← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

﴿الْعَزِيزُ﴾ في سلطانه. ﴿الْحَكِيمِ (١)﴾ في تدبيره. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ لإثبات الحق، وهو الإيمان بالله وصفاته (١)، وقيل: بالصِّدق في الإخبار عمَّا كان، وعمَّا يكون. وليس قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا﴾ تكرارٌ؛ لأنَّ الأول كالعنوان للكتاب، والثاني: لبيان ما في الكتاب (٢). ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به هو وأمَّته (٣)، أي: اعبدوه (٤) مخلصين له الطاعة (٥) من غير شائبة شكٍّ ونفاق (٦). ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ الطاعة الخالصة (٧)، أي: هي التي تقع موقع القبول. وقيل: الطاعة الخالصة لا يستحقُّها إلا الله. وقيل: الواجب عليهم أن يخلصوا الطاعة. وقيل: الدين هاهنا: كلمة لا إلا الله. وقيل: هو الإسلام (٨). ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: آلهة يعبدونها ويوالونها. ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ أي يقولون: ما نعبدهم.

стр. 2522

وقيل: الذين اتخذوا: رفع بإضمار القول، أي: يقول الذين اتخذوا من دونه أولياء. ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: إلا ليشفعوا لنا. قيل: هم الملائكة وعيسى وعُزَير. والزُّلفى: الشفاعة (١). وقيل: القربى والمنزلة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يحكم بين المسلمين والمشركين فيظْهَر المُحِقُّ من المُبْطِل، وهذا ردُّ لقولهم ووعيد. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ لا يرشد إلى دينه، وقيل: لا يهدي إلى الحق، وقيل: إلى الجنَّة. ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ في قوله: إنَّ (٢) الملائكة بنات الله، وعيسى وعزير ابنا الله (٣) (٤). ﴿كَفَّارٌ (٣)﴾ ... في عبادة غير الله. ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ كما زعموا ﴿لَاصْطَفَى﴾ لاختار ﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي الأفضل لا الأنقص، وهنَّ البنات (٥). وقيل: لو اتخذ من خلقه ولداً لم يتخذه باختيارهم وقولهم، بل يختص (٦) من خلقه ما يشاء.

стр. 2523

وذكر لفظ ﴿مَا﴾ دون ﴿مَنْ﴾ ليكون أعمَّ. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزَّه نفسه عن الولد ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ للحقِّ لا للعبث والباطل. ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ أي لا ينقص من أحدهما أو يزيد في الآخر. [وقيل: معنى ﴿يُكَوِّرُ﴾: يغشي] (١). وقيل: معنى قوله (٢): ﴿يُكَوِّرُ﴾: يزيد، من قولهم: نعوذ بالله من الحَوْر بعد ... الكَوْر (٣)، أي من النقص بعد الزيادة. وقيل: يكوِّر: أي: يلفُّ من تكوير العمامة، ومنه كارَة القَصَّار (٤) (٥). وَسَخَّرَ ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ سبق (٦).

стр. 2524

﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: القيامة. وقيل: لكلٍّ منها منازل لا يعدوها ولا يقصر دونها (١). ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يغالب. ﴿الْغَفَّارُ (٥)﴾ لمن تاب. ﴿خَلَقَكُمْ﴾ يا بني آدم. ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم ﵇. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني حوَّاء خلقت من قُصيري آدم، وهو آخر أضلاعه، وقيل: خُلِقت من بقية طين آدم (٢). وقوله (٣): ﴿ثُمَّ جَعَلَ﴾ فيه أقوال: أحدها: أنَّ الله خلق آدم، وأخرج ذرِّيته من ظهره، ثُمَّ ردَّهم إلى مكانههم (٤)، ثمَّ خلق منها حواء. والثاني: أن التراخي في الإخبار لا في الجعل. والثالث: أنَّ ﴿ثُمَّ﴾ قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدُّم، كقوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ ... [طه: (٨٢)]. وكذلك (٥) قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: (١٧)]، وكذلك قوله ﷺ : " فليكفِّر عن يمينه، ثمَّ ليفعل الذي هو خير " (٦).

стр. 2525

والرابع: أن التقدير: خلقكم من نفسٍ واحدةٍ خلقها ثمَّ جعل منها زوجها (١). ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ قيل: (أنزل): بمعنى جعل (٢). وقيل: أنزلها من الجنة. وقيل: (أنزل): بمعنى: خلق. وقيل: عبَّر عن الخلق بالإنزال لما فيه (٣) من معنى الرِّفعة والاعتلاء، كما يقال: رفعت القصَّة إلى الأمير، وإن كان الأمير في سَرَبٍ. وقيل: لأنها لا تقوم إلا بالنبات، والنبات من المطر، والمطر ينزل من السَّماء، فكأنَّ الأنعام منزَّلٌ (٤). والأنعام عند الانفراد يقع على الإبل خاصة، والمراد بها هاهنا ما بُيِّنَ في سورة الأنعام: ... ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] (٥). وخصَّت هذه بالذِّكر؛ لكثرة الانتفاع بها من اللبن، واللحم، والجلد، والشعر، والوبر (٦) (٧).

стр. 2526

والأزواج: جمع زوج، والزَّوج: الفرد له مثيل، وقد يقال: لها زوج، تقول: زوج حمامة، وزوج خُفٍّ (١). ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ نطفة، ثمَّ علقة، ثمَّ مضغة إلى تمام الخلق. وقيل: خلقاً في بطن الأم، من بعد خلقٍ في صُلب آدم ﵇. وقيل: خلقاً في بطن الأم، من بعد خلقٍ في صُلب الأب. ويحتمل: أن ذكر الأنعام في الآية اعتراضٌ حسَّن الاعتراض ذكر الأزواج بعد قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي كلُّ حيوان ذي زوج (٢). قوله (٣): ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة (٤) (٥). وقيل: ظلمة الصُّلب، وظلمة البطن، وظلمة الرَّحِم. وقيل: الظلمات الثلاث: الحوايا (٦)، والأحشاء، والرَّحِم. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي الذي خلق هذه الأشياء خالقكم ورازقكم.

стр. 2527

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ عن الرَّشاد. ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ يا أهل مكَّة (١). ﴿فَإِن اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أي عن عبادتكم الله وإيمانكم (٢). ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي لعباده المؤمنين، كقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ... [الإنسان: ٦]. وقيل: هو عامٌّ (٣)، والكفر ليس برضا الله، وإن كان بإرادته (٤). وقيل: لا يرضى منهم الكفر. ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾ أي ما أنعم عليكم بالإيمان والطاعة. ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ يرضى (٥) ذلك الشكر لكم فيثيبكم عليه الجنَّة، والمعنى: هو يرضى الشكر، ولا يرضى الكُفر. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يؤخذ أحد بذنب آخر.

стр. 2528

والوِزْرُ: الذَّنْب وعقابه (١). ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ فيحاسبكم عليه ويجازيكم. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ مقاتل: " نزلت في أبي حُذيفة بن المغيرة " (٢) (٣). ﴿ضُرٌّ﴾ بلاء وشِدَّة، واستعمال المسِّ في الإعراض مجازٌ (٤). ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ راجعاً إلى الله بالدعاء لا يدعو سِواه. ﴿ثُمَّ إِذَا﴾ سَوَّلَتْ أي أعطاه، والخَوَلُ: العطاء. والتَّخْويل: الإعطاء، وأصله الإرعاء (٥). ﴿نِعْمَةً مِنْهُ﴾ من الله. ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ قيل: النِّعمة، أي نسي البلاء. وقيل: نسي الله. و ﴿مَا﴾ بمعنى (مَنْ)، كقوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣] (٦).

стр. 2529

وقيل: نسي الدعاء. ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أمثالاً. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الإسلام، واللام لام العاقبة (١). وقُرِئَ بالضَّم أي ﴿لِيُضِلَّ الناس﴾ (٢)، فيكون اللام لام العِلَّة (٣). ﴿قُلْ﴾ يا محمد له (٤): ﴿تَمَتَّعْ﴾ أي عش ﴿بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ في الدنيا. لفظ (٥) أمرٍ، معناه: التهديد (٦). ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ أي أهل النار في الآخرة. ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ﴾ في سبب النُّزول عن (٧) ابن عبَّاس ﵄: "نزلت في أبي بكر الصِّديق (٨) ﵁ " (٩) (١٠).

стр. 2530

قال ابن عمر ﵄ (١): " نزلت في عثمان بن عفَّان ﵁ " (٢). قال مقاتل: " نزلت في عمَّار بن ياسر ﵁ " (٣). قُرِئَ بالتَّخفيف والتَّشديد (٤). وللتخفيف وجهان: أحدهما: أنه ألف استفهام (٥)، أي: أمَّن هو قانت كمن جعل لله أنداداً؟، وفيه ضعفٌ؛ لأنَّ ألف الاستفهام لا يدخل في مَنْ إلاّ مع الواو والفاء (٦). والثاني: أن يكون للنداء فهو كما تقول: فلان لا يُصَلِّي ولا يصوم، فيا من تصوم وتصلِّي (٧) أبشر. وقيل: المنادى هو رسول الله ﷺ يقوِّيه قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ﴾.

стр. 2531

وللتَّشديد وجهان: أحدهما: أن يكون أم هي المُعادِلة، والتقدير: الجاحِد الكافر (١) أم الذي هو قانت، ودلَّ على المحذوف قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. والثاني: أن يكون المنقطعة، وتقديره: بل أمَّن هو قانت كمن بضدِّه (٢). والقانت: القائم المطيع لله. ﴿آَنَاءَ اللَّيْلِ﴾: أوقات وساعاته. وقيل: جوف الليل. وقيل: بين المغرب والعشاء. ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ أي مصَلِّياً. وقيل: مرَّة ساجداً ومرَّة قائماً. ﴿يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ﴾ عذاب الآخرة. ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ نعيم الجنَّة. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الزَّجَّاج: " أي كما لا يستوي العالم والجاهل، لا يستوي المُطِيعُ والعاصي " (٣). وقيل: ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾: هم المؤمنون الموقنون. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: الكافرون المرتابون.

стр. 2532

وقيل: ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ ما لهم وما عليهم، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك. ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ أنَّهما ليسا سواء؛ فإنَّ قيمة كلِّ امرئٍ ما يُحْسِنُه. ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ أي أطاعوا الله في الدنيا. وقيل: قالوا: لا إله إلا الله. وقيل: ثبتوا على إيمانهم. ﴿حَسَنَةٌ﴾ في الآخرة، وهي الجنة والكرامة. وقيل: فيها تقديم وتأخير، أي للذين أحسنوا حسنة في هذه الدنيا. وفسَّروا الحسنة: بالصِّحة والعافية. وقيل: نور القلب وبهاء الوجه واليقين. وقيل: الظفر والغنيمة. وقيل: الثناء الجميل (١). ومحلّها نصب على الحال؛ لأنَّ نعت النكرة إذا تقدَّم عليها انتصب على الحال كقوله (٢): لخَولة موحشاً طلل ... . . . . . . . . . . . . . . . . (٣) ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ أي فهاجروا فيها، فيكون خطاباً لمن خُوطِب بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧].

стр. 2533

وقيل: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ أي: رزق الله واسع؛ لأنه من (١) الأرض يكون. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ على أداء فرائض (٢) الله، واجتناب محارمه. وقيل: الصابرون على المصائب والمكاره (٣). ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ قتادة: " بغير مكيال ولا ميزان " (٤). وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يعرفه الخَلْق (٥)، إنما يعرفه الخالق. وقيل: يُعطون أجورهم بالواحد عشراً (٦) وبالواحد سبع مائة لقوله (٧): ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ولقوله (٨): ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، ويُعطون بغير حساب لقوله (٩): ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير تضييق. وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بلا نهاية. وقيل: بلا منَّة. ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ في بعض التفاسير: " أنَّ كفار قريش قالوا للنبي ﷺ : ألا تنظر إلى أبيك عبد الله، وملَّة جدَّك عبد المُطَّلِب (١٠)، وسادات قومك يعبدون اللات والعُزَّى (١١)، فأنزل الله ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ (١٢) أي: بأن أعبد الله. ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ موحِّداً له. وقيل: خالصاً لا يشوبه معصية. ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ قيل: بأن أكون، واللام بدل من الباء. وقيل: المفعول محذوف، واللام للعلَّة، أي وأمرت بالإخلاص؛ لأن أكون. ويحتمل: أن اللام عِلَّة للأُولى، وأمرت مكرر (١٣). قوله: ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ قيل: من أمَّتي (١٤). وقيل: في بلدي (١٥). وقيل: لأن أكون نبياً، وهو أول المسلمين. وقيل: قبل (١٦) أن يعبده معي غيري.

стр. 2534

صاحب النظم: "أول المسلمين في الجزاء والثواب عنه" (١). ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)﴾ قيل: أخاف خوف اليقين، لا خوف الشكِّ. وقيل: الخوف هاهنا: لزوم الطاعة فقط. وقيل المعنى: إني لا أعصي الله؛ لأني أخاف إن عصيته (٢) عذاب يوم عظيم. وقيل: المراد به أمَّته. وقيل: منسوخ. وقيل: قبل أن غفر الله له. ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ أي: امتثلت ما أُمِرْتُ به. ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ هذا تهديد ووعيد (٣) كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وقيل: كقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦]. ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال الفقيه (٤) أبو الليث (٥): " قيل له: خَسِرت أن خالفت دين آبائك، فأنزل الله: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ " (٦) أهلكوها بالمصير إلى النار.

стр. 2535

وقيل: لم يغنموها إذ لم يستعملوها في طاعة الله. ﴿وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: الحُوْرُ العِين في الجنَّة (١). وقيل: لأنه لا يكون في النار أهل. وقيل: خسروا أهليهم؛ لأنَّهم أضلوهم فصاروا إلى النار. ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ الظاهر، حيث استبدلوا بالجنة ناراً، وبالدرجات دركات (٢). ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ (٣) أي النار محيطة بهم، وسمَّى النار ظلَّة؛ لغلظها وكثافتها، وأنها (٤) تمنع من النَّظر إلى ما فوقهم (٥). وقيل: أي تحتهم من النار ما يعلوهم حتى يصير ظُلل. وقيل: من فوقهم ظُلَلٌ من النار ومن تحتهم ظُلَلٌ لآخرين منهم، والنار دركات، وهم بين أطباقها. وقيل: سَمَّى ما تحتهم ظُلَلٌ ازدواجاً للكلام، ويحتمل: أنَّها تدور عليهم، فهوكما تقول: فوقنا سماء وتحتنا سماء. ﴿ذَلِكَ﴾ أي ذلك الذي تقدَّم من العذاب. وقيل: ذلك الظُلَلُ.

стр. 2536

﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ في القرآن ليؤمنوا (١). ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾ وحِّدوني وأطيعوني. ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ في سبب النُّزول: ابن زيد (٢): "نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلى الله: زيد بن عمرو (٣)، وأبي ذَرٍّ الغِفَاري (٤)، وسلمان الفارسي (٥) " (٦).

стр. 2537

والطاغوت: الأوثان. وقيل: الشيطان. وقيل: الكَهنة. وكلُّ ما عبد من دون الله طاغوت (١). ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ بدل (٢) أي عبادتها (٣). وقيل: طاعتها. والطاغوت مؤنَّث يقع على الواحد والجمع، واشتقاقها من الطغيان، ووزنها فَلعوت (٤). وقيل: اسم أعجمي، والوجه هو الأول. ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ رجعوا إلى عبادة الله بعد الصنم. وقيل: أقبلوا إلى طاعة الله. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ بالجنة، أي الملائكة يبشرونهم (٥). وقيل: يبشرهم الله. وقيل: البشرى: الجنَّة. وقيل: سرور عند الموت.

стр. 2538

﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ابن عباس ﵄: أنَّ أبا بكر ﵁ آمن بالنبي ﷺ فجاء (١) عثمان وعبد الرحمن (٢) وطَلْحَة (٣) والزُّبَير (٤) وسَعْد (٥)

стр. 2539

وسَعِيْدٌ (١) فسألوه، فأخبرهم بإيمانه، فآمنوا فأنزل الله تعالى (٢): ﴿فَبَشِّرْهُ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ (٣) يريد من أبي بكر فيتَّبعون أحسنه. وقيل (٤): القول: عامٌّ، ويتبعون أحسنه: أي في العقل (٥). وقيل: القول: أقاويل أهل الملل، وأحسنه: الإسلام. وقيل: القول (٦): القرآن، وأحسنه العفو والتجافي دون القصاص والدِّية، وكذلك يتَّبعون المُحكم دون المتشابه. ابن عباس ﵄: " هو (٧) الرَّجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدِّث (٨) بأحسن ما يسمع " (٩).

стр. 2540

الزَّجَّاج: "يسمعون القرآن وغيره فيتَّبعون القرآن" (١). وقيل: يتَّبِعون العزائم (٢) دون الرُّخَص. وقيل: أحسنه: لا إله إلا الله. وقيل: أحسنه: الطاعة (٣). ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ لدِيْنه. وقيل: لنيل جنَّته. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ ذُوا العقول (٤). ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: كفر واستحقَّ الوعيد. وقيل: أفمن وجب عليه كلمة العذاب في سابق علم الله، ودخل ألف الاستفهام للتقرير. ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾ تخلِّصه، أي ليس إليك ذلك، والألف الثاني ... زيادة (٥)، ولا يدخل الألف المبتدأ ثمَّ يدخل الخبر. و(مَنْ) وقع موقع الضمير، أي تنقذه، وجاز؛ لأنه هو. وقيل: تقديره من في النار منهم فحذف. وقيل: كلُّ واحد منهما جملة مستقلة. (٦) وخبر المبتدأ الأول مضمر تقديره: أفمن حقَّ عليه كلمة العذاب ينجو منه.

стр. 2541

وقيل: أفمن حقَّ عليه كلمة العذاب كمن يهديه الله، وحذف؛ لأن الآية الأولى تدُلُّ عليه. الفَرَّاء: "تقدير الآية: أفأنت تنقذ من حقَّت عليه كلمة العذاب " (١) فلمَّا وقع الاستفهام غير موقعه (٢) أعيد (٣). ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ أي: لهم علالي فوقها علالي (٤)، درجات بعضها أرفع من بعض؛ ليتخيروا منها ما أحبُّوا، ويكونوا منها حيث شاؤا. وقيل: لهؤلاء ظُلل من النار، ولهؤلاء غرف من الجنَّة.

стр. 2542

﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي تحت منازلها، ويحتمل منابعها من تحتها. وقيل: من جهتها. ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر (١). و ﴿لَهُمْ﴾: دلَّ (٢) على وعد ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يريد المطر، وكل ما في الأرض فأصله من السماء (٣). وقيل: ماء المطر (٤) ينزله الله من السماء إلى الغيم، ثمَّ من الغيم إلى الأرض. ﴿فَسَلَكَهُ﴾. ﴿يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ جمع (٥) يُنْبُوع، وهو الماء الذي يخرج من الأرض. وينابيع: نصب على الحال (٦). وقيل: اليَنْبُوع: الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار (٧)، فيكون نصباً على ... الظرف، أي في ينابيع، فيكون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صفة لينابيع.

стр. 2543

﴿ثُمَّ يُخْرِجُ﴾ بِهِ بالماء ﴿زَرْعًا﴾ الزَّرع: النَّبت من غير ساق. ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أصنافه كالبُر والشعير وسائر الحبوب. وقيل: ألوانه من الصُّفرة والحُمْرة والخُضرة وغيرها. ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي يتَمُّ جفافه. عن الزَّجاج (١). قال أبو عبيدة: " هاج الرُّطَبُ إذا ذوى " (٢). ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ أي يابساً (٣). ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ رُفاتاً مُتَكَسِّراً، وقيل: هالكاً (٤). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في إنزال الماء، وإخراج الزَّرع. ﴿لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ لذوي العقول. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ في سبب النزول: أنَّها نزلت في حمزة وعلي ... ﵄، وأبي لهب وولده (٥)، فعليٌّ وحمزة ممن شرح الله صدره وأبو لهب وولده هم الذين قست قلوبهم عن ذكر الله (٦). الكَلْبي (٧): نزلت في رسول الله ﷺ (٨).

стр. 2544

مقاتل: نزلت في عمَّار (١). النَّقَّاش (٢): نزلت في عثمان ﵁ (٣). وفي شرح الصَّدر قولان: أحدهما: أنَّ الله يبتدئ قوماً بأن يشرح صدورهم وكذلك يضيِّق صدور قوم ابتداء، فعلى هذا شرح الصَّدر قبل الإسلام، وأنكر هذا (٤) بعضهم. وقالوا: الشَّرح بعد الإسلام، ومعنى شَرَح صدره: وسَّع صدره للإسلام فاهتدى، وملأ قلبه بالنُّور. ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ بيان وبصيرة (٥). وقيل: النُّور: القرآن، وهو نور لمن تمسك به. وقيل: على معرفة. والألف في أول الآية للاستفهام (٦)، والفاء لعطف جملة على جملة بينهما نوع اتصال، والتقدير: أفمن شرح الله صدره كمن قسا قلبه فحُذِف؛ لأن قوله ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ يدل عليه (٧). والقلب القاسي: اليابس الذي لا ينجع فيه الإيمان ولا الوعظ.

стр. 2545

قوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قيل: (مِن) (١) بمعنى عن، أي: القاسي المعرض عن ذكر الله (٢). وقيل: القاسي: الخالي من ذكر الله، وذكر الله: القرآن. ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ في خطأ ظاهر. ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ في سبب النزول عن سعد (٣) ﵁ قالوا يارسول الله: ... ((لو حدَّثتنا، فأنزل الله ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾)) (٤). والحديث: كلام يتضمن الخبر عن حال متقدِّمة. وقيل: سُمِّي حديثاً؛ لأنَّه حديثٌ بالنُّزول بعدما تقدَّمه الكتب. والقرآن أحسن الحديث؛ لكونه صدقاً كُلُّه. وقيل: أحسن الحديث؛ لفصاحته وإعجازه. وقيل: لأنه أكمل الكتب، وأكثرها إحكاماً (٥). ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ يشبه بعضه بعضاً في الحجج والأحكام، والصدق والبيان. وقيل: مُتشابهاً: في الفصل والوعظ (٦). وقيل: مُتشابهاً: يشبه كتب الله المتقدِّمة. وقيل: مُتشابهاً: خياراً لا حشو فيه. وقيل: هو من قوله: ﴿مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فيكون صفة (٧) للقرآن.

стр. 2546

وقيل: القرآن متشابه تفسيره، وتأويله إلى الله، وهذا القول ضعيف. وقيل: متشابهاً (١) يشبه اللفظُ اللفظَ، والمعنى مختلف. ﴿مَثَانِيَ﴾ ابن عباس ﵄ سُمِّي مثاني؛ لأنَّها تثنى (٢) في التلاوة فلا يملُّ لحُسن مسموعه " (٣). وقيل: ثنِّيت (٤) فيه القصص والأخبار، وذكر الجنة والنار. وقيل: تقشعر منه وتلين تفسير (٥) لقوله: ﴿مَثَانِيَ﴾. وقيل: سُمِّي مثاني؛ لأنَ فيه السبع المثاني، وهي الفاتحة (٦). الكلبي: " لأنَّ الآية تُثَنَّى بعد الآية، والسورة تُثَنَّى بعد السورة " (٧). وقيل: لأنها نزلت مرَّتين، فإنَّ معاني القرآن كلَّها منزَّلة على الأنبياء المتقدِّمة لقوله (٨) تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٨ ـ ١٩]. وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أيضاً (٩): " القرآن (١٠) يُفسِّر بعضه بعضاً، ويردّ بعضه على بعض " (١١). والمثاني: عند الفَرَّاء: اسم لكل سورة عدد آيها أقل من مائة آية؛ لأنَّها تثنَّى أكثر مما تُثنَّى (١٢) الطوال (١٣) (١٤) والمئون (١٥) " (١٦).

стр. 2547

والمثاني: جمع مثنَّى ومثْنىَ مفعلٌ من ثَنَيْت وثنّيت، مخفَّفٌ ومثقَّل بمعنى (١)، وهو أن تضيف إلى الشيء مثله (٢). قال ابن بحر: " لمَّا كان القرآن مخالفاً لنظم البشر ونثرهم جعل أسماءه بخلاف ما سمّوا به كلامهم على الجملة والتفصيل، فسمَّى جملته قرآناً، كما سمّوه ديواناً، وكما قالوا: قصيدة وخطبة ورسالة، قال: سورة، وكما قالوا: بيت، قال (٣): آية، وكما سمّيت الأبيات لاتِّفاق أواخرها قوافي، سمَّى الله القرآن لا تفاق خواتيم الآي فيها مثاني " (٤). ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ تشمئز، وقيل: تضطرب، أي تقشعر (٥) من الوعيد والخوف، وتلين من الوعد والرَّجاء (٦). وقيل: تقشعرُّ لإعظامه، وتلين عند تلاوته. قتادة: " هذا نعت أولياء الله، نَعتهم بأن تقشعر جلودهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذِكر الله، ولم ينعتُهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنَّما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان" (٧).

стр. 2548

ابن جرير: " تقشعر الجلود خوفاً ﴿ثُمَّ تَلِينُ﴾، وتم الكلام، ثم قال: ﴿جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ... أي جلودهم إلى العمل بما فيه، وقلوبهم إلى ذكر الله، أي التصديق به " (١). وقيل: هذا في أصحاب رسول ﷺ يقول: إذا سمعوا بنزول سورة من القرآن اقشعرت جلودهم إشفاقاً من أن نقم (٢) عليهم ذنب أو أنكر عليهم فعل، ثمَّ إذا تليت عليهم لانت جلودهم وقلوبهم، أي استسلموا لما أمر الله فيها. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الكتاب. ﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ إلى الإيمان والثواب. وقيل: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الاقشعار، واللين. والمراد باللين: الاسترسال والإسراع إلى الطاعة، فقوبل الاقشعرار بضده. ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وذلك أن الكافر يلقى في النار مغلولاً فلا يمكنه أن يقي النار إلا بوجهه (٣). وقيل: يُسحب على وجهه في النار.

стр. 2549

وقيل: النار تبدأ بوجهه إذا دخلها. وقيل: يرمى فيها مَكْبُوْبَاً (١). وقيل: معناها: لا يترك أن يصرف وجهه عن النار. وقيل: هذا مثلٌ للمقيم على كفره وقد وضحت له الدلائل، فيكون قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ من صلة ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ لا من صلة الاتقاء. ومعنى الآية: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو في الراحة والنعيم (٢). ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)﴾ أي جزاء فعلكم. قيل: تقديره: إذا كان يوم القيامة، وقيل للذين ظلموا ذوقوا. وقيل: الواو للحال، وقد (٣) مقدر. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قبل قريش (٤). ﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥)﴾ أي لا يعرفون له مدفعاً ولا مرداً، وقيل: بغتة لا يحس بما أتاه (٥). ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الهوان، أي: أحسّوا به إحساس الذائق بالمطعوم. ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ﴾ المعدِّ لهم ﴿أَكْبَرُ﴾ من عذاب الدنيا. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ جواب (٦) لولا آمنوا وأطاعوا (٧). ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي من كلِّ مَثَلٍ (٨) رأينا المصلحة في ضربه، يريد هاهنا: تخويفهم بذكر ما أصاب من قبلهم ممن سلكوا سبيلهم في الكفر. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾. ﴿قُرْآَنًا﴾ حال من القرآن؛ لأنه نكرة، والأول معرفة (٩). ﴿عَرَبِيًّا﴾ صفة للقرآن (١٠)، أو حال للقرآن (١١). ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ اختلاف (١٢). وقيل: غير ذي لبس ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ بدل، وإن شئت قلت تقديره: مثلُ رجلٍ، وكذلك الثاني (١٣). وقيل: ضرب المثل يتعدى إلى مفعولين.

стр. 2550

﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي كلُّهم يُسِيءُ خُلُقَه في استخدامه، فهذا يأمره بشيء، وهذا ينهاه عن ذلك الشيء. وقيل: متشاكسون: متنازعون فيه (١). وقيل: يتضايقون من قولهم: رَجُلٌ شَكِسٌ. وقيل: متظالمون، من قولهم: شكسني مالي، أي ظلمني فيه. ﴿وَرَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ﴾ خالصاً من غير شركة (٢)، وكذلك ﴿سَلَمًا﴾، أي ذا سَلْمٍ، وهو الخلوص أيضاً (٣). والمعنى: من عبد آلهة شتَّى فهو مدفوع إلى طلب رضا جماعة، ومن عبد الله سبحانه وحده فهو كعبد لواحدٍ، وليس طلب رضى (٤) واحد كطلب رضى (٥) جماعة مختلفين، ولو كان الحقُّ هذا وعدلوا إلى واحد لكانوا اعذر منهم، وقد عدلوا عن الواحد إلى جماعة. وقيل: هذا مثلٌ للكفَّار، أي لا ينتفعون (٦) بعبادة الله حيث أشركوا، وليسوا كمن ... أخلص.

стр. 2551

قتادة: " هو المشرك تنازعته الشياطين " (١). ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ وُحِّدَ، والقياس التَّثنية؛ لأنهما معاً ضُرِبا مثلاً (٢). وقيل: مثلاً: صفة استفهام، معناه الإنكار، أي: لا يستويان. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي له الحمد كلُّه دون غيره من المعبودين. وقيل: الحمد لله على أن لا يأمرهم بعبادة غيره، فكان يصير حالهم كحال العبد المشترك الذي يحتاج إلى (٣) أن يخدم جماعة، ويطلب رضا (٤) قوم مختلفين. وقيل: الحمد لله على احتجاجه بالمَّثَل الذي خَصَمَ المشركين به. وقيل: تقديره: قولوا: الحمد لله شكراً على ذلك. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ موقع هذه النِّعمة. وقيل: لا يعلمون بالمثل المضروب، وبأن الله سبحانه هو الإله المعبود. [﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ قيل: المراد: التحذير فإنَّ هذا أمرٌ معلوم] (٥) عند المُقِّر والجاحد. وقيل: ذُكر حَثَّاً على الطاعة والاستعداد للموت. وقيل: إعلاماً أن الخلق فيه سواءٌ. وقيل: لئلا تختلفوا في موت النبي ﷺ كما اختلفوا في غيره من الأنبياء. وقيل: المراد به ذكر الاختصام. وقيل: لمَّا قال الكفار: نتربص به ريب المنون أنزل الله ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (٦).

стр. 2552

والمعنى: إنك ستموت، وإنَّهم سيموتون، وسمَّاه ميِّتاً بما يؤول إليه (١). وقُرئ في الشواذ: ﴿مائِتٌ﴾ (٢). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ تتكلمون بحجّتكم، الكافر مع المؤمن، والمظلوم مع الظالم، والصادق مع الكاذب (٣). قال ابن عمر (٤) وأبو العالية (٥): "الاختصام بين أهل الملَّة، وذلك (٦) في الدماء والمظالم التي بينهم (٧). وروى الرَّقَاشي (٨): أنَّ النَّبي ﷺ قيل له: "فيم الخصومة؟ فقال (٩): في الدِّماء في الدنيا (١٠) (١١).

стр. 2553

وقال أبو العالية: " قلت له (١): قال الله ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨]. ثم قال: ﴿إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ كيف هذا؟ قال: قوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ لأهل الشِّرك، وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ لأهل المِلَّة في المظالم التي بينهم " (٢). وعن ابن عبَّاس ﵄: " إن في القيامة مواطن فهم يختصمون في بعضها ويسكتون في بعضها" (٣). وروي أنَّه لمَّا نزل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ قالت الصحابة: ما خصومتنا بيننا (٤) ونحن إخوان؟ فلمَّا قُتِل عثمان ﵁ قالوا: هذه خصومتنا بيننا (٥). ويحتمل: أن قوله ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ إثبات وتقويه لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ إذ لو لم يكن اختصام لما قال: لا تختصموا لدي، والله أعلم (٦) (٧).

стр. 2554

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ استفهام توبيخ، أي: أظلم على نفسه. وقيل: أضرّ بنفسه. وقيل: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، أي: وصفه بغير صفاته. ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: بالقرآن، أو (١) كذَّب النبي ﷺ بسبب ما جاء من القرآن (٢). وقيل: ﴿بِالصِّدْقِ﴾: أي بالصادق، يعني محمداً ﷺ . ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ استفهام تقرير، أي أليس (٣) هذا الكافر يستحقُّ الخلود في النار (٤). ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قيل: هو جبريل ﵇، والصِّدق: القرآن. ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: محمد ﷺ ، وقيل: حفظة القرآن إلى يوم القيامة. وقيل: الذي جاء بالصِّدق محمد ﷺ ، والصِّدق: لا إله إلا الله، وصدَّق به: هو محمد ﷺ أيضاً. وعن علي ﵁ أنه قال: " ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: يعني أبا بكر ﵁ " (٥). وقيل: جميع المؤمنين. وقيل: جاء بالصدق وصدَّق به: عامٌّ في جميع المؤمنين (٦).

стр. 2555

والوجه في العربية: أن يكون جاء وصدَّق لفاعلٍ واحد؛ لأن التغاير يستدعي إضمار الذي، وذلك غير جائز، أو إضمار الفاعل من غير تقدُّم الذَّكر، وذلك بعيدٌ (١). ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾: ذكر بلفظ الجمع؛ لأن الذي يجري مجرى مَنْ فَحُمِلَ على المعنى (٢). وقيل: أراد الذين فحذف، وقد سبق. ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي ما يتمنّون في الجنَّة. ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾ ثواب المُوَحِّدين. ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ليغفر الله (٣) لهم. ﴿أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي الكفر بالتوحيد والمعاصي بطاعتهم. ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ويعطيهم ثوابهم. ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ أي بسبب إيمانهم. وقيل: يجزيهم بالمحاسن، ولا يجزيهم بالمساوئ. وقيل: أسوأ الذي عملوا قبل الإيمان، وأحسن الذي عملوا في الإيمان. واللام في قوله ﴿لِيُكَفِّرَ﴾ قيل: متَّصِلٌ بالمُحْسِنين. وقيل: بالجزاء، أي جزاؤهم كي يُكَفِّر.

стр. 2556

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ محمداً ﷺ ، ومن قرأ بالجمع (١)، فالمراد به محمد، وجميع الأنبياء (٢) ﵈. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ كانوا يُخَوِّفون النبي ﷺ بأن يناله من آلهتهم مكروه (٣). وقيل: نزل في شأن (٤) خالد بن الوليد (٥)، وقد أنفذه رسول الله ﷺ لِكسْر العُزَّى، فقال له سَادتها: أُحَذِّرْكَها يا خالد؛ فإنَّ بأسها شديد (٦). ونُزِّل تخويف خالد تنزيل تخويف النبي ﷺ . ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾ أي من أضله عن طريق الرَّشاد (٧) فلا يهديه غيره. وقيل: من أضله عن طريق الجنَّة. وقيل: الإضلال: الخذلان. ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ لا يخذله أحد (٨).

стр. 2557

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ في مُلكه ﴿ذِي انْتِقَامٍ (٣٧)﴾ من عدوه. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فسألهم النبي ﷺ عن ذلك فقالوا: الله خلقها، فقال الله لمحمد ﷺ : ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أصابني الله ببلاء ومرضٍ وضيق معيشةٍ (١). ﴿هَلْ هُنَّ﴾ يعود إلى معنى (ما). ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ شدَّته عنِّي. ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ نِعمة وصِحَّة (٢). ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ هل الأصنام تدفع عني ذلك؟ فسألهم النبي ﷺ عن ذلك فسكتوا، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ فهو يقيني من شرِّها (٣). التنوين والإضافة بمعنى (٤)؛ لأنَّها للاستقبال. و ﴿هَلْ هُنَّ﴾ في موضع المفعول الثاني لأرأيتم.

стр. 2558

﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ به يثق الواثقون. ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على ناحيتكم (١). وقيل: على قُدرتكم وما يمكنكم. مكانة (٢): مصدر مَكُنَ مكانة، وقيل: على شِرككم. ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على مكانتي (٣). ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يُهِيْنُه (٤)، أي: في القيامة. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾ دائم لا يفارقه (٥) (٦)، قيل: هذا تهديد. وقيل: منسوخ بآية السِّيف (٧) (٨). ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: القرآن (٩). ﴿لِلنَّاسِ﴾ لجميع الناس. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بسبب الحق ليعمل به، وقيل: بالخبر عمَّا هو حقٌّ وكائن.

стр. 2559

﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ إلى الحقِّ ولَزِمه ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ نفع ذلك. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ فارَقَ الحقَّ ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي فوبال ذلك على نفسه. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾ بمُسَلَّطٍ (١) تحملهم على الإيمان، إنّما عليك البلاغ. ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي الله يتوفَّى الأنفس مرَّتين، مرَّة حين موتها، ومرَّة حين نومها، فيكون ﴿فِي﴾ متعلق (٢) بيتوفى (٣). قال الفَرَّاء: " ﴿فِي﴾ متعلقة بالموت على تقدير: ويتوفى التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها " (٤)، والأول أظهر. والتي تُفارق عند الموت: هي ما يمتاز الميت عن الحي به، وهي نفس الحياة فيمسكها عن الجسد، والتي تفارق عند (٥) النوم: هي ما يمتاز به النائم من اليقظان، وهي نفس التمييز والعقل، فيرسلها إلى أجلٍ مُسَمَّى (٦). وقيل: يقبض أنْفُسَ الأحياء والأموات، فيمسك أنفس الأموات، ويرسل أنفس الأحياء من غير غلطٍ. ويُحْتَمل: أنَّ التَّوفِّي الأول إماتة كقوله: ﴿* قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، وأن الثاني: إنامة كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] (٧).

стр. 2560

وروي أن في التوراة: يابن آدم كما تنام تموت، وكما تستيقظ تبعث (١). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما تقدَّم ﴿لَآَيَاتٍ﴾ لدلالات على (٢) البعث ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ في ... ﴿أَمْ﴾ أقوال: قال بعضهم: هي المعادِلة لهمزة الاستفهام، وتقديره: أعبدوا الأوثان؛ لأنها خَلَقت الكائنات، أم لأنها تدفع المكروه؟ أم لأنها تشفع لهم (٣)؟. وقيل: هي عديلة الألف في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. وقيل: هي جواب لما في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، أي هل يتفكرون في ذلك فيقرِّون بالبعث، أم يزعمون أنَّ مع الله غيره له شفاعة (٤). والشفيع: هو (٥) الذي يصير الطالب به شفعاً، مأخوذ من الشفْع. وقيل: الشفيع هو الأولى بالشيء كشفيع الدار والعقار (٦). ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ ﴿أَوَلَوْ﴾: تقريرٌ، أي كيف تُرجى الشفاعة ممن لا يملك شيئاً ولا يعقل؟ (٧). وقيل: هؤلاء قوم عبدوا ما يَعقِل فقيل لهم الأمر فيما يعقلُ والجماد سواء. ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ فلا يشفع ولا يملك أحدٌ الشفاعة إلا بإذنه. وانتصبَ ﴿جَمِيعًا﴾ الحال (٨)، وليس بتأكيد؛ لأنَّه لو كان تأكيداً لقال: جمْعاً. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ إذا قيل له: لا إله إلا الله (٩). وقيل: إذا قرئ: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ انقبضت. وقيل: استكبرت، وقيل: نفرت، وقيل: أنِفَت (١٠). وانقبضت أحسنُ ليقع في مقابلة يستبشرون (١١)؛ لأن الاستبشار: انبساط الوجه، والاشمئزاز: التَّقَبُّض (١٢). ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي الأوثان. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ وفي بعض التفاسير: أنَّ هذا كان يوم قرأ ﷺ سورة: والنَّجم، وذكر آلهتهم فاستبشروا (١٣).
следующие страницы →