← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

الخلق كلّهم إله واحد؟ ! ، فأنزل الله فيهم هذه الآيات، يريد من أول السُّورة إلى قوله: ... ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (١). ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ " أي " نهضوا من ذلك المجلس. ﴿أَنِ امْشُوا﴾ أنْ هذه هي المفسِّرة (٢)، ومعناه: أي امشوا من غير أن تلفظوا به. وقيل: وانطلق الملأ منهم، وقالوا لغيرهم: امشوا. وقيل انطلقوا بأن امشوا، أي بهذا القول، وليس المراد بالمشي السَّير، إنما المراد المضي على الأمر. وقيل: امشوا واتركوا محمداً واصبروا على آلهتكم. وقال بعضهم: هي من مشتِ الماشيةُ؛ إذا كَثُرَ نَسْلُها مَشاء، قال: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... والعنز لا تمشي مع الهَمَلَّع (٣). وزيَّفه علي بن عيسى (٤)، وقال: إنما يقال أمشى الرَّجُلُ إذا كثرت ما شيته" (٥)، وهذا يوجب أن أمشوا، بالقطع والفتح.

стр. 2452

وفي تهذيب اللغة عن الأزهري (١): " مشى الرجل إذا استغنى مشاء " (٢). فيحتمل أن يكون القائل ذهب إلى هذا كأنه دعاء لهم، والله أعلم. ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ﴾ أي على عبادتها. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ يعني التوحيد. ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ذكر بلفظ المجهول، والمراد به محمد ﷺ ، أي هذا أمر يريده محمد، وقيل: إنَّ هذا، أي الاستعلاء والترفع والرئاسة لشيء يراد أي يريده كلُّ أحد وكلُّ ذي همَّة. وقيل: إنَّ هذا لشيء يراد بنا ومكرٌ يمكر علينا. وقيل: إنَّ هذا الكيد يكاد. وقيل: إنَّ هذا، يعني عبادة الأصنام لشيء يُراد: نريده ونحتاج إليه (٣). ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ أي بالذي يقوله محمد. ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾ قيل: فيما أدركنا عليه آباءنا. وقيل الملة الآخرة: ملة عيسى ﵇ أي دينه. وقيل: اليهودية والنصرانية. وقيل: في ديننا وزماننا. وقيل: ما سمعنا بهذا يكون في آخر الزمان.

стр. 2453

قال المؤرج (١): " الملة الأولى بلغة القِبْط (٢) " (٣). وقيل: لم نعرفه في هذا الزمان إنما هو شيء كان يبلغنا عمن تقدم فيما مضى من الزمان. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ كذب اختلقه (٤) من تلقاء نفسه. ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ الوحي. وقيل: القرآن. وقيل: النبوة. ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي كيف خُصَّ من بيننا بذلك؟ قالوه (٥) حسداً فأجابهم الله تعالى فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ وحيي ووحدانيتي، أي إنهم لا يكذبونك ولكن جحدوا آياتي. وقيل: ﴿مِنْ ذِكْرِي﴾: أي من ذكرك لي. ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي لم يذوقوه بعد، وسيذقوه (٦). قتادة (٧): هو يوم بدر أخبرهم (٨) الله به قبل أن يكون ولو ذاقوه لآمنوا ولم يجحدوا " (٩). ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) ﴾ يعني خزائن النبوة فيعطوا من يشاءوا (١٠) كقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وقيل: ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ أي علم ذلك فهم يعلمون على مَنْ ينزل وحي ربك. ﴿الْعَزِيزِ﴾ من أن يغالب. ﴿الْوَهَّابِ﴾ لمن يشاء ما يشاء (١١). ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أم الإلهية لهم فيتخيروا الرسل. وقيل معنى الآيتين: كيف يتجاسرون على عداوتي ولي ملك السماوات والأرض. ابن عيسى: " وجه اتصال أم عندهم بما قالوا اتصال الإنكار لما قالوا قبله أي ذلك ليس إليهم، وإنما هو إلى من ملك هذه الأمور (١٢) (١٣). ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي إن يملكوا السماء فليصعدوا إليها. والأسباب: الأبواب والارتقاء (١٤)، ويستعمل في الحبل وهو الأصل، وفي الطريق والوسيلة وغير ذلك، ويقال للعالِم المتبحر قد ارتقى في الأسباب (١٥).

стр. 2454

وقيل الأسباب: هي التي تؤدي الملائكة إلى السماء التي يعتمدون بأجنحتهم في طيرانهم وصعودهم إليها. والمعنى: أن ادَّعوا مُلْكَ السماوات , وأنهم يعلمون ما يجري فيها فليرتقوا إليها. ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ أي هم جند، و ﴿مَا﴾ زيادة (١). ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدم من الارتقاء إلى السماء. ﴿مَهْزُومٌ﴾: مكسور. (٢) ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: من الكفار الماضية (٣)، و﴾ مِنَ ﴿صلة جند. وقيل: الأحزاب إبليس وأتباعه. وقيل: إنه وعدٌ بما كان يوم بدر متصل بقوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾؛ لأنه وعد بالعذاب. والمعنى (٤): يتحزَّبون عليك، ويُهزمون هناك (٥). وقيل: معنى الأحزاب: أتباع مقلِّدون ليس فيهم مرشد. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل أهل مكة. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحاً.

стр. 2455

﴿وَعَادٌ﴾ هوداً. ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ موسى. ﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾ قيل ذو الجموع الكثيرة (١). وقيل: هي أوتادٌ أربعةٌ كان يُعذِّبُ الناسَ بها. وقيل هي أوتادٌ وحبالٌ يُلعب بها بين يديه (٢). وقيل: ذو المُلْكِ الثابت في الأرض. وقيل: بنى أبنية طويلة محكمة صارت كالأوتاد لطول بقائها وثباتها حكاه المبرِّد (٣). وقيل: أراد أوتاد الخيام وكانت فيها كثرة (٤). ﴿وَثَمُودُ﴾ وهم قوم صالحٍ صالحاً (٥). وعن ابن عباس ﵄ أن قوم صالح آمنوا به فلمَّا مات صالح رجعوا بعده عن الإيمان (٦)، فأحيا الله صالحاً وبعثه إليهم، وأعلمهم (٧) أنه صالح فكذبوه فأتاهم بالناقة فكذبوه فعقروها فأهلكهم الله " (٨). ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ قال مجاهد (٩): كانوا أربعمائة ألف بيت في كل بيت عشرة ". (١٠)

стр. 2456

وقال عطاء (١): " ما من أحد من الأنبياء إلا يقوم (٢) معه يوم القيامة قوم من أمَّته إلا لوط فإنه يقوم وحده " (٣). ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ كذَّبوا شعيباً، والأيكة (٤): الغيضة (٥). وقيل: النبع والسِّدر، وهم أصحاب الرَّس (٦) أيضاً (٧)، وكانوا يأتون في الصيف (٨) الرَّس ويعودون في الشتاء إلى الأيكة.

стр. 2457

﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ هذا مبالغة في الذَّم كما تقول في المدح: (١) هو عين الجواد. وقيل معناه: هم الذين تحزَّبوا على الأنبياء بالعداوة (٢). وقيل: هم أحزاب الشيطان بالموالاة. ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي ما كلٌّ منهم إلا كذَّبوا الرسل. وقيل: كلُّهم كذَّبوا الرسل. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ فاستحقُّوا عقابي. وقيل: فوجب (٣) عليهم عقابي. ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ أي ما ينتظر قومك، والمعنى يلحقهم لحوق المنتظر وإن كانوا لا يتوقعون. ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني النفخة الأولى (٤) وهي نفخة (٥) الفزع الأكبر. ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ و ﴿فُوَاقٍ﴾ وهما لغتان (٦)، أي من رجوعٍ وترداد ونظرة ومثنوية، أي صيحة واحدة (٧) تهلك الكلَّ، فلا يتخلُّص (٨) منها أحد فيحتاج إلى صيحة ثانية.

стр. 2458

وقيل المراد بها: نفخة القيامة، والمعنى: لا يمهلون بعدها. قيل (١): والفُواق ما بين الحلبتين، وقال ﷺ : " العيادة (٢) قدر فُواق الناقة " (٣). والفَواق بالفتح الإفاقة، والمعنى: إفاقة بالرجوع إلى الدنيا (٤). وقيل: فواق: فترة. وقيل: يريد بالصيحة عذاب الدنيا. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ القِطُّ: كتاب الجائزة، والقِطُّ: النصيب، وأصله (٥) من قَطَطْتُ: أي قطعت، والقِط: الصكُّ وهو الخط (٦)، والمعنى: عجِّل لنا نصيبنا (٧) من الجنة التي تعدنا.

стр. 2459

وقيل: من العذاب. وقيل: من الرِّزق. وقيل: قالوها عند نزول قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩، الانشقاق: ٧] كل ذلك استهزاء منهم (١). وقيل: قِطَّنا: حسابنا. السُّدي (٢): " أرادوا آية على صدق النبي ﷺ حتى (٣) يؤمنوا بِها " (٤). عطاء: قاله النضر بن الحارث (٥) (٦). ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ أي اصبر على أذى قومك فإنك مبتلى بذلك كما صبر سائر الأنبياء على ما ابتلاهم به ثمَّ عدَّهم، وبدأ بداود ﵇ فقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾.

стр. 2460

﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ النِّعمة، وأنَّ الله أنعم على داود نعماً كثيرة لم يُنْعِمْ بها على غيره، والأكثرون على أن الأيد: القوة، وكان أُعْطِيَ قوةً شديدةً على طاعة الله يصوم يوماً ويفطر يوماً، وذلك أشدّ الصوم، ويصلي نصف النهار ويقوم الليل كلَّه (١) (٢). وقيل: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾: ذا القوة في الحرب. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ مطيع (٣). وقيل: رجَّاع إلى الله. وقيل: مسَبِّح بلغة الحبشة، وفيه بعدٌ. وقيل: يذكر ذنوبه فيستغفر (٤) منها. ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ﴾ ذلَّلنا. ﴿مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ وكان يُسمع تسبيحها. وقيل: تسخيرها أنها كانت تسير معه إذا أراد سيَّرها إلى حيث يريد (٥).

стр. 2461

أبو القاسم الكَعْبِي (١): " إنا سخرنا أهل الجبال " (٢)، قال: "ويجوز أن يكون أوتي من شدَّة الصوت وحسنه ما يكون له في الجبال دوي حسن وما يصغي (٣) إليه الطير لحسنه (٤) فتصوت معه " (٥)، والقول هما الأولان. وقال الزَّجَّاج (٦): " كانت الجبال ترجِّع التسبيح، وكذلك الطير" (٧). ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ آخر النَّهار. ﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾ صلاة الضحى، تقول: شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا (٨) أضاءت. (٩) وعن ابن عباس _ ﵄ _: قال: " كنت أمر بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق حتى حدَّثتني أم هانئ بنت أبي طالب (١٠): ((أن رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلَّى الضحى وقال: يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق)) (١١).

стр. 2462

وقيل: الإشراق وقت طلوع الشمس، والقول هو الأول (١). ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ وسخرنا الطير مجموعةً من كل ناحية. قيل: سلّط عليها من الطير ما يقوى على حشرها إليه. وقيل: الملائكة كانت تحشر إليه ما امتنع عليه منها. وقيل: زاد الله فيها ما فهمت الأمر والنهي والزَّجر به (٢). ﴿كُلٌّ﴾ الجبال والطير. ﴿أَوَّابٌ﴾ لله ﴿أَوَّابٌ﴾ مطيع. وقيل: ﴿لَهُ﴾: لداود. ﴿أَوَّابٌ﴾: رجَّاع إلى التسبيح معه مطيعٌ لما يأمره (٣). ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ بالجنود والنُّصْرة. وقيل: كان يحرس محرابه كلَّ ليلة ثلاثة وثلاثون ألف حارس (٤). وقيل: شددنا ملكه بالهيبة، وذلك أن غلاماً استعدى على رجل وادعى عليه بقرة فأنكر (٥) المدعى عليه ولطم الغلام لطمة، فسأل داود مِنَ الغلام البيِّنة فلم يقمها، فرأى داود ﵇

стр. 2463

في المنام أنَّ الله يأمره أن يقتل المدعى عليه ويسلِّم البقرة إلى الغلام فقال داود: (١) هو منامٌ، ثمَّ أتاه الوحي بذلك فأخبر بذلك بني إسرائيل فجزعت بنو إسرائيل وقالوا: رجل لطم غلاماً لطمة أفتقتله بذلك (٢)؟ فقال داود هذا أمرٌ أمر الله بذلك فسكتوا ثمَّ أحضر الرجَّل وأخبره أن الله أمره (٣) بقتله، فقال الرَّجل صدقت يا نبي الله إني قتلت أباه غيلة، وأخذت البقرة فقتله داود فعظمت هيبته واشتَدَّ ملكه، وقالوا: يقضي بوحي السماء (٤) (٥). ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ يعني النبوة، وقيل: الفهم والعلم. ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ القضاء بالبينة واليمين (٦)، وذلك أنَّ الله علَّق سِلسِلة من السماء وأمره أن يقضي بها بين الناس فمن كان على الحق يأخذ السِّلسلة ومن كان على الباطل لا يقدر على أخذها ثمَّ إن رجلاً غصب من آخر لؤلؤاً فجعل اللؤلؤ في جوف عصاً له (٧) ثمَّ خاصمه المُدَعِي إلى داود فقال المُدَّعِي: إن هذا أخذ مني لؤلؤاً ولم يرده عليَّ وإني صادق في مقالتي فجاء وأخذ السِّلسلة ثمَّ قال المُدَّعى عليه خذ منِّي العصا فأخذ عصاه فقال إنِّي رددت

стр. 2464

عليه اللؤلؤ وإني صادق في مقالتي فجاء وأخذ السِّلسلة فتحيَّر داود في ذلك فرفعت السِّلسلة وأمره بأن يقضي بالبينة واليمين، وذلك فصل الخطاب (١). وقيل: فصل الخطاب قوله: البينة على المدعي واليمين على المُدَّعى عليه. وقيل: هو قوله: أمَّا بعد وهو أول من تكلم به (٢). وقيل: هو (٣) إذا تكلَّم في الحكم فصل. وقيل: هو الفصل يذكر ويكتب (٤) بين كلام وكلام. وقيل: لا يتعتع في كلامه. وقيل: الخطاب المخاطبة، وفصله الخروج من مخاطبة إلى مخاطبة أخرى، وقطع قصَّة بعد قصَّة. وقيل: الفصل: القطع، والخطاب: المحاورة (٥). * ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ افتتاح كلام وهو يعلم تعالى أنه لم يأته (٦). وقيل معناه (٧): ما أتاك وقد أتاك الآن.

стр. 2465

﴿نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ النبأ: الخبر العظيم، والخصم في الأصل مصدر خصمه خصماً، ولا يثنَّى ولا يجمع. ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ أتوه من السُّور، والمحراب: الغرفة، وقد سبق (١). أي أتوا غرفته: يعني الملكين اللذين أتياه في صورة رجلين من بني آدم، هذا قول الجمهور (٢). وقيل: كانا آدميين. ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾ إذ الثانية تكرار للأولى (٣)، وقيل: هي بمعنى لمَّا. والعامل في إذ الأولى النبأ، وفي الثانية (٤) تسوَّروا. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ لأنهم دخلوا بغير إذنه في غير وقت الخصوم. ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ جمع حملاً على اللفظ، وثنَّى حملاً على المعنى. وقيل: أراد بالخصمين فريقين كل فريق خصم (٥). و ﴿خَصْمَانِ﴾ يرتفع بالخبر عند الجمهور وتقديره: نحن خصمان، وإنّما يحسن على قول من جعل الخصمين آدميين.

стр. 2466

وأمَّا من جعلهما ملكين وهو الأظهر فمنهم من أجاز إضمار نحن (١)، ومنهم من يقول: لو قال الملكان نحن خصمان ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ لكذبا، والملائكة لا تكذب (٢)، ولا يأمرهم الله بالكذب بل التقدير: ما تقول خصمان قالا بغى بعضنا على بعضٍ .. الآيات. وقال بعضهم: إنما عرَّضا وأرادا: أرأيت إنْ كنَّا خصمين بغى بعضنا على بعضٍ (٣) أي بغى أحدنا على الآخر ألست تحكم (٤) بيننا؟ فاحكم؛ لأن الملكين لم يكونا خصمين ولا بغى أحدهما على الآخر، وإنما هو مثلٌ (٥). وقوله: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ أي بغى أحدنا على الآخر، وجاء مثله في الشِّعر، قال الكُمَيت (٦): وساقت الشِّعر بأن الصُّبح بعضهما ... فيه وبعضهما بالليل يحتجب (٧). وحكى النَّحاس (٨): في قوله ﴿بَغَى بَعْضُنَا﴾: يجوز أن يراد به داود ﵇ (٩).

стр. 2467

﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ لا تجر عن الحق في الحكومة. وقُرِئ في الشَّوَاذِّ (١) ﴿ولا تَشْطُطْ﴾ (٢)، وشَطَّ وأشَطَّ لغتان وأصلهما البُعد (٣). ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ قصد الطريق، والمعنى إلى الحقِّ فعبَّر عنه بوسط الطَّريق لأنه يؤدي إلى المقصود. ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ أي على ديني (٤). وقيل: صاحبي (٥). ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها (٦): الأنثى من الضأن، والمراد بها الشاة (٧)، وهذا على قول (٨) من جعل الخصمين من بني آدم. والثاني: أنها كناية عن المرأة، والعرب تكني عن المرأة بالنعجة (٩) والشاة والقلوص (١٠).

стр. 2468

والثالث: النَّعجة (١): المرأة الحسناء اللينة الجميلة من النَّعج وهو البياض واللين (٢). وقيل: النَّعج: الفتور في العين. وفي مصحف ابن مسعود ﵁ (٣) ﴿نعجةً أُنثى﴾ (٤) لتأكيد التأنيث حيث لا يجوز جبهة أنثى ولا عين أنثى (٥). وعن جماعة أن معنى أنثى هاهنا من قولهم: امرأة مؤنَّثة إذا كانت مطيعة لزوجها، والزوج يأنس بها، وعلى الضدِّ (٦) امرأة مذَّكرة لا تلين لزوجها ولا يأنس بها. ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ اجعلها في كفلي، وهو النصيب (٧). وقيل: انزل لي عنها وضمَّها إليَّ لأكفلها. وقيل معناه: أعطنيها (٨).

стр. 2469

وقيل: أعطني بها كفيلاً إلى أن أخاصمك فيظهر أنها لي أو لك. ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ صار أعز منِّي في مخاطبته (١) إيَّاي فإن تكلَّم كان أبْين منِّي، وإن بطش كان أشدَّ منِّي فغلبني (٢). وقيل: غلبني في الخصومة. وقيل: قهرني وظلمني (٣). والخطاب: المخاطبة. وقيل: هو (٤) من خِطبة المرأة، أي دافعني عن خطبة هذه المرأة وسيأتي بيانه (٥). ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن التقدير: إن كان الأمر على ما قلت فقد ظلمك (٦). وذهب بعضهم إلى أن الآخر أقرَّ بما ادعَى عليه الأول (٧). وقال بعضهم: قال ذلك قبل أن ينظر في صدق ما ادعى (٨). ومعنى سؤال نعجتك: أي سؤاله إيَّاك (٩) نعجتك مصدر مضاف إلى المفعول (١٠).

стр. 2470

والسؤال هاهنا سؤال مطالبة ومغالبة لا سؤال خضوع وتفضل؛ إذ لو كان كذلك لم يكن مُعازَّة (١). و ﴿إِلَى﴾ متعلقة بفعل دلَّ عليه السؤال تقديره: بسؤال نعجتك ليضمَّها (٢) إلى نعاجه (٣). ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ أي: الشركاء، جمع خليط كظريف وظرفاء (٤). ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يتعدى الحقَّ والإنصاف مشتق من الخُلطة والشركة. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ المستثنى منصوب (٥)، والتقدير: أكثر الخلطاء بهذه الصِّفة إلا الخلطاء المؤمنين فإنَّهم بخلاف ذلك (٦). ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ما زيادة، والتقدير: هم قليل (٧). ابن عيسى: " ما بمعنى الذي، أي: وقليل الذي كذلك " (٨) (٩).

стр. 2471

﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾ أي (١) علم (٢)، والظنُّ إذا دخل على خبر جاز أن يكون بمعنى العلم، وأما العَيَان فلا يقال فيه إلا العلم (٣). ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ابتليناه وعاملناه معاملة المبتلى. وقيل (٤) معنى ﴿فَتَنَّاهُ﴾: شددنا عليه التعبُّد. وقُرئ في الشاذ ﴿فَتَنَاهُ﴾ (٥) أي الخصمان (٦)؛ لأنهما قالا: حكم على نفسه (٧). وقيل: ضحكا وذهبا فعلم أن الله ابتلاه بذنبه. واختلفوا في ذنبه: فذهب جماعة من المفسرين إلى أنَّ داود ﵇ دخل محرابه وأغلق بابه وقام يصلِّي فجاء طائر في أحسن صورة مُزَيِّن كأحسن ما يكون فوقع قريباً منه فنظر إليه فأعجبه فوقع في نفسه منه شيء فدنا منه ليأخذه فوقع قريباً وأطمعه أن يأخذه ففعل (٨) ذلك ثلاث مرَّات حتى إذا كان في الرابعة ضرب يده عليه فأخطأه فوقع على سور المحراب، وكان خلفَ المحراب حوضٌ يغتسل (٩) فيه النساء فضرب يده عليه وهو على سور المحراب

стр. 2472

فأخطأه (١) وهبط الطائر فأشرف (٢) داود فإذا بامرأة تغتسل فلمّا رأته نفضت شعرها فغطى جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة فنزل من محرابه ولبست المرأة ثيابها وخرجت إلى بيتها فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟ فأخبرته فقال هل لك زوج؟ فقالت: نعم. قال: أين هو؟ قالت (٣) هو في جند كذا فرجع وكتب إلى عامله إذا جاءك كتابي هذا فاجعل فلاناً في أول الخيل ففعل فقتل (٤) (٥). وفي بعض القصص كتب ذلك (٦) ثلاث مرات ثمَّ انتظر حتى انقضت عدتها ثمَّ خطبها وتزوجها فلمَّا أتاه الخصمان وظن أن الله فتنه سجد أربعين ليلة لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق طعاماً ولا شراباً حتى أوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك (٧). وفي بعض التفاسير أن جبريل ﵇ قال له: اذهب إلى أوريا، وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك تسمع صوته في موضع كذا فأتاه واستحل منه فقال: أنت في حلٍّ، فلمَّا رجع قال له جبريل: هل أخبرته بجرمك؟ (٨) قال: لا. قال: فإنك لم تعمل شيئاً (٩) فارجع وأخبره بالذي صنعتَ، فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتمَّا وبكى أربعين يوماً فأتاه جبريل وقال: إن الله يقول: أنا استوهبك من عبدي فيَهَبُك لي، وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرى ذلك عنه، وكان حزيناً في عمره باكياً على خطيئته (١٠). وذهب المحقِّقون إلى إنكار هذا أصلاً (١١).

стр. 2473

وروي (١) أن علياً ﵁ (٢) أنكر هذا وقال: "من حدَّث بحديث داود ﵇ على ما يرويه القُصَّاص معتقداً صحَّته جلدته مائة وستين " (٣) أي حدَّين لعظم ما ارتكب من الإثم وكبير ما احتقب (٤) (٥) من الوزر. وجاء عن ابن عباس وابن مسعود ﵃ إنكاره أيضاً. وذهب بعضهم إلى أن أوريا خطب امرأة فأراد قومُها تزويجها منه فَوُصِفَتْ لداود فخطبها فزوجت من داودَ فصار ذلك منه معصية. (٦) وحُمل قوله ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ على أنه الفِعال من الخِطبة بالكسر. وقال بعضهم: كان ذنبه أنه أحب أن يستشهد أوريا ليتزوج امرأته (٧). وذهب بعضهم إلى أن ذنبه هو قوله:

стр. 2474

﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ فنسبه إلى الظلم بقول (١) المدعي وكان ذلك منه زلَّة، وظنَّ داود بعد فراغه من الحكم أن الله بعث الخصمين ليعرفا مذهبه في الحكم فاستغفر ربَّه (٢). ودلَّ قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ على أن المُسْتَغفرَ منه مذكور في القِصَّة المتلوّة؛ لأنَّ ذلك إشارة إلى معلوم، ولقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾. وذهب بعضهم إلى أن ذنب داود أنه لمَّا وقعت عينه على امرأة أوريا سأله أن ينزل عنها له وكان ذلك جائزٌ (٣) في شرعهم، وكانت الأنصار حين نزل عليهم المهاجرون ينزل من عنده امرأتان عن إحديهما ليتزوجها المهاجر كما كان يقاسمه ماله ومنزله (٤). وعن الحسن (٥): "لم يكن لداود تسع وتسعون امرأة وإنما هذا مثل " (٦)، وكان يقرأ: ﴿تَسْعٌ وَتَسْعُونَ﴾ بالفتح (٧)، وهو لغة فيه (٨) كسبع وخمس. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي غفرنا له ذنبه ذلك (٩).

стр. 2475

وعن بعض القراء الوقف (١) على ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ﴾ ليكون مطلقاً (٢). ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ القُربة بعد المغفرة (٣). ﴿وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ مرجع في الجنة. قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ سقط ساجداً (٤)، والركوع هاهنا السجود على الوجه (٥). وقيل معنى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ (٦): رمى بنفسه. وقيل: معنى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾: صار إلى خضوع وخشوع (٧) وتضرع. وقيل: أراد الركوع والسجود فاكتفى بذكر الركوع؛ لأنه لا ركوع إلا وبعده (٨) سجود.

стр. 2476

وقوله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ أي خليفة ممن كان قبلك من الرسل (١). والخليفة: المُدبِّر للأمر من قبل غيره على جهة البدل من تدبيره. وقيل: جعلناك خليفة الله في الأرض. وقيل: جعلناك مَلِكَاً. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ بالعدل (٢). ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ لا تمل إلى هوى نفسك فتقضي بغير عدل. وقيل: لا تجر في القضاء. وقيل: لا تتبعِ الهوى كما فعلتَ بامرأةِ أوريا ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ أي الهوى (٣). ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن (٤) طاعته (٥). وقيل: فيستزلك عن دين الله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دين الإسلام (٦). ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيد﴾ أي النار. ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ أعرضوا عنه وتركوا العمل بما ينفعهم فيه (٧).

стр. 2477

وقيل: لم يؤمنوا به. و﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ مفعول ﴿نَسُوا﴾. وقيل: عذاب شديد يوم الحساب بما تركوا العمل به (١). وقيل: ﴿بِمَا نَسُوا﴾ بما تركوا (٢) من القضاء بالعدل. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الخلق (٣). ﴿بَاطِلًا﴾ عبثاً لغير شيء فنترك الخلق سُدى، بل نتبع هذه الدار داراً أخرى نفصل فيها بين المحسن والمسيء وننتصف للمظلوم من الظالم (٤). وقيل: بل خلقناهما للدلالة على خالقهما (٥). ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي ظنهم أن لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾. ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني الكفار أي لو سوَّينا بينهما لكنا خلقناهما باطلاً. وفي التفاسير: أنها نزلت في ثلاثة رهط علي وحمزة (٦)

стр. 2478

وعبيدة بن الحارث (١) ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: عُتْبَةُ (٢) وشَيْبَةُ ابني ربيعة (٣) والوليد بن عتبة (٤)، وهم الذين تبارزوا (٥) يوم بدر فقتلَ عليٌ ﵁ الوليد، وقتل حمزة عتبة، وقتل عبيدة شيبة (٦). وقيل: عام (٧). ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الشرك والمعاصي. ﴿كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ كالكفَّار، أي في الثواب (٨). ﴿كِتَابٌ﴾ أي هذا كتاب.

стр. 2479

﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن. ﴿مُبَارَكٌ﴾ فيه مغفرة للذنوب (١) لمن آمن به (٢). ﴿لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ ليقفوا على ما فيه ويعملوا به. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ وليتعظَ بالقرآنِ ذَوُوا (٣) العقول. ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ أي أعطيناه. ابن عباس ﵄: " أولادُنا من مواهبِ الله لنا " (٤)، ومثله ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ [الشورى: ٤٩] الآية. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ سليمان (٥). ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ رَجَّاعٌ إلى الله بالعبادة (٦). وقيل: ﴿إِذْ عُرِضَ﴾ ظرف لقوله: ﴿أَوَّابٌ (٣٠)﴾. وقيل: نعم العبد: داود كما قال: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ على سليمان بإجماع (٧) إلا ابن بحر (٨) فإنه قال: " عُرِضَ على داود" (٩). ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ بعد الظهر (١٠).

стр. 2480

﴿الصَّافِنَاتُ﴾ الخيول (١)، والصافن من الخيل: القائم بأي وصف كان (٢). والأكثر على أن الصافن الذي يثني إحدى يديه أو إحدى رجليه، ويقف على سُنبكه (٣). ﴿الْجِيَادُ (٣١)﴾ جمع جواد، وهو الفرس الذي يجود بالركض (٤). ابن عيسى: " جمع جَوْد كسَوْط وسياط، تقول: مطر جَوْد، أي كثير" (٥). وقيل: ﴿الْجِيَادُ (٣١)﴾: الطوال الأعناق مشتق من الجِيْد، حكاه أقضى القضاة (٦) (٧) وغيره (٨).

стр. 2481

﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي الخيل (١). وفي مصحف ابن مسعود ﵁: ﴿حبَّ الخيل﴾ (٢). وقيل: الخير: المال. ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قال بعضهم ﴿عَنْ﴾ هاهنا بمعنى على وأحببت بمعنى آثرت (٣). ابن جرير (٤): "أحببتُ الخيرَ حُبَّاً " (٥) فَقُدِّم وأُضِيفَ إلى المفعول. قال: " ومعنى: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ سهوت عن ذكر ربي " (٦).

стр. 2482

وحكى صاحب النظم (١): " أحببت بمعنى آثرت" ثمَّ قال: " وله وجه آخر، وهو أن أحببت بمعنى: قعدت وتأخرت مأخوذ من إحباب البعير إذا برك، أي تقاعدت عن ذكر ربي لحب الخير (٢)، وأنشد: دَعَتْك إليها مُقْلتاها وجيدُها ... فمِلتَ كما مال المحبُّ على عَمدِ (٣) (٤) المحب: الجمل الذي به عمد وهو عِلَّةٌ في السَّنام (٥). ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ تَسَتَّرتِ الشَّمْسُ (٦). ﴿بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ بالليل؛ لأنَّ الليل يستر كلَّ شيء (٧). وقيل: الحجاب: جبل قاف (٨). وقيل معنى: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي (٩) آثرت حبَّ الخير عن ذكر ربي (١٠) لا من تلقاء نفسي، ولا حرصاً على المال.

стр. 2483

وقيل: أحببت حبَّ الخير عن ذكر ربي لها بالخيل (١)، أي أحببت الخيل لحب الخيل (٢) عن جهة ذكر ربي بما فيها من الخير فيكون المفعول محذوفاً، وحبّ الخير مفعول له. وقيل: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عن صلاة العصر، وكانت فرضاً عليه. وقيل: وظيفة وظَّفها على نفسه وذلك أنه صلى الظهر ثمَّ جلس على الكرسي ليعرض عليه الخيل وكانت الخيل وردت عليه من غنيمة (٣). وقيل: ورثها من أبيه داود. وقيل: كانت ألف فرس أخرجتها (٤) الشياطين من البحر. وقيل: أخرجها الشيطان (٥) من مرج من المروج. وقيل: كانت عشرين فرساً ذوات أجنحة حتى توارت الشمس بالحجاب أي غربت. وجازت (٦) الكناية عن الشمس وإن لم يتقدم ذكرها؛ لأن العشي دلَّ على ذكرها. ابن عيسى: " الضمير في توارت للخيل، أي إلى أن غُيبت عني وسُترت عن بصري بحجابها وهو مرابطها " (٧). ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ أي الخيل (٨). ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾ طَفِقَ مثلُ: ظلَّ بالنهار، أي ما زال (٩) يمسح مسحاً (١٠).

стр. 2484

﴿بِالسُّوقِ﴾ : جمع ساق كدار ودور، ولابَةٍ ولُوْبٍ (١). ﴿وَالْأَعْنَاقِ﴾: جمع عنق. والمعنى: قطع أعناقها وعَرْقَبَ (٢) أرجلها؛ لأنها منعته عن الصلاة (٣). الزَّجاج: " لم يفعل ذلك إلا وقد أباح الله له ذلك، وما أباح الله فليس بمنكر " (٤). وقيل: ذبحه (٥) للفقراء والمساكين إلا مائة منها، فما في أيدي الناس من الخيل العِراب (٦) فهي منها. ابن عباس ﵄: " ما ضرب أعناقها ولا عرقبها (٧) بل مسح أعناقها وسُوْقها (٨) بيده حبَّا لها " (٩).

стр. 2485

قال: ومعنى (مسح) غسل. وقيل: مسح الغبار عن أعناقها (١) وسُوقها بيده. وقيل: وَسَمَ أعناقهنَّ وسُوقهنَّ وجعلهن في سبيل الله. وقيل: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ يعني الشمس، والخطاب للملائكة (٢)، تضرع (٣) إلى الله فردَّ الله له الشمس فصلَّى العصر. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ ابتليناه (٤). وقيل: عاقبناه. وقيل: شددنا عليه في التكليف.

стр. 2486

﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ اختلف المفسرون في سبب ذلك، وفي الجسد (١)، وأولى ما ذكر فيه ما روي عن النبي ﷺ ، وهو أنه قال: قال سليمان بن داود ﵉ " لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، ويروى على مائة، ويروى على ألف امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد (٢) في سبيل الله فقال له صاحبه: قل إن شاء الله ولم يقل. فطاف عليهن فلم (٣) تحمل منهنَّ إلا امرأة (٤) واحدة جاءت بشق ولد، فو الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً " (٥) فلم يستثن فلم يرض الله ذلك منه، وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، أي سرير ملكه. وقيل: كرسيه: ملكه (٦). الشَّعبي (٧): " سبب ذلك أنه ولد لسليمان ﵇ ابن فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم ننفك مما نحن فيه من البلاء والسُّخرة فسبيلنا أن نقتل ولده فعلم

стр. 2487

بذلك سليمان فأمر السَّحاب حتى حملته الرِّيح إليه فغدا ابنه في السَّحاب خوفاً من معرَّة (١) الشيطان (٢) فعاقبه بخوفه من الشيطان ومات الولد وألقي ميِّتاً على كرسيه فهو (٣) الجسد الذي قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ ٤). ابن بحر: مرض سليمان مرضاً شديداً امتحنه الله به حتى صار جسداً على كرسيه مطروحاً " (٥). وجاء (٦) في المثل: جسداً بلا روح؛ لأن الجسد هو الجسم (٧) الذي لا روح فيه. وتقديره: ألقيناه على كرسيه جسداً، وقد يُوصف المريض بمثل هذا فيقال: جسد بلا روح. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾: عاد إلى الصحة (٨). وقال جمهور المفسرين: الجسد الملقي على كرسي سليمان ﵇ كان شيطاناً جلس على كرسي ملكه أربعين يوماً، وذلك أن ملكه كان في خاتمه فأخذ الشيطان الخاتم فزال ملكه، وصار الملك للشيطان (٩)، ثمَّ اختلفوا في ذلك: فقال سعيد بن المسيب (١٠): " كان سليمان وضعه تحت رأسه فأخذه الشيطان من تحت رأسه " (١١).

стр. 2488

وقال مجاهد: قال سليمان ﵇ لشيطان يقال له آصف كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك، فلمَّا أعطاه إيّاه نبذه آصف في البحر فذهب ملكه وقعد آصف على كرسِّيه (١). وعن عليٍّ ﵁ أنه (٢) قال: بينما سليمان جالس على شاطيء البحر وهو يعبث بخاتمه إذ (٣) سقط منه في البحر، وكان مُلكه في خاتمه " (٤). وقيل: إنه وطئ امرأة في الحيض فذلك ذنبه حكاه ابن عيسى (٥). وقيل: إن امرأة يقال لها جرادة قالت له: إن أخي بينه وبين رجل حكومة فإذا أتيا غداً فاقض له، فقال: نعم، ولم يفعل فابتلاه الله سبحانه بسبب هذا (٦) الذنب وأزال ملكه أربعين يوماً. وقال جماعة من المفسرين: كان سليمان ﵇ إذا أراد دخول الخلاء دفع الخاتم إلى جارية. قال ابن عباس: اسمها جرادة (٧). وقيل: الأمينة (٨). وكان شيطان يقال له: صخر، وقيل: آصف، وقيل: غيره تصوَّر بصورة سليمان وخرج إلى المرأة، وقال: هاتي الخاتم فأعطته إيِّاه ظنَّاً منها أنه سليمان فلمَّا خرج سليمان ولم يجد

стр. 2489

الخاتم علم أنه ابتلي فخرج يطوف أربعين يوماً إلى أن قبل الله توبته، وكان ذلك الشيطان يقضي بين الناس ويتمكن من جميع ملكه إلا نساءه (١). وقيل: من جميع ملكه ومن ونسائه، وكان يأتي النساء الحُيَّض منهن فلمَّا أراد الله ردَّ الملك على سليمان أنكر قُرَّاء بني إسرائيل قضية قضاها الشيطان فأحضروا التوراة فلمَّا قرؤوها عليه فرَّ الشيطان وألقى الخاتم في البحر فابتلعته (٢) سمكة فصادها صائد ووهبها لسليمان (٣).

стр. 2490

وقيل: أعطاها على أُجرة عمله يوماً فأخرج من بطنها الخاتم، وردَّ الله عليه مُلكه فذلك قوله (١): ﴿ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ أي رجع إلى ملكه (٢). وقيل: إن ذنبه أنه (٣) تزوج امرأة من غير بني إسرائيل وكانت ممن تعبد الأصنام فأعجب بها فقالت: إن أبي كان بارَّاً بي فلو أذنت لي أن اتخذ صورة على صورة أبي، وأجعلها في بيت لي فكنت أتسلى بها إذا رأيتها فأذن لها فاتخذت صورة (٤)، وكانت تعبد في بيته أربعين يوماً فعاقبه الله على ذلك وسلبه ملكه أربعين يوماً (٥). وحكى الثَّعلبي (٦): أنَّ في بعض الروايات أن سليمان- ﵇ لمَّا افتتن سقط الخاتم من يده فأخذه سليمان فأعاده إلى يده فسقط من يده فلمَّا رآه سليمان لا يثبت في يده أيقن بالفتنة، وأن آصف وزيره قال لسليمان: إنك مفتون بذنبك، والخاتم لا يثبت في يدك
следующие страницы →