← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أداموها في مواقيتها الخمسة، وغاير بين اللفظين لأن أوقات الخشية دائمة وأوقات الصلاة معينة منقضية، ويحتمل أن المعنى: يخشون ربهم مع توفرهم (١) على الطاعات. ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ تَطَهَّر عن دنَسِ المعاصي بالأعمال الصالحة. ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه ثواب ذلك. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ المرجع. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ الجاهل والعالم. وقيل: الكافر والمؤمن (٢). ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾ يعني: الكفر والإيمان. وقيل: الجهل والعلم. وقيل: المعصية والطاعة. ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾ يعني: الجنة والنار. وقيل: الحَرُور: الريح الحارة تأتي بالليل والسموم بالنهار (٣). وقيل: الحَرُور: بالليل والنهار والسموم بالنهار (٤) خاصة (٥). والحَرُور: فعول من الحرارة، وهو: اشتداد الحر ولفحه (٦). وقيل: الظل: الحق. والحرور: الباطل (٧). ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ المؤمنون والكافرون.

стр. 2312

وقيل: العقلاء والجهلاء (١)، و (لا) فيها كلها زيادة (٢) أفادت نفي المساواة (٣) من الجانبين (٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ حتى يتعظ ويجيب (٥). ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ يعني: الكفار، شبههم بالموتى (٦) حيث لا ينتفعون بمسموعهم. وقيل: بمسمعٍ تحملهم على القَبُول من قولنا: سمع الله لمن حمده أي: قَبِلَ (٧). ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ ما أنت إلا مُنْذر وليس إليك غيره. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: بالقرآن. ﴿بَشِيرًا﴾ للمؤمنين. ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ قيل: نذير منهم بلغتهم. وقيل: إذا بَلَغَتْهُم نذارة نذير منهم أو من غيرهم فقد خلا فيهم النذير، فإن محمداً ﷺ مبعوث إلى جميع بني آدم وهو من العرب (٨). ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: رُسُلَهم. ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات. ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾ جاز التكرار لاختلاف اللفظين ولأن الزَّبْر: الكتابة. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأنواع العذاب.

стр. 2313

﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾ أي: إنكاري بالعقوبة والتغيير. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بالماء ذكر بلفظ التعظيم لتَلْوين الخطاب، وما ذكره أبو مسلم أن التقدير: فأخرجنا نحن بنو آدم بالحرث والغَرْس (١). ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ بإضمار القول فَرَكِيك، وقد سبق في الأنعام (٢). ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ يجوز أن يكون المراد به اللون حقيقة حُمرًا، وصفرًا، وبيضًا، وسودًا، ويجوز أن يكون المراد به الصنف (٣). ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ جُدَد: جمع جُدَّة، كغُدَّة وغُدَد، أي: طرائق؛ جُدَّةٌ بيضاء، وجُدَّةٌ حمراء (٤)، والهاء في ﴿أَلْوَانُهَا﴾ يعود إلى الجبال. وقيل: إلى ﴿حُمُرٌ﴾ أي: بعضها أشد حُمْرَة، وبعضها أخف، وبعضها وسط في الحُمْرَة (٥). ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾ جمع غِرْبِيب (٦)، وجل المفسرين على أن التقدير: وسُودٌ غَرابيب، لأنه يقال: أسْوَد غِرْبِيب ولا يقال: غِرْبِيب أسود.

стр. 2314

ابن عيسى: الغِرْبِيب: الذي لونه لون الغراب، فصار كأنه قال: وكلون الغراب أسْوَد (١). وقيل: ﴿سُودٌ﴾ بدل من ﴿غَرَابِيبُ﴾ وليس بوصف (٢). ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ أي: كاختلاف الثمرات والجبال، وذكر الضمير لأن التقدير: جنس مختلف ألوانه، وقيل: مختلف ألوانه (٣) لتقدم ذكر الناس فحذف ﴿مَا﴾ و ﴿مِنْ﴾ لأن من يدل عليه. فإن قيل: وقد ذكر مع الجبال ﴿مِنْ﴾؟ . قلنا: قد بين البعض بقوله ﴿جُدَدٌ بِيضٌ﴾ ولم يبين في قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ﴾ فبقي مختلف ألوانه للمقدر، وأجاز الكوفيون أن يكون وصلاً لـ ﴿مَا﴾ أو لـ ﴿مِنْ﴾ وهو ممتنع عند البصريين. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أي: العُلماء بالله، وما روي عن أبي حنيفة (٤) وعمر بن عبدالعزيز (٥)

стр. 2315

وابن سيرين ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فمعناه: يعلم، كقوله ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠] (١). وقيل: هو بمعنى يمتحن. وقيل: يختار (٢). وعن عطاء نزلت الآية في أبي بكر ﵁، وذلك أنه ظهر من أبي بكر خوف حتى عُرِف فيه فكلمه النبي ﷺ في ذلك فنزل فيه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣). وعن النبي ﷺ : كفى بخشية الله علمًا وبالاغترار به جهلاً (٤). ﴿إِن اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لمن أذنب. ﴿غَفُورٌ (٢٨)﴾ لمن تاب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة. ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا﴾ الصدقة. ﴿وَعَلَانِيَةً﴾ الزكاة، وغاير بين المستقبل والماضي لأن أوقات التلاوة أعم من أوقات الصلاة والزكاة، ويجوز أن يكون التلاوة في الصلاة، ويجوز أن يكون الصلاة سابقة على التلاوة.

стр. 2316

﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ لن تكسد وقيل: لن تهلك (١). وقيل: لن تفسد (٢). والتجارة هي: الجنة. وقيل: قبول أعمالهم (٣). ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ متصل بـ ﴿يَتْلُونَ﴾ وما بعده، وأجورهم: ثواب أعمالهم. ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يضاعِف لهم الحسنات. وقيل: يشفعون فيمن وجب له النار (٤). وقيل: يُفْسح لهم في قبورهم (٥). ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ غفورٌ لذنوبهم (٦). ﴿شَكُورٌ﴾ مُجَازٍ على أعمالهم. وقيل: يعطى الجزيل على العمل القليل، مشتق من قولهم (٧): أشْكَرُ من بروقة، وهي: شجرة إذا تغيَّمت السماء اخضرت وأورقت من غير مطر (٨). ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآن. ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ الصدق ولا يشوبه كذب. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ موافقًا لما في الكُتب المتقدمة. وقيل: يجعل ما تقدمه من الكتب صادقة لأن فيها الوعد به (٩). وقيل: مصدقًا بإعجازه دعوى النبي ﷺ (١٠).

стр. 2317

﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾ عالم بهم. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ ثم لتراخي الإيراث. وقيل: لتراخي الإخبار، واستعمل لفظ الميراث لأنه صار لهم كما يصير الميراث للورثة. وقيل: لأنه أعطاهم من غير مسألة ولا اكتساب (١). وقيل: معناه: أخرناه (٢) إلى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وأنشد لعنترة (٣): وأورثت سيفي عن حصين بن معقل ... إلى جده إني لثأري لطالب (٤). أي: أخرت سيفي. ﴿الْكِتَابَ﴾ قيل: هو القرآن (٥). وقيل: الكتاب اسم الجنس، والمراد به: الكتب. (٦).

стр. 2318

وقيل: المراد به أحكام الكتاب (١). ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ قيل هم: أمة محمد ﷺ (٢). وقيل: الأنبياء ﵈ (٣)، والاصطفاء على هذين الوجهين للثواب. وقيل: الذين اصطفيناهم للتكليف والامتحان (٤). ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قد أكثر العلماء في تفصيل هذه الثلاثه، وأحسن ما قيل ما وافق القرآن والخبر وكلام الصحابة والتابعين؛ أما القرآن فقوله ﴿أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٨ - ١٠]. فيكون الظالم: أصحاب المشأمة، والمقتصد: أصحاب الميمنة، والسابق السابقين، ومثله ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] فالسابق منهم. ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] فالمقتصد منهم. ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] فالظالم منهم، فالضمير في قوله ﴿فَمِنْهُمْ﴾ على هذا يعود إلى العباد أو إلى الذين اصطفاهم على القول الآخر (٥).

стр. 2319

وأما الخبر (١) فما رواه أبو الدرداء ﵁ (٢) قال: سمعت رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ثم قال: " أما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين يتلقاهم الله برحمته فهم الذين يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " (٣). وروى أسامة ﵁ (٤) عن النبي ﷺ أنه قال عند قراءة هذه الآية" كلهم في الجنة" (٥). وعن ابن عباس ﵄: السابق: المؤمن المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر بالنعمة غير الجاحد لها (٦) لأنه حكم للثلاثة دخول الجنة. وعن عمر ﵁ أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية قال: " رسول الله ﷺ سابقنا سابق، ومقتصدنا ناجٍ، وظالمنا مغفور له" (٧). وعن عثمان ﵁ قال: " سابقنا أهل جهادنا (٨)، ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدونا" (٩).

стр. 2320

وقال سهل بن عبدالله (١): " السابق: العالم، والمقتصد: المتعلم، والظالم: الجاهل" (٢). الحسين بن الفضل (٣): الظالم: القاريء للقرآن، والمقتصد: القاريء العالم به، والسابق القاريء له العالم به العامل بما فيه (٤). والهاء على هذه الوجوه يعود إلى المصطفين. وقيل: الظالم لنفسه: آدم ﵇، والمقتصد: إبراهيم ﵇، والسابق: محمد ﷺ (٥). وقيل: إنما قدم الظالم كي لا يقنط. وقيل: آخر السابق ليكون أقرب إلى الجِنَان والثواب (٦). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الاصطفاء. وقيل: السَّبْق. ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ رُفِعَ بالابتداء. ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ خبره، والضمير يعود إلى الثلاثه على ما سبق. وقيل: يعود على ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾. وقيل: إلى المقتصد والسابق فيمن جعل الظالم الكافر. وقيل: إلى السابق وحده لأن ذلك معلوم قطعاً (٧). ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ جمع إسْوِرَة، وأسْوِرَة جمع سِوَار (٨).

стр. 2321

﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ أي: من ذَهَبٍ مُرَصَّع باللؤلؤ. الزَّجاج: من ذهب في صفاء اللؤلؤ كما قيل: من فضة في صفاء قوارير (١). ومن نصب عطفه على محل من أساور أي: يحلون أساور (٢). ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ قيل: الحلي فيها للنساء دون الرجال (٣). وقيل: للرجال والنساء (٤)، يدلك قوله (٥) ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ ابن عباس ﵄: حَزَن النار (٦). عكرمة: حَزَن الذنوب (٧). وقيل: حَزَن الموت (٨). وقيل: حَزَن الخبز وطلب المعاش، ويقال الجوع (٩). ويقال: حَزَنُ ابليس ووسوسته (١٠).

стр. 2322

﴿إِن رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ أي: الاقامة لا نبرح منها ولا نفارقها. وقيل: المُقَامة الموضع الذي يُؤكل فيه ويشرب، والمَقامة بالفتح كل موضع يجتمع فيه لأمر حتى نقطع (١). ﴿مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ وجع. وقيل: تعب (٢). ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ كَلال يلحق الجوارح (٣)، وكرر ﴿وَلَا يَمَسُّنَا﴾ كيلا يُظَن أنهما لا يَمُسان معًا ويجوز أن يمس فرادى. وقيل: النَّصَبُ على القلب، واللغوب على البدن (٤). ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ أي: لا يُقْضى عليهم بموت ثانيٍ فيستريحوا لأنهم ماتوا موتة. ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ وقوله ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] لا يدل على تخفيف عنهم بل على نقصان في النار ثم يزداد. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ يستغيثون فيها. ﴿رَبَّنَا﴾ يقولون ربنا.

стр. 2323

﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أي: أخرجنا من النار ورُدَّنَا إلى الدنيا نؤمن بدل الكفر ونطيع بدل المعصية فيجابون بقوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أي: أطلنا أعماركم وجعلناها (١) مدة يمكنكم التذكر فيها والاعتبار، وروي مرفوعًا أنه ستون سنة (٢). ابن عباس ﵄: أربعون سنة (٣). وروي عنه أيضا (٤) ستون سنة (٥). وهب: ثمان عشرة سنة (٦). الحسن: البلوغ، لأنه أول زمان التَّذكر (٧).

стр. 2324

وقيل: سبعون سنة لأنه نهاية التذكر (١) وما بعده هَرَم (٢). وقيل: إنه المدة التي كان رسول الله ﷺ يدعوا الناس إلى الله، وهي: عشرون سنة (٣). ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ قيل: محمد صلى اله عليه وسلم ومن ناب عنه (٤). وقيل: القرآن (٥). وقيل: الشَّيْب، وهو قول الأكثرين (٦). وقيل: العقل. وقيل: الحُمَّى. وقيل: موت الأهل والأقارب (٧). ﴿فَذُوقُوا﴾ أي: العذاب. ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ ناصر يعينهم. ﴿إِن اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ما غاب فيهما عنكم وإن شاهده غيركم. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾ التي لا يشاهدها أحد (٨). وقيل: عليم بذات الصدور فلا تضمروا فيها ما يكرهه سبحانه (٩).

стр. 2325

وقيل: أن الله عليم بذات الصدور فلو أخرجكم لعدتم إلي ما كنتم عليه لقوله ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (١) [الأنعام: ٢٨]. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: خلائف الأرض بعد الأمم الخالية. وقيل: جعلكم خلفا بعد خلفٍ وقرنا بعد قرن (٢)، والخَلَفُ: التالي للمتقدم، أي: أورثكم الكتاب وجعلكم خلائف في الأرض تشكروه ولا تكفروه، ثم أوعد الكفار فقال ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: جزاء كفره (٣). ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ بغضًا وغضبًا. ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾ تبارًا وهلاكًا وخسرانًا بالجنة. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي الهتكم، وفي الاضافة قولان: أحدهما: أنهم كانوا جعلوهم شركاء فيما كانوا يملكونه. وقيل: تأويله شركائي فأضاف إليهم لأنهم زعموا ذلك (٤). ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ﴾ بل ألهم. ﴿شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ المعنى: قل لهم إن خلقوا شيئاً من الأرض أو من السماء فأرونيه. ﴿أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ أم أُمرتم بذلك في كتاب فأنتم على بينة. وقيل: أم أنزلنا كتابًا فيه أن لله شركاء (٥). وقيل: آتيناهم كتاباً بأن الله لا يعذبهم فهم واثقون (٦). ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ﴾ ما يعد.

стр. 2326

﴿الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾ أي: كفرهم عن تقليد محض ووعد كاذب. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: يمسك السماء بغير عمد ولا علاقة ويمسك الأرض مع ما عليها من الخلق. ﴿أَنْ تَزُولَا﴾ كراهة أن تزولا ولأن لا تزولا، وثنى الضمير والسموات جمع ازدواجاً للأرض. ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ أي لوخلاهما لزالتا ولو زالتا. ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ ما أمسكهما. ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد الزوال. وقيل: بعد الإمساك (١). وقيل: بعد الله، أي: غيره وسواه أي: ما يقدر أحد على إعادتهما (٢) إلى مكانهما إلا الله (٣). ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ عند قولهم اتخذ الله ولدًا فأمسك السماء والأرض وكادا تزولان لعظم القول فلم يعجل عليهم بالعقوبة. ﴿غَفُورًا (٤١)﴾ لمن تاب عن كفره وذنبه. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ وذلك أن قريشًا لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لو أتانا نذير لنكونن أصوب دينا منهم (٤)، ومثله ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ محمد. ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ أي: ما زادهم مجيء الرسول ﴿إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ تباعدًا عن الحق.

стр. 2327

﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي: تكبروا عن الإيمان ومكروا السيء في دفع أمره وهو العمل القبيح (١). وقيل: هو إجماعهم على الشرك وقتل النبي في دار الندوة (٢)، وهما منصوبان على الغرض، وقيل: إنهما بدلان من قوله ﴿نُفُورًا (٤٢)﴾، وقيل: مصدران، وأضيف المكر إلى السيء وهو صفته كمسجد الجامع، وقيل: هو من باب ثوب خز لأن المكر قد يكون سيئًا وغير سَيء (٣). ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ لا يَحِل ولا ينزل. ﴿إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ إلا بالماكرين. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: العذاب. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ فقتلوا يوم بدر. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: هَلَاّ سافروا في الأرض فينظروا عاقبة الذين من قبلهم (٤)، فإن من سافر فيها رأى آثار نزول العذاب بمن مكر السيئات. وقيل: معناه اقرؤا القرآن فَتَعْرِفوا ما حَلَّ بمن قبلكم (٥). ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ من أهل مكة. ﴿قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ شيء أيَّ أحد. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا﴾ بهم. ﴿قَدِيرًا (٤٤)﴾ عليهم. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ من المعاصي.

стр. 2328

﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ ظَهْرِ الأرض. ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه كناية عن غير مذكور، وأن العرب تقول: ما على ظهرها أحد أحب إليّ من فلان، يعنون: الأرض، ولعل هذا القائل أراد في موضع آخر فإن في الآية الأولى ذِكْرُ الأرض مرتين (١). ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ الدابة في هذه الآية عند بعضهم الإنس والجن (٢). وقيل: الإنس وحْدَهم (٣). وقيل: عامّ فيما دب ودرج، فإن ابن مسعود ﵁ قال: " إن الجُعَل يهلك بخطيئة ابن آدم" (٤). وقال أنس ﵁: " إن الضَّب ليموت هزلاً في جحره بذنب ابن آدم" (٥). قال شيخنا أبو القاسم (٦): " ليس أن البهيمة تؤخذ بذنب ابن آدم ولكنها خُلقت لابن آدم فلا معنى لإبقائها بعد إفناء من خُلِقَتْ له".

стр. 2329

وقيل: معنى ذلك لو أَخَذَ الجاني في الوقت الثاني من معصيته لكان قد فَنِيَ الخلق وانقطع النسل، لأنه لا أحد إلا وقد عصى هو أو أبوه أو جَدُّه ولو أَهَلَكَ أول عاصٍ لانقطع النسل قديمًا (١). وقيل: يحبس عنهم المطر فيهلك كل شيء (٢). وقيل: قد فعل بهم مرة في زمان نوح ﵇ فلم يبق منهم سوى من كان في السفينة (٣). ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ مُعَيَّن. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: ذلك المُعَيَّن. ﴿فَإِن اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ بمكانهم فيؤاخذه وبأعمالهم فيجازيهم.

стр. 2330

سورة يس

стр. 2331

سورة يس ثلاث وثمانون آية (١) مكية (٢). روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ " يس تُدْعَى المُعِمَّة. قيل: يارسول الله وما المُعِمَّة؟ قال: تعم صاحبها خير الدنيا وخير الآخرة، وتدعى الدافعة، والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة" (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يس (١)﴾ القول فيه كالقول في سائر الحروف أوائل السور وتختص هذه السورة بأقوال: ابن عباس ﵄: يا إنسان بلغة طيئ (٤). سعيد بن جبير، وابن الحنفية: يا محمد (٥). أبو العالية: يا رجل (٦).

стр. 2332

وقيل: يا سيد (١). ﴿وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ أقسم الله بالقرآن، و ﴿الْحَكِيمِ (٢)﴾ الحاكم. وقيل: الحكيم: أحكمه الله كالسعيد أسعده الله (٢). ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ جواب القسم، وهو رد على الكفار حين قالوا ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾. ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾، ﴿مِنَ﴾ صلة ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: الذين أرسلوا على صراط مستقيم وهو الإسلام. وقيل: هو خبر بعد خبر، أي: إنك لمن المرسلين (٣) إنك على صراطٍ مستقيم، ولا يمتنع أن يكون حالاً من النبي ﷺ كما تقول: إن زيدًا في الدار على الفرش (٤). ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾ من رفع جعله خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو تنزيل، ومن نصب جعله مصدراً أي: أنزله تنزيلاً (٥)، وأجاز الفَرَّاء (٦) وغيره أن يكون خبرًا ثالثاً عن النبي ﷺ إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم، إنك ذو تنزيل العزيز الرحيم. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ لِتُخَوِّف فهو متصل بالارسال أي: أرْسِلْتَ لتنذر قوماً.

стр. 2333

﴿مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ﴾ أي: في الفترة، والأكثرون على أن ﴿مَا﴾ للنفي لقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤] يعني: العرب، والمراد: آباؤهم الأدنون فإن آباءهم الأقدمين أتاهم المنذرون لا محالة. وقيل: ﴿مَا﴾ بمعنى: الذي فيكون محله نصبًا أي: العذاب الذي انذر آبائهم ذلك كقوله (١) ﴿أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠] (٢). وقيل: لتنذر كما أنذر آباؤهم، فتكون صفة مصدر محذوف (٣). وقيل: بما أنذر آبائهم فحذف الجار ونصب (٤). ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ ﴿فَهُمْ﴾ كتانة عن القوم، ومَنْ جعله نفيًا جاز أن يعود إلى الآباء. والغَفْلَة: ذهاب المعنى عن النفس، والنسيان: ذهاب المعنى عن النفس بعد حضوره (٥). ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾ أي: وجب السُّخْط لأنهم لا يؤمنون، وجُل المفسرين على أن القول ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [السجدة: ١٣]. وقيل: حق القول كقوله ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ (٦) [الزمر: ٧١]. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ الغِلّ: قيدٌ يجمع اليمين والعنق (٧).

стр. 2334

﴿فَهِيَ﴾ قيل: يعود إلى الأيمان (١). وقيل: (٢) ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ والغَلُّ يدل عليه (٣). وقيل: إلى الأغلال (٤). ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾ غاضوا الأبصار رافعوا الرؤوس (٥). وقيل: رفعوا رؤوسهم وشخصوا بأبصارهم لأن من غُلَّّتْ يده إلى ذقنه اترفع رأسه، والذِّقْن: مجمع اللحيين. وقيل: مقنعوا رؤسهم، والمعنى: مُنِعُوا عن الإيمان وفعل الخيرات كالمغلول (٦). ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ أعميناهم. ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ الحق والرَّشَاد، والسَّد: بالفتح، والضم لغتان (٧).

стр. 2335

وقيل: بالفتح من فِعْل بني آدم، وبالضم من فعل الله. وقيل: بالفتح المصدر، وبالضم الاسم. وروى المفسرون (١) أنها نزلت في أبي جهل حَلَفَ أن يَرْضَخَ رأس محمد بحجر، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليِدْمَغَه، فلما رفعه أمسك الله يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده، فرجع إلى أصحابه وسقط الحجر من يده فأخبرهم بالذي رآه، فقام رجل من بني مخزوم وقال: لأقتلنه بهذا الحجر فأتاه وهو يصلي فأعمى الله بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه وقالوا: ما صنعت؟ فقال: ما رأيته ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه ولو دنوت منه لأكلني وأنزل الله هذه الآية (٢). عكرمة: الأغلال: ضَلالات وظلمات كانوا فيها، ولا يمتنع أن يكون هذه حكاية حالهم في الآخرة (٣). ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ سبق في البقرة (٤). ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: ينفع إنذارك من اتبع القرآن وعمل بما فيه. ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ خاف عقاب الله ولم يره. وقيل: بالغيب في سريرته (٥). ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ أي: بالجنة (٦).

стр. 2336

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾ بالبعث، وقيل: بالهداية (١). ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ في سبب النزول، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "شَكَتْ بنو سلمة إلى رسول الله ﷺ بُعْدَ منازلهم من المسجد فأنزل الله ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ فقال النبي ﷺ : منازلكم فإنما تكتب آثاركم" (٢). وفي رواية أخرى: فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فنزلت هذه الآية (٣)، فيكون معنى ﴿وَآَثَارَهُمْ﴾ خطاهم (٤). وقيل: ﴿وَآَثَارَهُمْ﴾ ما سنوا من سنة حسنة أو سنة سيئة فاقتُدِي بهم فيها (٥). وقيل: ما أثروه من خير وشر (٦). ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ في اللوح المحفوظ.

стр. 2337

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ الزَّجَّاج: مَثِّل لهم مثلاً، من قولهم (١): هذه الأشياء على ضرب واحد، أي: مثال واحد، وعندي (٢) من هذا الضرب كثير (٣) أي: من هذا المثال (٤)، غَيْرُه: بَيِّنْ لهم شَبَهَاً (٥). وضَرْبُ المثل يتعدي إلى مفعولين، وهما في الآية ﴿مَثَلًا﴾ ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾. وقيل (٦): ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ بدل من مثل، كأنه قال: اذكر لهم أصحاب القرية أي: خبر أصحاب القرية وهي: أنطاكية بإجماع المفسرين (٧).

стр. 2338

﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾ رسل عيسى ﵇. ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ أسند الفعل إليه سبحانه لأن عيسى ﵇ أرسلهم بأمره. ﴿إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ وَهْب: اسمهما: يحيى، ويونس (١). ابن اسحاق: تاروص، وماروص (٢). كعب: صادق، وصدوق (٣). مقاتل: تومان ومانوص (٤). ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ فكذبت أصحاب القرية الرسولين. ﴿فَعَزَّزْنَا بثالث﴾ فقوينا، والتشديد والتخفيف واحد. وقيل: عززنا بالتخفيف غَلَبْنَا (٥). واسم الثالث: شمعون (٦). وقيل: سمعان (٧). وقيل: سلوم (٨).

стр. 2339

قال الفَرَّاء: " الثالث كان قد أُرْسِل قبل الاثنين، وإنما المعنى: شَدَدْنا أمرهما وقوينا بما عَلَّمَهُما الرسولُ الأول" (١). وفي القصص عن ابن عباس ﵄ وغيره أن عيسى ﵇ وجَّه رسولين، فلما قَرُبا من المدينة رأيا شيخًا يرعى غنيمًا له فسلما عليه فقال الشيخ: لهما من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ﵇ ندعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادة الله. قال: أمعكما آية؟ قالا: نعم، نحن نشفي المريض، ونبريء الأكمه والأبرص. فقال الشيخ: إن لي عليلاً. قالا: ومن هو منك؟ قال: هو ولدي. قالا: انطلق بنا إلى منزلك نتطلع حاله، فأتى بهما إلى منزله فمسحا ابنه فقام في الوقت بإذن الله، ففشا الخبر في البلد وشفى الله على يديهما خلقًا كثيرًا وكان لهم ملك يقال له شُلاحِن فأُنهى الخبر إليه فقال لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ﵇. قال: وما أتيكما؟ قالا: نُبْرِئ الأكمه والأبرص ونشفي المرضى. قال: وفيم جئتما؟ قالا: جئنا ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر. فقال شُلاحِن: ولكم إله سوى آلهتنا؟ قالا: نَعَم، من خلقك وخلق آلهتك. قال: قوما حتى أنظر في أمركما فتبعهما الناس وضربوهما، فبعث عيسى ﵇ رسولاً ثالثا وهو شمعون الصفا، واسم الشيخ الذي ذهب بهما على منزله حبيب بن اسرائيل النجار.

стр. 2340

قال وهب: بعث عيسى ﵇ يحيى ويونس إلى أنطاكية فأتياها فلم يصلا إلى ملكها وطالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله، فغضب الملك وأمر بهما فحبسا بعد أن جَلَدَ كل واحد منهما مائة جلدة، فبعث عيسى ﵇ شمعون على أثرهما، فدخل البلد متنكراً فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنِسُوا به وأنِسَ بهم فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه ورضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات يوم: بلغني أنك حَبَسْتَ رجلين وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك فهل كلمتهما أو سمعت قولهما؟ فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نتطلع ما عندهما. فدعاهما، فقال لهما شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، ثم قال شمعون: صِفَاه. قالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال شمعون: وما أيتكما؟ قالا: ما تتمناه، فأمر الملك حتى جاءوا بغلام مطموس العينين فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر فأخذا بَنْدَقَتَيْن من الطين فوضعا في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما. فتعجب الملك فقال شمعون: للملك أرأيت أن تسأل إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك الشرف (١) ولإلهك. فقال له الملك: ليس لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبد (٢) لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع. فقال الملك: إن قدر آلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وصدقناكما. قالا: إلهنا قادر على كل شيء.

стр. 2341

فقال الملك: إن هذا ميت مات منذ سبعة أيام وأبوه غائب ولم ندفنه حتى يرجع أبوه وكان غائباً، فجاءوا بالميت وقد تغير واصفر وأرْوَحَ، فجعلا يدعوان ربهما في العلانية وشمعون معهما في السر فقام الميت وقال: إني مت منذ سبعة أيام وَوُجِدْتُ مشركًا فأُدْخِلتُ في سبعة أودية من نار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله، ثم قال: فتحت أبواب السماء فنظرت فرأيت شابًا حسنًا يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك: ومن الثلاثه؟ قال: شمعون وهذان وأشار إلى صاحبيه فتعجب الملك، فلما علم شمعون أن قوله قد أثر في الملك أخبر الملك بالحال ودعاه فآمن قوم وكان الملك فيمن آمن وكفر آخرون (١). وقيل: كان الملك (٢) فيمن كفر وهو قوله ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ (٣). ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا﴾ أي: أصحاب القرية. ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أي: لا يصلح أن تكونوا رسلاً كما لا نصلح. ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ من كتاب. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾ ما أنتم إلا كَذَبَة.

стр. 2342

﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾ وذكر (١) ابن مِهْرَيَزْد (٢) أن الوقف على قوله ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ تام، لأنهم قالوا ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ وما نرى لكم شيئا باينتمونا به فاستحققتم كرامة الله بالرسالة ألا نستحقه نحن أيضاً؟ فقالوا (٣): ربنا يعلم ما لأجله خَصَّنا بالرسالة دونكم، قال: وليس قوله ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ في موضع مفعولي ﴿يَعْلَمُ﴾ بل مفعولاه محذوفان والتقدير: ربنا يعلم ما سألتمونا عنه (٤). ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ ابن عباس ﵄: تشاءمنا بكم حيث خالفتم آباءكم وتركتم (٥) معبودكم فلا نأمن سوء عاقبة ذلك (٦). والتَّطَيُّر: التشاؤم بطير الشؤم. وقيل: حُبِسَ عنهم المطر عام أتاهم الرسل فنسبوا ذلك إليهم (٧). ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ أي: عن مقالتكم هذه. ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ لنقتلنكم. وقيل: لنشتمنكم (٨). ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: الشؤم كله في عبادة الصنم وهو معكم.

стр. 2343

وقيل: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ حظكم من الخير والشر معكم (١). وقيل: الطائر: الأعمال والرزق (٢)، والطائر ما ينتهي به ويتشائم، والوجه هو الأول (٣). ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ وُعِظْتُم ودُعِيتُم إلى الإسلام، وجواب الشرط مضمر. الزَّجَّاج: تطيرتم جوابه (٤). وقيل: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ قلتم هذا القول (٥). وقيل: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ ثم توعدتم (٦) بالرجم والعذاب (٧). ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) ظالمون (٨). وَجَاءُوا مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ هو حبيب النجار، وكان يعبد الله في جبل فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلاً إليهم فقال: أتسألون على ما جئتم به أجرًا؟ قالوا: لا، فأقبل على القوم. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ على أداء النصح وتبليغ الرسالة. ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ يعني: الرسل. فقيل له: وأنت مخالف لديننا ومتابع دين هؤلاء ومؤمن بإلههم؟ فقال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خلقني. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ ومصير الكل إليه. ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ﴾ سواه. ﴿آَلِهَةً﴾ يعني: الأصنام.

стр. 2344

﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا تنفعني (١) شفاعتهم. ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ اشهدوا عليَّ، خاطب بذلك الرسل. وقيل: خاطب به القوم فلما سمعوا منه هذا الكلام وثبوا عليه فقتلوه (٢). وقيل: رجموه وكان يقول: اللهم اهد قومي (٣). وقيل: عَلَّقوه في سوق المدينة وقبره في سوق انطاكية (٤). وقيل: وطئوه بأقدامهم حتى قتلوه (٥)، فأوجب الله له الجنة (٦) وأدخله فيها، وهو قوله ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ قال الحسن: "لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إليه فهو في الجنة (٧) ولا يموت إلا بِفَنَاء السموات (٨) ". فلما دخل الجنة ورأى نعيمها ذكر قومه ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ فيرغبوا في الإسلام وإجابة الرسل.

стр. 2345

وقوله ﴿بِمَا غَفَرَ لِي﴾ فيه ثلاثه أقوال: أحدها: أن (ما) للمصدر (١) أي: بمغفرة ربي (٢). والثاني: بمعنى: (الذي) أي: بالذي غفر لي ربي بسببه وجعلني من المكرمين. وقيل: بأي شيء غفر لي وكان القياس على هذا القول بم (٣). الحسن: هو بمعنى: أي شيء ولا استفهام فيه (٤). ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ﴾ قوم حبيب. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد قتله. الحسن: بعد رفعه (٥). ﴿مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ لنصرة الرسل أي: لم نَحْتَج في إهلاكهم إلى إرسال جند (٦). ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ قيل: تكرار. وقيل: ﴿وَمَا﴾ بمعنى: الذي، والتقدير: من جند ومما كنا منزلين على من قبلهم من حجارة وريح وأمطار شديدة (٧). ﴿إِنْ كَانَتْ﴾ ما كانت عقوبتهم. ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ صاح بهم جبريل صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم (٨). ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ ميتون. ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من كلام حبيب (٩).

стр. 2346

والثاني: من كلام القوم تحسروا على قتلهم الأنبياء حين عاينوا العذاب (١) آمنوا وقالوا (٢): يا حسرة على العباد يعنون الرسل فلم ينفعهم إيمانهم (٣). الثالث: من كلام الله، يعني: يالها حسرة أي: يتحسر بعضهم على بعض، أو يتحسر عليهم، أو حلوا محل من يتحسر عليهم (٤)، والحَسْرَة: الندامة على فائت (٥) لا يمكن تلافيه. الزَّجَّاج: الحسرة: أن يركب الإنسان من شدة الندم مالا نهاية بعده، حتى يبقى قلبه حسيرًا (٦). وقيل: استهزاؤهم بالرسل حسرة لهم (٧). وقيل: تم الكلام على ﴿الْعِبَادِ﴾ ثم استأنف فقال ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني: أهل مكة (٨). ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ أي: لم يعتبروا بمن هلك قبلهم فيؤمنوا مخافة أن ينزل بهم مثل ما نزل بهم قبلهم (٩). و﴿كَمْ﴾ نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ (١٠)، والجملة في تقدير النصب بـ ﴿يَرَوْا﴾،

стр. 2347

و ﴿يَرَوْا﴾ معلق، و ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من الجملة ولهذا فتح، وأجاز الفراء أن ينصب ﴿كَمْ﴾ بـ ﴿يَرَوْا﴾ (١)، وأجاز المبرد بأنهم لا يرجعون فحذف الجار (٢). ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ أي: نجمعهم للحساب والجزاء على الأعمال، من خَفَّفَ جعل (أن) هي المخففة من المثقلة واللام هي التي تلزمه، و (ما) صلة، ومن شدد جعل إن هي (٣) النافية و (٤) (لما) بمعنى: إلا (٥)، وأجاز الفراء (لمن ما) ثم أدغمت النون في الميم وحذفت إحدى الميمات (٦). ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ اليابسة. ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ بالمطر. ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ جنس الحبوب. ﴿فَمِنْهُ﴾ من الحب. ﴿يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ ﴿آَللَّهُ﴾ رفع بالابتداء، ﴿لَهُمُ﴾ خبره، ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ﴿لَهُمُ﴾ صفتها، ﴿الْأَرْضُ﴾ خبرها، ويجوز أن ترتفع (٧)، ﴿الْأَرْضُ﴾ بالابتداء، و﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ﴾ الخبر تقدم لتعداد الآيات. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ في الأرض. ﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ﴾ اسم للجميع كعبيد وكَلِيب (٨). ﴿وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا﴾ أجرينا.

стр. 2348

﴿فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ قيل: ثمر الماء لأن الماء أصل الجميع. وقيل: ثمر ما ذكرنا. وقيل: ثمر ذلك، ويحتمل ثمر كل واحدة منها (١). ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: لم تعمله أيديهم بل أبدعناه، ومن حذف الهاء جعل (ما) موصولة (٢) وله وجهان: أحدهما: أن يكون عطفًا على الثمر أي: ومما عملت أيديهم من الغرس، والحرث، والطِّبِّيخ (٣)، والحُلاوى (٤)، وما يصنع بالأيدي من المطاعم. والثاني: عطف على ﴿الْأَرْضُ﴾ أي: وآية لهم ما عملت أيديهم. وقيل: (ما) للمصدر (٥)، وفيه ضعف (٦). ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ استفهام بمعنى الأمر أي: اشكروا نِعَمِي.

стр. 2349

﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ الأجناس والأنواع. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ الحبوب والثمار والحشيش والأشجار. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الذكر والأنثى. ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ فإن البَرَّ والبحر أشياء لا يعلمها الناس. ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ السَّلْخُ يستعمل على وجهين (١): أحدهما: بمعنى الإخراج، تقول: سَلَخْتُ الشاة من الإهاب، والشاة مسلوخة، وتقدير الآية على هذا: أخرجنا النهار من الليل إخراجًا لم يبق معه شيء منه. وقيل: أخرجنا الشمس منه (٢). والثاني: سَلَخْتُ الإهاب من الشاة أي: نزعته (٣) عنها، وسَلَخَتِ المرأة جلبابها نزعته، فيكون تقدير الآية على هذا: سَلَخْنَا الضوء (٤) الذي هو شعاع الشمس وكان كاللباس للهواء من الهواء (٥)، فصار ليلاً كما ينزع اللباس من الشيء. ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ داخلون في الظلام. ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ أي: وآية لهم الشمس تجري حال منها، وفي المستقر ثلاثة أقوال: أحدها: لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا (٦).

стр. 2350

والثاني: مستقرها تحت العرش، وقد جاء مرفوعًا (١)، وهي إذا بلغت كبد السماء وسط الفلك نصف النهار صارت كأن لها استقرارًا، والعرب تقول: إن لها هناك وقفة ما وإبطاء عن الزوال، قال الشاعر (٢): . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... والشمس حيرى لها بالجو تدويم (٣).
следующие страницы →