← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ محمداً ﷺ ، ومن قرأ بالجمع (١)، فالمراد به محمد، وجميع الأنبياء (٢) ﵈. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ كانوا يُخَوِّفون النبي ﷺ بأن يناله من آلهتهم مكروه (٣). وقيل: نزل في شأن (٤) خالد بن الوليد (٥)، وقد أنفذه رسول الله ﷺ لِكسْر العُزَّى، فقال له سَادتها: أُحَذِّرْكَها يا خالد؛ فإنَّ بأسها شديد (٦). ونُزِّل تخويف خالد تنزيل تخويف النبي ﷺ . ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾ أي من أضله عن طريق الرَّشاد (٧) فلا يهديه غيره. وقيل: من أضله عن طريق الجنَّة. وقيل: الإضلال: الخذلان. ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ لا يخذله أحد (٨).

стр. 2557

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ في مُلكه ﴿ذِي انْتِقَامٍ (٣٧)﴾ من عدوه. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فسألهم النبي ﷺ عن ذلك فقالوا: الله خلقها، فقال الله لمحمد ﷺ : ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أصابني الله ببلاء ومرضٍ وضيق معيشةٍ (١). ﴿هَلْ هُنَّ﴾ يعود إلى معنى (ما). ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ شدَّته عنِّي. ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ نِعمة وصِحَّة (٢). ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ هل الأصنام تدفع عني ذلك؟ فسألهم النبي ﷺ عن ذلك فسكتوا، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ فهو يقيني من شرِّها (٣). التنوين والإضافة بمعنى (٤)؛ لأنَّها للاستقبال. و ﴿هَلْ هُنَّ﴾ في موضع المفعول الثاني لأرأيتم.

стр. 2558

﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ به يثق الواثقون. ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على ناحيتكم (١). وقيل: على قُدرتكم وما يمكنكم. مكانة (٢): مصدر مَكُنَ مكانة، وقيل: على شِرككم. ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على مكانتي (٣). ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يُهِيْنُه (٤)، أي: في القيامة. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾ دائم لا يفارقه (٥) (٦)، قيل: هذا تهديد. وقيل: منسوخ بآية السِّيف (٧) (٨). ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: القرآن (٩). ﴿لِلنَّاسِ﴾ لجميع الناس. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بسبب الحق ليعمل به، وقيل: بالخبر عمَّا هو حقٌّ وكائن.

стр. 2559

﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ إلى الحقِّ ولَزِمه ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ نفع ذلك. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ فارَقَ الحقَّ ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي فوبال ذلك على نفسه. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾ بمُسَلَّطٍ (١) تحملهم على الإيمان، إنّما عليك البلاغ. ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي الله يتوفَّى الأنفس مرَّتين، مرَّة حين موتها، ومرَّة حين نومها، فيكون ﴿فِي﴾ متعلق (٢) بيتوفى (٣). قال الفَرَّاء: " ﴿فِي﴾ متعلقة بالموت على تقدير: ويتوفى التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها " (٤)، والأول أظهر. والتي تُفارق عند الموت: هي ما يمتاز الميت عن الحي به، وهي نفس الحياة فيمسكها عن الجسد، والتي تفارق عند (٥) النوم: هي ما يمتاز به النائم من اليقظان، وهي نفس التمييز والعقل، فيرسلها إلى أجلٍ مُسَمَّى (٦). وقيل: يقبض أنْفُسَ الأحياء والأموات، فيمسك أنفس الأموات، ويرسل أنفس الأحياء من غير غلطٍ. ويُحْتَمل: أنَّ التَّوفِّي الأول إماتة كقوله: ﴿* قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، وأن الثاني: إنامة كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] (٧).

стр. 2560

وروي أن في التوراة: يابن آدم كما تنام تموت، وكما تستيقظ تبعث (١). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما تقدَّم ﴿لَآَيَاتٍ﴾ لدلالات على (٢) البعث ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ في ... ﴿أَمْ﴾ أقوال: قال بعضهم: هي المعادِلة لهمزة الاستفهام، وتقديره: أعبدوا الأوثان؛ لأنها خَلَقت الكائنات، أم لأنها تدفع المكروه؟ أم لأنها تشفع لهم (٣)؟. وقيل: هي عديلة الألف في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. وقيل: هي جواب لما في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، أي هل يتفكرون في ذلك فيقرِّون بالبعث، أم يزعمون أنَّ مع الله غيره له شفاعة (٤). والشفيع: هو (٥) الذي يصير الطالب به شفعاً، مأخوذ من الشفْع. وقيل: الشفيع هو الأولى بالشيء كشفيع الدار والعقار (٦). ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ ﴿أَوَلَوْ﴾: تقريرٌ، أي كيف تُرجى الشفاعة ممن لا يملك شيئاً ولا يعقل؟ (٧). وقيل: هؤلاء قوم عبدوا ما يَعقِل فقيل لهم الأمر فيما يعقلُ والجماد سواء. ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ فلا يشفع ولا يملك أحدٌ الشفاعة إلا بإذنه. وانتصبَ ﴿جَمِيعًا﴾ الحال (٨)، وليس بتأكيد؛ لأنَّه لو كان تأكيداً لقال: جمْعاً. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ إذا قيل له: لا إله إلا الله (٩). وقيل: إذا قرئ: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ انقبضت. وقيل: استكبرت، وقيل: نفرت، وقيل: أنِفَت (١٠). وانقبضت أحسنُ ليقع في مقابلة يستبشرون (١١)؛ لأن الاستبشار: انبساط الوجه، والاشمئزاز: التَّقَبُّض (١٢). ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي الأوثان. ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ وفي بعض التفاسير: أنَّ هذا كان يوم قرأ ﷺ سورة: والنَّجم، وذكر آلهتهم فاستبشروا (١٣).

стр. 2561

ويقال: إنه سمع في تلك المحفل (تلك الغرانيق العُلى وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتجى) فاستبشروا (١). ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ السِّر والعلانية، وما غاب عن العباد، وما لم يغب، وما مضى، وما هو كائن. ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ أي تقضي بينهم في الآخرة، وقيل: خبر معناه الدعاء، وقيل: هذه محاكمة من النبي ﷺ للمشركين إلى الله. و (فاطرَ): نصب على النداء (٢)، أي: يا فاطرَ السماوات، وليس بوصف لقوله: ﴿اللَّهُمَّ﴾، وذهب المُبَرِّد والفَرَّاء إلى أنه وصفٌ لله (٣). ﴿فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾ أي في الدِّين (٤). ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ الهاء تعود إلى (ما). ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ﴾ شدَّة العذاب. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لو كان يُخَلِّصهم ذلك، وقيل: لا يقبل منهم ذلك. ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ أي ظهر لهم.

стр. 2562

﴿مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾ في الدنيا أنَّه نازل بهم، أي: ظنُّوا أنَّ لهم ثواباً على حسناتهم فلم ينفعهم (١) حسناتهم مع الشِّرك بالله (٢). وقيل: لأنَّهم كانوا ينكرون البعث. والاحتساب: الاعتداد بالشيء من جهة دخوله فيما يحسبه (٣). ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي عقاب ذلك. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾ ... أحاط بهم جزاء استهزائهم. ﴿فَإِذَا مَسَّ﴾ أصاب. ﴿الْإِنْسَانَ﴾ الكافر، عامُّ (٤). وقيل: أبا جهل، وقيل: أبا حذيفة بن المغيرة. ﴿ضُرٌّ﴾ بلاء وشدَّة ومرض. ﴿دَعَانَا﴾ أخلص في الدعاء. ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾ أعطيناه. ﴿نِعْمَةً مِنَّا﴾ صحَّة، أي بدَّلنا ذلك، والتخويل: الإعطاء على غير الجزاء (٥). ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ إي بفضل علمٍ (٦) عندي كسِبته (٧).

стр. 2563

وقيل: بعلمي وحِيلتي وكياستي توصَّلت إليه. وقيل: على علمٍ منِّي بالدَّواء. وقيل: على علمٍ من الله أنَّي أستحقُّه. وقيل: علمٌ يرضاه منِّي. ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي التي خوَّلناها إيَّاه (١). ﴿فِتْنَةٌ﴾: بلاء واختبار؛ لننظر أيشكر أم يكفر؟. وقيل: ﴿بَلْ هِيَ﴾ الشِّدَّة والضُّر. وقيل: مقالته (٢)؛ لأنه يُعذَّبُ عليها. ابن بحر: " ﴿فِتْنَةٌ﴾: عذاب؛ لأنه أضافه (٣) إلى غير موليه " (٤). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩)﴾ أنَّها فتنة، وقيل: لا يعلمون أنَّها من الله. قَدْ ﴿قَدْ قَالَهَا﴾ أي هذه المقالة (٥). ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قارون (٦)، حيث قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] (٧).

стр. 2564

﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠)﴾ لم ينفعهم مالهم. وقيل: عبادتهم الأوثان. ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ جَزَاهُ (١)، وقيل: سُمِّي سيئة للازدواج كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا. ﴿مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ من كفَّار أمَّتك (٢). ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ مثل ما أصابهم. ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)﴾ فائتين من عذاب الله (٣). ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُوسِّع (٤). ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضَيِّق (٥)، وقيل: يجعله على قَدْرِ القُوْتِ (٦) (٧).

стр. 2565

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ بأنَّ الرِّزق من الله لا كمن قال: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾. ﴿* قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ في سبب النزول: قال ابن عبَّاسٍ ﵄: نزلت في أهل مكَّة قالوا: يزعم محمد ﷺ أنَّ من عبد الأوثان، وقتل النَّفس التي حرَّم الله لن يُغْفر له، ونحن قد عبدنا الأوثان، وقتلنا الأنفس، فأنزل الله هذه الآية (١). ابن عمر ﵄: نزلت في عيَّاش بن أبي ربيعة (٢)، والوليد بن الوليد (٣)، ونفر من المسلمين أسلموا ثمَّ عُذِّبوا فارتدُّوا فنزلت فيهم.

стр. 2566

قال: وكان (١) عمر ﵁ كاتباً فكتبها إلى عيَّاش، والوليد، وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا (٢). وقيل: نزلت هذه الآيات بالمدينة في الوحشي (٣)، وقد سبق (٤). والمعنى: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب. ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ لا تيأسوا من مغفرة الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ قيل: يغفرها بالعفو عنها جميعاً (٥) إلا الشرك (٦).

стр. 2567

وقيل: يغفرها بالتَّوبة منها. وقيل: يغفر الصغائر باجتناب الكبائر. وعن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "ما أحب أنَّ لي الدنيا وما فيها بهذه الآية " (١). ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ توبوا إليه والتمسوا رحمته. ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ وانقادوا له بالطاعة فيما يأمركم به، وقيل: أخلصوا له. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ قيل: هذه الآية متَّصلة بما قبلها. وقيل: الكلام قد تمَّ على الآية الأولى، ثمَّ خاطب الكفَّار بهذه الآية فقال: وَأَنِيبُوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المأمور دون المنهي (٢) عنه. وقيل: النّاسخ دون المنسوخ، وزيَّفه بعضهم (٣). وقيل: العزائم دون الرُّخص، وقيل: العفو دون القصاص. وقيل: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾: القرآن فيه ذِكرُ القبيح ليُجتنب منه، وذِكْرُ الأَدْون لِيُرغب عنه، وذِكر الأحسن ليختاره، (٤) وقد سبق.

стр. 2568

﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ فجأة (١). وقيل: الموت فيقعوا (٢) في العذاب. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾. ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ كراهة أن تقول نفس (٣)، وقيل: لأن لا تقول نفسٌ، وقيل: قبل أن تقول نفس، وقيل: احذروا أن تقول نفسٌ. ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ الألف بدل من ياء المُتَكَلِّم (٤). ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ قصَّرتُ، والتفريطُ: إمهال ما ينبغي أن يُقَدَّم (٥). ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ في أمر الله. قال: أما تتقين الله في جنب عاشق ... له كبد حرَّى عليك تقطع (٦) الحسن: " في ذات الله " (٧).

стр. 2569

وقيل: في ذكر الله، وقيل: قرب الله من الجنَّة، من قوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]. ابن عيسى: " في طاعة الله " (١). الزَّجاج: " في طريق الله (٢) الذي دعاني إليه" (٣). ابن بحر: " الأمر كلُّه طريقين هُدى وضلال فكلُّ واحد منهما جانب، وجنب، أي في جانب هدى الله " (٤). ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)﴾ المستهزئين بالقرآن، والنبي، والمؤمنين (٥). قتادة: "لم يكفهم ما ضيعوا من أمر الله وطاعته حتَّى سخروا ممن أطاع الله " (٦). ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَن اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾ أي مرَّة تقول هذا ومرَّة تقول ذلك (٧). وقيل: إن قوماً تقول ذلك، وبه قوماً تقول هذا (٨). ابن عبَّاس ﵄: " [أخبر عمَّا سيقوله الكفَّار ويفعلونه " (٩) والمعنى] (١٠): لو أرشدني إلى دينه لكنت من المتقين الذين يتقون الشرك (١١).

стр. 2570

وذهب بعض المفسرين إلى أنَّ هذا كذب منهم لقوله: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾. وذهب بعضهم إلى أنَّ المعنى: لو أنَّ الله هداني وردَّني إلى دار التكليف مرة أخرى لكنت من المتَّقين، لقوله (١): ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَن لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ أي الموحِّدين (٢). ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ﴾ أي يقال لهذا القائل: قد جاءتك ﴿آَيَاتِي﴾ يعني القرآن. ﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾ وروت أمَّ سَلَمَة (٣) عن النبي ﷺ : ﴿بلى قد جاءتكِ آياتي فكذبتِ واستكبرتِ وكنتِ﴾ (٤) بالتأنيث خطاباً للنَّفس (٥).

стр. 2571

﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ بأنَّ له ولداً وصاحبة وشريكاً (١). ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ بما ينالهم من لفح النار، وقيل: هو من قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. ووجُوهُهُم: رُفع بالابتداء، ومسودَّةٌ: بالخبر، والجملةُ في محل نَصْبٍ على الحال، وحُذف واو الحال اكتفاءً بالضمير العائد منها، أي (٢) ذي الحال (٣). ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ منزلاً ومقاماً. ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ عن الإيمان. ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ المفاز والمفازة، كالمكان والمكانة، وهي المَفْعلة من الفَوْز مصدرٌ (٤)، ومن جَمَعَ (٥) فلاختلاف أجناسها (٦) (٧). والمعنى: بما استحقُّوا من الفوز، وقيل: بإيمانهم، وقيل: بأعمالهم، وقيل: باجتنابهم من الذُّنوب والمعاصي. والباء للسَّبب، وقيل: هي التي تجري مجرى الآلة -تعالى الله -، أي بالذي يليق بهم (٨). ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ النار (٩).

стр. 2572

﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾ لأنَّهم نالوا ما أرادوا، والمعنى: لا يمسُّ أبدانهم أذىً، ولا قلوبهم حَزَنٌ. وقال الماوردي: " بما سلكوا مفاوز الطاعات الشاقَّة من مفازة السَّفر " (١). وهو ركيكٌ. ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ردّ على الثنوية (٢). ابن الهَيْصَم (٣): " أي كلُّ شيءٍ بائنٌ منه " (٤). ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ حافظ (٥)، وقيل: كَفِيلٌ بأرزاقهم. ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي (٦) مفاتيحها، واحدها مَقْلِيد ومِقْلَد. وقيل: إقليد، وقيل: لا واحد لها من لفظها، وقيل: المِقليد: المفتاح، والقفل أيضاً، تقول: أقلَدَ (٧) بابه إذا أغلقه وإذا فتحه. وقيل: إقليد مُعَرَّب من قولهم: إكليد بالفارسية. ومقاليد السماوات [والأرض: خزائنها، فمقاليد السماوات:] (٨) الأمطار، ومقاليد الأرض: النَّبات (٩).

стр. 2573

وعن النبي ﷺ : " مقاليد السماوات والأرض: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان (١) الله وبحمده، أستغفر الله، لا قوة إلا بالله، الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، يحيي ويميت، وهو على كلِّ شيء قدير " (٢). والمعنى: لا ينزل من السماء مَلَكٌ، ولا قطرة، ولا ينبت من الأرض نبات إلا بإذنه. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ جحدوا قدرته على ذلك ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾. ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ أي قلْ لهم بعد هذا البيان: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ بتوحيد الله، وذلك أنَّ قُريشاً دعته إلى دين آبائه (٣). ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ ابن عبَّاس ﵄: " هذا أدبٌ من الله لنبيه وتهديد لغيره؛ لأنَّ الله عصَمه من الشِّرك، ومُداهنة الكُّفار " (٤). وقيل معناه: هذا حالك فكيف حال غيرك، وقيل: خطاب للنبي ﷺ ، والمراد به غيره، وتقديره: ولقد أوحي إليك، وأُوحي إلى الذين من قبلك بمثل ذلك، فأخبر عن الأول، وكفَّ عن الثاني.

стр. 2574

ومعنى: ﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾: ليفسُدَّنَّ، من قولهم: حبط بطنه، إذا فسد من داء معروف (١)، وقد سبق (٢). ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ بالمصير إلى العقوبة. [قُرئ: ﴿تأمرونني﴾ على الأصل (٣)، و ﴿تأمرونِّي﴾: بالإدغام (٤)، و ﴿تامرونِي﴾ ... بالحذف تخفيفاً (٥)، وقد سبق له نظائر (٦). (غيرَ) منصوب من وجهين: أحدهما بأعبد (٧) على تقدير: أعبد غير الله فيما تأمرونني. والثاني: بتأمرونني، وتقديره: أتأمرونني بغير الله، أي بعبادة غير الله. وأن مُقَدَّر مع أعبد، وهما بدل من (غيرَ)، و (غَيرَ) المفعول الثاني، والياء المفعول الأول. ولا يجوز أن ينتصب بأعبد على هذا التقدير؛ لأنَّ أنْ (٨) المقدَّرة مع الفعل في تأويل المصدر، ولا يتقدَّم عليه ما في صِلته.

стр. 2575

وأجاز ذلك قوم فقالوا: لَمَّا حُذِف أنْ بطل حكمه، وهذا فاسدٌ عند الحُذَّاق] (١) (٢). ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ وحِّده وأطعه. ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ إنعامه عليك. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما وصفوه بوصفه الذي يجب له، وما عظَّموه حقَّ عظمته. والقَدْر والقَدَر في اللغة: ما عليه الشيء من مساواة أو زيادة أو نقصان (٣)، فكأنَّه قال: ما أعطوه في الوصف ما استحقَّه، وما قدَّروا فيه التقدير الذي هو حقّ التقدير فيه. في سبب النزول عن الأَعْمَشِ (٤) (٥) عن عَلْقَمُةَ (٦) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " أتى النبي ﷺ رجلٌ من أهل الكتاب، وقال: يا أبا القاسم بلغك أنَّ الله يحمل الخلائق على إِصْبِعٍ، والأرضين (٧) على إِصْبِعٍ، والسماء على إِصْبِعٍ، والبحور على إِصْبِعٍ، والثرى على ... إِصْبِعٍ

стр. 2576

(١) فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه (٢)، فأنزل الله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ " (٣). القبضة تُذكر، والمراد بها ما قبضتَ عليه بجمع كفِّك، وتُذْكَرُ (٤) والمراد بها: ما في تصرُّفك، كما يكتب في الشروط صارت (٥) الدار في مُلكه وقبضه (٦)، والتي في الآية منها (٧)؛ لأن المراد

стр. 2577

بها: شدَّة التَّمكن من مُلك الشيء، والمبالغة في القُدرة على التَّصرُّف فيه تصرُّفك في الشيء الحاصل في الكفِّ. وقيل: المراد به قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قيل: بقدرته وقوَّته، من قول الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . . ... تَلَقَّها عُرَابةُ باليمين (١) وقيل: بقَسَمه؛ لأنَّه حَلف أنَّه يطويها، ويفنيها. وقيل: بيمينه بيده، ولله يدان كلتاهما يمينان (٢)، وهذا جواب لليهود حين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤].

стр. 2578

وقيل: ملكه من قولهم: مُلْكُ اليمين. ومعنى: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: مستولٍ عليها استيلاؤك على الشيء المطويِّ عندك وبيدك (١). وقيل: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: يوم القيامة، من قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: والأرض جميعاً قبضته والسماوات مطويات بيمينه يوم القيامة. والمذهب والمعتقد في هذا وأمثاله التَّنزيهُ عن التشبيه، والوصف بالجسم، والعَرض والكيف والكَمُّ والزَّمان، وما رواه المفسِّرون في هذه الآية فكُلُّها مؤولٌ (٢). من ذلك ماروي عن ابن عبَّاس ﵄ أنه قال: " ما السماوات السبع، والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم " (٣). ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ نزَّه نفسه (٤) عمَّا لا يليق به من الصِّفات، ونصب ﴿جَمِيعًا﴾ على الحال، كما تقول: هذا بُسْراً أطيبُ منه رُطَباً. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ الأكثرون على أنَّه قرن ينفخ فيه إسرافيل (٥). وقال بعضهم: الصُّور والنَّاقور واحدٌ. وقال بعضهم: الصُّور: جمع صُوْرة، وقد سبق (٦).

стр. 2579

وقيل: هذا مثلٌ للنُّزول والرَّحيل، وقيل: إنَّه علامة لتصَوُّر العقل أجزاء الأمر، ثمَّ تجديد الخلق. قال الكلبي: "لا أدري ما هو " (١). والنَّفخة اثنتان: الأولى للموت، والثانية للبعث، وبينهما أربعون سنة (٢). الحسن: " بينهما أربعون، ولم يُفَسِّر " (٣). والأكثرون على أنَّه ثلاث نفخات: الأولى للفزع؛ والثانية للموت، والثالثة للإعادة (٤). ﴿فَصَلِّ﴾ الحسن: " مات " (٥). وقيل: مات بحال هائلة شديدة. ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ جاء في الخبر أنَّهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت (٦). وقيل: هم حملة العرش. وقيل: موسى ﵇ من المُسْتَثْنين؛ لأنَّه صُعِق مرَّة. وقيل: هم الشُهداء وهم مُتقَلِّدون السيوف حول العرش (٧). ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ من قبورهم.

стр. 2580

﴿يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ إلى البعث، وقيل: ينتظرون أمر الله فيهم. ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أضاءت أضاءة دائمة عامَّة لجميعها لا ظلمة عليها؛ لأنَّه نهار لا ليل بعده (١). الزَّجاج: " لمَّا أراد الله الحساب والمجازاة أشرقت الأرض بنور الله " (٢) (٣). [وقيل: أشرقت بعدله؛ لأنَّها كانت مظلمة بالجور، وقيل: يخلق نوراً للأرض. وقيل: أرض الجنَّة. وقيل: أُلْبِسَتِ الأرضُ الإشراقَ بنور الله] (٤) (٥). ابن جرير: "ذلك حين يبرز الرحمن ﷻ (٦) لفصل القضاء بين عباده " (٧). ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ يعني: كُتُبُ الأعمال للمحاسبة والجزاء (٨). وقيل: وضع ما في أيدي أصحابه (٩) حتى يقرؤوا منها أعمالهم.

стр. 2581

وقيل: ﴿الْكِتَابُ﴾: هو اللوح المحفوظ يقابل صُحُفَ أعمالِهم (١) بما في اللوح المحفوظ (٢). ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ ليسألهم ربُّهم عن تبليغ الرِّسالة، وما أجابهم قومهم. ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣] (٣). وقيل: الشُّهداء: هم الأبرار في كل زمان يشهدون على أهل (٤) ذلك الزَّمان. وقيل: الشُّهداء: هم الذين قتلوا في سبيل الله. وقيل: هم الملائكة. وقيل: الجوارح، والمكان والزمان. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين العباد. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالعدل.

стр. 2582

﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ لا يُنقص أحدٌ شيئاً مما استحقَّه. ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أي جزاؤه (١). ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾ فلا يخفى عليه شيء. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ سوقاً عنيفاً يسحبون على وجوههم إلى جهنم (٢). ﴿زُمَرًا﴾ جماعةً جماعة (٣) (٤)، وقيل: جماعات في تفرقة، وقيل: أفواجاً وأمماً. ابن عيسى: " الزُّمْرة: الجماعة لها صوت كصوت المِزمار، وأنشد: له زجلٌ (٥) كأنه صوت حادٍ ... إذا طلب الوسيقة أو زميرُ " (٦) (٧). وإنَّما يساقون زمرة زُمرة؛ لأنَّه تُحشر (٨) أمَّة بعد أمَّة مع إمامها إلى الجنَّة أو النَّار. وقيل بعضهم: قبل الحساب، وبعضهم بعد الحساب. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ وهي سبعة لقوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. وكانت قبل ذلك مغلقة ففُتحت للكفَّار (٩). ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ من بني آدم.

стр. 2583

﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يأخذون إقرارهم بأنَّهم استحقوا العذاب. ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ كلمة العذاب، قوله سبحانه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: (١١٩)، السجدة: (١٣)] (١). وقيل: ظهر حقُّها بمجيء مصداقِها. وقيل: ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: علم الله السابق، وكان القياس: ولكن حقَّت كلمة العذاب علينا، وإنَّما عدل إلى الغيبة؛ لأنَّ التقدير قالوا: بلى، ولكن كفرنا فحقَّت كلمة العذاب على الكافرين. [ويُحتمل أن قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ من كلام الله] (٢). ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال مُقَدَّر (٣)، وقيل: عالمين أنَّكم تُخَلَّدون. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾ المذموم محذوف وهو النار (٤). ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ ذكر بلفظ (سيق) لازدواج الكلام (٥).

стр. 2584

﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ قيل: الواو زيادة، وقد تزاد (١) الواو في جواب ﴿حَتَّى إِذَا﴾، وفي جواب: فلمَّا، وقيل: الواو للحال، والجواب محذوف، فقال بعضهم: سُعِدوا بدخولها. وقيل: الجواب مُقَدَّر تقديره: إذا جاؤها جاؤها وفتحت أبوابها. وقيل: مُقَدَّر في قوله: فادخلوها، أي إذا جاؤها دخلوها. وقيل: الواو في قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ زيادة، وقيل: الواو واو الثمانية، وهي الدالة على أن الأبواب ثمانية، وفيه ضعف عند النحويين، وقد سبق شرح ذلك في قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] في سورة التوبة. ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ جمع خازن مثل: كَتَبَة. ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ يُسَلِّمون عليهم إكراماً لهم بإذن الله. وقيل: سلمتم من أحزان الدنيا، وأهوال القيامة. ﴿طِبْتُمْ﴾ جاء في التفسير: "أنَّ أهل الجنَّة إذا انتهوا إلى بابها وجدوا عندها (٢) عينين تجريان (٣) من ساق شجرة فيتطهرون من إحديهما فتجري (٤) عليهم نضرة النعيم، فلم ... تغير (٥) أبشارُهُم بعدها أبداً، ويشربون من الأخرى فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى، فيقول لهم الخزنة: ﴿طِبْتُمْ﴾ " (٦).

стр. 2585

﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ وقيل: كنتم طيبين في الدنيا، وقيل: طبتم نفساً بما نلتم من الجنة ونعيمها، وقيل: كنتم طيبين (١) بأفعالكم الصالحة. الفَرَّاء: " ﴿طِبْتُمْ﴾: زكوتم فادخلوها خالدين " (٢). ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ أي: أنجز ما وعدنا في الدنيا من نعيم العُقبى. وقيل: ما وعدنا في الدنيا من النُّصرة والفتح. ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ يريد أرض الجنَّة عند الجمهور (٣). ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ نتَّخذ منها (٤) لأنفسنا منازل (٥). ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾ في الدنيا الجنَّة (٦)، وقيل: الأرض أرض الدُّنيا بجهادنا. ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ﴾ محدقين بحفافَيْه، أي جانبيه، وذلك بعد أن أحياهم الله (٧). و ﴿حَافِّينَ﴾ نصب على الحال؛ لأن ترى من رؤية العين (٨).

стр. 2586

الفَرَّاء: " لا واحد لها؛ لأنَّ هذا الاسم لا يقع لهم إلا مجتمعين " (١). وقيل: الحافُّ بالشيء الملازم له (٢). ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (من) زيادة، وقيل: لابتداء الغاية، أي ابتداء حفوفهم من حول العرش إلى حيث شاء الله (٣). وقيل: متَّصل بالرؤية. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ تلذُّذاً لا تعبُّداً (٤)، والباء للحال، أي حامدين. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بين الخلق، وقيل: بين الأنبياء وأممهم. وقيل: تكرارٌ لقوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾، وقيل: هو حالٌ، وقد مقدَّر معه، أي يسبِّحون بحمد ربهم، وقد قضي بينهم بالحق. ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ ﴿وَقِيلَ﴾: استئناف، أي: ويقضي بينهم بالحق، ويقال: الحمد لله ربِّ العالمين، أي الحمد لله (٥) على ما قضى بيننا، ونجَّانا من القوم الظالمين. الزَّجَّاج: " إن الله ابتدأ خلق الأشياء بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، كذلك (٦) ختم بالحمد (٧) فقال لمَّا استقر أهل النار في النار وأهل الجنَّة في الجنَّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " (٨).

стр. 2587

وقيل: هذا كقوله: ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠]، أي على ما جازانا من نِعمه وإحسانه. وقيل: هذا من كلام الملائكة، أي: الحمد له دائم، وإن انقطع التكليف.

стр. 2588

سورة المؤمن (١) [خمسٌ وثمانون آية مكية] (٢) (٣). ابن عباس ﵄: " الحواميم كلُّها مَكِّيَّة " (٤) (٥). مجاهد وقتادة (٦): " حم المؤمن مَكِّيَّة إلا آيتين منها نزلت بالمدينة، قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ﴾، والتي بعدها " (٧). الحسن: "مكِّية، إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾؛ لأنَّ الصلوات فرضت بالمدينة " (٨). ابن مسعود: " إذا وقعتُ في آل حميم وقعتُ في روضاتٍ دَمِثَاتٍ (٩) أتأنَّق فيها " (١٠).

стр. 2589

وزاد بعضهم: " فإنَّها ديباج القرآن " (١). وعن النبي ﷺ أنَّه قال (٢): " من أراد أن يرتع (٣) في رياض (٤) الجنَّة فليقرأ الحواميم " (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ ﴿حم (١)﴾ سبق القول في الحروف. وقيل: حم: اسم الله الأعظم، وقيل: اسم القرآن، وقيل: اسم السورة، وقيل: قَسَمٌ، وقيل: محمد ﷺ وقيل: حم: ما هو كائن. ابن عباس ﵄ " ﴿الر﴾، ﴿حم﴾، ﴿ن﴾، مجموع الرحمن " (٦). وروي أن أعرابياً قال للنبي ﷺ : " ما حَمَ؟ فقال: " بدء أسماء، وفواتح سور (٧) " (٨).

стр. 2590

﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ خصَّ العزيز؛ لأن المعنى: التنزيل من الله، وليس من تقوُّل محمد كما زعمه الكُّفار ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ [الحاقة: ٤٤ ـ ٤٥]؛ فإنه العزيز لا يُغالب، ولا يمتنع عليه شيء. ﴿الْعَلِيمِ﴾: الواسع المعلوم. ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ يستره ولا يفضح صاحبه يوم القيامة. ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ التَّوب والتَّوبة مصدران، وقيل: (التَّوب): جمع توبة على أنَّها اسم (١)، أي: ما ذنبٌ تاب منه العبد إلا قبل توبته، وقيل: هذا تكرار فإنَّهما بمعنى واحد. وقيل: غافر الذنب الصغير، وقابل التَّوب عن الذنب الكبير. وقيل: غافر الذنب بإسقاط العقاب، وقابل التَّوب بإيجاب الثَّواب. ويحتمل أن فيها تقديماً وتأخيراً، أي قابل التَّوب وغافر الذَّنب. ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ إذا عاقب فعقابه شديد. ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: ذي النِّعم والقُدرة والغنى والخير والمنِّ والفضل، وكلَّها أقوالٌ (٢). وخفض ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ من وجهين: أحدهما: البدل؛ لأنَّهما نكرتان في معنى المستقبل.

стр. 2591

والثاني: الصِّفة على أنه وقع لفظ الماضي موضع المُستقبل كأكثر ألفاظ القيامة، وقد سبق في ... ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: (٤)]، فيكون معرفة (١)، وقيل معناه: من شأنه غفران الذُّنوب فيما مضى، وفيما يُستقبل. ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أي (٢): على الشِّرك، وهذا بدلٌ لا غير (٣). ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: معرفة يجوز فيه البدل والوصف. ثمَّ وحَّد نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ المرجع في الآخرة. ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ﴾ ما يخاصم فيها بالتكذيب بها، والإنكار لها (٤). ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أصلُ المجادلة من جَدَلْتُه، أي فتلته. وقيل: من الجدالة وهي وجه الأرض، أي: يجادل لكل واحد صَرْع صاحبه عليها (٥). والمجادلة تستعمل بين مُبطلين، أو مُبطل ومُحقِّ والمناظرة تسعمل بين مُحقِّين أو مُحِق ومُبطل (٦). ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾ بالتِّجارات والغنى، وقيل: يريد رحلة الشتاء والصيف، وقيل: سالِمين؛ فإنَّ عاقبتهم النار ثمَّ صرَّح فقال:

стр. 2592

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ في بعض التفاسير: نزلت في الحارث بن قيس ... السَّهمي (١)، أحد المستهزئين (٢). قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل قومك. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نُوحاً. ﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وهم الذين تحزَّبوا على الأنبياء بالتكذيب (٣). ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ ليقتلوه ويهلكوه لقوله: ... ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾. وقيل: ليأسروه، والأسير: الأخيذ، وقيل: ليبطشوا به، من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: (١٠٢)] (٤)، وأخذ الناس لا يستخدم إلا في مكروه (٥). ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾ ما لا حقيقة له. قتادة: " بإبليس " (٦).

стр. 2593

﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ليُزِيلوا به. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ فأهلكتهم بالعقوبة. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ قيل: هذا سؤال عن صدق العذاب، وقيل: عن صفة العذاب (١). قال قتادة: "شديدٌ والله " (٢). ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثل ذلك ﴿حَقَّتْ﴾ وجبت. ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ ما أوجب الله بوعيده. ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ أي: لأنَّهم وبأنَّهم (٣)، وقيل: بدل من الكلمة، ومحله رفع. ثُمَّ أخبر بفضل المؤمنين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ يريد حاملي العرش، والحافِّين حوله، وهم الكَروبيون سادة الملائكة (٤). ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: يسبِّحون الله ويحمدونه، وقيل: الباء يدلُّ على أنَّ تسبيحهم بالحمد له، كما تقول: يُعظِّمونه بالحمد له. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: يُسَبِّحون تسبيح تلفُّظ لا تسبيح دلالة، ويحتمل أنَّه مُقَدَّم ومؤخَّر.

стр. 2594

﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ للمؤمنين ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون ﴿ربَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: نالت رحمتك في الدُّنيا كلَّ شيء (١). و ﴿رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ نُصب على التمييز، وصرف الفعل عنه (٢). ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ رجعوا عن المعاصي. ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ دينك الإسلام (٣). ﴿وَقِهِمْ﴾ وادفع عنهم ﴿عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾. ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ﴿وَمَنْ﴾ عطف على المُضمر في ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ أي: ليتم أنسهم بالاجتماع، وقيل: عطف على ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾ (٤). ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ لا يمتنع عليك شيء. ﴿الْحَكِيمُ﴾ يضع الشيء موضعه. ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني عذاب النار (٥)، وقيل: الكُفر. وقيل: اصرف عنهم سوء عاقبة سيئاتهم.

стр. 2595

وقيل: الضمير يعود إلى الآباء والأزواج والذُّرِّيات فإنَّه قد دعا لهم أولاً (١). ... ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ﴾ أي: دفع العذاب. ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ﴾ لمَّا عاين الكُفَّار النَّار ودخلوها مقتوا أنفسهم، يريد: لاموها (٢)، وغضبوا عليها فنادتهم خزنة النار، أي: يقولون لهم بصوت رفيع: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: مقت الله إيَّاكم، يريد: غضبه وسخطه أكبر من مقتكم بعضكم أنفسكم في القيامة (٣). ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ﴾ في الدُّنيا (٤) ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ وقيل: تثبتون على الكُفر. و ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ منصوب بفعل مُضْمَر دلَّ عليه المقْت، ولا يُنْصَب بالمقت الأول؛ للاعتراض بالخبر، ولا بالثاني لاختلاف الزمانين. ويحتمل: أن ينتصب بالمقت الثاني فيكون من باب: الصَّيفَ ضيَّعتِ اللبنَ (٥) (٦). ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الموتة الأولى: النُّطفة، والموتة الثانية عند انقضاء الأجل، والحياة الأولى في الدنيا، والثانية في القبر.
следующие страницы →