← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ اختلف المفسرون في سبب ذلك، وفي الجسد (١)، وأولى ما ذكر فيه ما روي عن النبي ﷺ ، وهو أنه قال: قال سليمان بن داود ﵉ " لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، ويروى على مائة، ويروى على ألف امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد (٢) في سبيل الله فقال له صاحبه: قل إن شاء الله ولم يقل. فطاف عليهن فلم (٣) تحمل منهنَّ إلا امرأة (٤) واحدة جاءت بشق ولد، فو الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً " (٥) فلم يستثن فلم يرض الله ذلك منه، وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، أي سرير ملكه. وقيل: كرسيه: ملكه (٦). الشَّعبي (٧): " سبب ذلك أنه ولد لسليمان ﵇ ابن فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم ننفك مما نحن فيه من البلاء والسُّخرة فسبيلنا أن نقتل ولده فعلم

стр. 2487

بذلك سليمان فأمر السَّحاب حتى حملته الرِّيح إليه فغدا ابنه في السَّحاب خوفاً من معرَّة (١) الشيطان (٢) فعاقبه بخوفه من الشيطان ومات الولد وألقي ميِّتاً على كرسيه فهو (٣) الجسد الذي قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ ٤). ابن بحر: مرض سليمان مرضاً شديداً امتحنه الله به حتى صار جسداً على كرسيه مطروحاً " (٥). وجاء (٦) في المثل: جسداً بلا روح؛ لأن الجسد هو الجسم (٧) الذي لا روح فيه. وتقديره: ألقيناه على كرسيه جسداً، وقد يُوصف المريض بمثل هذا فيقال: جسد بلا روح. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾: عاد إلى الصحة (٨). وقال جمهور المفسرين: الجسد الملقي على كرسي سليمان ﵇ كان شيطاناً جلس على كرسي ملكه أربعين يوماً، وذلك أن ملكه كان في خاتمه فأخذ الشيطان الخاتم فزال ملكه، وصار الملك للشيطان (٩)، ثمَّ اختلفوا في ذلك: فقال سعيد بن المسيب (١٠): " كان سليمان وضعه تحت رأسه فأخذه الشيطان من تحت رأسه " (١١).

стр. 2488

وقال مجاهد: قال سليمان ﵇ لشيطان يقال له آصف كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك، فلمَّا أعطاه إيّاه نبذه آصف في البحر فذهب ملكه وقعد آصف على كرسِّيه (١). وعن عليٍّ ﵁ أنه (٢) قال: بينما سليمان جالس على شاطيء البحر وهو يعبث بخاتمه إذ (٣) سقط منه في البحر، وكان مُلكه في خاتمه " (٤). وقيل: إنه وطئ امرأة في الحيض فذلك ذنبه حكاه ابن عيسى (٥). وقيل: إن امرأة يقال لها جرادة قالت له: إن أخي بينه وبين رجل حكومة فإذا أتيا غداً فاقض له، فقال: نعم، ولم يفعل فابتلاه الله سبحانه بسبب هذا (٦) الذنب وأزال ملكه أربعين يوماً. وقال جماعة من المفسرين: كان سليمان ﵇ إذا أراد دخول الخلاء دفع الخاتم إلى جارية. قال ابن عباس: اسمها جرادة (٧). وقيل: الأمينة (٨). وكان شيطان يقال له: صخر، وقيل: آصف، وقيل: غيره تصوَّر بصورة سليمان وخرج إلى المرأة، وقال: هاتي الخاتم فأعطته إيِّاه ظنَّاً منها أنه سليمان فلمَّا خرج سليمان ولم يجد

стр. 2489

الخاتم علم أنه ابتلي فخرج يطوف أربعين يوماً إلى أن قبل الله توبته، وكان ذلك الشيطان يقضي بين الناس ويتمكن من جميع ملكه إلا نساءه (١). وقيل: من جميع ملكه ومن ونسائه، وكان يأتي النساء الحُيَّض منهن فلمَّا أراد الله ردَّ الملك على سليمان أنكر قُرَّاء بني إسرائيل قضية قضاها الشيطان فأحضروا التوراة فلمَّا قرؤوها عليه فرَّ الشيطان وألقى الخاتم في البحر فابتلعته (٢) سمكة فصادها صائد ووهبها لسليمان (٣).

стр. 2490

وقيل: أعطاها على أُجرة عمله يوماً فأخرج من بطنها الخاتم، وردَّ الله عليه مُلكه فذلك قوله (١): ﴿ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ أي رجع إلى ملكه (٢). وقيل: إن ذنبه أنه (٣) تزوج امرأة من غير بني إسرائيل وكانت ممن تعبد الأصنام فأعجب بها فقالت: إن أبي كان بارَّاً بي فلو أذنت لي أن اتخذ صورة على صورة أبي، وأجعلها في بيت لي فكنت أتسلى بها إذا رأيتها فأذن لها فاتخذت صورة (٤)، وكانت تعبد في بيته أربعين يوماً فعاقبه الله على ذلك وسلبه ملكه أربعين يوماً (٥). وحكى الثَّعلبي (٦): أنَّ في بعض الروايات أن سليمان- ﵇ لمَّا افتتن سقط الخاتم من يده فأخذه سليمان فأعاده إلى يده فسقط من يده فلمَّا رآه سليمان لا يثبت في يده أيقن بالفتنة، وأن آصف وزيره قال لسليمان: إنك مفتون بذنبك، والخاتم لا يثبت في يدك

стр. 2491

أربعة عشر يوماً ففِرَّ إلى الله تائباً من ذنبك وأنا أقوم مقامك وأسير في عالمك (١) وأهل بيوتك بسيرتك إلى أن يتوب الله عليك ويردك إلى ملكك ففرَّ سليمان هارباً إلى ربِّه (٢)، وأخذ آصفُ الخاتمَ ووضعه في يده وثبت " (٣). والجسد الذي ألقي على كرسيه: آصف وزير سليمان، وكان عنده علم من الكتاب، وقام آصف في مُلكه أربعة عشر يوماً إلى أن ردَّ الله عليه مُلكه (٤) فقام آصف وجلس سليمان على كُرسيِّه، واتخذ الخاتم بيده فثبت فيها (٥). وعن سعيد بن المسيب: " أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله إليه يا سليمان احتجبت عن الناس فلم (٦) تنظر في أمور عبادي، ولم تنصف مظلوماً من ظالم، ثم ذكر الخاتم، وأخذ الشيطان منه ورجوعه إلى سليمان" (٧). قال مقاتل (٨): "ملك سليمان قبل الفتنة عشرين سنة وبعد الفتنة عشرين سنة، ثمَّ إن سليمان ظفر بالشيطان فجعله في تابوت وسدّه (٩) بالنُّحاس وألقاه في البحر" (١٠)، والله أعلم.

стр. 2492

﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ أبو عبيدة (١) في كتاب (المجاز): معنى: ﴿لَا يَنْبَغِي﴾: لا يكون " (٢)، وحقيقة لا ينبغي لا ينفعل من بغيت الشيء طلبته، أي لا يصير مطلوباً لأنه سماوي، وليس ذلك في طوق البشر ولا مما يخطر على قلب أحدٍ، وإنما سأل بهذه الصفة ليكون معجزة لا منافسة وحسداً (٣)، وكان قبل ذلك لم يُسَخَّرْ له الرِّيح والشياطين فلمَّا دعا (٤) بذلك سُخِّرت له الريح والشياطين. والمعجزة (٥): هي التي لا ينبغي لغير من أُيِّد بها (٦). وقيل: سأل ذلك كذلك بإذن الله إيَّاه في السؤال. وقيل: لا ينبغي لأحد أن يسلب مني بعد هذه السَّلبة. وقيل: لأقوى به على من عصاني من الجن والإنس. وقيل: ﴿لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾: أي غيري ممن بعثت إليهم، ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ المُعطي. ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ ذلَّلناها لطاعته.

стр. 2493

﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ أي (١) بأمر سليمان ﵇. وقيل: بأمر الله إلى حيث يأمرها. وقيل: تحمل ما يأمرها. ﴿رُخَاءً﴾ لينة من الرَّخاوة (٢). وقيل: طيبة. وقيل: سريعة. وقيل: مطيعة لا عاصفة ولا ضعيفة. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أراد (٣)، والعرب تقول: أصاب الصواب فأخطأ الجواب (٤). وقيل: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيثما قصد، من إصابة السَّهم. وقيل: حيث شاء (٥) حملته الريح. ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ أي (٦) وسخرنا له الشياطين كلَّ بنَّاء يبنون له الأبنية العجيبة من قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ ... ﴾. [سبأ: ١٣]. ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ يغوصون في البحر لإخراج اللؤلؤ، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر (٧).

стр. 2494

﴿وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ يعني مردة الشياطين موثَّقين في الحديد ما لم يؤمنوا فإذا آمنوا خلى سبيلهم. والأصفاد: السلاسل من الحديد. وقيل: الأصفاد: الأغلال. والصَّفد: القيد والعطاء (١)، وحقيقته التعويض على الخير والشر. ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ أي قلنا لسليمان هذا عطاؤنا. وفي المشار إليه بـ ﴿هَذَا﴾ أقوال: أحدها: أنه إشارة إلى المُلك ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي أعط من شئت وامنع من شئت ليس عليك في ذلك حرج، لا تُحاسب على ما تُعطي وتمنع يوم القيامة (٢). وذهب جماعة إلى أن ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى تسخير الشياطين، أي: امنن على من شئت فأطلقه (٣) واجعل ذلك منَّة عنده، وأمسك من شئت واحبسه فأنت في سعة من ذلك لا تُحاسب في حبس من حبستَ، وإطلاق من أطلقتَ (٤). ابن عباس ﵄: " أُوتي على الجماع قوة مائة رجل (٥)، وكان عنده ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سريَّة فقيل هذا عطاؤنا فجامع من شئت واترك من شئت لا حساب عليك في ذلك (٦) (٧).

стр. 2495

وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير جزاء. وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: صفة للعطاء، أي عطاؤنا بغير حسابٍ: يعني كثيراً. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ القُربة في الآخرة. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ مرجع، وهو الجنة ونعيمها. الحسن: " إن الله لم يُعْطَ أحداً عطيَّة إلا جعل عليه (١) فيها حساباً إلا سليمان فإنه أعطاه عطاء هنيئاً فقال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فإن أعطى أُجر، وإن لم يُعط لم يكن له (٢) عليه (٣) تبعة " (٤). ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ كان أيوب في زمان يعقوب بن إسحاق وامرأته ليَّا بنت يعقوب (٥)، ويُروى: ألياء. و ﴿عَبْدَنَا﴾ مفعول، ﴿واذْكُرْ﴾ و ﴿أَيُّوبَ﴾ بدل منه أو عطف بيان. ﴿إِذْ نَادَى﴾ وَجْهُ دعاه. و ﴿إِذْ﴾ نصب بفعل مضمر يجوز أن يكون: اذكر فيكون مفعولاً به، ويجوز أن يكون بدلاً منه بدل الاشتمال أي زمان بلائه.

стр. 2496

﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ فيه أقوال: أحدها (١): قال بعضهم مسَّه بالوَسْوَسَة وذكَّره ما سُلِبَ منه من النِّعمة، وسُلِّطَ عليه من المِحْنَةِ (٢). وقيل: وسْوَسَ إليه بالقنوط من رحمة ربِّه وتزْيِين الجزع المحبط لأجرة. وقيل: وسوس إلى الذين آمنوا به بأن أيوب لو كان نبياً لمَا سلط عليه الأمراض المستقذرة حتى أخرجوه (٣) من العمران ثم أبقاه فيه سبع سنين (٤). وقيل: ثماني عشرة سنة فشَكوا في دينهم حتى رجع عن دينه بعض من كان آمن به. وقيل: مسَّه بأن استأذن الله وسأله أن يُسلطه على ماله ثمَّ على أهله وأولاده ثمَّ على بدنه حتى سعى الدود في بدنه وقال: مسَّني الضر وأنت أرحم الراحمين. وقوله: ﴿بِنُصْبٍ﴾ قُرئ بفتحتين (٥)، وضمَّتين (٦)، وضمَّة وسكون (٧)، وهي لغات (٨)، والمعنى: بِضُرٍّ (٩) في بدني.

стр. 2497

﴿وَعَذَابٍ﴾ أي في أهلي ومالي. وقيل: كلاهما في البدن. وقيل: هما واحدٌ كُرِّرَ لاختلاف اللفظين. وكان سبب ابتلائه: أنَّ رجلاً استعانه على دفع ظُلم؛ فلم يُعنه. وقيل: كان مواشيه (١) في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه. وقيل: كان كثير المال فأعجب به. وقيل: ذبح شاة فأكلها وجاره جائع لم يطعمه. وقيل: رأى منكراً فسكت عنه. وقيل: ابتلاه الله لرفع الدرجات، ولم يكن منه ذنب يعاقب عليه (٢). ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ أي أرسلنا إليه جبريل ﵇ فقال له: اركض برجلك على الأرض (٣) فركض فنبعت عينٌ حارَّة من تحت قدميه فأمره بأن يغتسل منها فاغتسل ثم ركض برجله (٤) الأخرى فنبعت عين أخرى ماء عذب بارد فشرب منها فزال ما في باطنه وظاهره (٥) من القروح والجراحات (٦). ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ ما تغتسل به (٧) (٨).

стр. 2498

﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ قيل تقديره: هذا (١) مغتسلٌ، وهذا شراب بارد. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ فيه أقوال: أحدها: أحياهم الله بأعيانهم وزاده مثلهم؛ لأنهم ماتوا من غير آجالهم فأحياهم ليستوفوا (٢) بقية آجالهم. وقيل: أحياهم ومثلهم معهم: يعني من نسلهم فيكون مثلهم أولاد الأولاد. وعلى القول الأول: أولاد الصُلب. وقيل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ نؤتيه في الآخرة. ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾: في الدنيا. وقال ابن بحر: " كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا فجمعهم الله عليه " (٣). وقال أيضاً: " أو كانوا مرضى فشفاهم الله " (٤)، وقول الجمهور أولى بالاتباع " (٥). ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: رحمناه رحمةً، ويجوز أن يكون مفعولاً له (٦).

стр. 2499

﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي إذا ابتلي اللَّبيب (١) ذَكَر بلاء أيوب. ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٢) وذلك أنه حلف في مرضه ليضربنَّ زوجته مائة ضربة (٣). واختلفوا في ذلك: فقيل (٤): ذهبت في حاجة فأبطأت (٥) في الرجوع فضاق صدر المريض فحلف إن شفاه الله ضربها مائة ضربة. وقيل: إن الشيطان أمرها أن تحمل أيوب على أن يذبح عَنَاقاً (٦) باسم الشيطان فأدت إليه رسالة إبليس فقال: ولا كفَّا من تراب، فحلف ليجلدنَّها مائة. وقيل: إن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته لمُداواة أيوب، فقال: أداويه على أنه إذا برئ قال: أنتَ شفيتني، لا أريد جزاءً سواه. قالت: نعم. فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنَّها. وقيل: جاءته (٧) بزيادة على ما كانت تأتيه به (٨) من الخبز فخاف خيانتها فحلف. وفي بعض القصص: باعت ذوائبها (٩) بطعام فحملته إليه فساء ظنُّه فحلف فلمَّا عُوفي شكر اللهُ حسنَ خدمتها لأيوبَ أيَّامَ بلائه فأمره الله أن يجمع قُضْبان رَيْحان عددها مائة (١٠) فيضربها بها (١١) ضربةً ليبرَّ يمينه.

стр. 2500

وقيل: الضِّغث: غُصنٌ ذات أغصانٍ كثيرة. وقيل: هو الشِّمراخ (١). وقيل: هو الحُزمة من الحشيش والريحان. وقيل: قبضة من سنبلة فيها مائة سنبلة. مجاهد: "هو لأيوب خاصة " (٢)، وهو منسوخ في شريعتنا (٣). قتادة: " عامٌّ في هذه الأمة " (٤). وقيل: هذا جائز في المريض والمعذور، ولا يجوز في غيرهم (٥). وقيل: إذا اتصل به ألم جاز، وإن خلا من الألم لا يجوز. وقيل: إذا أصابه جاز، وإن لم (٦) يصبه لم يجز. ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ أي على البلاء. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ يريد أيوب. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ مقبل على طاعة ربِّه (٧).

стр. 2501

﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ قُرِئَ بالواحد (١) والجمع (٢) فمن جمع فإبراهيم ومن بعده بدل منه، وكلهم داخلون (٣) في العبودية والذِّكر، ومن وحَّد فإبراهيم وحده بدل منه، وداخل في العبودية والذكر وغيرهم عطف على العبد داخل في الذكر فحسب (٤). ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ قيل: أولي القوة في العبادة والبصيرة في الدين (٥)، فعبَّر عن القوة باليد؛ لأنَّ بها يكون البطش، وعبَّر عن المعرفة بالأبصار؛ لأن بالبصيرة تُحَصِّل المعارف (٦).

стр. 2502

وقيل: ﴿الْأَيْدِي﴾: النِّعمة؛ لأنَّ الله قد أنعم عليهم. ابن بحر: أُولِي ﴿الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ كقولك: أولي العمل والعلم. والمراد بالأيدي: العمل، وبالأبصار: العلم (١). ابن جرير: " لهم عند الله أيدي، أي الأعمال الصالحة التي قدموها، كما تقول له: قبلكَ يدٌ " (٢). ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ خالصة: مصدر. والمعنى: جعلناهم يُذِّكرون الناس بدار الآخرة، ويُزَهِّدونهم في الدنيا. وقيل: يكثرون ذكر الآخرة والرجوع إلى الله تعالى. وقيل معنى: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ العمل لها. [وقيل: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾: النبوة] (٣). وقيل: الكتب التي فيها ذكر الآخرة. وقيل (٤): ﴿بِخَالِصَةٍ﴾: بنعمة (٥) خالصة لهم دون غيرهم. والدار: الجنة، أي لهم فيها ذكر رفيع جليل القدر لقيامهم بأمر النبوة (٦)، وأداء الرسالة. وقُرِئَ بالإضافة (٧)، أي: أخلصناهم بأفضل ما في الجنة، كما تقول: أخلصناهم بخير الآخرة.

стр. 2503

وقيل: الدار في الآية: الدنيا. والذكرى: الثناء الحسن، والوصف بالتعظيم، وهذا شيء قد أخلصهم به فليس يذكر غيرهم في الدنيا بمثل ما يذكرون به يقويه قوله (١): ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [مريم: ٥٠] وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ [الصافات: ١٨١]، وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ﴾ [الصافات: ١٠٨ ـ ١٠٩]. (٢) و ﴿ذِكْرَى﴾: يجوز أن يكون رفعاً ونصباً في الوجهين. و ﴿الدَّارِ﴾: يجوز أن يكون ظرفاً، ويجوز أن يكون مفعولاً به (٣). ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ أي: المجتبين ﴿الْأَخْيَارِ﴾ جَمْعُ خَيِّرٍ كمَيِّت وأمواتٍ، وشَرٍّ وأشرارٍ (٤). ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾ وهو خليفة إلياس كما سبق (٥). وقيل: هو ابن إسحاق.

стр. 2504

﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ الحسن: " كان نبياً " (١). قتادة: " كان رجلاً صالحاً كفل بعمل رجلٍ صالح كان يُصلِّي كل يوم مائة صلاة " (٢). وقيل: بمائة نبي انفلتوا من القتل فآواهم وكفلهم. والكفل: الجدُّ والحظ، والكفل: النصيب (٣). وقيل: هو يُوْشَع بن نون. وقيل: هو اليَسَع. وقيل: هو زكريا ﵈. ﴿وَكُلٌّ﴾ أي وكلُّهم ﴿مِنَ الْأَخْيَارِ﴾. ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أي شرف لهم. وقيل: ما تقدم من أول السورة من أمور الأنبياء ذكرٌ. وقيل: ﴿هَذَا﴾: أي القرآن ذكرٌ لك ولقومك. ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ مرجع ومصير، ثمَّ فسَّر فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ دار إقامة. ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ أي إذا وصلوا إليها وجدوها مفتوحة الأبواب. وقيل: لا يحتاجون إلى مفاتيح وفتحٍ بمعاناة (٤). وقيل: هذا مثلٌ كما تقول: متى (٥) جئتني وجدت بابي مفتوحاً، أي لا يمنع من الدخول.

стр. 2505

ابن بحر: " هذا وصف بالسعة حتى يسافر الطرف (١) في كل جانب" (٢). والأبواب: بدلٌ من الضمير في مفتَّحة، وقيل: تقديره: الأبواب منها. وقيل: الألف واللام قائم مقام الضمير، أي أبوابها، والقول هو الأول (٣). ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ حال من المضمرين في ﴿لَهُمُ﴾، أي جالسين في جلسة المتنعمين للراحة. ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ الفاكهة ما يؤكل للذَّة لا للغداء (٤). ﴿وَشَرَابٍ﴾ أي وشرابٍ كثير فحذف اكتفاءً بالأول (٥)، أي يتحكَّمون في ثمارها وشرابها، فإذا قالوا (٦) لشيء منها: أقبل حصل عندهم. وقيل: يتمنّون ويسألون. ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي أزواج غاضَّات البصر لا ينظُرْنَ إلى غير أزواجهن (٧). ﴿أَتْرَابٌ﴾ لدَّات، واشتقاقها من اللَّعِب بالتراب (٨) (٩).

стр. 2506

وقيل: على خلْق أزواجهن لا أصغر ولا أكبر. وقيل: هنَّ مستويات في السِّن لا عجوز فيهنَّ ولا صبيّة. وقيل: أقران. وقيل: أمثال. وقيل: بنات ثلاث وثلاثين على ميلاد واحد (١). ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ أي لأجل يوم الحساب؛ لأن الحساب عِلَّة الوصول إلى جزاء العمل. وقيل: ما وعدتم أعطيتم (٢) في يوم الحساب. ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ من نهاية بل هو دائمٌ لا ينقطع. ﴿هَذَا﴾ الزجَّاج: خبر، والمبتدأ محذوف، أي الأمر هذا. وقيل: مبتدأ، والخبر محذوف " (٣). أي هذا مآل أهل (٤) الجنَّة. ﴿وَإِن لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ﴾ مرجع. ﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل منه (٥). ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها، ويقاسون حرَّها. ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ما مُهِّد لهم (٦)، أي جهنَّم. وقيل: بئس ما مهَّدوا لأنفسهم.

стр. 2507

﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)﴾ الحميم: الماء الحار (١) يبلغ في الحرارة أن يحرق. والغسَّاق: البارد الذي يبلغ من (٢) برده أن يحرق (٣). وقيل: هو ما يسيل من القيح والصديد، وهو من النَّتن بحيث لو وقعت (٤) منه قطرة في المشرق لأنتن منها أهل المغرب (٥). وقيل: هو ما يأخذ بالحلق (٦) إذا أراد الإنسان شربه وابتلاعه. وقيل: الغسَّاق: الزَّمْهرير (٧). وقيل: وادٍ في جهنَّم تسيل (٨) إليه حُمَة (٩) كلّ ذي حُمَة (١٠). وقيل: هو مشتق من قولهم: غَسَقَتْ عينه: إذا سالت. ابن بحر: "مأخوذ من الغَسَقُ، وهو الظُّلمة والسَّواد، وهذا ضدُّ ما يراد في الشراب من الصَّفا والرِّقَّة والحُسْن " (١١). وغسَاق (١٢): بالتخفيف أقرب من التشديد (١٣)؛ لأن فعَّال في الأسماء قليل، ولو جعلته وصفاً استدعى موصوفاً، وليس في الآية موصوف (١٤).

стр. 2508

ومحلّ ﴿هَذَا﴾ رفع من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مبتدأ، وحميمٌ: خبره، وغسَّاقٌ: عطفٌ على الخبر، وقوله: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ اعتراض. والثاني: أن يكون مبتدأ، وفليذوقوه: خبره، وحميمٌ خبر مبتدأٍ آخر، أي: هو حميمٌ وغسَّاقٌ. الفرَّاء: " منه حميم ومنه غسَّاق، [ويجوز أن يكون في محلِّ النَّصب] " (١). والثالث: أن يكون متَّصلاً بالأول، أي: فبئس المهاد هذا. ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ﴾ وعذاب آخر، وأنواع أخر ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ (٢) من مثل العذاب المذكور. وقيل: من مثل عذاب الدنيا. وقيل: يعود إلى الحميم. وقيل: إلى الآخر. ﴿أَزْوَاجٌ﴾ أصناف وألوان. وقيل: مقترنات. ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي إذا دخلت جماعة النار ثمَّ دخل (٣) آخرون (٤).

стр. 2509

والفوج الأول: قيل: إبليس وبنوه، والثاني: بنوا آدم. وقيل: الفوج الأول: الرؤساء المُضِلُّون، والثاني: الأتباع. وقيل: الفوج الأول: قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني: أتباعهم ببدر (١). يقول الملائكة الذين هم خزنة النار. وقيل: يقول الله لهم: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي داخل معكم النار. والاقتحام: الدخول في الشي بشدَّة، (٢) ويقول الفوج (٣) الأول ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي لا وسَّع الله لهم. ﴿إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ كما صليْنا. وقيل: إنَّما قالوا ذلك، ولم يَصدر من الأتباع ذنب في حقّ من قبلهم؛ لأن النار تكون مملوءة منهم. وقيل: إنَّما قال ذلك الخزنة. وقيل: إنما قالوا إخباراً (٤) لا دعاءً، أي قد وردوا مورداً لا رحب فيه ولا سعة. ويُحتمل أنهم إنما قالوا ذلك؛ لأن عذابهم يُضاعف بسببهم (٥). ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ ولا أهلاً ولا سهلاً. ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ جعلتموه لنا قُدماً: يعني العذاب. والقدم: كل عملٍ يوجب شيئاً (٦).

стр. 2510

وقيل: أنتم قدمتموه لنا (١) أي العذاب لأنَّكم سننتم الكُفر ودعوتمونا إليه فضللنا باتباعكم ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أي النار. ﴿قَالُوا﴾ أي الفوج الثاني. ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ الضِّعف: المِثْلُ المضموم إلى مثله ضدّ النِّصف، والتضعيف ضد التنصيف (٢). وقيل: هذا من كلام الجميع (٣) كأن كل واحدٍ أحال الذنب إلى آخر. ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ يريد يقول أبو جهل وصناديد قريش في النار ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا﴾ يعني فقراء المؤمنين صهيباً (٤) وبلالاً (٥) وعمَّاراً (٦) وخَبَّاباً (٧).

стр. 2511

﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ﴾ أي في الدنيا. ﴿مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ أي الأراذل (١). ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ كنَّا نسخر بهم في الدنيا، وسُخرياً بالضم: نتسخُّرهم (٢)، وقيل: هما لغتان (٣). ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ مالت. ﴿عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ فلا نراهم، والمعنى: أهم (٤) في النار معنا فزاغت عنهم الأبصار فلا نراهم؟ أم ليسوا معنا؟. وقيل: أم زاغت عنهم الأبصار في الدنيا تحقيراً لهم. قال الحسن: "كلُّ ذلك فعلوا اتخذوهم سُخرياً وسِخرياً وزاغت عنهم الأبصار تحقيراً لهم" (٥).

стр. 2512

قُرِئ ﴿اتخذناهم﴾ على الخبر، فيكون صفة لقوله ﴿رِجَالًا﴾، وقُرئ بالاستفهام، وحمل على معنى التسوية كقوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] (١). إِنَّ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدم من كلام أهل النار. ﴿لَحَقٌّ﴾ لصدق كائن (٢) لا محالة ثمَّ صرَّح فقال: ﴿تَخَافَنَّ أَهْلِ النَّارِ﴾ فارتفاعه بالبدل أو بالخبر، هو (٣) تخاصم، أو بالخبر بعد الخبر، وهو جواب القسم على ما سبق (٤). ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِر﴾ رسولٌ أخوِّفكم عذاب الله. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ يعني: قاهر الخلق. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)﴾ العزيز بالنقمة، الغفَّار للمؤمنين بالرحمة (٥). ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: القرآن، وسمَّاه عظيماً؛ لأنَّه كلام رب العالمين (٦). وقيل: يوم القيامة.

стр. 2513

وقيل: النبأ الذي أنبأتكم به عن الله نبأ عظيم. ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ غافلون. والإعراض عن الشيء: الذَّهاب عنه في عرض أي في (١) جانب (٢). ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ أي لو لم أكن نبيِّاً يوحى إلي لما كان لي علم بالملأ الأعلى وهم الملائكة واختصامهم. وفي إخباري (٣) إيَّاكم ذلك دليل على أني أُعلمت ذلك بالوحي. إِنْ ﴿يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ أي ما يوحى إليَّ إلا لأني نذير مبين. [وقيل: ما يوحى إلي إلا: أنما أنت نذير مبين] (٤). وقيل: ما يوحى إليَّ إلا الإنذار. وقيل تقديره (٥): ما يُوحى إليَّ إلا أنما أنت نذير مبين، فعبَّر عنه بالمعنى (٦). وأما اختصامهم فهو ما ذكر في شأن آدم ﵇ حين أخبرهم بخلقه فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ... ﴾ [البقرة: ٣٠] وقيل: اختصامُهُمْ: مخالفتهم لإبليس ومخاصمتهم له. وقيل: تَخَاصُمهم: مناظرتهم بينهم في استنباط العلم؛ لأنَّ بعضهم أعلم من بعض، كما تجري (٧) المناظرة بين أهل العلم. ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾ يعني آدم.

стр. 2514

﴿مِنْ طِينٍ﴾ ترابٍ مبلول. ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ يريد التي هي مخلوقتي ومملوكتي (١). والرُّوح: جسم رقيق هوائي في كل جزء منه حياة (٢).

стр. 2515

وهذا (١) عند من يزعم أن الرُّوح معلومة , وأنَّ المراد بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]: اليهود. وأمَّا عند الجمهور فالرُّوح من أمر الله لا يعرف كيفيته. وقيل: الرُّوح: ما يمتاز به الحيُّ من الميِّت. وقيل: من روحي: الذي خلقته له، وأضافه إليه تخصيصاً، كبيت الله، وناقة الله (٢). ... ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ وكان انحناء يدلُّ على التواضع (٣). وقيل: كان سجدة لله. وقيل: صلّى آدم بهم فصلُّوا في جماعة وسجدوا في الصلاة. ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استثناء متَّصل عند بعضهم، منقطع عند بعضٍ، وقد سبق (٤). ﴿اسْتَكْبَرَ﴾ تعظَّم، وأول من استكبر إبليس. ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قيل: صار. وقيل: كان منهم في سابق علم الله. وقيل: لم يزل كافراً. وقيل: كان مؤمناً ثمَّ كفر، وهذا هو القول الأول. ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ أي ما منعك السجود، ومن السجود؟ ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ تولِّيت خلقه من غير أن أمرت به، ولا سببٍ أدى إليه (٥). وقيل: بقدرتي ونعمتي (٦)، والتثنية هاهنا كالجمع في قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]. ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ استفهام إنكار. ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ من قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ ... [القصص: ٤]. ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ وهذا قياس فاسد، ولهذا استحق اللعن، وقد سبق (٧). ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ من الجنّة. وقيل: من السماء.

стр. 2516

وقيل: من صورة الملَك. وقيل: من الأرض إلى جزائر البحور. ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ملعون مشتوم (١). وقيل: إن رجعت إليها رُجمت بالشهاب الثاقب، أي رُجم آدم، ورُجم إبليس. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ طردي من الجنَّة، وإبعادي من كل خير. ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يوم الجزاء والحساب. ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ وفي التفسير: إنَّما قال: يبعثون لئلا (٢) يذوق الموت، فأبى الله أن يعطيه سؤله (٣). ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾ يعني نفخة الموت، وهذا إخبار منه سبحانه لا استجابة لدعائه (٤). وقال بعضهم: لم يُعلمه الوقت الذي أنظره إليه. ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ لأضلَّنَّهم. وقيل: لأحملنَّهم على الغي، وهو ضد الرُّشد. ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ وهم الذين عصمهم الله من إضلالي. إن فَتَحْتَ وإن كسرت فهم الذين أخلصوا طاعتهم لله (٥).

стр. 2517

﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)﴾ الأول رُفع (١) من وجوه: أحدها: بالخبر، أي: أنا الحق، وقيل: بالابتداء، أي الحقُّ منِّي، وقيل: الحق ... ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أي أن أملأ جهنَّم. والحق أقول: اعتراض، ويحتمل: فالحق يميني لأملأن جهنم كما قال: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ ... [الحجر: ٧٢]. أي لعمرك يميني وقسمي (٢). ومن نصب فعلى إضمار القول، أي أقول الحق لأملأنَّ. وقيل: قسمٌ، كقولك حقاً لأملأنَّ. وقيل: بالحقِّ فحذف الجار ونصب كقولك: الله ما فعلت. والحق أقول اعتراض، وقيل: نُصب بفعل مضمر كقوله: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ [يونس: ٨٢]، وقيل: نُصب على الإغراء (٣)، أي: اتبعوا الحق. وقيل تقديره: فسأفعل الحق في أمرك. وأمَّا الثاني فمنصوب بقوله: أقول.

стр. 2518

وقيل: هما قسَمَان. ﴿مِنْكَ﴾ يا إبليس ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي من الجِنَّة والنَّاس. ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرِّسالة. وقيل: على النبأ العظيم. وقيل: على القرآن. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعْل (١) ورزق. ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ لهذا القرآن من تلقائي (٢). وقيل: ما أنا من المتكلفين بأن آمركم ما لم أؤمر به (٣). والتَّكلُّف (٤): تعسُّفٌ في طلب الأمر الذي لا يقتضيه العقل (٥). ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما القرآن (٦). ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ شرفٌ وعظة. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ نبأ القرآن وما فيه من الوعد والوعيد وذكر البعث والنشور. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ بعد الموت (٧).

стр. 2519

وقيل: بعد أن يأمر الله محمداً بالقتل والسَّبي. وقيل: يوم بدر، وقيل: يوم القيامة (١). فتح السُّورة بالذِّكر وختم بالذِّكر (٢).

стр. 2520

سورة الزُّمَر (١) خمس وسبعون آية (٢) (٣)، ويقال لها (٤): سورة الغُرَف (٥). مكِّية إلا ثلاث آيات من قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ فإنها نزلت بالمدينة إلى تمام ثلاث آيات (٦). وقيل: إلى تمام سبع آيات (٧) (٨). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ﴾ أي: هذا تنزيل ﴿الْكِتَابِ﴾ والكتاب: القرآن (٩). وقيل: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ مبتدأ خبره ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. والمعنى: تنزيل الكتاب من الله لا كما يقوله المشركون أنَّ محمداً تَقَوَّله (١٠) من تلقاء نفسه. وقيل معناه: تنزيل الكتاب من الله فاستمعوا له، واعملوا به.

стр. 2521

﴿الْعَزِيزُ﴾ في سلطانه. ﴿الْحَكِيمِ (١)﴾ في تدبيره. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ لإثبات الحق، وهو الإيمان بالله وصفاته (١)، وقيل: بالصِّدق في الإخبار عمَّا كان، وعمَّا يكون. وليس قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا﴾ تكرارٌ؛ لأنَّ الأول كالعنوان للكتاب، والثاني: لبيان ما في الكتاب (٢). ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به هو وأمَّته (٣)، أي: اعبدوه (٤) مخلصين له الطاعة (٥) من غير شائبة شكٍّ ونفاق (٦). ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ الطاعة الخالصة (٧)، أي: هي التي تقع موقع القبول. وقيل: الطاعة الخالصة لا يستحقُّها إلا الله. وقيل: الواجب عليهم أن يخلصوا الطاعة. وقيل: الدين هاهنا: كلمة لا إلا الله. وقيل: هو الإسلام (٨). ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: آلهة يعبدونها ويوالونها. ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ أي يقولون: ما نعبدهم.

стр. 2522

وقيل: الذين اتخذوا: رفع بإضمار القول، أي: يقول الذين اتخذوا من دونه أولياء. ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: إلا ليشفعوا لنا. قيل: هم الملائكة وعيسى وعُزَير. والزُّلفى: الشفاعة (١). وقيل: القربى والمنزلة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يحكم بين المسلمين والمشركين فيظْهَر المُحِقُّ من المُبْطِل، وهذا ردُّ لقولهم ووعيد. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ لا يرشد إلى دينه، وقيل: لا يهدي إلى الحق، وقيل: إلى الجنَّة. ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ في قوله: إنَّ (٢) الملائكة بنات الله، وعيسى وعزير ابنا الله (٣) (٤). ﴿كَفَّارٌ (٣)﴾ ... في عبادة غير الله. ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ كما زعموا ﴿لَاصْطَفَى﴾ لاختار ﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي الأفضل لا الأنقص، وهنَّ البنات (٥). وقيل: لو اتخذ من خلقه ولداً لم يتخذه باختيارهم وقولهم، بل يختص (٦) من خلقه ما يشاء.

стр. 2523

وذكر لفظ ﴿مَا﴾ دون ﴿مَنْ﴾ ليكون أعمَّ. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزَّه نفسه عن الولد ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ للحقِّ لا للعبث والباطل. ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ أي لا ينقص من أحدهما أو يزيد في الآخر. [وقيل: معنى ﴿يُكَوِّرُ﴾: يغشي] (١). وقيل: معنى قوله (٢): ﴿يُكَوِّرُ﴾: يزيد، من قولهم: نعوذ بالله من الحَوْر بعد ... الكَوْر (٣)، أي من النقص بعد الزيادة. وقيل: يكوِّر: أي: يلفُّ من تكوير العمامة، ومنه كارَة القَصَّار (٤) (٥). وَسَخَّرَ ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ سبق (٦).

стр. 2524

﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: القيامة. وقيل: لكلٍّ منها منازل لا يعدوها ولا يقصر دونها (١). ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يغالب. ﴿الْغَفَّارُ (٥)﴾ لمن تاب. ﴿خَلَقَكُمْ﴾ يا بني آدم. ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم ﵇. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني حوَّاء خلقت من قُصيري آدم، وهو آخر أضلاعه، وقيل: خُلِقت من بقية طين آدم (٢). وقوله (٣): ﴿ثُمَّ جَعَلَ﴾ فيه أقوال: أحدها: أنَّ الله خلق آدم، وأخرج ذرِّيته من ظهره، ثُمَّ ردَّهم إلى مكانههم (٤)، ثمَّ خلق منها حواء. والثاني: أن التراخي في الإخبار لا في الجعل. والثالث: أنَّ ﴿ثُمَّ﴾ قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدُّم، كقوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ ... [طه: (٨٢)]. وكذلك (٥) قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: (١٧)]، وكذلك قوله ﷺ : " فليكفِّر عن يمينه، ثمَّ ليفعل الذي هو خير " (٦).

стр. 2525

والرابع: أن التقدير: خلقكم من نفسٍ واحدةٍ خلقها ثمَّ جعل منها زوجها (١). ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ قيل: (أنزل): بمعنى جعل (٢). وقيل: أنزلها من الجنة. وقيل: (أنزل): بمعنى: خلق. وقيل: عبَّر عن الخلق بالإنزال لما فيه (٣) من معنى الرِّفعة والاعتلاء، كما يقال: رفعت القصَّة إلى الأمير، وإن كان الأمير في سَرَبٍ. وقيل: لأنها لا تقوم إلا بالنبات، والنبات من المطر، والمطر ينزل من السَّماء، فكأنَّ الأنعام منزَّلٌ (٤). والأنعام عند الانفراد يقع على الإبل خاصة، والمراد بها هاهنا ما بُيِّنَ في سورة الأنعام: ... ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] (٥). وخصَّت هذه بالذِّكر؛ لكثرة الانتفاع بها من اللبن، واللحم، والجلد، والشعر، والوبر (٦) (٧).
следующие страницы →