← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والبيان: فصل المعنى مما التبس به. والسبيل: يذكر ويؤنث. ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾. ابن عيسى: النهي: الزجر عن الفعل بطريقة لا تفعل. ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: تعبدون. وقيل: تدعون من الدعاء، وقيل: تدعونها آلهة، أي: تسمونها، كما تقول: دعوت (١) ولدي زيداً، أي: سميته. ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ ابن عيسى: الهوى: أريحية النفس إلى ما تحن إليه. ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ مع وضوح أعلامه وكثرة شواهده (٢). ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ إلى شيء من مراشدي (٣). الزجاج: ما أنا من النبيين الذين سلكوا الهدى (٤). ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ في سبب النزول قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحارث ورؤساء قريش، كانوا يقولون: يا محمد: ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به، استهزاء منهم، فنزلت (٥). ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ معجزة. وقيل: القرآن. وقيل: دين صحيح. الحسن: النبوة (٦).

стр. 282

﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾. الزجاج: الهاء: تعود إلى البيان (١). وقيل: إلى مدلول البينة. وقيل: إلى القرآن. وقيل: إلى ربي. ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: ليس عندي الذي تطلبونه ولا في قدرتي هذا العذاب. وقيل: ما اقترحوا عليه من الآيات. والاستعجال: طلب الشيء قبل وقته. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: ليس الحاكم بيننا إلا الله، وهو يظهر المحق من المبطل. ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ (٢) يقضي القضاء الحق، وقيل: يصنع الحق. و﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ يبين الحق، ويجوز: يقص القصص الحق (٣). ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾ لا حيف ولا جور في حكمه. ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: لو كان العذاب بيدي وفي مقدوري. ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ لأنزلته عليكم ولم أكن لأحلم (٤) عنكم، ولصار (٥) الأمر إلى آخره وانقطع ما بيني وبينكم.

стр. 283

﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾ أي: بمن (١) ينبغي أن يؤخذ وبمن (٢) يمهل. ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ فهو يظهر ما أراد منها. والمفاتح: جمع مفتح، وهو ما يفتح به. والغيب: ما غاب عن معارف الخلق. ابن عباس ﵄: مفاتح الغيب خزائن العذاب والرزق (٣). ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ لا ينزل العذاب والرزق إلا الله (٤). وقيل: مفاتح الغيب: الأمور التي بها يستدل على الغائب فيعلم حقيقته، من قولك: فتحتُ على الإمام: إذا عرّفته ما نسي. وعن النبي ﷺ : (مفاتح الغيب خمس، ثم تلا (٥) ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾) الآية (٦). ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ﴾ ما في القِفَارِ (٧) من النبات والدواب. ﴿وَالْبَحْرِ﴾ من الحيوان والجواهر. وقيل: ﴿الْبَرِّ﴾: الفلاة، ﴿وَالْبَحْرِ﴾: القرى (٨). ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ ثابتة وساقطة. وقيل: كم انقلبت ظهراً لبطن إلى أن وقعت على الأرض. وروي عن كعب: ما على الأرض شجرة إلا وكِّلَ بها ملكان، يكتب أحدهما ما سقط منها والآخر ما يطلع، فقيل له: ولا الحشيش، فقال: ولا الحشيش، فتلا هذه الآية (٩). ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ تحت الأرض السابعة. وقيل: تحت التراب.

стр. 284

﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ أي: جميع الأجسام، لأنها إنما تكون رطباً أو يابساً. ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ في اللوح المحفوظ تطلع عليه الملائكة المقربون، وليعلم العباد أن أعمالهم محصاة للجزاء. وقيل: الكتاب مجاز عن الحفظ. وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ مع قوله: ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ استثناء بعد استثناء، كقول الشاعر (١): ما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدةٍ ... دارُ الخليفةِ إلا دارُ مروانا وقرئ: (ولا حَبّةٌ) (ولا رطبٌ ولا يابسٌ) بالرفع فيكون ما بعد (إلا) خبر المبتدأ (٢). ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أي: ينيمكم. وخص الليل بالنوم والنهار باليقظة على الأغلب ومجرى العادة. والتّوفِّي هاهنا: مستعار من الوفاة التي هي الموت، وحسن هذه الاستعارة: لما بين النوم والموت من المناسبة من زوال الإحساس والمعرفة والفكر والتمييز وما يلحقه من استرخاء الأعضاء ويمنعه عن الكسب، ومثله ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] فاستعمل الحقيقة والمجاز جميعاً (٣). والتوفي: قبض الشيء على التمام، وأصله من استيفاء العدد، قال (٤): إن بني الأَدْرَم ليسوا مِنْ أَحَدْ ... ولا توفتهم قريشٌ في العَدَدْ ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: كسبتم. وقيل: أثمتم، من قوله: ﴿اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]. ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ ينبِّهكم ويوقظكم. وضع البعث في مقابلة التوفي (٥).

стр. 285

﴿فِيهِ﴾ (١) في النهار. الحسن: في الأجل (٢). وقيل: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: ثم يبعثكم في النهار ويعلم ما جرحتم فيه. ويحتمل أن النهار هو السابق على الليل، ولفظ الماضي يدل عليه. وقوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي: في نهار آخر، كقوله: عليَّ (٣) درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر، وكل شاة وسخلتها بدرهم، أي: سخلة شاة أخرى. أو يعود إلى الأجل كما روي عن الحسن. ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ ليبلغ آخر أجله المسمَّى في الدنيا. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بالموت. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾ أي: يجازيكم على أعمالكم. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾ الغالب ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ علوّ شأن لا مكان (٤). ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ﴾ وينزل عليكم ﴿حَفَظَةً﴾ يحفظونه ويحفظون عليه أعماله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ حتى: لغاية الحفظ (٥)، ويريد بالموت: وقت الموت ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ يريد ملك الموت، وجمع: لأن له أعواناً.

стр. 286

وقيل: المتوفون: هم الحفظة أيضاً. ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ ابن عباس ﵄: لا يُضَيِّعون (١). وقيل: لا يؤخرون. وقيل: لا يتوانون. وقيل: لا يعجزون. ابن بحر: لا يدعون أحداً يفرط عنهم، أي: يسبقهم ويفوتهم (٢). ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ انقلبوا برد الله إياهم بالبعث. وقيل: ردهم الملائكة. ﴿مَوْلَاهُمُ﴾ الذي يتولى أمرهم. وقيل: سيدهم. ﴿الْحَقِّ﴾ أي: الثابت من كل جهة، وكل مولى غير الله فمن بعض الجهات. ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء والفصل يوم القيامة. ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ يحاسب جميع الخلق في مقدار حلب شاة (٣). ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ يخلصكم. والنجاة: السلامة من الهلكة، واشتقاقه من النجوة: وهي المرتفعة من الأرض، والناجي مرتفع عن موضع الهلكة. ﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ إذا تهتم (٤) فيهما.

стр. 287

وظلمات البر والبحر: شدائدهما. والظلمة: الشدة. وقيل: البر: الفلاة، وظلمات البر: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة الغبار. وظلمات (١) البحر: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة الأمواج. ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا﴾ معلنين الضراعة ﴿وَخُفْيَةً﴾ مسرِّين في أنفسكم. الحسن: تضرعاً: علانية، وخفية: نية (٢). ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)﴾ أي: إذا حزبكم أمر عظيم أعرضتم عن الكل وأخلصتم العبادة والدعاء لله ونذرتم النذور، فلما كشف ما بكم وخلصكم رجعتم إلى شرككم، وهو معنى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ أي: من هذه الظلمات ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ غم وحزن سواها ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾ ولا تشكرون (٣)، أي: تعاودون الشرك ولا تفون بالعهود. ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الحجارة والطوفان والصيحة والريح كما فعل بعادٍ وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: الرجفة والزلزلة والخسف. ابن عباس ﵄: من فوقكم: الأئمة السوء، ومن تحت أرجلكم: الخدم السوء (٤).

стр. 288

﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ يخلطكم ﴿شِيَعًا﴾ أحزاباً متفرقين فيفرق كلمتكم ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ يقاتل بعضكم بعضاً. الحسن في جماعة: الآية نزلت في المسلمين (١). غيرهم: في المشركين. ﴿انْظُرْ﴾ يا محمد، أي: تأمل. ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ بالوعد والوعيد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ ليكونوا أقرب إلى التأمل والاعتبار. ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ أي: بالقرآن، وقيل: بما أخبر به محمد ﷺ ، وقيل: يجوز أن يكون بمحمد ﷺ على تلوين الخطاب. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ الصدق ذو (٢) الحقيقة. ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦)﴾ بمسلط، وقيل: حافظ (٣)، وقيل: لا آخذكم بالإيمان أخذ الوكيل الذي يلزمه بلوغ آخره والحفظ من لحوق الضرر به. ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ خبر (٤) ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ وقت يقع فيه ويظهر. وقيل: لكل عمل جزاء. ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾ عند وقوعه في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالعذاب.

стр. 289

﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: يكذبون فيها (١) ويسخرون منها ويستهزؤن بها، يعني القرآن. والخوض: الدخول في الشيء على تلوث، وأصل الخوض: المشي في الماء. وقيل: الخوض: التخليط. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: قم عنهم ولا تقعد معهم ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ غير القرآن مما يحل (٢) ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ ما نهيت عنه بوسوسته ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ بعد التذكر (٣) ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾. وقيل: بعد ما ذكرناك. والذكرى: التذكير. ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ عن ابن عباس ﵄: أن المسلمين قالوا: يا رسول الله: لئن كنا كلما استهزئ المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم، لا نطيق أن نجلس في المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت، فأنزلت هذه الآية (٤). والمعنى: ما على الذين يتقون معاصي الله من حسابهم من حساب هؤلاء الذين يخوضون في القرآن تكذيباً واستهزاء من شيء (٥). وقيل: وما على (٦) المتقين من الحساب يوم القيامة مكروه.

стр. 290

﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ أي: ولكن ذكِّروهم ذكرى، فمحلها (١) نصب، ويحتمل الرفع، وتقديره: ولكن عليهم ذكرى. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ مساءتكم إذا رأوكم. ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾. قتادة: نسختها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] (٢). وقيل: هذا تهديد وليس بمنسوخ، كقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]. ابن بحر: ذر ملاطفتهم وذكر به، فصار كقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] والمراد به مشركوا العرب. وقيل: هم الذين يخوضون في آياتنا. ابن عباس ﵄: هم كفار مكة واليهود والنصارى (٣). والمعنى: اعتقدوا بطلان الأديان. الفراء: دينهم: عيدهم، فإن (٤) كل قوم اتخذوا عيدهم فرحاً ولهواً وباطلاً (٥) إلا أمة محمد ﷺ ، فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة لله وصدقة (٦). وقيل: دينهم: عادتهم.

стр. 291

﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ بتكذيبهم البعث. وقيل: غرتهم بما مكنوا منها. ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ ابن عباس ﵄: بالقرآن (١). وقيل: بالحساب. وقيل: بالدين. ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ترهن حتى لا محيص لها. وأصل الكلمة: البَسْل، وهو المنع. وتقديره عند بعض المفسرين: أن لا تبسل نفس، كقوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. وعند بعضهم: بين لهم أن تكون أعمالهم ترهنهم في النار ولا يجدون فكاكاً بالإيمان. ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ﴾ ينصرها بقوة ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ يدفع عنها بمسألة. ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ تَفْدِ كُلَّ الفِدَاء. ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ الحسن: إن آمن ليفدي نفسه لا يقبل (٢). ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ ارتهنوا ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ أي: هم بين نار يأكلونها وماء مغلي يشربونه (٣). ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا﴾ إن دعوناه دعوة عبادة. وقيل: دعوة استعانة.

стр. 292

﴿وَلَا يَضُرُّنَا﴾ إن خذلناه ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ أي: نرجع إلى الكفر بعد أن رزقنا الله الإسلام. تقول العرب لمن أدبر: قد رجع إلى خلف وقد رجع القَهْقَرَى. ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ استهوى: استفعل، من هَوَى يَهْوى هَوِيَّاً. وقيل: استفعل، من هَوِىَ يَهْوَى هَوَىً. ﴿حَيْرَانَ﴾ متحيِّراً في ظلمة الليل وسعة الفلاة. ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ أي: ويقولون له ائتنا. والمفسرون على أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر وأبويه، كانا يدعوانه إلى الإيمان وهو يدعوهما إلى الشرك (١). والمعنى: مثل الكافر كرجل أضله الشيطان في مفازة ليلاً وله أعوان وأصدقاء يدعونه ويقولون له ائتنا فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم. وعن ابن عباس ﵄ أيضاً: عني بالأصحاب من يدعونه إلى الضلال ويزعمون أن الذي (٢) يأمرون به هدى (٣). ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ أي: ما دل عليه الله فهو المؤدي إلى الهدى

стр. 293

والفوز (١). ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ قيل تقديره: أمرنا لأن نسلم ولأن نقيم الصلاة. وقيل: أمرنا بالإسلام وبإقامة الصلاة. ويحتمل: أمرنا ما أمرنا (٢) لنسلم، وقد سبق (٣). وقيل: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ عطف على قوله: ﴿ائْتِنَا﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ قيل: بالحكمة، وقيل: بكلامه وهو قوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾] فصلت: ١١ [. الحسن: معناه: للحق (٤). وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: محقاً. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قيل: عطف على قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾، وقيل: اذكر يوم يقول، وقيل: خلق السموات والأرض مبدياً ويخلق معيداً يوم (٥) يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقيل: خبر من قوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ (٦). ومعنى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: يقول اليوم ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: فتقوم

стр. 294

القيامة (١). ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أي: وعده ووعيده. ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه قرن ينفخ فيه فيصعق الخلق، ثم ينفخ فيه فيحيون. وعن ابن عباس ﵄: تكون السماوات صوراً ينفخ فيه مثل القرن وتبدّل سماء أخرى (٢). والثاني: أنه جمع صُوْرَة كسُوْرَة وسُوَر وصُوْفَة وصُوَف، أي: ينفخ الأرواح في الصُّوْر (٣). ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ اختلف المفسرون في آزر: فذهب بعضهم: إلى أنه اسم أبيه، وظاهر القرآن يدلّ عليه. وذهب بعضهم: إلى أن اسم أبيه تارخ، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (كذب النسَّابون) (٤).

стр. 295

وذهب بعضهم: إلى أن تارخ وآزر كيعقوب وإسرائيل. وذهب بعضهم: إلى أن آزر وصف ذم ومعناه المعوج. وذكر الثعلبي أن معناه: الشيخ بالفارسية (١). وقيل: آزر: اسم صنم، وأن أباه كان ينحت الخشب أصناماً فيعبدها هو وغيره، ويكون منصوباً بفعل مضمر دل عليه ما بعده، وتقديره: أتتخذ آزر إلهاً. ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ فحذف الأول لأن الثاني يدل عليه. ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ﴾ أي (٢): عن الحق ﴿مُبِينٍ (٧٤)﴾ ظاهر الفساد. ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: كما أريناه البصيرة في دينه والحق في خلاف قومه، نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣). وقيل: كما أريناك كذلك أرينا إبراهيم. وملكوت السماوات والأرض: ما يشاهد منهما من العجائب والحوادث والشمس والقمر والنجوم والشجر والبحار والجبال. والملكوت: أعظم الملك. يقول العرب: الملكوت: العراق واليمن (٤). ابن عباس ﵄: ملكوت السماوات والأرض: خلقهما (٥).

стр. 296

وقيل: الملكوث، بالثاء، وقرئ به، اسم عبري فعُرِّب فقُلِبت تاء (١). ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ عطف على المعنى، أي: ليحتج على قومه وليكون من الموقنين (٢). وقيل: وليكون من الموقنين أريناه ملكوت السماوات (٣). وقال مجاهد: تفرجت لإبراهيم السماوات السبع حتى العرش فنظر فيهن، وتفرجت له الأرضون السبع فنظر فيهن (٤). ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ ستره بظلامه. يقول: جَنَّ عليه الليل وأَجَنَّهُ وجَنَّهُ جَنًّا وجَنَانَاً وجُنُوناً، وأصله: الستر. ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ قيل: كان زهرة (٥). وقيل: كان المشتري. ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ وفي صدور هذا القول عن إبراهيم ﷺ أقوال: أحدها: أنه كان في النظر والاستدلال والبحث عن الأحوال، وهذه مرتبة (٦)

стр. 297

كل مُتَرقٍّ ومستدلٍّ، وكان استدلال إبراهيم ﷺ على معرفة ربه وخالقه، حتى عرفه من يوم وليلة، ابتداؤها حال بلوغه. والثاني: أنه قال في حال الطفولة، فإن أمه ولدته في مغار (١) خوفاً من نمرود فلما خرج قال هذا القول. والثالث: قاله على وجه الإنكار على قومه وتقديره: أهذا ربي، وقيل تقديره: قال يقولون هذا ربي (٢). وقيل: عبد كل واحد منهما حتى غاب. والأول هو الوجه (٣). ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب (٤) ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ لأن أفوله دل على حركته وانتقاله وذلك من صفات الأجسام (٥). ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ طالعاً. والبزوغ: ابتداء الطلوع (٦).

стр. 298

﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾ استعجز نفسه فاستعان (١) ربه في درك الحق. ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ قوله: ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ دليل على أنه في النظر والاستدلال. ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ أي: رأى منها ما رأى من الكوكب والقمر ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ يعني: الأصنام. وفي تذكير ﴿هَذَا﴾ والشمس مؤنثة ثلاثة (٢) أقوال: أحدها: أنه ذهب (٣) إلى لفظ الشمس وهو مذكر. والثاني: أنه ذهب إلى الضوء. والثالث: إلى الشخص. والوجه: أن الربوبية والتأنيث لا يجتمعان، وإبراهيم ﵊ اعتقد فيه الربوبيَّة أو أظهر أو حكى على ما سبق. ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أخلصت طاعتي، وقيل: قصدت بعبادتي. ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ خلقهما ﴿حَنِيفًا﴾ سبق بيانه (٤). ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾. ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ خاصموه في دينه. ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ (٥) عرَّفني التَّوحيد والحقّ.

стр. 299

أنكر (١) عليهم طمعهم في أن يزيلوه عن الحق بالمحاجة. ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ يعني الأصنام. وذلك أنهم قالوا له: إنا (٢) نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء من برص أو خبل لعيبك إياها. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ فإنه يصيبني بمشيئة الله. قيل: الاستثناء منقطع، أي: لكن أخاف مشيئة الله يعذبني على ذنب يكون مني. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاط علمه كل شيء. ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾. ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ أي: الأصنام ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ أي: ما يكون لكم حجة في وجوب عبادة الأصنام ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أنا وأهل ديني، أم أنتم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ قيل: هذا من كلام إبراهيم ﵇ لما سأل فقال (٣): ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾. وقيل: هذا استئناف من الله سبحانه مجيباً وحاكماً (٤). وقيل: هذا من كلام قوم إبراهيم، أجابوا بما فيه الحجة عليهم. وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك، فإن ابن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه

стр. 300

الآية شق ذلك (١) على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فقال رسول الله ﷺ : (ليس ما تظنون (٢)، إنما هو ما قال لقمان لابنه ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾) [لقمان: ١٣] (٣). وقيل: الظلم عام والمراد بالآية إبراهيم ﷺ ، وهذا القول مروي عن علي ﵁ (٤). ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ هي إشارة إلى قول إبراهيم: أي الفريقين أحق بالأمن: أمّن يعبد الله، أمّن يعبد الأصنام. وقيل: هي إشارة إلى ما أُرِىَ من ملكوت السموات والأرض. وقيل: هي إشارة إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾] الأنعام: ٨١]. ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالحجة والبيان. وقيل: بالمنزلة والمكان. ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في تدبيره ﴿عَلِيمٌ﴾ بعباده. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ أي: لإبراهيم ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾ أي: كلهم وفقنا وأرشدنا وهو إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إبراهيم.

стр. 301

والفائدة في ذكر نوح ﷺ هاهنا أنه أبو إبراهيم ﷺ . ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ قيل: من ذرية نوح وهو الأظهر. وقيل: من ذرية إبراهيم (١). ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ أي: كما جزينا إبراهيم على إحسانه برفع درجاته في الدنيا والآخرة نجزي كل محسن ما يستحقه. ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ ذهب بعضهم إلى أن إلياس وإدريس واحد كإسرائيل ويعقوب. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كلهم ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾ أي: من الأنبياء. ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إنما تأخر ذكر إسماعيل - والله أعلم - أن الأولين هم أنبياء بني إسرائيل وهو أبو العرب. ﴿وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦)﴾ بالنبوة والرسالة ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: كما هدينا (٢) هؤلاء هدينا بعض آبائهم وإخوانهم ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ أي: اخترناهم، وهو عطف على قوله: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما دان به هؤلاء المذكورون ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ دين الله ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ يدلّ عليه ويعرّف ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الأنبياء والمؤمنين (٣). ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ أي: هؤلاء مع مرتبتهم وعظم شأنهم لو كان منهم أدنى شرك لبطلت أعمالهم وصاروا من أهل النار والخسار. ثم مدحهم فقال ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني المنزل ﴿وَالْحُكْمَ﴾ أراد الحكمة. وقيل: الحكم: ما سنّوا. وقيل: الحكم: فهم الكتاب. ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ هي أعلى مرتبة البشر. ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ قيل: بالنبوة، وقيل: بالكتاب والحكم (٤) والنبوة، وقيل: بآيات القرآن. ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني قريشاً ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ بمراعاة أمر النبوة والآيات ﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾ قيل: هم (٥) الأنبياء الثمانية عشر، وقيل: هم الملائكة، وقيل: هم الأنصار.

стр. 302

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ يعنى الأنبياء الذين (١) تقدم ذكرهم ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أي: اقتد بهداهم. يقول: قَدَا بِهِ قِدَهً وقُدْوَةً، واقتدى به: إذا تأسى به، والهاء للاستراحة (٢)، ومن أشبع الهاء جعلها كناية عن المصدر لا غير، أي: فبهداهم اقتد اقتداء. ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة (٣) والدعاء إلى التوحيد ﴿أَجْرًا﴾ جُعلاً ومنفعة يصل إلي من جهتكم ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ أي: لا غرض إلا تذكيركم (٤). وقيل: ما محمد إلا عظة للعالمين. وقيل: ما القرآن إلا عظة للجن والإنس. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ في رواية الوالبي: قالت اليهود: يا محمد: أنزل الله عليك كتابا، قال: (نعم)، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتاباً، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ (٥). وقال سعيد بن جبير: جاء رجل من اليهود يقال له مالك ابن الضيف (٦) يخاصم النبي ﷺ ، فقال له النبي: (أَنْشُدُك بالذي أنزل على موسى التوراة أما (٧) تجد في التوراة أن الله يُبْغِضُ الحَبْرَ السمين) وكان حبراً سميناً، فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له أصحابه الذين معه: ويحك ولا على موسى،

стр. 303

فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله هذه الآية (١). ويقال: إن قائل هذا الكلام فنحاص ابن عازورا (٢). وذهب بعضهم إلى أنها في يهود كانوا بمكة. وقيل: هذه الآية نزلت بالمدينة. وقيل: نزلت في المشركين الذين دفعوا النبوات. وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموه حق عظمته. ابن عباس ﵄: وما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير (٣). أبو عبيدة: ما عرفوه حق معرفته (٤). وأصل القَدْر: الكمية. وقَدَرُ الشيءِ وقَدْرُهُ: عِدْل كميته (٥). ثم (٦) يستعمل في الشرف وعلو الرتبة. ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ تكتبونه في القراطيس. الفراء: القرطاس (٧) هاهنا: الصحيفة (٨). الحجة: تجعلونه ذا قراطيس، أي: تودعونه إياها (٩). وقوله: ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ أي: تجعلونه عضين تؤمنون بالبعض فتظهرون (١٠) للناس وتكفرون بالبعض وتخفون، كصفة محمد ﷺ ونعته وآية الرجم. وقيل: تجعلونه كتباً متفرقة تظهرون بعضها وتكتمون بعضها. ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أي: وعلمتم يا أهل الكتاب بالكتاب أمور دينكم ودنياكم ما لم تعلموا ﴿أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. الزجاج في جماعة: الخطاب للمسلمين، أي: علمتم على لسان محمد ﷺ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم (١١). ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: أجب عنهم إن (١٢) سكتوا إذ لا جواب إلا هذا. ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ أي: لا تعجل بإهلاكهم فإن لهم أجلاً.

стр. 304

وهذا قبل أن أُمر ﷺ بالقتال. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ عَطْفٌ على قوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ أي: وهذا أيضاً أنزله الآن على نبيه وهو (١) محمد ﷺ ﴿مُبَارَكٌ﴾ يكثر به وفيه الخير. ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني التوراة. ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ أي: هم (٢) أهل مكة، لأن الأرض دحيت من تحتها ولأنها أعظمها منزلة وشأناً، ولأنها قبلة أهل الأرض. ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أهل الشرق والغرب. وقيل: أهل الوبر والمدر. وهي عطف على المعنى، أي (٣): لننبئك به ولتنذر. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: من كان يقر بأن له معاداً ومن شأنه إثبات الآخرة (٤) اعتقاداً عَلِمَ أنه من عند الله فآمن به ولزم طاعته. والهاء: كناية عن القرآن. وقيل: عن النبي ﷺ . ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ يراعون أوقاتها والقيام بإتمام ركوعها وسجودها. وخصت بالذكر: لأنها عَلَمُ الإيمان. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ نزلت في مسيلمة الكذَّاب (٥) والأسود العنسي (٦).

стр. 305

وروى معمر عن الزهري: أن النبي ﷺ قال: (بينا أنا نائم رأيت كأنَّ في يديَّ سوارَيْن من ذهب، فَكَبُرَ عَلَىَّ، فأُوحِيَ إليَّ أَنْ انفخها فنفختها فطارا فأَوَّلتُ ذلك كَذَّابَ اليمامةِ وكَذَّابَ صنعاءَ الأَسود العنسيَّ) (١). ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. يعني: عبد الله بن سعد بن أبي سرح (٢)، وذلك أن النبي ﷺ أملى عليه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] فلما بلغ قوله: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قال ابن أبي سرح: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤] تعجباً من تفصيل خلق الإنسان، فقال ﷺ : (هكذا (٣) أنزلت) فشكَّ وارتدَّ وقال: إن كان محمد صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال (٤). وقيل: المراد بقوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هم الذين قالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]. وقوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ استفهام، والمعنى: النفي، أي: لا أحد أظلم منه.

стр. 306

﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ إذ واقع (١) موقع إذا ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ شدائده، مِنْ: غَمَرَهُ الشيء: إذا غَشِيَهُ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ لقبض الأرواح، وقيل: باسطوا أيديهم بالضرب والعذاب. وقال ابن الأنباري (٢): ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ يعود إلى الظالمين، وفيه بُعْدٌ (٣). ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: يقولون لهم أخرجوا أنفسكم، والمُخْرِجُ هو الله سبحانه، والمعنى: تغليظ الحال، أي أنهم بمنزلة من يتولى إزهاق نفسه إكراهاً له. وقيل معناه: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ خلصوها من هذه الغمرة والشدة على وجه التوبيخ. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ الهون (٤) بالضم: الهوان، وهو إلحاق ألم على وجه الاستخفاف والإهانة والحقارة (٥)، والهون بالفتح: الدعة والرفق والسكون (٦). وقيل: هو خطاب لهم بعد أن دخلوا النار (٧). ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ من أن له شريكاً وصاحبة وولداً، أي: بسبب ما كنتم. ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ أي: عن العمل بموجبها والتأمل فيها والتدبر. ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ أي: للحساب والجزاء. ﴿فُرَادَى﴾ واحداً واحداً من غير معين ولا ناصر.

стр. 307

يقول: فَرَد وفَرِد وفارد وفريد وأَفْرَد وفرداء (١)، وفرادى جمع فريد، كأسير وأسارى (٢). الفراء: فرادي اسم مفرد على فعالى. وقيل: جمع فَرْدَان، كسكران وسكارى. ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عراة حفاة غرلاً بهما. ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ملكناكم، من: الخَوَل، والخَوَل: من يزهى بهم الإنسان ويعجب (٣). ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ يعني: ما كنتم تعبدونها على أنها شركاء لله وأنها تشفع لكم عند الله، أي: ما بالها (٤) لا تظهر في أشد ما كنتم إليها محتاجون (٥). وقيل: هم الملائكة. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أي: تفرق جمعكم وتشتت (٦). والبين: الوصل، والبين: الفراق. ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ ضاع وبطل ﴿مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾ أن لا بعث ولا جزاء. وقيل: من أنها شفعاؤكم عند الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أكثر المفسرين على أن التقدير: فالق الحب عن السنبلة، والنواة عن النخلة، وكل نبات فمن حبة ونواة. والفلق والفطر والخلق بمعنى واحد. وقيل: المراد به الشقاق (٧) الذي في الحب والنواة. ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي: يخرج النبات وهو كالحي لكونه ناميا من الحب والنواة وهما كالميت لكونهما غير ناميين. ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ الحب والنواة من النبات. وقيل: يخرج الولد من النطفة والدجاج من البيض (٨). ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ النطفة من الإنسان والبيض من الدجاج. وقيل: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.

стр. 308

﴿ذَلِكُمُ﴾ أي: الذي فعل (١) هذه الأشياء (٢) ﴿اللَّهُ﴾ لا الأصنام ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ تصرفون عن الحق إلى الباطل. ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ أي: شاق عمود الصبح من بين الظلمة. والإصباح: مصدر أصبح، أي (٣): دخل في الصبح، والصبح إضاءة الفجر. وقرئ في الشواذ (فالِقُ الأصباح) بالفتح جمع صبح، والمعنى: فالق ما به (٤) يحصل الإصباح. وقيل: خالق نور النهار. وقيل: الإصباح ضوء (٥) الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل، عن (٦) ابن عباس ﵄ (٧). (وجاعلُ الليلَ سَكَناً) يسكن فيه الخلق بالنوم وترك التصرف. ومن قرأ ﴿وَجَعَلَ﴾ فلأن الفالق بمعنى فلق (٨). ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي: بحسبان (٩)، كقوله ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرحمن: ٥] (١٠).

стр. 309

والمعنى: جعل سيرهما بحساب ومقدار، لأن الشمس تقطع البروج كلها في ثلاثمائة وخمس وستين يوماً وربع يوم، وتعود إلى مكانها، والقمر يقطع البروج في ثمانية وعشرين يوماً، وبدورانهما يعرف الناس حساب الأيام والشهور والأعوام. وقيل: يجريان بحساب وعدد لبلوغ نهاية آجالهما. قتادة: جعلهما ضياء، من قوله ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: ٤٠]، أي (١): ناراً، حكاه الماوردي (٢). والحسبان: مصدر حَسَبتُ حِسْباناً. أبو عبيده: الحُسْبَان جمع حِسَاب، كشِهَاب وشُهْبَان (٣). والحُسْبانة: الوِسادة، وجمعها: حُسْبَان، وحَسَّبْتُهُ: أجلسته عليها (٤). وقيل: وجعل (٥) الشمس والقمر حسباناً: بالنصب من غير الباء يفيد اعتدال نظام العالم، وذلك أن الله تعالى قدر أن يكون (٦) لها ثلاث حركات، إحداها: تحريك المحيط للكل من النقطة وإليها (٧) في كل يوم وليلة مرة واحدة، والثانية: حركة فلكهما الخاص لهما، بخلاف تلك الحركة من المغرب إلى المشرق، والثالثة: مالكل واحد منهما من الحركة في فلكها. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ الذي لا يغلب. ﴿الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ الذي لا يخفى عليه الدقيق والجليل. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ أي (٨): خلقها. ﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وتخصيصها بالاهتداء بها لا يدل على نفي ما عداه من المنافع. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾ تفصيل الآيات: تمييز كل واحدةٍ من الأخرى.

стр. 310

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم ﷺ . ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ قرئ: بالفتح والكسر (١)، فالكسر: اسم الفاعل بمعنى القار، والفتح: المصدر أو المكان، لأن استقر لازم. ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ يصلح للمفعول والمصدر والمكان، فمن قرأ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ بالكسر فالمستودع مفعول، فيكون تقديره: فمنكم مستقر ومنكم مستودع، ومن قرأ بالفتح: فالمستودع مثله في أن يكون مصدراً أو مكاناً (٢)، أي: فلكم مستقر ولكم مستودع. واختلفوا في معناهما: فقال ابن مسعود ﵁: فمستقر: في الرحم، ومستودع: في القبر (٣). ابن عباس ﵄: فمستقر: في الأرض، ومستودع: في الأصلاب (٤). ابن بحر: فمستقر: في أصلاب الرجال، ومستودع: في أرحام النساء (٥). قتادة: على الضد (٦). وقيل: فمستقر: في الدنيا، ومستودع: في القبر. وقيل: فمستقر: في الدنيا، ومستودع: في الآخرة. وقيل: فمستقر: مَنْ خُلِق، ومستودع: مَنْ لم يُخْلَق بَعْد. وقيل: فمستقر: الأب، ومستودع: الأم. ويحتمل: فمستقر: الجنة أو النار، ومستودع: من يوم خلق إلى أن صار إلى جنة أو نار. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ قال في الأولى ﴿يَعْلَمُونَ﴾ لأن الدلالة في الأولى أظهر، وفي الثانية ﴿يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ لأن الدلالة أغمض (٧). وفَقِهَ الشيءَ: عَلِمَهُ بما يتشعب منه، فَيُوْصَلُ إليه بإنعام النظر بعد معرفة ظاهره.

стр. 311

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب، وقيل: من جانب السماء ﴿مَاءً﴾ مطراً ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بالماء ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: كل شيء من النبات من الحبوب (١) والثمار. وقيل: رزق كل شيء من الحيوان. قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ بعد قوله: ﴿أَنْزَلَ﴾ محمول على تلوين الخطاب (٢) وله نظائر. وقيل: لا يمتنع (٣) أن يكون تقديره: قولوا فأخرجنا نحن بني آدم منه نبات كل شيء بكراب (٤) الأرض وطرح البذر وغرس الشجر، لأن النخل والرمان والعنب والحنطة والشعير والأرز لا ينبت حتى يغرس ويطرح البذر، ولولا الماء لما نفع طرح البذر ولا غرس الشجر، فيكون معنى ﴿أَخْرِجْنَا﴾: أخرجنا ما أنبته الله بفلاحتنا إلى الانتفاع به. ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ قيل: من الماء، وقيل: من النبات. ﴿خَضِرًا﴾ أَخْضَر، تقول: خَضِرَ يَخْضَرُّ خُضْرَةً، فهو خَضَر (٥)، وأَخْضَرَ واخْضَرَّ فهو مُخْضَرٌّ. ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ كالحنطة والذرة والشعير. ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ أي: وأخرجنا من النخل نخلاً ﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾، أي: ثمرها وكُفَرَّاها (٦) وما يطلع منها ﴿قِنْوَانٌ﴾ أعذاق، وهي لها كالأغصان، واحدها: قنو، ومثله: صنو وصنوان (٧)، لا نظير لهما. ﴿دَانِيَةٌ﴾ الحسن: ملتفة متداخلة (٨). غيره: مائلة (٩). وقيل: دانية من الجناة يجنونها قائمين وقاعدين. وقيل: دانية وغير دانية فاكتفى بأحد الضدين. وقيل: تقديره: ولهم من النخل ما هذه صفتها.

стр. 312

﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ أي (١): وأخرجنا جنات من أعناب. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ الزجاج: قرن الزيتون بالرمان لأنهما شجرتان متشابهتان (٢). ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ أي: يشبه بعضها بعضاً من وجه ويختلف من وجهٍ. وقيل: متشابه لونها ويختلف طعمها كالحامض والحلو من الرمان. ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ أي: إلى ثمر كل واحد مما تقدم. ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ أخرج ثمره. ﴿وَيَنْعِهِ﴾ اليَنْعُ: مصدر: يَنَعَ، أي: أدرك، وذا ينعه (٣): وهو النضيج منه. وقيل: يَنْع جمع يَانِع، كتاجر وتَجْر. وقرئ: (يُنْعِه) و (يَانِعِه) في الشواذ (٤). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ أي: من شأنه الإيمان بالآية ففيما سبق ذكره آيات (٥). ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ في سبب النزول عن الكلبي: إن الآية نزلت في الزنادقة، قالوا: إن الله وإبليس أَخَوَان، والله خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والحيات والسباع والعقارب، فذلك (٦) قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ (٧). ومعنى ﴿وَجَعَلُوا﴾: زعموا وسموا الجن شركاء لله. والواو في ﴿وَجَعَلُوا﴾ ضمير المشركين. وقيل: الجن بدل (٨) من شركاء.

стр. 313

والزنادقة: هم المجوس هاهنا، فمنهم من قال: الشيطان قديم، ومنهم من قال: إنه تعالى فكر في عظم ملكه فتولد من فكره إبليس، ومنهم من قال: بل شك في قدرته فتولد من شكه الشيطان. وهؤلاء أثبتوا نسباً على سبيل ما يتولد (١) الابن عن الأب. الحسن: أطاعوا الشيطان في عبادة الأوثان، فكأنهم جعلوهم (٢) شركاء لله في العبادة (٣). وقيل: الجن صنف من الملائكة وإبليس منهم، وهذا كقوله ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]. ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ أي: الجاعلين لله شركاء. وقيل: الجن. ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾ افتعلوا وافتروا له (٤). ﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ قالت العرب: الملائكة بنات الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله (٥)، وإن الله صاهر الجن فولدت الجنة أولاداً إناثاً هم (٦) الملائكة. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: بغير (٧) علم أن له بنين وبنات، فجمع لازدواج البنات. وقيل: بغير حجة دلتهم على ذلك. ويحتمل أن معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جهلاً منهم. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزه نفسه مُعَجَّبَاً (٨). ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾.

стр. 314

﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعهما لا على مثال غيره (١). سبق فَعِيْل بمعنى مُفْعِل (٢). والإبداع: إيجاد الشيء بلا (٣) واسطة. وقيل: ﴿بَدِيعُ﴾ أي: مبدوعة سماواته. ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ لأن الولد إنما يكون من الصاحبة، والصاحبة كفؤ الصاحب، وهو يقتضي المجانسة والمماثلة، والله سبحانه منزه عن الجنس والمثل والكفؤ. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ والمخلوق لا يكون كفؤاً للخالق. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ أي: وحدوه ولا تشركوا به شيئاً. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ فكلوا أموركم إليه. ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ الإدراك: اللحاق والإصابة، والأبصار: جمع بصر، وهو حاسة تدرك بها الرؤية. والمعنى: لا يدرك حقيقة ذاته أحد من خلقه. وليس هذا نفياً للرؤية. وقد جاءت الأخبار المتواترة بإثباتها، منها قوله ﷺ : (سترَوْن ربَّكم كما ترون القمر ليلة البدر) (٤).

стр. 315

وفي رواية: (كما ترون الشمس ليس دونها سحاب) (١). ومثله قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ ـ ٢٣]. وقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي: يعلم حقيقته وأنتم لا تعرفون حقيقة (٢) البصر وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون سائر أعضائه (٣). وذهب بعضهم إلى أن الإدراك إذا قرن بالبصر فالمراد به الرؤية، فهذا نفي الرؤية وليس هذا مذهب أهل الحق (٤). وقيل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في الدنيا وتدركه في الآخرة (٥)، أي: تراه. وقيل: إن الله تعالى يحدث للعبد حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس فيرونه بها. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ للتدبير (٦) ﴿الْخَبِيرُ﴾ العالم بالبادي والخافي من المخلوقات. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ جمع: بصيرة، وهي المقالة (٧) أو الحالة التي تُبَصِّر الحق، والمراد بها هاهنا: القرآن. ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ أي: استبصر بها واهتدى ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه مهد (٨)

стр. 316

﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ أي: أعرض عنها ﴿فَعَلَيْهَا﴾ أي: فعليها جنى ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ الحسن: بِرَبٍّ أُجازيكم (١). وقيل: لا آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم. ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: كما صرفنا الآيات التي سبقت. وهو: الإتيان بها واحدة بعد واحدة. وقيل: تصريفها: تقليب معانيها، بالعبارات المختلفة نصرف الآيات في القرآن. ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قرئ: (دَرَسْتَ) و (دارسْتَ) و (دَرَسَتْ) (٢). تقول: دَرَسْتُ: إذا قرأتَ على غيرك، ودَرَسَ الناقة: إذا (٣) ارتاضها، ودَرَسَ السورة: أي: قرأ السورة لتخفَّ على لسانه. فمن قرأ ﴿دَرَسْتَ﴾ أي: تلوت وقرأت كتب أهل الكتاب. ومن قرأ (دارسْتَ) أي: قَارَأْتَ أهل الكتاب فتعلمت منهم، زعموا أنه يتعلم من أبي فكيهة (٤) وجبر (٥)، فتكون اللام لام العاقبة والصيرورة (٦).

стр. 317

ابن عيسى: أي (١): يقرون بورود الآيات فتقوم الحجة الواضحة عليهم. وقيل: تكررت (٢) الآيات ليقولوا إذا سمعوا آية بعد آية دَرَسَتْ هذه علينا فيتذكرون الماضية، فعلى هذين: اللام لام كي. ومن قرأ (دَرَسَتْ) أي: هذه آيات تقادمت فانمحت، ولم يأت محمد بآية سوى ما أتى به، فيكون تقديره: لئلا تقولوا، وكراهة أن تقولوا دَرَسَتْ. ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ أي: القرآن ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾. والواو في قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ عطف على المعنى، أي: لتتم حجتنا عليهم وليقولوا. ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: اعمل بالقرآن. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾ منسوخة بآية السيف (٣). ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ رباً، وقيل: رقيباً. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾ قيم بأمورهم. ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ في رواية الوالبي: قالوا يا محمد: لتنتهين عن سبِّك (٤) آلهتنا

стр. 318

أو لنَهَجُونَّ ربك، فنهاهم الله (١) أن يسبُّوا أوثانهم فيسبُّوا الله عَدْواً (٢). السَبُّ: الذِّكر بالقبيح. والذين يدعون: هم الأصنام، ويحتمل: أنهم الكفار. والعَدْو والعُدوان والعُدُوّ: مصدر عَدَا، إذا تجاوز الحد. ومعنى ﴿يَدْعُونَ﴾: يعبدون. وقيل: من الدعاء. وإنما نُهُوا عن سبِّ الأصنام لأنه (٣) إغراء على الكفر والنفار عن الإيمان، ولأن (٤) السبّ ليس من فعل العاقل ولا من سبيل المناظر، ولأنها ما أذنبت فتسب. ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ من الطاعة والمعصية والخير والشر ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ فيجازيهم. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ بأوكد الأيمان وأعظمها حرمة عندهم (٥). وجَهْد: مصدر وقع (٦) موقع الحال، أي: مجتهدين. ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ أي: من التي اقترحوها من قوله ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، فلما نزلت هذه الآية (٧) اشتد طمع

стр. 319

المسلمين في إيمان القوم فسألوا النبي ﷺ أن يسأل الله إجابتهم إلى إنزال آية فأنزل الله (١): ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرته وسلطانه ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ أي: وما يشعركم أنهم يؤمنون عندها. ثم استأنف فقال (إنَّها إذا جاءَت لا يُؤمِنُون) لأنهم معاندون. ومن فتح (٢) فتقديره: لعلها إذا جاءت، وهو مذهب سيبويه (٣) والبصريين، وذهب الفراء (٤) والكوفيون إلى أن التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون. ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ابن عباس ﵄: نحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءهم (٥) ما اقترحوا ما آمنوا به كما لم يؤمنوا به أول مرة، يريد انشقاق القمر وغيره. وقيل: بالقرآن. وقيل: بمحمد ﷺ . وقيل: كما لم يؤمنوا به زمن موسى ﷺ أسلافهم (٦).

стр. 320

وقيل: نقلب أفئدتهم وأبصارهم في النار كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا، أي: جزاء لذلك. وقيل: معناه أنا نحيط علماً بذات الصدور وخائنة الأعين منهم. ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ في تجاوزهم (١) الحد في الكفر ﴿يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ يترددون متحيرين. ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ كما (٢) اقترحوا عليك فعاينوهم ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ بصحة نبوتك ووجوب الإيمان بك ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قبلاً: أي: معاينة. وقيل في قبل: إنها جمع قَبِيْل (٣)، وقَبِيْل جمع قبيلة، أي: جماعة جماعة وصنفاً صنفاً، وقيل: جمع قَبِيْل وهو الكفيل. ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لما سبق لهم من الشقاء (٤). ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إيمانهم فيهديهم، والاستثناء منقطع. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ فيقترحون الآيات. والكناية تعود إلى الذين حرصوا على إيمانهم. وقيل: تعود إلى الكفار الذين (٥) قالوا ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩].
следующие страницы →