← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

والثاني: الصِّفة على أنه وقع لفظ الماضي موضع المُستقبل كأكثر ألفاظ القيامة، وقد سبق في ... ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: (٤)]، فيكون معرفة (١)، وقيل معناه: من شأنه غفران الذُّنوب فيما مضى، وفيما يُستقبل. ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أي (٢): على الشِّرك، وهذا بدلٌ لا غير (٣). ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: معرفة يجوز فيه البدل والوصف. ثمَّ وحَّد نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ المرجع في الآخرة. ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ﴾ ما يخاصم فيها بالتكذيب بها، والإنكار لها (٤). ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أصلُ المجادلة من جَدَلْتُه، أي فتلته. وقيل: من الجدالة وهي وجه الأرض، أي: يجادل لكل واحد صَرْع صاحبه عليها (٥). والمجادلة تستعمل بين مُبطلين، أو مُبطل ومُحقِّ والمناظرة تسعمل بين مُحقِّين أو مُحِق ومُبطل (٦). ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾ بالتِّجارات والغنى، وقيل: يريد رحلة الشتاء والصيف، وقيل: سالِمين؛ فإنَّ عاقبتهم النار ثمَّ صرَّح فقال:

стр. 2592

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ في بعض التفاسير: نزلت في الحارث بن قيس ... السَّهمي (١)، أحد المستهزئين (٢). قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل قومك. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نُوحاً. ﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وهم الذين تحزَّبوا على الأنبياء بالتكذيب (٣). ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ ليقتلوه ويهلكوه لقوله: ... ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾. وقيل: ليأسروه، والأسير: الأخيذ، وقيل: ليبطشوا به، من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: (١٠٢)] (٤)، وأخذ الناس لا يستخدم إلا في مكروه (٥). ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾ ما لا حقيقة له. قتادة: " بإبليس " (٦).

стр. 2593

﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ليُزِيلوا به. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ فأهلكتهم بالعقوبة. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ قيل: هذا سؤال عن صدق العذاب، وقيل: عن صفة العذاب (١). قال قتادة: "شديدٌ والله " (٢). ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثل ذلك ﴿حَقَّتْ﴾ وجبت. ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ ما أوجب الله بوعيده. ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ أي: لأنَّهم وبأنَّهم (٣)، وقيل: بدل من الكلمة، ومحله رفع. ثُمَّ أخبر بفضل المؤمنين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ يريد حاملي العرش، والحافِّين حوله، وهم الكَروبيون سادة الملائكة (٤). ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: يسبِّحون الله ويحمدونه، وقيل: الباء يدلُّ على أنَّ تسبيحهم بالحمد له، كما تقول: يُعظِّمونه بالحمد له. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: يُسَبِّحون تسبيح تلفُّظ لا تسبيح دلالة، ويحتمل أنَّه مُقَدَّم ومؤخَّر.

стр. 2594

﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ للمؤمنين ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون ﴿ربَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: نالت رحمتك في الدُّنيا كلَّ شيء (١). و ﴿رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ نُصب على التمييز، وصرف الفعل عنه (٢). ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ رجعوا عن المعاصي. ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ دينك الإسلام (٣). ﴿وَقِهِمْ﴾ وادفع عنهم ﴿عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾. ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ﴿وَمَنْ﴾ عطف على المُضمر في ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ أي: ليتم أنسهم بالاجتماع، وقيل: عطف على ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾ (٤). ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ لا يمتنع عليك شيء. ﴿الْحَكِيمُ﴾ يضع الشيء موضعه. ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني عذاب النار (٥)، وقيل: الكُفر. وقيل: اصرف عنهم سوء عاقبة سيئاتهم.

стр. 2595

وقيل: الضمير يعود إلى الآباء والأزواج والذُّرِّيات فإنَّه قد دعا لهم أولاً (١). ... ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ﴾ أي: دفع العذاب. ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ﴾ لمَّا عاين الكُفَّار النَّار ودخلوها مقتوا أنفسهم، يريد: لاموها (٢)، وغضبوا عليها فنادتهم خزنة النار، أي: يقولون لهم بصوت رفيع: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: مقت الله إيَّاكم، يريد: غضبه وسخطه أكبر من مقتكم بعضكم أنفسكم في القيامة (٣). ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ﴾ في الدُّنيا (٤) ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ وقيل: تثبتون على الكُفر. و ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ منصوب بفعل مُضْمَر دلَّ عليه المقْت، ولا يُنْصَب بالمقت الأول؛ للاعتراض بالخبر، ولا بالثاني لاختلاف الزمانين. ويحتمل: أن ينتصب بالمقت الثاني فيكون من باب: الصَّيفَ ضيَّعتِ اللبنَ (٥) (٦). ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الموتة الأولى: النُّطفة، والموتة الثانية عند انقضاء الأجل، والحياة الأولى في الدنيا، والثانية في القبر.

стр. 2596

وقيل: الموتة الأولى في الدنيا، والثانية في القبر بعد الإحياء لسؤال الملك، والحياة الأولى في الدنيا والثانية في القبر. وقيل: الحياة الأولى: إحياء الله إيَّاهم حين أخرجهم من ظهر آدم، والموتة الأولى بعد ذلك الإحياء، والحياة الثانية في الدنيا، والموتة الثانية في الدنيا (١). القُرَظِي (٢): " موت الكافر موت قلبه، وحياته بالأنفاس، ثم موته الذي لا يأكل فيه، ثُمَّ حياته للبعث " (٣). ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ أقررنا بكفرنا وظهر لنا أنَّ البعث حقٌّ. ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ قيل: خُروج إلى الدنيا. الحسن: "فيه إضمار تقديره: لا سبيل إلى الخروج " (٤). ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: المقت، وقيل: إشارة إلى منع الخروج. ﴿بِأَنَّهُ﴾ بسبب أنَّه. ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي: إذا دُعيتم إلى الله كفرتم، وقيل: إذا سمعتم لا إله إلا الله كفرتم.

стр. 2597

﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ تُصَدِّقوا، وقيل: تؤمنوا بالأوثان، وقيل: إذا دُعيتم إلى الشِّرك أجبتم، وقيل: هذا استئناف خاطب الله الكفار به في الدنيا. ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ يعني القضاء فيكم لله (١). ﴿الْعَلِيِّ﴾ الرَّفيع القاهر ﴿الْكَبِيرِ (١٢)﴾ بالقدرة والمنزلة (٢). ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ﴾ الدَّالة (٣) على التوحيد ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ مطراً هو سبب الرِّزق (٤)، ويقال: الملائكة بتدبير الرِّزق حكاه الفقيه (٥) أبو الليث (٦). ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ ولا يتَّعظ بالقرآن إلا من أقبل على طاعته، وأقلع عن معصيته. ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ اعبدوه بالإخلاص. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ ... وإن شقَّ ذلك عليهم. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ رافع السماوات بعضها فوق بعض، وقيل: رافع الدرجات في الدنيا بالمنزلة، وفي الآخرة بالجنَّة (٧)، وقيل: رفيع الدرجات، أي عالي الصفات كما تقول: فلان في العلم في الدرجة العليا، وقيل: مرفوع الدرجات، وفيه بُعدٌ (٨).

стр. 2598

﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ مالكه وخالقه (١). وقيل: العرش ها هنا المُلك (٢). ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ قيل: هو جبريل ﵇ وقيل: القرآن، وقيل: الوحي، وقيل: النُّبوة، وقيل: الرَّحمة، وقيل: روح العبد (٣). ﴿مِنْ أَمْرِي﴾ حالٌ للروح. ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾ يوم القيامة (٤)، وهو مفعولٌ به، ومعنى: ﴿التَّلَاقِ﴾ يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، وقيل: يلتقي فيه الأولون والآخرون، وقيل: يلقى فيه المرء عمله، وقيل: تتلاقاهم الملائكة (٥). ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ من قبورهم، وقيل: يُكشف ما كان مستوراً من أمرهم، وقيل: ظاهرون لعيون الناظرين (٦).

стр. 2599

﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ لأنَّهم برزوا له، وقيل: لا يخفى من أعمالهم التي عملوها، وقيل: لا يبقى أحدٌ إلا حضر ذلك الموقف (١). ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ أي: يقول الله ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب الله نفسه بقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ وزيَّفَ هذا القول جماعة من المفسرين، وقالوا: إذا لم يكن من يجيب فلا معنى للاستفهام، ولا للجواب إذا لم يكن من يسمع، بل يقول الله ذلك للخلائق تقريراً لهم على أنَّ المُلك له؛ لأنَّ الكُّفار كانوا (٢) يُنازعونه في المُلك لعبادتهم غيره؛ فيُجيب الجميع: لله الواحد القهار، يقوله المؤمن تلذُّذاً، ويقوله الكافر صغاراً وهواناً وعلى سبيل التَّحسُّر والنَّدامة (٣). وقال ابن بحر: " خرج الكلام مخرج السؤال والجواب، والمعنى معنى الإخبار، أي: يرث عباده ما ملَّكهم في الدنيا، فلا يملك أحدٌ شيئاً إلا الله الواحد القهار" (٤). وقيل: هذا تخصيص كملك يوم الدين. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ عملت في الدنيا من خيرٍ وشرٍّ (٥). ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِن اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ لا يشغله واحدٌ عن واحدٍ، وقد سبق (٦). ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ﴾ الآزفة: صفة القيامة والمجازاة، وأزف الشيء دنا (٧).

стр. 2600

وقيل: يوم الآزفة: يوم الموت، وقت خروج الرُّوح. ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ أي: التراقي (١)، يريد فارقت (٢) قلوبهم أماكنها خوفاً فصارت في حُلوقهم، فلا هي تعود إلى أماكنها، ولا هي تخرج فتستريح (٣). ﴿كَاظِمِينَ﴾ سُكوتاً لا معذرة لهم، والكاظم: الْمُمْسِك للشيء على ما فيه (٤). وقيل: حابسين الكلام، والزَّبد (٥) (٦) وكل ما يخرج من الجوف، وقيل: مُردِّدين حُزْنهم في أجوافهم كحرَّة البعير (٧)، وقيل: باكين، وقيل (٨): مغمومين (٩). وهو نصب على الحال من أنذِرهم (١٠)، وقيل: حال عن القلوب محمول على أصحابها. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ قريبٍ ينفع ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ يُجاب إلى شفاعته، والمعنى: ليس لهم شفيع ليُجاب. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ يريد النَّظرة الثانية إلى المُحرَّم، فإنَّ النَّظرة الأولى إذا لم تكن من عَمْدٍ معفوٌّ عنها (١١).

стр. 2601

وقيل: هي إيماء الرَّجل بعينه إلى بعض من بحضرته يستره عن غيره، وقيل: لحظ العين إلى ما نُهي عنه، وقيل: مُسارقة النَّظر، وقيل: الرَّمز بالعين على وجه العيب. وقيل: هو قول الإنسان رأيت ولم ير، وما رأيت ورأى (١). والخائنة والخيانة مصدران كالكاذبة والخاطئة، وقيل: عُيوناً خائنة، ونسبة الخيانة إلى العين توسُّع (٢). ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ ما يُسِرُّ الإنسانُ من أمانةٍ أو خيانة (٣)، وقيل: الوسوسة. ابن عباس: "ما تُخفي الصُّدور بعد النَّظر إليها أيزني بها أم لا؟ " (٤). والمراد القلوب، وسُمِّيت الصُّدور؛ لأنَّها فيها (٥). ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ بالعدل، ويجزى المحسن والمسيء. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أي: ليسوا بأهل القضاء أصلاً. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾ مُتَّصل بقوله: ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٦).

стр. 2602

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: آخر أمر الذين كذَّبوا الرُّسل قبلهم ﴿كَانُوا هُمْ﴾ ﴿هُمْ﴾: عماد وفصل (١)، ويجوز أن يكون تأكيداً للضمير الذي هو اسم كان (٢). ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ بطشاً وقُدرة، وقُرئ ﴿مِنْكُمْ﴾ على تلوين الخطاب (٣). ﴿وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أكثر إعماراً (٤) ومدائن وأبنية، وقيل: أشدُّ لها طلباً وأبعد غاية، وقيل: المشي فيها بالأرجل. ابن عيسى: "الأثرُ: أمرٌ يظهر به أمرٌ " (٥). ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ عاقبهم بسبب ذنوبهم. ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١)﴾ مانع يمنعهم من العذاب. ﴿ذَلِكَ﴾ أي (٦) الأخذ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنَّهم ﴿كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالدلالات الواضحات، وقيل: بالأمر والنَّهي. ﴿فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ كرَّر ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ لبيان عِلَّة (٧) الأخذ.

стр. 2603

﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)﴾ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا﴾ التِّسع (١) (٢). ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣)﴾ حُجَّة قاهرة للباطل مُتسلِّطة عليه (٣). ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ﴾ أي (٤): موسى ﴿كَذَّابٌ (٢٤)﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ﴾ أعاد القتل عليهم كالذي كان أولاً، وكان أمسك عن قتلهم (٥)، وقيل: أعاد القتل؛ لأنّه قيل له: إنَّ مُلكك يزول بسبب غلام سيولد بعد، وليس ذلك موسى، ولا من الذين معه من الرِّجال. قال أبو القاسم: " الآية تدُلُّ على أنَّه أمرَ بذبح الأبناء بعد مجيء موسى ﵇ ". ﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ للخدمة وغيرها، وكان يُزَوِّج بناتهم من القِبْطِ.

стр. 2604

﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾ عَمَّم الإخبار فتضمَّن إبطال كيد فرعون وجنوده (١). ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ قال هذا بعد قولهم له: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: (١١١)، الشعراء: (٣٦)]. وقيل: كانوا يزعمون أنَّ موسى ساحر فإن قتله فرعون هلك فمنعوه عن قتله، وقيل: خوَّفوه من قتله، وقالوا: لا تأمن أن نعجز أو ينالنا من الآلهة وعصاه مكروه. وقيل: معنى (٢): ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ﴾: أشيروا عليَّ بقتله. ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فإنَّه لا يُجاب، وليسْتعن ربَّه فإنَّه لا يُعان، وقيل: وليدع (٣) ربَّه فإنَّه لا يجيء من دعائه شيء؛ لأنَّه يدعوا ما لا حقيقة له. ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ إن لم أقتله ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ عبادتكم، وقيل: يغير أمركم الذي أنتم عليه، وقيل: دينكم الحق بدِينه الباطل. ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦)﴾ المحاربة والقتال، وقيل: الفساد: عبادة غير فرعون بزعم فرعون، وقيل: الفساد: أن يقتل أبناءكم كما قتلتم أبناءهم (٤)، ويستحيي نساءكم كما استحييتم نساءهم. قُرئ بالواو، أي: أخاف هذين الأمرين (٥)، وقُرئ بأو، أي: أحد هذين غير معين (٦).

стр. 2605

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ قال موسى اعتصمت بالله من شرِّك وشرِّ أمثالك. ومعنى: ﴿لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾: لا يعتقد البعث والجزاء على الأعمال. ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ في (مِنْ) قولان: أحدهما: أنَّه متَّصل بالكتمان، قيل: وكان يكتم إيمانه منهم مائة سنة، ولم يكن من آل فرعون مؤمن أصلاً. والثاني: أنَّه صفة للرَّجل (١) (٢). قيل: وكان ابن عم فرعون، وقيل: كان زوج ماشطة ابنة فرعون، وليس بين هذين القولين مُنافاة. وقيل: كانت أُمُّه من بني إسرائيل. السُّدِّي: هو الذي قال لموسى: ﴿إِن الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] (٣)، وأنَّ اسمه حبيب، وقيل: سمعان، وقيل: خربيل (٤).

стр. 2606

﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ أتقصدون قتل رجل؟ استفهام إنكار. ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ لأجل أن يقول: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المعجزات. ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ فعليه وبَالُ كذبه. ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أي: يُصبكم ما يتوعدكم من العذاب، و ﴿بَعْضُ﴾: صلة. وقيل: ﴿بَعْضُ﴾ بمعنى كُلُّ: قال: . . . . . . . . . . . . . . . . . ... أو يرتبط بعض النفوس حِمامها * (١) (٢) وقيل: بعض الذي يعدكم، وفي البعض هلاككم، وقيل: قال لهم: إن آمنتم أثابكم الله، وإن كفرتم عاقبكم، فالعقوبة بعض ما وعد. وقيل: وعدهم عذاب الدنيا والآخرة، والبعضُ عذاب الدنيا، وقيل: بعض الذي يعدكم ابتداءً ثُمَّ يتواتر، وقيل: توعَّدهم (٣) أشياء من العذاب على أشياء (٤) من المعاصي، فالبعض في مقابلة البعض.

стр. 2607

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)﴾ قال بعضهم: هذا من تمام كلام المؤمن، وعني به فرعون (١)، وقيل: أوهم أنَّه يعني بالمسرف موسى، وهو يعني به فرعون. وقال بعضهم: هذا استئناف كلام من الله. والمُسرف: المُتجاوز الحدّ في المعصية (٢)، وقيل: السافك للدِّماء (٣). ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ﴾ مُستعلين غالبين (٤). ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في أرض مصر (٥)، وهذا (٦) من كلام المؤمن لفرعون وملئه. ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ عذابه ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾ حلَّ بنا، أضافهم إلى نفسه ليكون أدعى للقبول (٧). ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ﴾ من الهُدى ﴿إِلَّا مَا أَرَى﴾. وقيل: ما آمركم إلا ما رأيت لنفسي أنَّه حقُّ وصواب. ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾ إلا طريق الهُدى والرَّشد. وقيل: الرَّشاد اسم من أسماء أصنامه، حكاه الفقيه (٨) أبو الليث ﵀ (٩).

стр. 2608

﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ﴾ هذا من كلام المؤمن، وعليه الجمهور (١). وقال أبو علي: " هو من كلام موسى " (٢)، وهو المعني بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ في تكذيبه ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠)﴾ مثل عذاب الأمم الخالية ". ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ عذاب قوم نوح، وقيل: عادة قوم نوح (٣). ﴿وَعَاد وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١)﴾ لا يُعاقب بغير ذنب، وهذا تخويف من عذاب الدنيا، ثُمَّ خوَّفهم عذاب الآخرة فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ أي: عذاب يوم التناد، وهو يوم القيامة، أي ينادي بعضهم بعضاً، وقيل: هو من قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: (٥٠)] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: (٤٤)] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾ [الأعراف: (٤٨)] (٤). وقيل: هو دعاؤهم إلى المحشر. وقيل: يُنادي المُنادي بالسعادة والشقاوة ألا إنَّ فلاناً قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، ألا إنَّ فُلاناً قد شقي شقاوة (٥) لا يسعد بعدها أبداً.

стр. 2609

﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ﴾ أي: عن الموقف ﴿مُدْبِرِينَ﴾ أي: إلى النار، وقيل: يوم النَّفخ، وقُرئ في الشَّواذ ﴿التنادِّ﴾ من ندَّ البعير (١). ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ من عذاب الله ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾ مانعٍ ودافع. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ مُرشِد ولا عاصم (٢). ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى، هو فرعون يوسف (٣). وفي بعض التفاسير: " مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله "، وفيه أيضاً: "كشفت الشمس فدعا يوسف فكشفها الله فآمن به فرعون، ثُمَّ عاد إلى الكُفر بعد موت يوسف " (٤). والثاني: " هو يوسف بن إبراهيم بن يُوسف بن يعقوب أقام فيهم عشرين سنة "، قاله ابن عباس ﵄ (٥). الثالث: قال النَّقَّاش في تفسيره: " إنَّ الله تعالى بعث إليهم رسولاً من الجنِّ اسمه يوسف " (٦)، وأورده أقضى القضاة أيضاً (٧) (٨). ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل موسى، وقيل: من قبل المؤمن. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ من حمله على يوسف بن يعقوب قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ تعبيره الرؤيا، ومن حمله على غيره فالمراد: المعجزات. ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ أي مات (٩). ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ أي: أحداً يدَّعي الرِّسالة. وقيل معناه: انقطع عنكم الرُّسل بعد يُوسف زماناً طويلاً. ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ مُشرك. ﴿مُرْتَابٌ (٣٤)﴾ شاكّ. وقيل: مسرفٌ لقوله: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾. ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ عظُم بُغْضاً عند الله ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ قُرئ بالتنوين وبالإضافة، فمن نوَّنَ (١٠) جعل التقدير: كلّ قلبٍ مُتكبرٍ جبارٍ صاحبه، ومن أضاف (١١): جعل التقدير على قلبِ كلِّ مُتكبرٍ جبارٍ

стр. 2610

كما جاء فلان يصوم كلّ يوم جُمعة، أي: يوم كلِّ جُمعة، وقيل تقديره: على كل قلب كلِّ مُتكبِّرٍ جبَّارٍ. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ﴾ وكان وزيره (١). ابن عباس ﵄: " لم يكن من القِبط، ولا من بني إسرائيل " (٢). ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ بناءً عالياً من التصريح وهو الإظهار. وقيل: مجلساً، وقيل: بناءً بالآجُرِّ (٣)، فبناه بالآجر (٤) لقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ [القصص: (٣٨)]. وقيل: شُغل بالآيات التِّسع عن بناء الصَّرح (٥). ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ ابن عباس ﵄: " منزل السَّماء " (٦). وقيل: أبواب السَّماء. وقيل: طُرقها، وقيل: لعلي أتسبَّب إلى مُرادي. ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ فأصل إليه. الحسن: " أراد التلبيس على الضعفة مع علمه باستحالة ذلك " (٧).

стр. 2611

والجمهور: على أنَّه قصد ببنائه الصُّعود إلى السَّماء ورؤية إله موسى سبحانه، وجهله حمله على ذلك (١). وقال بعضهم: أراد بناء رصدٍ في موضعٍ عالٍ يرصد منه الكواكب، وكان فرعون يعبد الشمس، ويعتقد أنَّ الشمس قد استجابته (٢)، وقد سبق. قُرئ ﴿فأطلعُ﴾ الرَّفع عطفاً على ﴿أبلغُ﴾ (٣)، وبالعطف على جواب (لعل) (٤). ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ يعني موسى ﴿كَاذِبًا﴾ في قوله: له إله غيري، وقيل: معنى أظنُّ: أتيقَّن. ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: زَيَّن الشيطان ذلك له وصدَّه (٥)، وقُرئ ﴿وصَدَّ﴾ بالفتح (٦)، فيجوز أن يكون لازماً، ويجوز أن يكون مُتعدياً، والفعل لفرعون، أي: صَدَّ الناس عن الإيمان، ويجوز أن يكون الفاعل هو الله، أي: صدَّه الله عن إبطال أمر موسى، وقيل: في بناء الصَّرح. ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾ خسار وهلاك من قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: (١)].

стр. 2612

﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ﴾ ذهب أبو علي: إلى أنَّه موسى ﵇ غيره مؤمن (١) آل فرعون (٢). ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨)﴾ طريق السَّعادة، وصلاح الأمر. والرَّشاد والرَّشد واحدٌ (٣). ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ انتفاع يسير. ﴿وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ المحلُّ الذي يُستقرُّ فيه. ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ لا مكيال فيها ولا ميزان. ﴿* وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ أي: إلى الجنَّة ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾ ويحتمل: أنَّ التقدير: أدعوكم إلى النَّجاة والجنَّة، وتدعونني إلى الهلاك والنار، فاكتفى بذكر أحدهما من كلِّ طرف. وهو استفهام إنكارٍ، ثُمَّ أوضح كيفية دعائهم إيَّاه إلى النار فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: ما لا يصِحُّ أن يُعلم، وقيل: ما ليس لي به علمٌ أنَّه إله، ثُمَّ بيَّن ما يدعوا هو إليه فقال: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)﴾ وهو الله عزَّ اسمه.

стр. 2613

﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ ﴿لَا﴾ ردٌّ لكلامهم. و ﴿جَرَمَ﴾: بمعنى: وجَبَ (١)، وقيل معنى: ﴿لَا جَرَمَ﴾: حَقَّاً، وقيل معناه: لا بدَّ، وقد سبق في هود (٢). ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: ليس له استجابة دعوة (٣)، وقيل: ليس له دعوة تجب بالإلهية في الدنيا. ﴿وَلَا فِي الْآَخِرَةِ﴾ قيل (٤): لا يعودُ على من عَبَدَهُ خيرٌ لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقيل: ليس له شفاعة في الدنيا، ولا في الآخرة، وقيل معناه: ليس هو بشيء (٥). ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ مرجعنا بعد الموت إليه. ﴿وَأَن الْمُسْرِفِينَ﴾ المشركين، وقيل: الذين يَقْتُلون بغير حقٍّ. ﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾ مُلازِموها. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ من النَّصيحة عند نزول العذاب (٦)، وقيل: في الآخرة. ﴿وَأُفَوِّضُ﴾ أُسَلِّمُ (٧) ﴿أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ لا أشتغل بمحاربتكم، وقيل: أتوكل على الله، وقيل: أشهد عليكم الله (٨).

стр. 2614

﴿إِن اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾ أي بأعمالهم ومصيرهم (١). ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ الضمير يعود إلى موسى ﵇. ﴿وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ﴾ يريد فرعون وجنوده، وقيل: شخصُه. ﴿سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾ الغرق (٢). وقيل: الضمير في ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ﴾ يعود إلى المؤمن (٣)، خرج من عندهم هارباً إلى جبلٍ، فأرسلَ في طلبه، فوجدوه قائماً يُصلي، والوحوش صفوف عنده فَرُعِبَ الطَّلَبُ منه رُعْباً شديداً، فرجعوا فقتلهم فرعون، وهو قوله ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾ (٤) أي: قتْلُ فرعون إيَّاهم، وقيل: الغرق أيضاً. ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ ﴿النَّارُ﴾: بدلٌ من ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾، وقيل: هو النار، وقيل: ﴿النَّارُ﴾ مبتدأ خبره ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ (٥). ﴿غُدُوًّا﴾ مصدر غدا، وجعله ها هُنا ظرفاً.

стр. 2615

﴿وَعَشِيًّا﴾ أي يُعذَّبون دائماً، كقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ [مريم: ٦٢]، وقيل: هو ما روى ابن مسعود ﵁: " إنَّ أرواحهم في أجواف طير سُود تُعرض (١) على النار بُكرة وعَشِيّاً إلى يوم القيامة " (٢). وفي هذه الآية أدلُّ دليل على عذاب القبر لقوله (٣): ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ لأنَّ المعطوف غير المعطوف عليه (٤). وقيل: يُعرضون (٥) في الآخرة، والقول ما ذكرت. وقيل: هذا من المقلوب، أي: النار تُعرض (٦) عليهم. ﴿أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ من قرأ بالوصل نصب ﴿آَلَ فِرْعَوْنَ﴾ على النداء (٧)، ومن قطع نصبه على المفعول به (٨)، ويقال: مُضمرٌ في القراءتين.

стр. 2616

و ﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قيل: أسفل العذاب. وقيل: أشدَّ من العذاب الذي كانوا فيه. ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ يتخاصم الضعفاء والرؤساء ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يعني الرؤساء ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ في دينكم في الدنيا ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا﴾ دافعون، وقيل: حاملون ﴿نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧)﴾ أي بعض الذي علينا (١). والتَّبع مَصْدر، ويجوز أن يكون: جمع تابعٍ (٢). ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي الرؤساء للضُّعفاء. ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ نحن وأنتم، فلا يُغني واحدٌ عن واحدٍ. ابن بحر: " لو قدرنا أن نغني عنكم لأغنينا عن أنفسنا " (٣). ﴿إِن اللَّهَ قَدْ حَكَمَ﴾ قضى ﴿بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾ بين التابع والمتبوع، وقيل: حكم فأنزلنا منازلنا، وأنزلكم منازلكم. و ﴿كُلٌّ﴾ رُفع بالابتداء، ولا يجوز أن يكون تأكيداً؛ لأنَّه إذا اختُزِلَت (٤) عنه الإضافة لا يؤكَّد به ولا يُوصف به (٥).

стр. 2617

﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ إذا اشتدَّ (١) الحال عليهم ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ سَلوه بدعائكم ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ من أيام الدنيا. ﴿مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ من النار ونكالها، فنستريح (٢)، فيجيبهم الخزنة: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالبراهين والمعجزات، وقيل: ألم (٣) تخبركم (٤) الرُّسل (٥) أنَّ عذاب جهنَّم مُخَلَّد، لا تخفيف فيه ولا انقطاع؟. ﴿قَالُوا﴾ أي الكفَّار ﴿بَلَى﴾ ﴿قَالُوا﴾ أي: الخزنة ﴿فَادْعُوا﴾ أنتم ما شئتم فلا استجابة لدعائكم، وقيل: هذا استهزاءٌ بهم. ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾ لا يُسمع ولا يُجاب. يجوز: أن يكون من كلام الخزنة، ويجوز: أن يكون استئنافاً من الله (٦). ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ بالغلبة والحجَّة والانتقام من الكفرة ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ونصر المؤمنين على سائر الأديان ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالغلبة والحُجَّة. (٧) (٨)

стр. 2618

﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ أي: ولهم الغلبة في القيامة أيضاً، حين تحضر الشهود، فشهدت للأنبياء (١) بالتبليغ، وللمؤمنين بالتَّصديق، وللكافرين بالتكذيب. والأشهاد: جمع شاهد وشهيد (٢). الحسن: " الأشهاد: هم الرُّسل " (٣)، وقيل: هم الحفظة. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من الأول ﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: لا يُقبل عنهم (٤) عذرهم. ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ السُّخطة (٥) ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ يعني: عذاب جهنَّم. ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ التوراة ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣)﴾ أعطيناهم على لسان الرُّسل الكتاب، أي: التوراة، والإنجيل والزَّبور.

стр. 2619

﴿هُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَذِكْرَى﴾ وموعظة (١) ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤)﴾ لذوي العقول. ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذى المشركين ﴿إِن وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالنَّصرة (٢) ﴿حَقٌّ﴾ كائن في الدنيا، وقيل: في الآخرة. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ هذه الآية نزلت قبل قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ الآية [الفتح: ٢] (٣). وقيل: واستغفر من ذنبٍ إن كان منك، وقيل: لذنب أمَّتك، وقيل: تعبَّد بالاستغفار ليصير سُنَّة. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾ أي دائماً (٤)، وقيل: صلاة الليل، وصلاة النهار. الحسن: " صلاته قبل فرض الصلوات بمكة ركعتان بكرة، وركعتان بالعشي " (٥). والباء للحال أي سبِّحه حامداً، وقيل: سبِّحه بقولك: الحمد لله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنَّها نزلت في مشركي مكَّة (٦)، وأراد بالصُّدور القلوب، وبالكبر: الحسد، والأمر العظيم كقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾، والمعنى: ما في صدورهم إلا عظمة (٧).

стр. 2620

﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أي (١): ببالغي تلك العظمة فإنَّ الله يخذلهم، وقيل: عَظُم كبرهم حتى كأنَّه ما في صدورهم إلا كبر. والثاني (٢): أنَّها نزلت في اليهود حين قالوا للنَّبي ﷺ : إنَّ صاحبنا المسيح (٣) بن داود يعنون الدَّجال " (٤). الشعبي: " كنيته، أبو يوسف " (٥). ومن روى المِسِّيح بالكَسر والتَّشديد فغير مرضي عند المُحدِّثين (٦)، وأنَّه يخرج في آخر الزَّمان فيبلُغُ سُلطانه البرَّ والبحر، ويردُّ الملك إلينا، وتسير (٧) معه الأنهار. وهو آية من آيات الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٨)، ثُمَّ قال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: من فتنة الدَّجال (٩) ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾. ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ فمالكم تُنكرون البعث؟ (١٠).

стр. 2621

وقيل: من خلق الناس، يعني: الدَّجال، ردٌّ على اليهود حين عظَّموا أمره. وعن أسماء بنت يزيد (١) قالت: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ قبل خروج الدجَّال (٢) ثلاث سنين، أول سنة تُمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثُلث نباتها، والسَّنة الثانية تُمسك السماء ثلثي قطرها، وتُمسك الأرض ثُلثي نباتها، والسَّنة الثالثة تُمسك السَّماء ما فيها والأرض ما فيها، ويُهلك كلّ ذات ضرس وظلف " (٣). وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ (٤) قال: ((خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فكان (٥) أكثر خطبته أن يُحدِّثنا عن الدَّجال، وأنَّ الله تعالى لم يبعث نبياً إلا حذَّره أمَّته، وأنا آخر الأنبياء (٦)، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيج كُلِّ مُسلم، وإن يخرج بعدي فكل (٧) امريءٍ حجيج نفسه، والله خليفتي عن كلِّ مُسلم أنَّ يخرج بين

стр. 2622

العراق والشام فيعيث (١) يميناً وشمالاً، فيا عباد الله: اثبتوا فإنَّه يبدأ ويقول (٢): " أنا نبيٌّ، ولا نبي بعدي، ثُمَّ يقول بعد ذلك: أنا ربُّكم، ولن تروا ربَّكم حتى تموتوا، وإنَّه أعور، وإنَّ ربكم ليس بأعور، وإنَّه مكتوب بين عينيه ك ف ر، أي (٣): كافرٌ، يقرؤه كلّ مؤمن، فمن لقيه منكم فليتْفُل في وجهه. وإنَّ من فتنته أنَّ معه جنَّة وناراً، فناره جنَّة وجنَّته نار، فمن ابتلي بناره فليقرأ بفواتح (٤) سورة الكهف، ويستغث (٥) بالله؛ فتكون عليه برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم ﵇ وإنَّ من فتنته أنَّ معه الشياطين تتمثل على صُورة الناس فيأتي الأعرابي، فيقول: إنَّ بعثت لك أباك وأمَّك، أتشهد أنِّي ربُّك فيقول: نعم، فيتمثَّل له شياطينه على صُورة أبيه وأمِّه فيقولان له: يا بني: اتَّبعْه فإنَّه ربُّك، وإنَّ من فتنته: أن يُسلّط على نفسٍ فيقتلها ثُمَّ يحيها، ولن يعود لها بعد ذلك، ولا يصنع ذلك بنفس غيرها، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا فإنِّي بعثته الآن، ويزعم أنَّ له رباً غيري (٦). مقاتل بن سليمان: " الرُّجل الذي يُسلّط عليه الدَّجال رجلٌ من خثعم، فيبعثه فيقول: من ربُّك؟ فيقول: ربِّي الله، وأنت الدَّجال عدو الله " (٧). وقيل: إنَّ النَّفس التي يُسَلَّط عليها (٨) الدجَّال (٩) إلياس ﵇ (١٠).

стр. 2623

((وإنَّ من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك إبلك أتشهد أنِّي ربُّك، فيقول: نعم فتتمثَّل له الشياطين على صُورة إبله، وإنَّ من فتنته: أن يمرَّ بالحي فيُكذِّبوه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، ويمرُّ بالحي فيصدِّقوه (١)، فيأمر السماء أن تُمطر فَتُمْطر، ويأمر الأرض أن تُنبت فتنبت، فتروح لهم مواشيهم من يومهم ذلك أعظم ما كانت وأسمنه وأدرَّه ضُروعاً، وإنَّ أيامه أربعون يوماً، فيوم كالسَّنة، ويوم دون ذلك، ويوم كالشَّهر، ويوم دون ذلك، ويوم كالأسبوع، ويوم دون ذلك، ويوم كاليوم، ويوم دون ذلك، ويوم يُصبح الرَّجل بباب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى تغرب الشَّمس. قالوا يارسول الله: فكيف نصلِّي (٢) في تلك (٣) الأيام القصار؟ قال تُقدِّرون فيها كما تُقدِّرون في هذه الأيام (٤) الطِّوال، ثُمَّ تُصَلُّون، وإنَّه لا يبقى شيءٌ من الأرض إلا وطِيه وغلب عليه، إلا مكَّة والمدينة، فإنَّه لا يأتيهما (٥) من نَقبٍ من أنقابهما، إلا لقيه ملك مُصلت بالسيف، حتى ينزل الكثيب الأحمر عند مجتمع السيول، عند منقطع السَّبخة، ثُمَّ ترجف (٦) المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، تنفي (٧) المدينة يومئذٍ الخبث كما ينفي (٨) الكير خبث الحديد، يُدعى ذلك اليوم يوم الخلاص، فقيل: أين النَّاس يومئذٍ؟ قال: ببيت المقدس فخرج (٩) حتى يُحاصرهم (١٠)، وإمام النّاس يومئذٍ رجلٌّ صالحٌ، فيصبح يوماً وقد دخل صلاة الصُّبح فينزل عيسى ابن مريم، فإذا رآه ذلك الرُّجل عرفه، فرجع يمشي القهقرى، فيتقدَّم عيسى ﵇ فيضع يده بين كتفيه فيقول له: صلِّ فإنَّما أقيمت لك الصلاة، فيُصلِّي عيسى ﵇ وراءه ثُمَّ يقول: افتحوا الباب فيفتحون الباب، ومع الدَّجَّال يومئذٍ سبعون ألف يهودي كُلُّهم ذو سلاح وسيفٍ مُحلَّى، فإذا نظر إلى عيسى ﵇ ذاب

стр. 2624

كما يذوب الرَّصاص في النار والملح في الماء (١)، ثُم يخرج فيقول له عيسى ﵇ إنَّ لي فيك ضربة لن تفوتني بها، فيدركه عند باب الشَّرقي، فيقتله فلا يبقى شيء مما خلق الله تعالى يتوارى به يهودي، إلا أنطق الله ذلك الشيء لا شجر ولا حجر ولا دابة إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا كافر فاقتله إلا الغرقد، فإنَّها من شجرهم فلا ينطق، ويكون عيسى ﵇ عدلاً وإماماً مُقسطاً فيدقُّ الصليب ويقتل الخِنزير ويضع الجزية ويترك الصَّدقة، فلا يسعى على شاة ولا بقرة، ويرفع الشحناء والتباغض، ويُنزع حُمَة كلِّ دابة حتى يُدخل الوليد يده في الحُشِّ فلا يَضُرُّه، ويلقى الوليد الأسد فلا يَضُرُّه، ويكون في الإبل كأنَّه كلبها، ويكون الذئب في الغنم كأنَّه كلبها، وتملأ الأرض من السِّلم، ويُسلبُ الكُفار مُلكهم، ولا يكون الْمُلك إلا الإسلام، وتكون الأرض كفاثور الفضَّة (٢) تُنبت نباتها كما كانت على عهد آدم ﵇ ويَجْتمع النَّفر على الرُّمَّانة، ويكون الفرس بالدُّريهمات، ويكون الثور بالدراهم (٣) الكثيرة" (٤). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ أنَّ الدَّجال خلق من خلق الله. وقيل: لا يعلمون أنَّ الآخرة حقُّ كائن. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ لا: زائدة (٥). ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾ تتعظون. ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾ قيام الساعة ﴿لَآَتِيَةٌ﴾ كائنة ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ لا شكَّ فيها عند المؤمنين، وقيل: لا تشكّوا فيها.

стр. 2625

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ لا يُصَدِّقون. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وحِّدوني اغفر لكم، وقيل: ادعوني فيما ينوبكم من النوائب، ويعرض لكم من الحوائج (١) أستجب دعاءكم، وقد سبق في قوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يتكبرون ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ توحيدي وطاعتي (٢). ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ صاغرين (٣) (٤). ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ﴾ خلق (٥) ﴿لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ لتستريحوا من تعب النَّهار، وقيل: تخلوا بنفسك فتحاسبها. (٦) ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ قيل: مُضيئاً، وقيل: يُبِّصركم المرئيات، وقيل: مُبصراً فيه، وقد سبق (٧). ﴿إِن اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ يخلق الليل والنَّهار، وقيل: لذو فضلٍ على الكافرين (٨) بتأخير العذاب ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾.

стр. 2626

ابن هيصم: " جعل الليل مناسباً للسُّكون من الحركة؛ لأنَّ الحركة على وجهين: حركة طبع وحركة اختيار، وحركة الطبع من الحرارة، وحركة الاختيار من الخطرات المتتابعة بسبب الحواس، فخلق الليل بارداً ليسكّن الحركة، مُظلماً ليسدَّ الحواس " (١). ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قيل: كل شيءٍ يباينه. وقيل: كلُّ بمعنى البعض، وقيل: عامُّ خُصَّ منه ما لا يدخل في الخلق (٢). ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾ تُصرفون عن الحقِّ، وقيل: تُكذِّبون (٣). ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)﴾ أي يُصرف، وقيل: يُكذِّب (٤). ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ﴾ خلق ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ موضع استقرارٍ عليها وفيها. ... ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ سَقفاً فوقكم. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ صورة الإنسان أحسن الصور. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ... اللذائذ، وقيل: الحلالات (٥). ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ أي: الحي الذي لا يموت.

стр. 2627

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ﴾ فاعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: مُوحِّدين. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ أي هو الذي يجب أن يحمده عباده. قال ابن عباسٍ ﵄: " إذا قلتم: لا إله إلا الله، فصلوه بالحمد لله ربِّ العالمين " (١). ﴿* قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام. ... ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ هو القرآن، وقيل: العقل والوحي. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦)﴾ أستقيم وأنقاد (٢). ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾. أطفالاً، وقيل: واحداً بعد واحدٍ، وقيل: كلُّ واحدٍ منكم طفلاً (٣). ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا﴾ ثُمَّ يُبقيكم لتبلغوا ﴿أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ يموت. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل بلوغ الأشد، وقيل: قبل كونه شيخاً. ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ انقضاء الأجل، وقيل: أراد به القيامة.

стр. 2628

﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ وحدانية الله وقدرته. ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أراد كون شيء. ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾ سبق في البقرة (١). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾ ذكر الجدال مُكرراً في السورة في ثلاث مواضع، فجاز أن يكون في ثلاثة أقوام، أو ثلاثة أصناف، وجاز أن يكون التكرير للتأكيد (٢). ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ جمع بين سوف وبين (٣) إذ وبينهما تضاد؛ لأنَّ المُتوقَّع في حُكم الموجود، ولأنَّ أكثر ألفاظ القيامة جاءت بلفظ الماضي تحقيقاً (٤). المُبرِّد: " إذ صارت زماناً قبل سوف؛ لأنَّ العلم وقع منهم بعد ثبوت الأغلال. والمعنى: علموا مسَّ الأغلال الذي كانوا وعدوه بعد أن حقَّ بالوجود، واستدل بقول أبي ذؤيب (٥): فسوف تقول إذْ هي لم تجدني ... أخان العهد أم أَثِمَ الحليف (٦)

стр. 2629

لأنَّ القول كان بعد فقدها (١). ﴿وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ﴾ يُجرُّون في الماء الحار (٢). ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ أي: يُعذَّبون مرَّة بهذا ومرَّة بهذا، وقيل: يُعذَّبون بالماء، وقيل: يُعذَّبون بالماء الحار ثُمَّ يُحرقون بالنَّار (٣). مقاتل: " ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ يعني: في حرِّ النار" (٤). ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ عطف على ﴿الْأَغْلَالُ﴾، وقيل: رفع بالابتداء، وما بعدها خبره، والتقدير: يُسحبون بها في الحميم. ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: تقول (٥) لهم الخزنة. ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام التي تعبدونها. ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ اشتغلوا بأنفسهم، وقيل: ضاعوا عنَّا، ولم يصل إلينا ما كُنَّا نرجوه من النَّفع والشفاعة. ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي: ندعوا شيئاً يستحق العبادة (٦).

стр. 2630

هذا على قول من لم يجوِّز أن يكون في القيامة كذبٌ، ومن جوَّز قال: أنكروا عبادتهم الأصنام، والأول أظهر لقولهم (١): ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ (٢). وقيل: لمَّا ذُمُّوا على إقرارهم أنكروا. ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ قيل: عن الحُجَّة، وقيل: عن الإيمان، وقيل: عن طريق الجنَّة. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: العذاب ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تبطرون وتتكبَّرون (٣). ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: الباطل. ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)﴾ أي: هذا جزاء فرحكم بتكذيب الأنبياء، وأشركم، وكفركم لنعم الله، واستهزائكم بالمؤمنين. الفرح: السُّرور، والمرح: البطر (٤). وقيل: الفرح: الشِّرك، والمرح: العُدوان. وقيل: الفرح: الإفراط في إظهار السُّرور، والمرح: الخيلاء والإعجاب. ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: يُقال لهم: ادخلوا أبواب جهنَّم. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾ بئس منزل من تكبَّر عن الإيمان جهنَّم. ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بهلاك الكُّفار ﴿حَقٌّ﴾ كائنٌ. ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب، وهو القتل والأسر.
следующие страницы →