← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

والثاني: من كلام القوم تحسروا على قتلهم الأنبياء حين عاينوا العذاب (١) آمنوا وقالوا (٢): يا حسرة على العباد يعنون الرسل فلم ينفعهم إيمانهم (٣). الثالث: من كلام الله، يعني: يالها حسرة أي: يتحسر بعضهم على بعض، أو يتحسر عليهم، أو حلوا محل من يتحسر عليهم (٤)، والحَسْرَة: الندامة على فائت (٥) لا يمكن تلافيه. الزَّجَّاج: الحسرة: أن يركب الإنسان من شدة الندم مالا نهاية بعده، حتى يبقى قلبه حسيرًا (٦). وقيل: استهزاؤهم بالرسل حسرة لهم (٧). وقيل: تم الكلام على ﴿الْعِبَادِ﴾ ثم استأنف فقال ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني: أهل مكة (٨). ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ أي: لم يعتبروا بمن هلك قبلهم فيؤمنوا مخافة أن ينزل بهم مثل ما نزل بهم قبلهم (٩). و﴿كَمْ﴾ نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ (١٠)، والجملة في تقدير النصب بـ ﴿يَرَوْا﴾،

стр. 2347

و ﴿يَرَوْا﴾ معلق، و ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من الجملة ولهذا فتح، وأجاز الفراء أن ينصب ﴿كَمْ﴾ بـ ﴿يَرَوْا﴾ (١)، وأجاز المبرد بأنهم لا يرجعون فحذف الجار (٢). ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ أي: نجمعهم للحساب والجزاء على الأعمال، من خَفَّفَ جعل (أن) هي المخففة من المثقلة واللام هي التي تلزمه، و (ما) صلة، ومن شدد جعل إن هي (٣) النافية و (٤) (لما) بمعنى: إلا (٥)، وأجاز الفراء (لمن ما) ثم أدغمت النون في الميم وحذفت إحدى الميمات (٦). ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ اليابسة. ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ بالمطر. ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ جنس الحبوب. ﴿فَمِنْهُ﴾ من الحب. ﴿يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ ﴿آَللَّهُ﴾ رفع بالابتداء، ﴿لَهُمُ﴾ خبره، ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ﴿لَهُمُ﴾ صفتها، ﴿الْأَرْضُ﴾ خبرها، ويجوز أن ترتفع (٧)، ﴿الْأَرْضُ﴾ بالابتداء، و﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ﴾ الخبر تقدم لتعداد الآيات. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ في الأرض. ﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ﴾ اسم للجميع كعبيد وكَلِيب (٨). ﴿وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا﴾ أجرينا.

стр. 2348

﴿فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ قيل: ثمر الماء لأن الماء أصل الجميع. وقيل: ثمر ما ذكرنا. وقيل: ثمر ذلك، ويحتمل ثمر كل واحدة منها (١). ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: لم تعمله أيديهم بل أبدعناه، ومن حذف الهاء جعل (ما) موصولة (٢) وله وجهان: أحدهما: أن يكون عطفًا على الثمر أي: ومما عملت أيديهم من الغرس، والحرث، والطِّبِّيخ (٣)، والحُلاوى (٤)، وما يصنع بالأيدي من المطاعم. والثاني: عطف على ﴿الْأَرْضُ﴾ أي: وآية لهم ما عملت أيديهم. وقيل: (ما) للمصدر (٥)، وفيه ضعف (٦). ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ استفهام بمعنى الأمر أي: اشكروا نِعَمِي.

стр. 2349

﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ الأجناس والأنواع. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ الحبوب والثمار والحشيش والأشجار. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الذكر والأنثى. ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ فإن البَرَّ والبحر أشياء لا يعلمها الناس. ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ السَّلْخُ يستعمل على وجهين (١): أحدهما: بمعنى الإخراج، تقول: سَلَخْتُ الشاة من الإهاب، والشاة مسلوخة، وتقدير الآية على هذا: أخرجنا النهار من الليل إخراجًا لم يبق معه شيء منه. وقيل: أخرجنا الشمس منه (٢). والثاني: سَلَخْتُ الإهاب من الشاة أي: نزعته (٣) عنها، وسَلَخَتِ المرأة جلبابها نزعته، فيكون تقدير الآية على هذا: سَلَخْنَا الضوء (٤) الذي هو شعاع الشمس وكان كاللباس للهواء من الهواء (٥)، فصار ليلاً كما ينزع اللباس من الشيء. ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ داخلون في الظلام. ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ أي: وآية لهم الشمس تجري حال منها، وفي المستقر ثلاثة أقوال: أحدها: لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا (٦).

стр. 2350

والثاني: مستقرها تحت العرش، وقد جاء مرفوعًا (١)، وهي إذا بلغت كبد السماء وسط الفلك نصف النهار صارت كأن لها استقرارًا، والعرب تقول: إن لها هناك وقفة ما وإبطاء عن الزوال، قال الشاعر (٢): . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... والشمس حيرى لها بالجو تدويم (٣).

стр. 2351

والثالث: ما قاله ابن عباس ﵄ أن الشمس تطلع في كل سنة من ثلاثمائة وستين كُوَّة، كل يوم من كوة (١) لا تعود إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا كارهة (٢) لمعاصي بني آدم (٣). وزاد الحسن البصري لهذا بياناً فقال: " إن للشمس ثلاثمائة وستين مطلعًا، تنزل كل يوم في مطلع منها ثم لا تنزل فيها إلى الحول" (٤). فالاستقرار على هذا ثباتها في منازلها (٥) غير متحولة عنها فهي مستقرها وإن كانت جارية فيها غير ساكنة، وعن ابن مسعود ﵁ (لا مستقر لها) (٦). ﴿وَالْقَمَرَ﴾ أي: وآية لهم القمر ويرتفع بالابتداء أيضاً و ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ خبره، ومن نصب فبفعل مضمر تقديره: وقدرنا القمر قدرناه (٧).

стр. 2352

﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ فيها ثلاثه أقوال: أحدها: جعلنا نفس القمر منازل يزيد وينقص بخلاف الشمس. والثاني: قَدَّرنا سيره منازل، فتكون ظرفاً (١). والثالث: قَدَّرنا له منازل، فحذف الجار. ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلاً (٢): الشَّرَطَان، البُطَيْن، الثُّرَيَّا، الدَّبَران، الهَقْعَة، الهَنْعَة، الذِّرَاع، النَّثْرَة، الطَّرْف، الجَبْهَة، الزُّبْرَة بضم الزاي، الصَّرْفة، العَوى بفتح العين مقصورة، وقد جاء ممدودة في ضرورة الشعر. (٣) السِّمَاك، الغَفْر. الزُّبَانَا، وقد يثنى فيقال: الزُّبَانَيَان، الإكْلِيل، القَلْب، الشَّوْلة، النَّعَائم، البَلْدَة، سعد الذَّابِح، سعد السُّعود، سعد بُلَع، سعد الأخْيِبَة، فَرْغُ الدَّلْو المقدم، فَرْغُ الدَّلْو المؤخر، بطن الحوت، وهو الرشاء (٤). ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ هو عود الشَّمْرَاخ إذا يبس واعْوَجَّ يشبه الهلال (٥)، ووزنه فُعْلُون من الانعراج، قاله الزجاج (٦).

стр. 2353

وليس له في الكلام نظير، ويجوز أن يكون فعلولا من قول رؤبة (١): . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... في خِدْرِ مَيَّاسِ الدمى مُعَرْجَنْ (٢) المُعَرْجَنْ: المصور بصور العرجون. الأزهري (٣): والعرجون نبت مثل الذؤنون (٤). وأول القصيده:

стр. 2354

يا أيها الكاسِرُ عَيْنَ الأغْضُنِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١). والقديم: العتيق، وقيل: هو الذي أتى عليه الحول (٢). ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ ابن عيسى: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر في سرعة سيره. وقال أيضاً: " ولا الشمس (٣) ينبغي لها أن تدرك القمر حتى يكون نقصان ضؤها كنقصانه، ولا الليل سابق النهار وكل على مقادير قدرها الله" (٤). الزجاج: لا يذهب أحدهما بمعنى الآخر (٥)، ورضيه المحققون. وقيل: لا يُدْرِكُ أحدهما ضوء الآخر (٦).

стр. 2355

﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: مما يتعاقبان ولا يسبق أحدهما الآخر فيفوته، ويحتمل لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر لاختلاف مكانيهما، فإن القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة، ولا الليل سابق النهار لاختلاف زمانيهما فإن زمان النهار وقت طلوع الشمس وزمان الليل وقت غيبتها (١)، والله أعلم. ويحتمل أيضاً أن المعنى: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا للقمر ينبغي له أن يدرك الشمس، فكنى عن القمر بالليل وعن الشمس بالنهار، والله أعلم. ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ أي: الشمس والقمر والكواكب. ﴿يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ يسيرون فيه بانبساط، وكل شيء انبسط في شيء فقد سبح فيه (٢). ﴿وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا﴾ رَفَعْنا، والحَمْلُ: مَنْعُ الشيء أن يصير إلى جهة السُّفْل. وقيل: قويناهم على اتخاذ ذلك وهديناهم إليه (٣). ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قرئ بالتوحيد والجمع (٤)، وفيها هاهنا ثلاثه أقوال: أحدها: الأبناء، لأنهم كانوا يترفهون ويبعثون بأبنائهم إلى التجارات برًا وبحرًا (٥). الثاني: آبائهم يعني: الناجين من قوم نوح والذرية على هذا من الاضداد (٦).

стр. 2356

الثالث: هم أنفسهم، والتقدير: حملنا ذريتهم بحملنا آبائهم لأن الذرية في ظهورهم (١). ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ الفُلْك هو: سفينة نوح ﵇ فيمن جعل الذرية الآباء، ومن جعل الذرية الأبناء فالفُلْك عام، ومن جعل الذرية هم أنفسهم احتمل الفلك الوجهين (٢) معاً، والمشحون: المملوء (٣)، وقد سبق (٤). ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ﴾ لأهل مكة وغيرهم. ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ مِثْل الفلك. ﴿مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ يعني: ما اتخذوه على مثال سفينة نوح ﵇. قال ابن عباس ﵄: "أراد به الإبل" (٥)، ولأن الإبل سفن البر. وقيل: الفَرَس، والبَغْل، وسائر ما يركب من الدواب (٦)، وفيه أدنى ضعف لقوله ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ أي: في البحر. ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ هناك أي: لا مُغِيث. وقيل: لا مستغيث (٧).

стр. 2357

والصَّارِخ والصَّرِيخ (١): المغيث، والصَّرِيخ والصَّارِخ: المستغيث، ثم استأنف فقال: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)﴾ أي: لا يُنْقِذُهم ولا يُنْجِيهم أحد سِوَانا. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ أي: إلَاّ أن نرحمهم ونمتعهم إلى انقضاء آجالهم، فهما منصوبان على المفعول له. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: مثل ما نزل بمن قبلكم من العذاب. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ عذاب الآخرة. وقيل: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ أمر الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ أمر الآخرة (٢). وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ الآخرة، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ الدنيا (٣). ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾ واحسنوا العمل لعلكم ترحمون. وقيل: تحرزوا عن ذنوبكم التي بين أيديكم بالتوبة وما خلفكم بالاجتناب عنه (٤). وجواب ﴿وَإِذَا﴾ مضمر أي: اعرضوا، وجاز حذفه لأن قوله ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾ يدل عليه و ﴿مِنْ﴾ الأولى لتحقيق النفي، والثانية للتبعيض. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ لمشركي مكة. ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ تصدَّقوا على الفقراء.

стр. 2358

﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ قالوا هنا استهزاءً أي: لا نطعمهم ولا نعطيهم، ولم يعرفوا أن الله أمرهم بذلك تعبدًا وامتحانًا للعباد. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: هذا من تمام كلامهم (١) لمن أمرهم بالانفاق (٢). وقيل: جواب من الله لهم (٣). وقيل: أَمْرٌ للمؤمنين، أي: قولوا لهم: إن أنتم إلا في ضلال مبين (٤). ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ يعنون وَعْدَ البعث. وقيل: إنما ذكر بلفظ الوعد دون الوعيد لأنهم زعموا أن لهم الحسنى عند الله إن كان الوعد حقاً (٥). ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون. ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ هي: النفخة الأولى (٦)، والنفخات ثلاث (٧)؛ نفخة الفزع، ونفخة الصَّعْق، ونفخة البعث. ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ تلحقهم لحوق المنتظر وإن لم يكونوا ينتظرونه. ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ يختصمون يخاصم بعضهم بعضًا،

стр. 2359

قيل: في تلك الساعة (١). وقيل: يختصمون الآن في دفع البعث والنشور (٢) وينكرون (٣). وقيل: يعتقدون أن لهم الغلبة في الخصام (٤). ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ أي: لا يقدرون على أن يوصى بعضهم بعضاً ولا إلى منازلهم يرجعون بل يموتون حيث يسمعون. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هي النفخة الثالثة، والصُّور: صُور إسرافيل ينفخ فيه، وهو: قرن فيه أرواح الموتى. وذهب أبو عبيدة إلى أنه جمع صورة كصوفة وصوف، أي: ينفخ في الأجسام فتحيون (٥). ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ جمع جَدَثٍ وجَدَف (٦) وهو: القبر، وأجمعوا على الثاء في الجمع (٧). ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ يسرعون، ونَسَلَ: خرج من مضيق (٨).

стр. 2360

﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ أي: من قبورنا (١). وفي تسميته مرقداً ثلاثة أقوال: أحدها: أن العذاب يخفف عنهم أربعين سنة بين النفختين (٢). والثاني: من عِظَمِ ما صاروا إليه عَدُّوا ما كانوا فيه من العذاب رقوداً (٣). والثالث: كانوا في الدنيا مختلطة عقولهم فبعثوا كذلك فظنوا أنهم كانوا نياماً (٤). وقوله ﴿هَذَا﴾ يجوز أن يكون من صفة ﴿مَرْقَدِنَا﴾. ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ مبتدأ خبره مضمر أي: حق. وقيل: تقديره: بعثكم ما وعد الرحمن، فيكون جواباً من الملائكة، ويجوز أن يكون هذا مبتدأ وما بعده خبره (٥) وهو الأحسن. واختلفوا في قائله (٦)؛ فقال بعضهم: هذا أيضاً من كلام الكفار أي: يؤمنون يومئذ فلا ينفعهم إيمانهم (٧). وقال بعضهم: يقول لهم الملائكة كما سبق (٨). وقال بعضهم: يقول لهم المؤمنون يجيبون به الكفار (٩).

стр. 2361

﴿إِنْ كَانَتْ﴾ ما كانت أي: الفِعْلَة. ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهي: النفخة الأخيرة. ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ يجوز أن يكون ما مفعولاً، ويجوز أن يكون التقدير بما فحذف الجار. ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ في التلذذ بنعيم الجنة، وعن ابن عباس ﵄ في جماعة هو افتضاض الأبكار (١). وعن النبي ﷺ أنه قال (٢) " إن أهل الجنة كلما جامعوا نساءهم عدن أبكاراً" (٣). وقيل: في شغل عما فيه أهل النار (٤). وقيل: في السَّمَاع (٥). وقيل: في ضيافة الله (٦). وقيل: في زيادة بعضهم بعضاً (٧).

стр. 2362

﴿فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ وفكهون لغتان (١)، وقيل (٢): الفاكه: كثير الفاكهة كاللابن والتامر، والفَكِه: الذي يتناول الفاكهة أو الطعام وغير ذلك (٣). وقيل: فكهون: فَرِحُون (٤)، وفاكهون: مُعْجَبون (٥). ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ حلائلهم. ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة، وهو: ما يسترك (٦) عن الشمس، و ﴿ظِلَالٍ﴾ يجوز أن يكون جمع ظُلَل كحُلَّة وحُلَلَ وحِلال، ويجوز أن يكون جمع ظِلّ وهو الموضع الذي لا تقع عليه الشمس (٧).

стр. 2363

﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ جمع أريكة، وهي: السُّرُر في الحِجَال (١). ابن عيسى هي: الوسائد (٢). وقيل: الفُرُش (٣). ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧)﴾ يفتعلون من الدعاء (٤)، أي: لهم فيها ما يدعون الله به (٥). وقيل: ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ ما يتمنون (٦). وقيل: من ادعى في الجنة شيئًا فهو له لأنهم لا يدعون إلا ما يحسن وليس ثَمَّ خصومة ولا منازعة (٧)، ويحتمل: وللمؤمنين في الجنة ما يدعون في الدنيا من الثواب والدرجات فيها وينكره الكافرون. ﴿سَلَامٌ﴾ أي: لهم ما يدعون سلام خالص لهم، وتم الكلام ثم قال ﴿قَوْلًا﴾ أي: أقول قولاً، وقيل: تقديره: لهم ما يدعون ولهم مع ذلك سلام (٨). وقيل: ﴿سَلَامٌ﴾ بدل من ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾، ونصب ﴿قَوْلًا﴾ على المصدر (٩) أي: لهم سلام يقوله الله (١٠) قولاً (١١). وقيل: لهم سلامة من النار (١٢).

стр. 2364

وقيل: تحييهم (١) الملائكة بالسَّلام (٢). وقيل: ﴿قَوْلًا﴾ نصب على تقدير: ولهم ما يدعون قولاً (٣). ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ أي: عِدَةٌ من الله. ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ السُّدِّي: كونوا على حدة (٤). قتادة: اعتزلوا عن كل خير (٥). وقيل: تميزوا عن المؤمنين (٦). وقيل: معناه: فريق في الجنة وفريق في السعير (٧). الضحاك: لكل كافر في النار بيت يدخل فيه ويردم (٨) بابه بالنار أي: يسكن فيكون (٩) فيه أبد الآبدين لا يَرى ولا يُرى، نعوذ بالله من النار (١٠). ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ يقول لهم يوم القيامة. والمراد بالعهد (١١): ما عهد إليهم في قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].

стр. 2365

وقيل: ألم أعهد إليكم (١) بإرسال الرسل وأنزال الكتب، والمعنى: ألم آمركم ألم أوصكم (٢). وقوله ﴿لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ أي: الأصنام لأنهم عبدوها بأمره فكأنهم عبدوه. وقيل: لا تطيعوه (٣). ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ دين قَيِّم، ويحتمل أن يكون هذا من خطاب الله عباده في الدنيا. ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا﴾ أي: خلقاً. ﴿كَثِيرًا﴾ وفيه لغات (٤)، واشتقاقه من جَبَلَه أي: خَلَقَه وطَبَعَه (٥). ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ استفهام تقريع على تركهم الانتفاع بالعقل. ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ اصلوها: ذوقوا حرها. وقيل: ادخلوها (٦). وقيل: الزموها (٧).

стр. 2366

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ نمنعها عن الكلام (١)، وذلك إذا كذبوا الرسل وقالوا ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ روي عن النبي ﷺ (٢) أنه قال: " يجئ ناسٌ يوم القيامة مُفَدَّمَةً أفواههم، وإن أول ما يتكلم عنه لَفَخِذُه ويَدُه" (٣). فيه أربعة أقوال: أحدها: أن الله يمكنها من الكلام ويجعل لها خِلْقَة تصلح للنطق (٤). وقيل: المتكلم هو الله سبحانه إلا أنه يسمع من جهتها فنسب إليها (٥). وقيل: كلامها دلالتها على أفعالها (٦)، ومثله قول الشاعر:

стр. 2367

إذا نَظَرَتْ نحوي تَكَلَّمَ طَرْفُها ... وجاوبها طَرْفي ونحن سكوت (١). وقيل: إن الملائكة الموكلين بأعضاء بني آدم تشهد عليهم (٢). ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ أي: أعميناهم في الدنيا. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ طريق منازلهم. ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦)﴾ الطريق وقد أعميناهم. وقيل: أعميناهم عن الهدى فأنى يبصرون طريق الرشاد (٣). وقيل: لو نشأ لفقأنا أعين ضلالتهم (٤) فأبصروا الرشد وبادروا إلى الإيمان والطاعة فأنى يبصرون ولم نفعل ذلك (٥)، والطَّمْسُ: مَحْو الشيء حتى لا يبقى (٦) له أثر (٧). ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ صيرناهم قردة وخنازير. ﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ في منازلهم. وقيل: على المكان أي: ساعتئذ، والمكان والمكانة واحد (٨). وقيل: معنى (٩) ﴿لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ لاقعدانهم عن أرجلهم (١٠).

стр. 2368

﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾ مجيئاً وذهاباً. وقيل: ما قدروا أن يجاوزا تكذيبهم ولا يرجعون ولا يتوبون (١). وقيل: لمسخناهم جعلناهم حجارة (٢) على مكانتهم حيث كانوا (٣). والمَسْخ: نهاية النكال والتنكيل. ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ أي: من أطلنا عُمُرِه رددناه إلى أرذل العمر. وقيل: نصيره إلى الضعف بعد القوة، وإلى النقصان بعد الزيادة (٤). وعن سفيان: إذا بلغ الرجل ثمانين سنة تغير جسمه (٥). ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ قال عقبة ابن أبي معيط: " ما يقول محمد شعر، فأنزل الله ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ " (٦). ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أن يقول الشِّعْر (٧) لأنه يورث شبهة. ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو. ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ عِظَةً للخلق.

стр. 2369

﴿وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ ظاهر الشعر كلام موزون مقفي، والبيت الواحد لا يكون شعرًا لأن القافية تظهر بالبيت الثاني، ولم يكن للنبي ﷺ طبع شعر (١) لا صنعة ولا رواية، فإن عائشة ﵂ قالت: " أراد النبي ﷺ أن يتمثل بيت أخي قيس (٢) فقال: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك من لم تزود بالأخبار. فقال أبو بكر ﵁: إنما هو: ويأتيك بالأخبار من لم تزود. فقال ﵊: ماعُلِّمْتُ الشِّعْرَ وما ينبغي لي" (٣). وما روي عن النبي ﷺ من مثل قوله: هل أتت إلا اصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت (٤). وقوله: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبدالمطلب (٥). ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ﷺ قال: "دميت" بغير إشباع (٦) و (لقيتْ) بالسكون للوقف فلا يكون موزوناً، وكذلك (لا كَذَب) بالفتح و (المطلب) (٧) بالكسر.

стр. 2370

والثاني: أن هذا رَجَزْ، والرَّجَز غير الشِّعْر، والراجز غير الشاعر، وديوان رؤبة والعجاج (١) كله رجز وليس فيه بيت شعر، والرجز يأتي تامًا مسدسًا ومجزءً ومشطورًا ومنهوكًا، حتى إن عبدالصمد بن المُعَذِّل (٢) صنع قصيدة على جزء واحد منها: هذا الرجل. لما احتفل ... أهدى بصل (٣). فجعل كل مستفعل بيتًا، وأنكر بعضهم هذا القول، وقال: إن الرجز والهزج والرمل من دائرة واحدة، والهزج والرمل شعر فكذلك الرجز، وأما مجيئه مشطورًا ومنهوكًا فلا يخرجه عن الشعر، فقد جاء: هل بالديار أنيس (٤). وليس برجزٍ، وهو دون المنهوك في عدد الحروف (٥) والحركات. والثالث: أن الله نفي الشعر عن القرآن فقال ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ إنما علمناه القرآن وما ينبغي له أن يقول القرآن شعر.

стр. 2371

وقيل: وما ينبغي للقرآن أن يكون شعرًا. والقول هو الأول (١)، فقد ذُكِرَ أن النبي ﷺ لما جرى على لفظه: هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت. انقطع الوحي مدة مديدةٌ حتى قالت الكفار: إن محمدًا قد ودعه ربه وقلاه فأنزل الله تعالى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] (٢)، وهذا أحد ما قيل في سبب انقطاع الوحي تلك الأيام، والله أعلم. ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ أي: لينذر محمد. وقيل: لينذر القرآن (٣). ومن قرأ بالتاء (٤)

стр. 2372

أي: لتنذر (١) يا محمد ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ يعني: المؤمنين، وخصهم بالذكر لانتفاعهم به. وقيل: من كان حيًا في القلب (٢). ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ ويَجِبُ العذاب. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ وهذا مطابق معنى، أي: ويحق القول على من كان ميتاً لأنهم في عداد الموتى. وقيل: ليحق القول فلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (٣). ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ أي: خلقناها لانتفاعهم واعتبارهم، وذِكْر الأيدي يُفيد أن الله خلقها بذاته سبحانه من غير واسطة. ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ فيه قولان: أحدهما: ضابطون قابضون (٤)، من قول الشاعر: أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا (٥). والثاني: مالكون ملك اليمين، أي: خلقناها وجعلناها ملكاً لهم (٦). ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ صَيَّرْناها منقادة لهم. ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ الرَّكُوب ما يُرْكَب، وهو جمع وكذلك الحَلُوب ما يُحْلَب، والركوبة: تكون واحدًا وجمعًا. ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ أي: سخَّرْناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها.

стр. 2373

﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ في نسلها (١)، ودَرِّهَا، وصُوفِها، وشَعَرِها، والحَمْلِ عليها. ﴿وَمَشَارِبُ﴾ أي: ألبانها. ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ نِعَمَ الله، استفهام بمعنى الأمر. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾ أي: لعل أصنامهم تنصرهم إذا حَزَبَهم أمر. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي: خاب أملهم. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ بل الكفار ينصرون الأصنام ويذبون عنها. وقيل: ﴿وَهُمْ﴾ أي: الأصنام، ﴿لَهُمْ﴾ للكفار جند تبع محضرون في النار (٢). ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: قولهم في الله إن له شريكاً وولداً ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾ فنجازيهم على أقوالهم وأفعالهم. والثاني: قولهم فيك إنك شاعر ومجنون. وقيل: ﴿قَوْلُهُمْ﴾ تهديدهم إياك بالقتل ووعيدهم، ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فَنَحُولُ بينك وبينهم (٣). ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ مِنْطِيق، جَدِل بارع، لَسِن. وقيل: هذه صفة ذم، أي: خلقناه أحسن ما يكون ثم هو يجادلنا ويخاصم نبينا وينكر قدرتنا (٤). واختلفوا في نزوله؛ فقال ابن عباس ﵄: في عبدالله بن أُبَيَّ (٥).

стр. 2374

سعيد بن جبير: في العاص بن وائل (١)، (٢). الحسن: في أميّة بن خلف. قتادة: في أبيّ بن خلف، وعليه الأكثرون (٣)، وذلك أنه أتى النبي ﷺ بعظم حَائِل (٤) قد بَلِي ففتته بيده وقال: يا محمد أترى الله يحي هذا بعدما رم؟ ! فقال ﷺ : "نعم ويبعثك ويدخلك النار"، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي: خَلْقَنا إياه، مصدر مضاف إلى المفعول. قَالَ ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ تقول: رَمّ الشيء ورممته (٥)، وهي ككف خصيب، وعين كحيل. ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ خَلَقَها. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ابتداءً حين أوجد (٦). ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ لا يخفى عليه أجزاؤه وإن تفرقت في البر والبحر فيجمعه ويعيده خلقاً كما كان.

стр. 2375

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ يريد شجرة المَرْخ والعَفَار (١)، فمن أراد منهم النار قطع غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ وهو ذكر (٢) على العفار وهي أنثى فتخرج منهما النار، وتقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المَرْخ والعَفَار (٣). وفي التفاسير: كل شجر فيه نار إلا العُنُّاب (٤).

стр. 2376

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ لأنهم مُقِرون بذلك، ثم قال ﴿بَلَى﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم يقولون بلى. والثاني: فإن أجابوك وإن لا فقل: بلى، إذا ليس له جواب غير ذلك (١). ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ﴾ لذلك الشيء. وقيل: لأجله (٢). ﴿كُنْ﴾ سبق في أول البقرة (٣). ﴿فَيَكُونُ (٨٢)﴾ أي: فهو يكون على ما قدر وأراد. ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: نَزِّهوه عن الوصف بالعجز عما أراد، والملكوت: المُلْك بأبلغ الألفاظ ولا يكون (٤) إلا لله وحده (٥). ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ إما إلى جنة وإما إلى نار.

стр. 2377

سورة الصافات

стр. 2378

سورة الصافات، مائة وثمانون آية (١) مكية (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ ذهب ابن عباس ﵄ إلى أن المراد بالثلاثه الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، ولأنها تزجر عن معاصي الله (٣). وقيل: تزجر السحاب تسوقه إلى حيث أمر الله (٤)، ولأنها تتلوا كتاب الله على الأنبياء ﵈. وذهب ابن بحر إلى أن المراد بالثلاثة المصلون من الناس (٥)، قال: والزَّجْرُ والصَّيْحةُ (٦) واحد أي: يرفعون أصواتهم بتلاوة القرآن في الصلاة فهم الزاجرات التاليات (٧). وقيل: الصافات: الطيور في الهواء (٨). وقيل: الزاجرات: آيات القرآن (٩).

стр. 2379

وقيل: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ آيات القرآن أيضاً (١). وقيل: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ قُرَّاء القرآن (٢). ويحتمل أن المراد بالثلاثه الغُزَاة (٣)، كقوله ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] فهم الصافات في الحرب (٤)، والزاجرات الكفار (٥)، التاليات ذكر الله بالتكبير، والتهليل، والتسبيح. والصَّفْ: ترتيب الشيء على نَسَق، كالصَّفْ في الصلاة، والصَّاف واحد، والصَّافة جمع، والصافات جمع الصافة. والزَّجْر: الصَّرْفُ عن الشيء بخوف وتخويف (٦). والتلاوة: القراءة، والتُّلُو: الاتباع (٧). أقسم الله بهذه الأشياء تعظيماً لها وتشريفاً. وقيل: ورب الصافات، وكذلك والذاريات، والطور، والنجم، وغيرها (٨). ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ جواب القسم رداً على من قال ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ أي: مطالع الشمس ولها ثلاثمائة وستون مطلعًا وكذلك المغارب.

стр. 2380

وقيل: لها مائة وثمانون مشرقاً فإذا انتهى إلى آخرها رجعت (١). وقيل: كل ما طلع عليه الشمس من الأرض فهو مشرق، وكل ما غرب عنه الشمس فهو مغرب (٢). ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ تأنيث الأدنى وهي التي تدنوا من الأرض. ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ من جرها غير منونة فللإضافة، ومن جرها منونة فبالبدل، ومن نصبها فعلى محل الجار والمجرور (٣). وقيل: بدل من ﴿السَّمَاءَ﴾. وقيل: زينا السماء الدنيا بتزبيننا الكواكب (٤). ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: وحفظناه حفظاً. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ خالٍ عن الخير خبيث. ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي: إلى كلام الملأ الأعلى وهم الملائكة، وتقديره: أن لا يسمعوا أي: لئلا يسمعوا، فلما حذف (أن) رفعه الفعل وعداه بإلي لأنه في معنى الاصغاء. وقيل: سمعت إليه بمعنى: صَرَفْتُ إلى جهته سمعي.

стр. 2381

قرئ ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ بالتشديد والتخفيف؛ فمن شدد فأصله يتسمعون فأدغم، ومن خفف جعله من سمع يسمع (١). ابن عباس ﵄: يَتَسِّمَّعون ولا يَسْمَعون (٢). الحسن: لا يَسْمَعون الوحي ويَخْتَطِفون الخَطْفَةَ مما سوى ذلك فليقون إلى الكهنة (٣). ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ تقول: قَذَفْتُ الشيء طَرَحْته، وقذفته بالحجر (٤) رميت إليه حجرًا، ومنه قذفه بالفجور، والآية يحتمل الوجهين (٥). ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨)﴾ أي: مرة من هذا الجانب، ومرة من هذا الجانب. وقيل: يُقْذَفُون من كل الجوانب (٦). ﴿دُحُورًا﴾ مصدر من غير لفظ الفعل الأول أي: يُقْذَفون قذفًا. وقيل: فعله مضمر تقديره: ويدحرون دحورًا. وقيل: دحورًا جمع دَحر، وهو ما يُرْمى به فيكون تقديره: بدحور فحذف الجار ونَصَب، يقويه قراءة من فتح (دَحُورًا) (٧)،

стр. 2382

ولا يمتنع أن يكون حالاً أي: مدحورين مطرودين من قوله ﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] (١). ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾ أي: للشياطين عذاب. ﴿وَاصِبٌ (٩)﴾ قيل: دائم، من الوصوب (٢). وقيل: مُوجع من الوَصَب (٣). وقيل: شديد (٤). وقيل: خالص (٥). ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قيل: الاستثناء من قوله ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾، ومحل ﴿مَنْ﴾ رفع. وقيل: الاستثناء منقطع وخبره ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ﴾. ومعنى ﴿خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ اختلس الكلمة مسارقة (٦). وقيل: استمع استماعة (٧). وقيل: مسارعة (٨). وقيل: وثب وثبة (٩). ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أي: تبعه، رُمِيَ في أثره. ﴿شِهَابٌ﴾ كوكب.

стр. 2383

﴿ثَاقِبٌ (١٠)﴾ مضئ، وقيل: ماض (١). وقيل: عال (٢). وقيل: يثقب بضوءه (٣)، من الثقب فإذا قذفوا احترقوا. وقيل: تصيبهم (٤) آفة فلا يعودون (٥). وقيل: لا يقتلون (٦) بالشهب بل يحس (٧) بذلك فلا يرجع (٨) ولهذا لا يمتنع غيره عن ذلك (٩). وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة، فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة وغيرها (١٠). ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ سل قومك، نزلت في أبي الأشد بن كلدة بن أُسَيْد (١١)، حكاه الثعلبي (١٢). وقيل: فحاجهم (١٣).

стр. 2384

﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يريد عادًا وثمودًا ومن قبلهم من الأمم الخالية، والتقدير: أمن خلقنا قبلهم وسواهم فإن الكل من خلق الله. وقيل: فاستفت بني آدم أهم أشد خلقا أم من خلقنا يعني: الملائكة (١). الحسن في جماعة: أمن خلقنا يريد: السموات والأرض والجبال، لقوله (٢) ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] (٣)، فيكون (من) حينئيذ لازدواج الكلام. ثم بَيَّنَ من أي شيء خلق بني آدم فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ﴾ يعني: أصل بني آدم. ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ الطِّين: التراب خالطه الماء، واللَاّزِب: اللَاّزِم، والباء بدل من الميم عند أكثرهم (٤). وقيل: هو من اللُّزوب بمعنى: اللزوم، ومعناه: لازِق من طين علك (٥). ابن عباس ﵄: هو الملتصق من الطين الحُر الجَيِّد (٦). مجاهد، والضَّحاك: مُنْتِنْ (٧). ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ أي: عَجِبْتَ من تكذيبهم وهم يسخرون من تعجبك.

стр. 2385

وقيل: بل عجبت يا محمد من القرآن حين أُعْطِيتَه ويسخر أهل الكفر منه (١). ومن قرأ بالضم (٢) فلذلك وجهان: أحدهما: أن المعنى: حَلُّوا محل من يُتَعَجَّب منهم، والعجب على الله غير جائز، ومنهم من أجاز لفظ التعجب وحمله على مثل ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] و ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ومثله ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] وقال ﷺ " يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة" (٣). وقيل: العجب أن يرى الإنسان ما ينكره، فيجوز على هذا القول أن الله أنكر ما عليه الكفار (٤).
следующие страницы →