← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

قرئ ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ بالتشديد والتخفيف؛ فمن شدد فأصله يتسمعون فأدغم، ومن خفف جعله من سمع يسمع (١). ابن عباس ﵄: يَتَسِّمَّعون ولا يَسْمَعون (٢). الحسن: لا يَسْمَعون الوحي ويَخْتَطِفون الخَطْفَةَ مما سوى ذلك فليقون إلى الكهنة (٣). ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ تقول: قَذَفْتُ الشيء طَرَحْته، وقذفته بالحجر (٤) رميت إليه حجرًا، ومنه قذفه بالفجور، والآية يحتمل الوجهين (٥). ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨)﴾ أي: مرة من هذا الجانب، ومرة من هذا الجانب. وقيل: يُقْذَفُون من كل الجوانب (٦). ﴿دُحُورًا﴾ مصدر من غير لفظ الفعل الأول أي: يُقْذَفون قذفًا. وقيل: فعله مضمر تقديره: ويدحرون دحورًا. وقيل: دحورًا جمع دَحر، وهو ما يُرْمى به فيكون تقديره: بدحور فحذف الجار ونَصَب، يقويه قراءة من فتح (دَحُورًا) (٧)،

стр. 2382

ولا يمتنع أن يكون حالاً أي: مدحورين مطرودين من قوله ﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] (١). ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾ أي: للشياطين عذاب. ﴿وَاصِبٌ (٩)﴾ قيل: دائم، من الوصوب (٢). وقيل: مُوجع من الوَصَب (٣). وقيل: شديد (٤). وقيل: خالص (٥). ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قيل: الاستثناء من قوله ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾، ومحل ﴿مَنْ﴾ رفع. وقيل: الاستثناء منقطع وخبره ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ﴾. ومعنى ﴿خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ اختلس الكلمة مسارقة (٦). وقيل: استمع استماعة (٧). وقيل: مسارعة (٨). وقيل: وثب وثبة (٩). ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أي: تبعه، رُمِيَ في أثره. ﴿شِهَابٌ﴾ كوكب.

стр. 2383

﴿ثَاقِبٌ (١٠)﴾ مضئ، وقيل: ماض (١). وقيل: عال (٢). وقيل: يثقب بضوءه (٣)، من الثقب فإذا قذفوا احترقوا. وقيل: تصيبهم (٤) آفة فلا يعودون (٥). وقيل: لا يقتلون (٦) بالشهب بل يحس (٧) بذلك فلا يرجع (٨) ولهذا لا يمتنع غيره عن ذلك (٩). وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة، فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة وغيرها (١٠). ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ سل قومك، نزلت في أبي الأشد بن كلدة بن أُسَيْد (١١)، حكاه الثعلبي (١٢). وقيل: فحاجهم (١٣).

стр. 2384

﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يريد عادًا وثمودًا ومن قبلهم من الأمم الخالية، والتقدير: أمن خلقنا قبلهم وسواهم فإن الكل من خلق الله. وقيل: فاستفت بني آدم أهم أشد خلقا أم من خلقنا يعني: الملائكة (١). الحسن في جماعة: أمن خلقنا يريد: السموات والأرض والجبال، لقوله (٢) ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] (٣)، فيكون (من) حينئيذ لازدواج الكلام. ثم بَيَّنَ من أي شيء خلق بني آدم فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ﴾ يعني: أصل بني آدم. ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ الطِّين: التراب خالطه الماء، واللَاّزِب: اللَاّزِم، والباء بدل من الميم عند أكثرهم (٤). وقيل: هو من اللُّزوب بمعنى: اللزوم، ومعناه: لازِق من طين علك (٥). ابن عباس ﵄: هو الملتصق من الطين الحُر الجَيِّد (٦). مجاهد، والضَّحاك: مُنْتِنْ (٧). ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ أي: عَجِبْتَ من تكذيبهم وهم يسخرون من تعجبك.

стр. 2385

وقيل: بل عجبت يا محمد من القرآن حين أُعْطِيتَه ويسخر أهل الكفر منه (١). ومن قرأ بالضم (٢) فلذلك وجهان: أحدهما: أن المعنى: حَلُّوا محل من يُتَعَجَّب منهم، والعجب على الله غير جائز، ومنهم من أجاز لفظ التعجب وحمله على مثل ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] و ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ومثله ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] وقال ﷺ " يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة" (٣). وقيل: العجب أن يرى الإنسان ما ينكره، فيجوز على هذا القول أن الله أنكر ما عليه الكفار (٤).

стр. 2386

﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾ إذا وعِظُوا لا يتعظون. ﴿وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً﴾ إنشقاق القمر، وغيره من المعجزات. ﴿يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ يسخرون. وقيل: يستدعي بعضهم بعضاً إلى أن يسخر (١). ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: الذي نراه. ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ ظاهر. ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦)﴾ أي: أنبعث إذا متنا؟ وقد سبق (٢). ﴿أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ قرئ بفتح الواو على تقدير: أوأباؤنا الأولون مبعوثون، وبسكون الواو وتقديره: أيبعث واحد منا مبالغة في الإنكار (٣). ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ تبعثون وآباؤكم. ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾ صاغرون أذلاء على رغم منكم. ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ أي: القيامة، أو نفخة القيامة. ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ صيحة واحدة. ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾ أي: أحياء ينظرون. وقيل: ينتظرون أمر الله فيهم (٤). ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ معناه: وجب لنا الويل والحزن. وقيل: حل بنا أشد شيئ نكرهه (٥).

стр. 2387

﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ قيل: هو من تمام كلامهم أي: هذا يوم الجزاء الذي كنا ننكره (١). وقيل: تم الكلام على قوله ﴿يَا وَيْلَنَا﴾، ثم قال الله ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ (٢). ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ بين المحسن والمسيء. ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا. ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ الحسن: نساءهم اللاتي على دينهم (٣). وقيل: أبتاعهم (٤). ابن عباس ﵁: أمثالهم وأضرابهم ونظرائهم؛ الزاني مع الزاني، وصاحب الخمر مع صاحب الخمر، من قوله ﴿أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] أي: أشباهاً (٥). ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام ليعذب بها الكفار.

стр. 2388

﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ أدعوهم. وقيل: قدموهم، والسابق يسمى الهادي (١). وقيل: دُلُّوهم (٢). ﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ وسطها. وقيل: طريقها (٣). ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ أي: احبسوهم، تقول: وقفته وقفاً. وفي السؤال قولان: ابن عباس ﵄: عن لا إله إلا الله (٤). وقيل: عن خطاياهم (٥). وقيل: عن جميع أقوالهم وأفعالهم (٦). والثاني: أنهم مسؤلون، ثم بين عم يُسألون (٧) فقال ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ كما كنتم تنصرون أوثانكم على من قصدها وهاهي تُحْشَرُ إلى النار مالكم تركتم نُصرتها، وهذا توبيخ لهم وتقريع. وقيل: هذا جواب لأبي جهل حيث قال يوم بدر ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]، حكاه الثعلبي (٨). وقيل: ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ مقدم متصل بقوله: احشروهم، واحشروهم متصل بقوله ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ خاضعون.

стр. 2389

وقيل: منقادون (١). الأخفش: هم ملقون بأيديهم (٢). ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: الأتباع والرؤساء. ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ يتخاصمون. ﴿قَالُوا﴾ يعني: الأتباع للرؤساء. ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ أي: من قِبَلِ الدِّين فتضلوننا عنه، أي: تأتوننا عن أقوى الوجوه وأَيْمَنِه كأنكم تنفعوننا نفع السانح (٣) فجنحنا إليكم فهلكنا. وقيل: ﴿عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ عن الخير تروننا أنكم تريدون بنا الخير (٤). وقيل: ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ أي: تكرهوننا على الدِّين (٥). ﴿قَالُوا﴾ أي: الرؤساء. ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ أي: ما كنتم مؤمنين فرددناكم عن الإيمان. ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجة وبرهان (٦) ولا قهرناكم عليه. ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠)﴾ بل كفرتم بطغيانكم. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ أي: وجب علينا جميعاً كلمة العذاب. ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ يعني: الرؤساء والأتباع. وقيل: معناه: استحققنا العذاب الذي أوعدناه ربنا (٧).

стр. 2390

وقيل: حق علينا قول الله وإخباره أنا جميعًا نكفر فنصير إلى النار ونذوق العذاب (١). وقيل: ﴿قَوْلُ رَبِّنَا﴾ قضاء ربنا. وقيل: ﴿قَوْلُ رَبِّنَا﴾ أنه يعذبنا إن كفرنا (٢). ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ أضللناكم. ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾ ضالين. وقيل: معناه: خيبناكم كما خِبْنا. والغواية: الخيبة. والإغواء: الدعاء إلى الغي. ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: جميعًا (٣). ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة. ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾ أي: بالمشركين (٤). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ أي: يتكبرون على من يدعوهم إلى قول لا إله إلا الله. وقيل: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ يأنفون من قوله ويَسْتَخِفُّونَ بمن دعاهم إليه (٥). ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ خبر كان فإن أُلْغِيت كان فهو خبر (إن)، والعامل في ﴿إِذَا﴾ ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾. ﴿وَيَقُولُونَ أَمْنًا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ يعنون محمدًا ﷺ ، فَرَدَّ الله عليهم فقال ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ أي: جاء بالصدق ووافق ما كان معهم. وقيل: لأن مجيء المخبِر يُصُدِّق المخْبَر به، وقد سبق (٦).

стр. 2391

﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ من غير زيادة. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ قيل: الاستثناء متصل بالجزاء أي: إلا عباد الله المخلصين فإن جزاءهم أضعافاً مضاعفة تَفَضُّلاً منه سبحانه عليهم. وقيل: متصل بالذوق أي: يذوقون (١) إلا عباد الله المخَلَصين: المُصْطَفَيْن، وبالكسر المصححون عزمهم (٢). وقيل: الاستثناء منقطع أي: لكن عباد الله المخلصين (٣). ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ أي: معلوم دوامه. وقيل: معلوم وقته بكرةً وعشيًا (٤). ﴿فَوَاكِهُ﴾ بدل من رزق (٥)، والفاكهة: ما يؤكل تلذذاً لا لحفظ الصحة والقوت. ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾ مُعَظَّمُون. ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣)﴾ أي: لا شيء فيها إلا النعيم. ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤)﴾ يُقابِل بعضهم بعضًا. وقيل: لا عداوة بينهم (٦). وقيل: يستمتع بعضهم بالنظر إلى وجوه البعض (٧).

стр. 2392

﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾ إناء فيه خمر (١). ﴿مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ خمر جارية ظاهرة تراها العيون. وقيل: ﴿مَعِينٍ﴾ فَعِيل، من المَعْن وهو: المنفعة (٢). وقيل: من الامعان في السير، أي: جارٍ (٣). وقيل: من مَعَنَ الماء إذا جرى على وجه الأرض (٤). وقيل: هو مفعول من عين الماء (٥). ﴿بَيْضَاءَ﴾ من صفة الكأس. وقيل: من صفة الخمر، والبياض أحسن الألوان (٦). ﴿لَذَّةٍ﴾ ذات لذة، أي: لذيذ. ﴿لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ صُداع. وقيل: داء (٧). وقيل: لا تذهب بعقولهم فتغتالها (٨)، والغَوْل: فساد يلحق في خفاء (٩).

стр. 2393

﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ من كسر الزاي فله معنيان (١): أحدهما: لا يَسْكَرون، من قولهم: أنزف الرجل إذا سكر، والنِّزِّيف: المخمور. والثاني: لا ينفد شرابهم. ومن قرأ بفتح الزاي فالمعنى: لا يَسْكَرون فيزول عقلهم (٢) تقول: نَزَف (٣) الرجل إذا زال (٤) عقله سُكْرًا (٥). ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: قَصَرْن عيونهن عن النظر إلى غيرهم. ﴿عِينٌ (٤٨)﴾ جمع عَيْنَاء أي: نَجْلاء واسعة العين (٦). ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ مَصُون، شبههن ببيض النعام فإنها تُكِنُّها عن الريح والشمس والغبار بريشها. وقيل: شبههن (٧) ببياض البيض المسلوق تحت القِشْر (٨). وقيل: شبه لونهن وملاستهن بالبيض (٩).

стр. 2394

ابن عباس ﵄: البيض المكنون: الدر في صدفه (١). ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ يعني: أهل الجنة يتذاكرون أحوال الدنيا وأحوال أصدقائهم. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ جليس في الدنيا؛ قيل: كانا أخوين (٢). وقيل: كانا شريكين (٣). وقيل: كان القرين شيطاناً (٤). وقيل: هما فطروس الكافر ويهوذا (٥) المسلم، وقصتهما في الكهف ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ (٦) [الكهف: ٣٢]. ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ بالبعث. ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ مجزيون. وقيل: محاسبون (٧). وقيل: مملوكون (٨).

стр. 2395

﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ﴾ يقول الله لأهل الجنة هل أنتم ﴿مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾ إلى النار أي: هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار. ابن عباس ﵄: في الجنة كُوى ينظر أهلها منها إلى النار، فأهلها يناظرونهم (١)، لأن لهم في توبيخ أهل النار لذة وسرورًا (٢). ﴿فَاطَّلَعَ﴾ على أهل النار. ﴿فَرَآَهُ﴾ أي: قرينه. ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ وسطه. ﴿قَالَ﴾ أي: يقول له ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ تهلكني، من الردى وهو: الهلاك. ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ عصمته ورحمته. ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ معك فيها ولم يقل في العذاب لأن الإحضار لا يستعمل إلا في الشر. ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)﴾ أي: أفما نحن بمن شأنه أن يموت كقوله ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]. ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ قيل: هذا استفهام تعجب يقولونها فيما بينهم (٣) فرحاً بذلك (٤).

стр. 2396

وقيل: يسأل أهل الجنة من الملائكة فيقولون: لا، ويقولون ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾ (١). وقيل: هذا من تمام كلامه لقرينة تقريعًا له وتوبيخًا (٢). و﴿مَوْتَتَنَا﴾ نُصِبَ على المصدر، والاستثناء يجوز أن يكون متصلاً، وتقديره: لا نموت إلا مرة. وقيل: يجوز أن يكون منقطعًا، وتقديره: لكن الموتة الأولى قد كانت في الدنيا. وقيل: ﴿إِلَّا﴾ هاهنا بمعنى: بعد (٣). ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾ تم كلامه لقرينه، ثم قال الله ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾. وقيل: هذا أيضًا من كلامه (٤). ثم قال الله ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ أي: ذلك الذي ذكرت من نعيم أهل الجنة خيرٌ نزلاً. ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ يريد: أسباب هذا خير أو أسباب ذلك (٥)!

стр. 2397

والنُزُلُ: ما يقدم للضيف عند نزوله (١). والزَّقُّوم: طعام يبتلعه الإنسان على مشقه وجهد جهيد لمرارته ونتنه وخشونته. وذكر قُطْرُب أن الزَّقُّوم شجرة مُرًّة تكون بتهامة (٢). وذكر المفسرون أن ابن الزبعرى قال لصناديد قريش: " إن محمداً يخوفنا بالزقوم، وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر (٣) ". وذكروا أيضاً أن أبا جهل (٤) لما سمع ذكر الزقوم أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا، فأتتهم بالزبد والتمر فقال (٥): تَزَقَّموا فإن هذا (٦) ما يوعدكم محمد، فأنزل الله صفة الزقوم، فقال (٧): ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً﴾ إمتحاناً وبلاءً. ﴿لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ أي: مَنْبَتُها فيها. ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ قيل: إن الشيطان هاهنا نوع من الحَيَّات تعرفها العرب خِفَاف لها أعراف ورؤس قباح (٨). وقيل: إن الشيطان شجر معروف (٩) عند العرب قبيح الأعالي يُسمى الأستن شُبِّهَ طلع الزقوم به في قبح المنظر (١٠).

стр. 2398

وقيل: هذا مثل، وذلك أن الشيء إذا استُقْبِحَ شُبِّهَ بالشيطان فقيل: كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان لأن كل أحد يزعم أنه أقبح الأشياء وإن لم يكن رآه (١). وقيل: يشوه الله الشياطين في النار (٢) فشبه طلعها برؤسهم (٣). مقاتل: رؤس الشياطين حجارة سُود تكون حوله مكة (٤). ﴿فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا﴾ من الشجرة. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾ والملأ: حشو الوعاء بما لا يحتمل زيادة عليه. ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾ أي: على أكل الشجرة لشوبًا. ﴿مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾ فيشربون (٥) مزاجاً من الماء الحار المفرط الحرارة ومن الصديد والغَسَّاق. والحميم: هو الداني من الإحراق. وقيل: يشربون على الزقوم من الحميم فيخلطونه به (٦). ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم في وقت أكلهم وشربهم ذلك لا يعذبون بالنار ثم يُرَدُّون إلى الجحيم (٧). وقيل: هذا كقولهم: فلان يرجع إلى مال ونعمة، أي: هو فيها (٨).

стр. 2399

ويحتمل أن ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي الأخبار، أي: فقد صح أن مرجع الكفار إلى النار. وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ مع الجملة قد يدل على التقديم أي: وقبل ذلك كان مرجعهم إلى الجحيم (١). ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا﴾ أي: وجدوا. ﴿آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ يُزْعَجُون ويُسْتَحَثُّون. وقيل: كأن بعضهم يسوق بعضاً لكنه ذكر بلفظ المجهول. والإهْرَاع: الإسراع في المشي (٢). ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ قبل أهل مكة. ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ يعني: الأمم الخالية. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢)﴾ رسلاً وأنبياء. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ أي: الكافرين. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾ الذين أخلصوا الطاعة لله. ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ أي: دعانا للننجيه. وقيل: دعانا لنغرق من كفربه (٣). ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ أي: نحن. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ وهو الغرق، والطُّوفان، وأهوال السفينة. وقيل: تكذيب قومه إياه واستذلاله (٤).

стр. 2400

﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ فالخلق كلهم من أولاد نوح، لأن من كان معه في السفينة ماتوا إلا أولاده ونساءهم، حَام، وسَام، ويَافِثْ؛ فسام أبو العرب وفارس والروم، وحَام أبو السودان، ويَافِثْ أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج، وما هنالك (١). ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ أي: تركنا عليه أن يقول الآخرون: سلام على نوح في العالمين فارتفع بالحكاية كما قال ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ﴾ [النمل: ٥٩]. وقيل: وتركنا عليه ثناءً حسناً وتم الكلام، ثم قال الله ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ (٢). ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾ أي: سائر المحسنين ننجيهم ونثني عليهم كما نجينا (٣) نوحًا وأثنينا عليه. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ خص الإيمان بالذكر والنبوة أشرف منه بياناً لشَرَفِ المؤمنين (٤) لا لشَرَفِ نوح كما تقول: إن محمداً ﷺ من بني هاشم. وقيل: فيه بيان أنه إنما استحق ذلك بإيمانه فضيلة للإيمان وترغيباً فيه (٥). ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (٨٢)﴾ يعني: قومه الكافرين. ﴿وَإِن مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣)﴾ الشِّيَعَةُ: الجماعة تتبع سيدهم، واشتقاقها من شَاعه يُشَيِّعُه شيعًا إذا تبعه، قال الشاعر: قال الخليط غدًا تَرَحُلُنا ... أو شِيعه فمتى تودعنا (٦).

стр. 2401

أي: بعد غدٍ (١). وقيل: الشِّيَعَة: الأعوان، وأصله من الشَّياع، وهو الحطب الصغار يوضع (٢) مع الكبار على النار (٣). وفي الهاء قولان: الجمهور: يعود إلى نوح ﵇ (٤). الفَرَّاء: يعود على محمد ﷺ ، أي: هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً له (٥). ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ حين أجاب داعية الإيمان بالتوحيد والطاعة. وقيل: حين ألقي في النار (٦). والعامل في ﴿إِذْ﴾ معنى التبع، و ﴿إِذْ﴾ الثانية بدل من الأولى. ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ قيل: سليم من الشرك والشك (٧). وقيل: مخلص (٨). وقيل: خالص من كل دنس (٩). وقيل: معنى ﴿سَلِيمٍ﴾ حزين، من قولهم: فلان سليم أي لديغ (١٠).

стр. 2402

وقيل: سليم من كل علاقةٍ دون الله (١). وقيل: معنى ﴿سَلِيمٍ﴾ لا يكون لعّاناً (٢). ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾ يريد: لأي شيء (٣)، فإن السؤال وقع عن الغرض لا عن الجنس، و ﴿مَاذَا﴾ إن جعلته كلمة واحدة فهو نصب، وإن جعلته كلمتين فهو مبتدأ (٤) وخبر، وقد سبق (٥). ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾ الإفك: الكذب (٦). والآلهة بدل منه، وهو منصوب بـ ﴿تُرِيدُونَ﴾. وقيل: ﴿تُرِيدُونَ﴾ نصب على الحال، أي: كاذبين (٧). ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ أي شيء ظنكم برب العالمين وأنتم تعبدون غير الله. وقيل: وما ظنكم برب العالمين إنه من أي جنس من أجناس الأشياء حتى شبهتم به هذه الأصنام (٨)، أي: لا يشبهه شيء (٩). ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)﴾ وذلك حين طلبوا منه أن يخرج معهم إلى عيد لهم فأراد أن يتأخر للأمر الذي هَمَّ به.

стр. 2403

﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ قد أكثر المفسرون في هذه الآية؛ فقال بعضهم: كانوا يتعاطون (١) علم النجوم وكان علمًا نبوياً إلى أن نُسِخ (٢)، فنظر إبراهيم ﵇ في النجوم أي: في علم النجوم (٣) وكتب النجوم فرأى في طالعه ما يدل على سقمٍ فقال: إني سقيم أي: في الحال (٤)، والسَّقَم والمرض: خروج المزاج من الاعتدال، وقَلَّ من يخلوا منه. وقيل: معناه سأسقم (٥). وقيل: إن المراد الموت وهو يلحقه لا محالة (٦). وقيل: أراد بالسُّقْم الطاعون وكانوا يخافون العدوى (٧).

стр. 2404

﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ وقيل: أراد نجوم السماء في الليل، وكانت الحمى تأخذه بعداد (١) فرأى أمارات ذلك في ذلك الوقت (٢) ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ أي: محموم (٣). وقيل: هذا كما يقال: فلأن ينظر في الطب والأدب أي: يعرفهما، فيكون ﴿فِي﴾ بمعنى (إلى) (٤). وقيل: نظره في النجوم ما حكى الله عنه في قوله ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ الآيات [الأنعام: ٧٦ - ٧٩]. وقوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ إذ لست على يقين من الأمر ولا شفاء لأن العلم شفاء والجهل سقم وداء، فعلى هذا قوله (٥) ﴿فَتَوَلَّوْا﴾ عطف على قوله ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾. وقيل: المراد بالنجوم النبات، أي: فنظر فيها متخيرًا منها (٦) ما فيه شفاء لسقم أَوْهَمَهُم أن به ذلك (٧).

стр. 2405

قال الأزهري (١): عن أبي العباس أحمد بن يحيى (٢) قال ﴿فِي النُّجُومِ﴾ النجوم: جمع نجم (٣) وهو ما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم (٤). ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً﴾ أي: تفكر ليدبر حجة. ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ أي: سقيم من كفركم بخالقكم، كما تقول: أنا مريض القلب من كذا (٥). وقيل: نظر نظرة في النجوم أي إلى جانب السماء فقال إني سقيم وهو في ذلك كاذب للمكيدة التي هم بها فقد، روي عن النبي ﷺ أنه قال: " لقد كذب إبراهيم ﵇ ثلاث كذبات ما منها واحدة إلا وهو يماحل ويناضل بها عن دينه، وهي (٦): قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقوله لسارة: هذه أختي" (٧). وقيل: فنظر نظرة في النجوم أي: فكر في الحيل، فقال إني سقيم فأقنعهم ذلك فتولوا عنه مدبرين (٨)، والله أعلم (٩). ﴿فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ﴾ ذهب إليها في خفية لا يُرى. وقيل: مال (١٠).

стр. 2406

وقيل: أقبل عليها (١). وقيل: راغ بقول ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ حتى خلا بها. وقيل: رجع إليها مراوغًا قومه (٢)، وسماها آلهة على زعمهم. ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢)﴾ وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه. وقيل: وُضِعَ الطعام ليُبَارَكَ فيه، ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)﴾ استهزاءً بها وبعابديها (٣). ويحتمل إنما قال ذلك لأن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة عن لسانها يوهمون إنها تأكل وتنطق. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ عَدَّاه بـ (على) لأن (راغ) بمنزلة قال، فكما تقول في المحبوب: مال إليه، وفي المكروه: مال عليه، كذلك راغ إليه وعليه. قوله ﴿ضَرْبًا﴾ أي يضرب ضربًا (٤)، فيكون مصدرًا لفعل محذوف، وجاز أن يكون حالاً. وقوله (٥) ﴿بِالْيَمِينِ﴾ أي: باليد اليمنى، لأنها أقوى على الأعمال من الشِّمَال (٦). وقيل: بالقوة (٧)، كقوله:

стр. 2407

إذا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لمِجَدٍ ... تَلَقَّاها عُرَابة باليمين (١). وقيل: باليمين (٢) التي سبقت منه وهو قوله ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٣) [الأنبياء: ٥٧]. ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ إلى إبراهيم ﵇. ﴿يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ بالفتح: يُسْرِعون (٤). وقيل: يمشون على مهل، وأصله من زَفِيف النعامة، وهو ابتداء عدوها (٥). وقيل: مشية فيها اختيال (٦) من قولهم زُفت العروس إلى زوجها (٧). وقرئ (يُزِفُّون) بالضم، وله وجهان: أحدهما: يزفون دوابهم فحذف المفعول أي يحملونها على الزفيف، قاله أبو علي في الحجة (٨). والثاني: أَزَفَ الرجل إذا صار إلى حال الزَفِيف (٩).

стр. 2408

﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ بأيديكم. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ أي: خلقكم وخلق أعمالكم (١). وقيل: وما تعملون أي: أصنامكم (٢). وقيل: وما تعملون منه الأصنام؛ كالخشب، والفضة، والذهب (٣). ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ﴾ أي: لأجله (٤). ﴿بُنْيَانًا﴾ مقاتل: بنوا له حائطاً من الحجر طوله ثلاثون ذراعًا وعرضُه عشرون ذراعًا، وملأوه من الحطب وأوقدوا فيه النار ثم رموا به إليها (٥). وقيل: بنوا له أتوناً (٦). وقيل: بنوا له مثل بناءً التنور (٧). ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾ هي: النار يجمع بعضها على بعض. وقيل: كل نار على نار جحيم (٨). وتقدير الآية: ابنوا له بنياناً واملؤه نارًا فألقوا إبراهيم فيها.

стр. 2409

وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " إن إبراهيم لما أُلقي في النار كانت الدواب كلها تطفئ عنه النار إلا الوزغة فإنها كانت تنفخ عليه فأمر ﷺ بقتلها" (١). ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ مكرًا وحيلة لما غلبهم بالحِجَاج. ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ قيل: المقهورين (٢). وقيل: المغلوبين في الحجة (٣). وقيل: الأسفلين في النار (٤). وقيل: أسفل من سافلين غيرهم، وليس التقدير: أسفل من إبراهيم إذ لم يكن في أمر إبراهيم سفالِ. وقيل: ليس أفعل للتفضيل بل للمبالغة كما قلنا في ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] و ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤] (٥). والمعنى: علا أمر إبراهيم، لأن النار لم تحرق منه إلا الوثاق، وسَفِلَ أمرهم لأن الله منع النار التحرك في جهته فلم تداخله، والنار تحرق الأجسام بالمداخلة فيها.

стр. 2410

﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ قاله حين نجاه الله من النار. وقوله ﴿إِلَى رَبِّي﴾ إلى أمر ربي وإلى مرضاة ربي. وقيل: إلى الشام كما في قوله ﴿مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] (١). وقيل: إلى الأرض المقدسة (٢). وقيل: إلى حَرَّان (٣). وقيل: مهاجر بعملي ونيتي متجرد لعبادة ربي سيهدين إلى مقصدي (٤). وقيل: إنما قال ذلك حين طرح في النار، أي: ذاهب إلى ما قضى علي ربي (٥). وقيل: معناه: إني ميت، كما يقال لمن مات: ذهب إلى الله (٦). ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى الخلاص من النار. وقيل: إلى الجنة (٧). وقيل: إلى قول حسبي الله ونعم الوكيل، حكاه الماوردي (٨). وقيل: سيثبتني على الهدى (٩)، (١٠). ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ الموصوف محذوف، تقديره: أولادًا من الصالحين أي: من المطيعين لك، ويحتمل من الأنبياء.

стр. 2411

﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ أي: بغلام يبلغ درجة الحلماء، فإن الصبي لا يوصف بالحِلم، والحَلِيم الذي لا يعجل بالعقوبة مع القدرة. وقيل: بغلام عليم في صغره حليم في كبره (١). ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قَوِيَ على أن يسعى معه في منافعه. وقيل: يمشي مع أبيه (٢). وقيل: بلغ أن يسعى في عبادة الله وطاعته (٣). وقيل: بلغ مبلغ الرِّجال (٤). وقيل: كان له مع يومئذ ثلاث عشرة سنة (٥). ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ اختلفوا في الذبيح؛ فذهب أبو بكر الصديق، وابن عباس، وابن عمر ﵄، ومحمد بن كعب القرظي، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، إلى أنه إسماعيل ﵇. واستدل المحتج لهذا بقوله ﷺ : " أنا ابن الذبيحين" (٦)؛ فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه عبدالله؛ وذلك أن عبدالمطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحدًا منهم تقربًا، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقِدَاح على أن يذبح من خرج قدحه وقد كتب اسم كل واحدٍ على قدح، فخرج قدح عبدالله ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى إلى أن تمت مائة، فخرج القدح على الجُزُر فنحرها وسن الدية مائة.

стр. 2412

واستدل أيضاً بقوله عند تمام قصة الذبح ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ [الصافات: ١١٢] بعد قوله ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: ١٠١] فالبشارة بالغلام غير البشارة بإسحق. واستدل أيضاً بقوله ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود: ٧١] فيمن قرأءه بالنصب (١)، لأنه إذا بُشِّرَ بالولد من صُلْبه عُلِمَ أنه لم يؤمر بذبحه. وذهب علي، وابن مسعود ﵄، وكعب الأحبار، إلى أن الذبيح إسحق، وإليه ذهب أهل الكتاب. واستدلوا بما روي أن النبي ﷺ سُئِل أيُّ النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله" (٢)

стр. 2413

فأجابوا عن قوله ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ أنه بُشِّرَ بالغلام أولاً ثم بنبوته ثانياً، وزادوا فقالوا: صَرَّحَ بالمبَشَّرِ به في قوله ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١] وفي قوله ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٢]، فيحمل عليه قوله ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: ١٠١] لأن هذا منهم وذاك مفسر، وأجابوا عن قوله ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود: ٧١] أنه لم تكن البشارة بيعقوب متصلاً ببشارة إسحاق اعتبارًا بقراءة من قرأ يعقوب بالرفع، والأظهر أنه إسماعيل (١). وأما قوله في أشرف الأنساب، فالصحيح أنه قال: يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم والزوائد من الرواي.

стр. 2414

واحتجوا أيضاً بأن قرني الكبش (١) كان ميراثاً لولد إسمعيل عن أبيهم، وكان منوطين بالكعبة إلى أن احترق البيت واحترق القرن (٢) في أيام ابن الزبير (٣) والحجاج (٤)، (٥). وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: " متى كان إسحاق بمكة وإنما كان إسماعيل، وهو الذي بنى البيت مع أبيه كما قال الله ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧] والمنحر بمكة"، والله أعلم (٦).

стр. 2415

قوله ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى ذلك ثلاث ليال، والمعنى: رأيت رؤيا أُمِرْتُ فيها بِذَبْحِك، ورؤيا الأنبياء في المنام وحي. ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ قُرِئ بفتحتين، وقرئ بضم التاء وكسر الراء؛ فمن فتح فالمعنى: ما عندك من الرأي، ومن ضم التاء فالمعنى: ما تُشِير (١). وقيل: ماذا ترينه من صبرك أو جزعك (٢). ورأيت هذا من الرأي كما تقول: فلان يرى رأى أبي حنيفة (٣)، وهو متعدي إلى مفعول واحد، فنقل بالألف فتعدى إلى المفعولين وليس من رؤية العين ولا من رؤية القلب التي بمعنى العلم. ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي: من الذبح. وقيل: كان نذر ذبحه فنسي ثم رأى في المنام فتذكر (٤). وقيل: افعل ما تؤمر بعد هذا، ولهذا جاء بلفظ المستقبل (٥). ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ أي: على الذَّبْح. وقيل: على قضاء الله (٦). ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ سَلَّمَ الذبيح نفسه، وسَلَّمَ إبراهيم ابنه. وقيل: ﴿أَسْلَمَا﴾ اتفقا على أمر واحد (٧).

стр. 2416

وقيل: استسلما لأمر الله (١). ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾ صرعه على جبينه، والجبين: أحد جانبي الجبهة. وقيل: كَبَّهُ على وجهه؛ لأن الذبيح قال له: اذبحني وأنا ساجد ولا تنظر إلى وجهي فعسى أن ترحمني فلا تذبحني (٢). ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أي: عَمِلْتَ بما رأيت في المنام، أي: صَدَقْتَ الأمر في رؤياك، وهذا دليل على أنه لم يكن مأمورًا بأكثر مما وُجِدَ منه وهو الاضطجاع على الجنب والتَّل على الجبين. وقيل: كان مأمورًا بذبح الولد بشرط التخلية والتمكين فلم يمكن لأنه أمرَّ السكين على حلقه فانقلب، وأراد أن يطعنه به فانثنى (٣). وقيل: جعل الله على حلقه صفحة من نحاس (٤). وقيل: كان يقطع فيلتئم، وهذا ضعيف لأن الفِدَاء وقع لعدم الذبح (٥). وقيل: رؤيا الأنبياء تنقسم قسمين: رؤيا تقع على ما رأى كما رأى النبي محمد ﷺ أنه يدخل المسجد الحرام فكان كما رأى لقوله ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧].

стр. 2417

والثاني: يقع بخلاف ذلك، كما رأى يوسف ﵇ أحد عشر كوكبا فكان إخوته، ورؤيا إبراهيم ﵇ من قبيل الثاني، ولم يأمن أن يكون من القبيل الأول، فأخذ بظاهره فأخبره الله أنه بما قد فعل قد صدق الرؤيا، ثم نودي قد صدقت الرؤيا دونك هذا الذبح فهو فداء له، فالتفت إبراهيم فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فخلى ابنه وأخذ الكبش فذبحه. وقيل: هو قربان ابن آدم الذي تُقُبِّل منه (١). الحسن، وعلي: نزل من الجبل (٢). ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِن هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ النعمة الظاهرة. وقيل: الاختبار الظاهر، والامتحان الشديد، ولو تمت تلك الذبيحة لصارت سُنَّة وذبح الناس أولادهم (٣). ﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾ الفِدَاء: جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه. ﴿بِذِبْحٍ﴾ الذِّبْح: اسم لما يُذْبَح، كالطِّحْن لما يُطْحَن. ﴿عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ صغر جرم أشكاله بالاضافة إلى جرمه. وقيل: عظيم لأنه رعى في الجنة أربعين خريفًا (٤). وقيل: ﴿عَظِيمٍ﴾ أي: مُتَقَبَّل (٥).

стр. 2418

وقيل: لأنه فدى به نبي (١)، وقيل: هو شيء أحدثه الله ذلك الوقت (٢)، ويحتمل أنه إنما وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى يوم القيامة، لأنه ما من سَنَةٍ إلا ويُذْبَحُ بسبب ذلك من الأنعام مالا يحصيه إلا الله. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ على إبراهيم (٣). ﴿فِي الْآَخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾ سبق في قصة نوح. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)﴾ ولم يقل إنا كما في غيره، لما تقدم ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ [الصافات: ١٠٥]، ولأنه بقي من القصة شيء وسائر ذلك وقع بعد تمام القصة. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾ سبق (٤). ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ من جعل الذبيح إسماعيل قال: بشرناه بإسحاق بعد إسماعيل، ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بُشِّرَ بنبوته وقد كان بُشِّرَ بمولده. ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾ على إبراهيم. ﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ وقيل (٥): على الغلام المبشر به، وعلى إسحاق وهو ما رُزِقَا من الذرية الصالحة التي توجد قرناً بعد قرن إلى قيام الساعة (٦). وقيل: خرج من صلب إسحاق ألف نبي أولهم يعقوب وآخرهم عيسى ﵈ (٧). وقيل: جعلنا فيهما وفي نسلهما البركة والزيادة، تقول: بارك الله فيك وعليك (٨).

стр. 2419

وقيل: معنى باركنا بقينا عليهم نعمنا، والبركة: البقاء (١). ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ أي: في أولادهما المؤمنون والظالمون، وهم الكافرون والفاسقون. وللعلماء (٢) في الذبح ثلاثة أقوال: أحدها: أُمِرَ بالذبح ثم نُسِخ. والثاني: أنه أمرٌ غير ممتد فلا يحتمل النسخ. والثالث: أنه أتى بما أُمِرَ به على ما سبق بيانه (٣). ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾ بالنبوة، المنُّ: قطع الأذى بالمِنَّة (٤)، ومنه: المَنُون (٥).

стр. 2420

﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ يعني: بني إسرائيل. ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥)﴾ قيل: من الغرق (١). وقيل: من تعذيب فرعون (٢). ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ يعود إلى موسى وهرون وقومهما، وقد تقدم ذكر القوم. ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦)﴾ على فرعون وقومه. ﴿وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧)﴾ التوراة يستبين فيه الحق ويظهر، وبان وأبان واستبان بمعنى واحد (٣). ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾ دين الله الإسلام أي: أثبتناهما عليه. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ اختلف المفسرون (٤) في إلياس: فذهب الجمهور إلى أنه نبي من بني إسرائيل بُعِث بعد موسى ﵇ (٥). وقيل: كان من ولد هارون (٦)، (٧). قتادة: إلياس اسم لإدريس (٨).
следующие страницы →