُّ شيء يبدئ الباطل وأي شيء يعيد (١). ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ أخطأت عن الحق والرشاد كما تزعمون. ﴿فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ أي: وبال ضلالي على نفسي. ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ فبوحي الله وتوفيقه (٢). ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ سمع دعائي فاستجاب بفضله. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ قيل: عند الموت (٣). وقيل: في القبر (٤). وقيل: عند البعث (٥). وقيل: يوم بدر (٦). ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ لا مناص ولا مهرب. ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾ من تحت أقدامهم. وقيل: من ظهر الأرض على بطنها (٧). وقيل: أخرجوا من الأرض (٨). وقيل: ببدر من مكان قريب بعذاب الدنيا (٩).

стр. 2287

وقُرْبُ المكان مَثَلٌ لسهولة أخذهم وتعذيبهم، وجواب ﴿وَلَوْ﴾ محذوف أي: لرأيت أمرًا عظيماً. الكلبي، والثعلبي وغيرهما نزلت في السفيانية، روى حذيفة بن اليمان (١) عن النبي ﷺ أنه ذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب فبينا هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني (٢)

стр. 2288

من الوادي اليابس في فوره ذلك حتى ينزل دمشق، فيبعث الله جيشين جيشًا إلى المشرق وجيشًا إلى المدينة حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة فيقتلون ثلاثة آلاف، ويبقرون بها أكثر من مائة امرأة، ويقتلون بها ثلثمائة كبش من بني العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين على الشام فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم، ويحل جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها ثم يخرجون متوجهون إلى مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريل فيقول يا جبريل: اذهب فأبِدْهُم. فيضربها برجله ضربةً يخسف الله بهم، فذلك قوله في سورة سبأ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾، فلا ينقلب منهم إلا رجلان؛ أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة فلذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين (١). ﴿وَقَالُوا﴾ عند البأس والأهوال (٢). ﴿آَمَنَّا بِهِ﴾ بالله. وقيل: بمحمد (٣).

стр. 2289

﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ أي: كيف يتناولون الإيمان وقد ذهب مكان التكليف وزمانه. وقيل: يسألون الرد وليس حين رد (١). والتناوش: التناول، من نَشَتَ تَنُوش، قال الشاعر (٢): باتت تَنُوش الحَوْضَ نَوْشاً من عَلا ... نَوْشاً به تَقْطع أجْواز الفلا. ومن همز فعند سيبويه قلب الواو المضمرة همزة (٣). وقيل: هو من نَاش وانْتَاش إذا بطؤ، والنئيش الحركة في إبطاء، قال الشاعر (٤): تمني نئيشًا أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور. ثعلب (٥):

стр. 2290

التناوش بغير همز التناول من قرب، والتناؤش بالهمز من بُعْد (١). والمكان البعيد قيل: هو الذي هم فيه. وقيل: هو الذي ليسوا فيه وهو: الدنيا (٢). ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ كالأول. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الدنيا (٣). وقيل: قبل العذاب (٤). ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ يرجمون بالظن يقولون: لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار، وقيل: هو قولهم في النبي ﷺ إنه ساحر، وكاهن، وشاعر (٥). وقيل: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ بالآخرة (٦) من مكان بعيد ينكرونها ويقولون ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] (٧). وقيل: هو طعنهم في القرآن (٨)،

стр. 2291

وقيل: يؤخرون التوبة (١)، ويحتمل أن المعنى: يستبعدون جميع ما غاب عنهم فلا يؤمنون به. ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من الرجوع إلى الدنيا وقبول إيمانهم وتوبتهم. ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ بأمثالهم. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ حين آمنوا إيمان البأس (٢) يعني: الأمم المهلكة، وقيل: أصحاب الفيل (٣). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾ مشكك مبالغ في الشك، كما تقول: عجب عجيب. وقيل: في شك موجب لصاحبه ما يريبه من مكروه، وهذا رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك (٤)، والله أعلم.

стр. 2292

سورة فاطر

стр. 2293

سورة فاطر مكية الحسن: مكية إلا آيتين ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ (١) [فاطر: ٣٠، ٢٩]. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حمد نفسه تعظيماً له وتَعليماً لعباده. ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما ابتداء. قال الزَّجاج: " روي أن ابن عباس ﵄ قال: " ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض حتى اختصم إليَّ أعرابيّان في بئر؛ فقال أحدهما: أنا فطرتها أي: ابتدأتها، ومثل فاطر السموات والأرض خالق السموات والأرض " انتهى كلامه (٢). ابن عيسى: الفَطْر: الشق عن الشيء بإظهاره للحِس (٣).

стр. 2294

﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ أي: إلى عباده يريد جبريل، وميكائيل، وعزرائيل، ﵈. وقيل: هذا وصف لعامتهم، أي: جميع ملائكة الله رسل الله إلى الجن والإنس (١)، وبعضهم إلى بعض (٢). ﴿أُولِي﴾ ذوي أجنحة، جمع جَنَاح، مشتق من جَنَحَ إذا مال. ﴿مَثْنَى﴾ اثنين اثنين. ﴿وَثُلَاثَ﴾ ثلثاً ثلثاً. ﴿وَرُبَاعَ﴾ أربعاً أربعاً، فعدل ووصف ما قبله به فلم ينصرف (٣) للعدل والوصف، والمعنى: اثنين من الجانبين. وقيل: اثنين من كل جانب، وكذلك ثلاثًا من كل جانب لينقسم باعتدال (٤). وقيل: الثالث على الظهر كما يُرى لبعض الحيتان (٥). وقيل: الطيران بجناحين وما زاد فللزينة (٦). وروى المفسرون عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: " أن النبي ﷺ رأى جبريل وله ستمائة جناح" (٧). وقيل: هما جناحان ثم ينقسم كل جناح إلى جناحين وزيادة (٨). ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ أي: في خلق الملائكة. وقيل: عام (٩).

стр. 2295

وعن النبي ﷺ أنه فسره (١) بالوجه الحسن، والشَّعَر الحسن، والصوت الحسن (٢). وقيل: الخط الحسن، وعنه ﷺ " الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً" (٣). وقرأ ابن مسعود ﵁ (يزيد في الحَلْق ما يشاء) بالحاء (٤) وفسر بالصوت (٥). وقيل: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ هو السلام على الأعمى (٦). وقيل: العقل والتمييز والعلوم والصنائع (٧). وقيل: المحبة في قلوب المؤمنين (٨). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من ذلك وغيره. ﴿قَدِيرٌ (١)﴾ قادرُ بذاته. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ قيل: وحيٌ (٩)،

стр. 2296

ورسولٌ، ومطرٌ (١)، وعافيةٌ (٢)، ونعمةٌ، وتوسعةٌ رزق (٣). ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ لا دافع ولا مانع ولا حابس. ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ يمنع ويدفع ويحبس (٤). ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في سلطانه. ﴿الْحَكِيمُ (٢)﴾ في تدبيره. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ اشكروها. وقيل: اذكروها بلسانكم، واحفظوها بقلوبكم ولا تنسوها (٥). ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ استفهام بمعنى النفي. ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بالنبات (٦)، وقيل: يرزقكم الهداية (٧). مَن جَرَّه جعله وصفا لخالق على اللفظ، ومن رفعه فعلى المحل أو على الاستثناء فإنه نفي في المعنى أو على الخبر (٨). قوله ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ يجوز أن يكون خبرًا ويجوز أن يكون في محل جر وصفاً لخالق، ولا يمتنع (٩) أن يكون حالاً من اسم الله، ومعنى ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ يعطيكم، والرزق: العطاء. وقيل: الرزق ما جعله الله صالحاً للغذاء أيضاً.

стр. 2297

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ تُصْرَفون عن الحق إلى الباطل (١) وعن عبادة الله إلى عبادة الأوثان. والإفْك: الصَّرْف (٢). وقيل: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ تكذبون، ويقال لكم إن آلهتكم يرزقكم، والإفك: الكذب (٣). ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: تأسّ بهم واصبر. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)﴾ فلن تُعْدَم لصبرك جزاء. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث والجزاء. ﴿حَقٌّ﴾ صدق وكائن لا خُلْف فيه. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا يخدعنكم البقاء فيها فتركنوا إليها فإنها عن قريب زائلة. ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ الشيطان يريد يُمَنِّيكم المغفرة مع الاصرار على المعصية، والغَرُور: بالفتح الشيطان، وبالضم جمع غَار كسُجود جمع ساجد، وجُلوس جمع جالس، أو يكون مصدرًا. وإن كان فعله متعديًا كالعقوق واللزوم والنهوك مصدر نهكه المرض (٤). ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ يسعى طاقته في فسادكم ولا يَسُرُّه صلاحكم.

стр. 2298

﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ عاملوا معه معاملة الأعداء ولا تقبلوا قوله فتصيروا من حزبه. ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ أتباعه. ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ أي: غَرَضه من دعائة إياهم أن يوردهم النار. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: فمن أجابه حين دعاه فله عذاب شديد لأنه صار من حربه. ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلم يجيبوه ولم يصيروا من حزبه. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ في الجنة. ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ زَيَّنَ له الشيطان. وقيل: زينه نفسه قبيح أعماله وذنوبه (١). ﴿فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ فاعتقده صواباً. وقيل: صدقًا جميلاً (٢). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الجواب محذوف أي: كمَنْ هو بضده. وقيل: المحذوف تحسرت عليه، ودل عليه قوله ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (٣). وقيل: تقدير جوابه: كمن عرف الحَسَنَ من الأعمال حَسَناً والقبيح قبيحاً (٤). وتفسير ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ لا تَمُتْ (٥) حسرةً أن لا يؤمنوا، ومعناه: لا تَحْزَن عليهم حزناً شديدًا يكاد يقتلك، والحَسْرَةُ: الاغتمام على ما فات. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ يعلم أعمالهم فيجازيهم عليها. قيل (٦): هم اليهود عاندوا رسول الله ﷺ (٧).

стр. 2299

وقيل: هو إبليس وسوء علمه أغواه (١). وقيل: نزلت في العاص بن وائل (٢) والأسود بن المطلب (٣)، (٤). وقيل: في أبي جهل، عليهم اللعنة (٥). ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ تُهَيِّجُه. ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أسند الإرسال والسَّوْق إليه سبحانه، والإثارة إلى الريح أي: أحدثها بصفة الإثارة، وذَكَرَ الإرسال والسَّوْق بلفظ الماضي والاثارة بلفظ الحال لهذا. وقيل: المستقبل والماضي في هذه سواء لأن هذه أمور تبقى إلى يوم القيمة (٦). ويحتمل: أن التقدير: أرسل الرياح فأثارت سحاباً فسقناه فيرسل الرياح فتثير سحابًا فيسيوقه (٧)، فاكتفى بذكر البعض عن البعض (٨).

стр. 2300

وقيل: إسناد الإثارة إلى الريح مجاز لأن الريح لا فعل لها وحركاتها وسكناتها من فعل الله. ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أي: خصصنا بالمطر ماشئنا من البقاع (١). ﴿فَأَحْيَيْنَا﴾ أنبتنا. ﴿بِهِ﴾ بالمطر (٢)، وقد تقدم ذكره (٣) ضمناً لا صريحًا. ﴿الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها. ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ فيه قولان: أحدهما: كما أحيينا الأرض بالنبات نحيي الموتى. وقيل: كما أنزلنا من السماء ماءً فصار سبباً لحياة الأرض ننزل من السماء (٤) مايكون به حياة الموتى، فقد ذكر المفسرون أن الله يرسل بعد النفخة الأولى سحابًا من تحت العرش يُمْطِرُ مثل مَنيّ الرجال أربعين يومًا ثم ينشرهم الله به بعد النفخة الثالثة (٥)، وكأن القياس كذلك الانشار فاكتفى بالنشور لأنه يتضمن الإنشار مثل ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ العِزّ والعِزَّة واحد وهي: المَنَعَة (٦). ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أي من كان يريد أن يعلم لمن العِزة فليعلم أن العِزة لله جميعًا. وقيل: من كان يطلب عِزةً فليطلب من طاعة الله فإن العِزة لله (٧).

стр. 2301

وقيل: من كان يعبد الأصنام ليكونوا لهم عزاً فاعلم أن ذلك ذُل فإن العزة لله جميعًا أي مجتمعة في الدنيا والآخرة (١). ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ أي: إلى محل القَبول. وقيل: إلى الموضع الذي لا يجرى فيه حُكْمٌ إلا لله. وقيل: الصعود كناية عن القبول، أي: يقع أجلَّ موقع لأن الكلم لا يوصف بالصعود والنزول (٢). واختار لفظ الصعود لأن العلو في مراتب الناس أشْرف السِّفال كما تقول: ارتفع إلى القاضي وتراقى الخبر إلى السلطان وإن كان في سَرَب (٣). وقيل: يصعد به الملك، فقد جاء في الحديث" إن المؤمن إذا قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه (٤) ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يَمُر على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن" (٥). والكَلِمُ: جمع كَلِمَة، وهي: كلمة التوحيد (٦).

стр. 2302

وقيل: سبحان الله، كما سبق. وقيل: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ القرآن (١). وقيل: ﴿الطَّيِّبُ﴾ الحَسَن (٢). وقيل: ﴿الطَّيِّبُ﴾ ما ارتضاه الله (٣). وقيل: ما كان طاعة الله فهو طيب (٤). وقيل: هو الطيب لأنه ذكر الله (٥)، وكأن القياس الطيبة لكن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء جاز تذكيره وتأنيثه. ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ العمل الصالح: أداء الفرائض (٦) والاشتغال بالنوافل. وفي فاعل ﴿يَرْفَعُهُ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: مضمر ويعود إلى العمل، والهاء في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ يعود إلى ﴿الْكَلِمُ﴾ أي: لا يُقْبَل قول إذا لم يكن معه عمل (٧). والثاني: مضمر يعود إلى ﴿الْكَلِمُ﴾، والهاء يعود إلى ﴿الْعَمَلُ﴾ أي: التوحيد يرفع العمل، وكذلك من فسره بالقرآن أي: القرآن يرفع العمل (٨). والثالث (٩): مضمر يعود إلى الله سبحانه، والهاء يعود إلى العمل (١٠)،

стр. 2303

وعلى هذين الوجهين قريء (والعملَ الصالح) بالنصب (١). ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يَسْعَوْن في إبطال دين الله. وقيل: هم الذي يشركون بالله (٢). وقيل: هو ما ذكر في قوله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٣٠] (٣). وقيل: هي: الرِّيَاء (٤). ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ دائم في الآخرة. ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ﴾ أي: الذين يمكرون السيئات. ﴿هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ أي (٥): يهلك، والبَوار: الهلاك (٦). وقيل: يَبْطُل (٧). وقيل: يَضِيع ويفسد ولا ينفد (٨). وقيل: يَفْسُد عند الله (٩). ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني: آدم ﵇ أباكم وأصلكم. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني: بني آدم.

стр. 2304

﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ذكراً وأنثى. وقيل: أصنافاً (١). وقيل: أمركم بالتزوج (٢). وفي ﴿ثُمَّ﴾ أقوال: أحدها: لترتيب الأخبار. وقيل: ثم قَدَّرَ خلقكم من النُّطَف ثم لم يكن ذلك إلا بالتزوج فجعلكم أزواجًا. وقيل: ثم مع الجملة قد يدل على التقديم. ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ أي: ولدها في بطنها. ﴿وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ بعلم الله. وقيل: بأمره، والباء للحال (٣). ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ يُمَدُّ في عُمُرِ مُعَمَّرٍ فيبلغ الهَرَم والكِبَرَ. ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ فيُميته قبل الهَرَمِ، والكِبَرِ قيل: ستون سنة (٤). وقيل: أربعون سنة (٥). وقيل: ثمانية عشرة سنة (٦). وفي الهاء من ﴿عُمُرِهِ﴾ قولان: أحدهما: أنه يعود إلى المعمر (٧) المذكور، وله معنيان: أحدهما: ينقص من عمره ينقضي ما ينقضي منه (٨)، فإن لكل أحد كتابًا مكتوباً في أوله تسمية عمره ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم ذهب يومان حتى يأتي على آخره فذلك نقصان عمره (٩).

стр. 2305

والثاني: يُنْقَص من مدة عمره، وهذا فيمن أجاز الزيادة والنقصان في العمر، فإن كعباً قال لما طُعِن عمر ﵁: "لو دعا الله عمر لأخَّر في أجله" فقيل له: أليس الله يقول ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] قال كعب: أما تقرؤن ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ " (١). والثاني: أن الهاء يعود إلى آخر، كأنه قال: ولا يُنقص من عمر آخر، وإليه ذهب الفرَّاء (٢)، وابن عيسى، والنقاش (٣)، وجماعة من المفسرين (٤)، وقالوا هذا كقول القائل (٥): له علي درهم ونصفه، فإن الضمير إلى درهم آخر كذلك هاهنا، وإذا دققت النظر وجدت الهاء في هذا القول الثاني أيضاً يعود إلى المعمر لأن التقدير: ولا ينقص آخر من عمر هذا المعمر، أي: من مقدار عمره لأن الأعمار متفاوتة خصوصًا عند من لا يجوز القول في زيادة العمر ونقصانه وهو مذهب الجمع، والله أعلم. ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: حفظ ذلك. ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾ سهل. وقيل: إن زيادة عمر إنسان ونقصان عمر آخر على الله يسير (٦).

стр. 2306

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ العذب: الطيِّب. والفرات: أعذب العذب. وقيل: الفرات: الخالص لا يشوبه شيء (١). ﴿سَائِغٌ﴾ سهل المرور في الحلق. ﴿شَرَابُهُ﴾ ماؤه. ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ والأُجاج: أملح الملوحة. ابن عيسى: الأُجاج: من أجت النار (٢)، كأنه يحرق من شدة المرارة أي ليسا بمستويين في الانتفاع (٣). ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ أي: من العذب والملح، لأن الحوت يصاد منهما جميعًا. ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ اللؤلؤ والمرجان، ولم يذكر من أيِّ البحرين يستخرج في هذه السورة؛ فذهب بعضهم إلى أنه يستخرج من المَلِح، وعليه أكثرهم (٤). وقيل: يخرجان منهما، لأن في الملح عيوناً عذبة يُخْرج اللؤلؤ عند التمازج وينعقد. وقيل: ينعقد من ماء السماء (٥). وقيل: لابد من عيون الملح والعذب (٦) حتى يمكن إخراجهما.

стр. 2307

وقيل: إنهما يخرجان من العذب (١). والله أعلم. ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ تتخذ نساؤكم منها ملابس. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ جمع فلكٍ، وهو: السفينة. ﴿فِيهِ﴾ في الكل. وقيل: في الملح (٢). ﴿مَوَاخِرَ﴾ جمع ماخِرة (٣) جائية ذاهبة والريح واحدة (٤) ترى سفينتين تجريان بريح واحدة إحديهما مقبلة والأخرى مدبرة. وقيل: هي مواقر بالحِمْل (٥). وقيل: هي التي تشق الماء بصدرها (٦). ويحتمل أنه من قوله صلى الله عليه " استَمْخِروا الرِّيح وأعدوا النُبُل " (٧)، يعني: عند الاستنجاء أي: اجعلوا ظهوركم مما يلي الريح، وهذه حالة السُّفُن.

стр. 2308

﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بما تستخرجون من اللؤلؤ والمرجان، وتصيدون من الحوت، وتربحون بالتجارة (١)، وتغنمون بالجهاد. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ على فضله إذ أنجاكم من هَوْلِه. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: يوم القيامة، ثم ينقطع جريهما، وقيل: يجريان إلى أقصى منازلهما (٢) لا يجاوزان ذلك ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما (٣). ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الذي فعل هذه الأشياء هو خالقكم. ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ فهو المستحق للعبادة. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الأصنام. وقيل: الملائكة. ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ من خلق قِطْمِير وهو: القِشْرَة البيضاء بين التمر والنواة (٤). وقيل: شِق النواة (٥). وقيل: ما بين القِمْع (٦)

стр. 2309

والنواة (١). ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ أي: الأصنام. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ فإنه لا لسان لها. وقيل: معناه: ما أجابوكم إلى مُلْتَمسكم (٢). ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ حين يجعل الله لها بياناً ولساناً. وقيل: يعني الملائكة يتبرؤن منكم ويقولون بل كانوا يعبدون الجن. وقيل: ما يظهر من الأصنام مما يدل على بطلان كلام الكفار بمنزلة النطق منها بالبراءة، كما قيل: دلالتها على التوحيد تسبيحها. ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ كلام جميع المفسرين، وأصحاب المعاني مقصور في هذه الآية على قولين: أحدهما: أن ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ هو الله (٣). والثاني: أن ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ صفة لمصدر محذوف (٤) دل ﴿يُنَبِّئُكَ﴾ عليه أي: لا يُنبئك تنبيئًا مثل تنبيء الخبير، وكلا القولين فيه نطر؛ أما الأول فإضافة مثل إلى الله غير جائز ولا يجوز أن يُقال: هو زيادة كما قلنا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لفساد معنى الكلام بحذفه. وأما الثاني فلا يجوز، لأنه يقتضي أن يكون ﴿مِثْلُ﴾ منصوبًا، فالتأويل الصحيح أن يجعل هذا مثلاً وله نظائر، ويكون المنبيء الخبير المضروب له المثل هو الله سبحانه، والله أعلم. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ في الدنيا إلى رزقه، وفي الآخرة إلى مغفرته.

стр. 2310

﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه. ﴿الْحَمِيدُ (١٥)﴾ في ملكه. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦)﴾ فيه قولان: أحدهما: إن يشاء يُفْنِكم ويأت بقوم أُخَر أطوع لله منكم (١). والثاني: يُفْنِ عالَمَكُم وأنواعَكم ويأت بعالَم آخر (٢) سوى ما تعرفون (٣). ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ الإذهاب والإتيان. ﴿عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾ مَنِيع صعب. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تَحْمِل نفس آثمة إثم نفس أخرى. ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ نفس مثقلة بالذنوب أحدًا. ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ ثقلها ليُتَحَمَّل عنها بعض ذلك. ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ لا يَحْمِل المدعو منه شيئًا من الثقل. ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ أي: المدعو (٤). ﴿ذَا قُرْبَى﴾ ذا قرابة قريبة كالأب والأخ (٥). ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يخافون ربهم ويؤمنون بالغيب (٦) وهو: ما غاب عنهم من الجنة والنار (٧). وقيل: معنى ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يخافون الله سرًا فلا يأتون المعاصي التي لا يطلع عليها غير الله (٨). وقيل يخشون ربهم أي: عذاب ربهم بالغيب لم يروه (٩).

стр. 2311

﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أداموها في مواقيتها الخمسة، وغاير بين اللفظين لأن أوقات الخشية دائمة وأوقات الصلاة معينة منقضية، ويحتمل أن المعنى: يخشون ربهم مع توفرهم (١) على الطاعات. ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ تَطَهَّر عن دنَسِ المعاصي بالأعمال الصالحة. ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه ثواب ذلك. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ المرجع. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ الجاهل والعالم. وقيل: الكافر والمؤمن (٢). ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾ يعني: الكفر والإيمان. وقيل: الجهل والعلم. وقيل: المعصية والطاعة. ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾ يعني: الجنة والنار. وقيل: الحَرُور: الريح الحارة تأتي بالليل والسموم بالنهار (٣). وقيل: الحَرُور: بالليل والنهار والسموم بالنهار (٤) خاصة (٥). والحَرُور: فعول من الحرارة، وهو: اشتداد الحر ولفحه (٦). وقيل: الظل: الحق. والحرور: الباطل (٧). ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ المؤمنون والكافرون.

стр. 2312

وقيل: العقلاء والجهلاء (١)، و (لا) فيها كلها زيادة (٢) أفادت نفي المساواة (٣) من الجانبين (٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ حتى يتعظ ويجيب (٥). ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ يعني: الكفار، شبههم بالموتى (٦) حيث لا ينتفعون بمسموعهم. وقيل: بمسمعٍ تحملهم على القَبُول من قولنا: سمع الله لمن حمده أي: قَبِلَ (٧). ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ ما أنت إلا مُنْذر وليس إليك غيره. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: بالقرآن. ﴿بَشِيرًا﴾ للمؤمنين. ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ قيل: نذير منهم بلغتهم. وقيل: إذا بَلَغَتْهُم نذارة نذير منهم أو من غيرهم فقد خلا فيهم النذير، فإن محمداً ﷺ مبعوث إلى جميع بني آدم وهو من العرب (٨). ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: رُسُلَهم. ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات. ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾ جاز التكرار لاختلاف اللفظين ولأن الزَّبْر: الكتابة. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأنواع العذاب.

стр. 2313

﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾ أي: إنكاري بالعقوبة والتغيير. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بالماء ذكر بلفظ التعظيم لتَلْوين الخطاب، وما ذكره أبو مسلم أن التقدير: فأخرجنا نحن بنو آدم بالحرث والغَرْس (١). ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ بإضمار القول فَرَكِيك، وقد سبق في الأنعام (٢). ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ يجوز أن يكون المراد به اللون حقيقة حُمرًا، وصفرًا، وبيضًا، وسودًا، ويجوز أن يكون المراد به الصنف (٣). ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ جُدَد: جمع جُدَّة، كغُدَّة وغُدَد، أي: طرائق؛ جُدَّةٌ بيضاء، وجُدَّةٌ حمراء (٤)، والهاء في ﴿أَلْوَانُهَا﴾ يعود إلى الجبال. وقيل: إلى ﴿حُمُرٌ﴾ أي: بعضها أشد حُمْرَة، وبعضها أخف، وبعضها وسط في الحُمْرَة (٥). ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾ جمع غِرْبِيب (٦)، وجل المفسرين على أن التقدير: وسُودٌ غَرابيب، لأنه يقال: أسْوَد غِرْبِيب ولا يقال: غِرْبِيب أسود.

стр. 2314

ابن عيسى: الغِرْبِيب: الذي لونه لون الغراب، فصار كأنه قال: وكلون الغراب أسْوَد (١). وقيل: ﴿سُودٌ﴾ بدل من ﴿غَرَابِيبُ﴾ وليس بوصف (٢). ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ أي: كاختلاف الثمرات والجبال، وذكر الضمير لأن التقدير: جنس مختلف ألوانه، وقيل: مختلف ألوانه (٣) لتقدم ذكر الناس فحذف ﴿مَا﴾ و ﴿مِنْ﴾ لأن من يدل عليه. فإن قيل: وقد ذكر مع الجبال ﴿مِنْ﴾؟ . قلنا: قد بين البعض بقوله ﴿جُدَدٌ بِيضٌ﴾ ولم يبين في قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ﴾ فبقي مختلف ألوانه للمقدر، وأجاز الكوفيون أن يكون وصلاً لـ ﴿مَا﴾ أو لـ ﴿مِنْ﴾ وهو ممتنع عند البصريين. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أي: العُلماء بالله، وما روي عن أبي حنيفة (٤) وعمر بن عبدالعزيز (٥)

стр. 2315

وابن سيرين ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فمعناه: يعلم، كقوله ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠] (١). وقيل: هو بمعنى يمتحن. وقيل: يختار (٢). وعن عطاء نزلت الآية في أبي بكر ﵁، وذلك أنه ظهر من أبي بكر خوف حتى عُرِف فيه فكلمه النبي ﷺ في ذلك فنزل فيه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣). وعن النبي ﷺ : كفى بخشية الله علمًا وبالاغترار به جهلاً (٤). ﴿إِن اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لمن أذنب. ﴿غَفُورٌ (٢٨)﴾ لمن تاب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة. ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا﴾ الصدقة. ﴿وَعَلَانِيَةً﴾ الزكاة، وغاير بين المستقبل والماضي لأن أوقات التلاوة أعم من أوقات الصلاة والزكاة، ويجوز أن يكون التلاوة في الصلاة، ويجوز أن يكون الصلاة سابقة على التلاوة.
следующие страницы →