← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

ابن هيصم: " جعل الليل مناسباً للسُّكون من الحركة؛ لأنَّ الحركة على وجهين: حركة طبع وحركة اختيار، وحركة الطبع من الحرارة، وحركة الاختيار من الخطرات المتتابعة بسبب الحواس، فخلق الليل بارداً ليسكّن الحركة، مُظلماً ليسدَّ الحواس " (١). ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قيل: كل شيءٍ يباينه. وقيل: كلُّ بمعنى البعض، وقيل: عامُّ خُصَّ منه ما لا يدخل في الخلق (٢). ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾ تُصرفون عن الحقِّ، وقيل: تُكذِّبون (٣). ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)﴾ أي يُصرف، وقيل: يُكذِّب (٤). ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ﴾ خلق ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ موضع استقرارٍ عليها وفيها. ... ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ سَقفاً فوقكم. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ صورة الإنسان أحسن الصور. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ... اللذائذ، وقيل: الحلالات (٥). ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ أي: الحي الذي لا يموت.

стр. 2627

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ﴾ فاعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: مُوحِّدين. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ أي هو الذي يجب أن يحمده عباده. قال ابن عباسٍ ﵄: " إذا قلتم: لا إله إلا الله، فصلوه بالحمد لله ربِّ العالمين " (١). ﴿* قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام. ... ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ هو القرآن، وقيل: العقل والوحي. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦)﴾ أستقيم وأنقاد (٢). ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾. أطفالاً، وقيل: واحداً بعد واحدٍ، وقيل: كلُّ واحدٍ منكم طفلاً (٣). ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا﴾ ثُمَّ يُبقيكم لتبلغوا ﴿أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ يموت. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل بلوغ الأشد، وقيل: قبل كونه شيخاً. ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ انقضاء الأجل، وقيل: أراد به القيامة.

стр. 2628

﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ وحدانية الله وقدرته. ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أراد كون شيء. ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾ سبق في البقرة (١). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾ ذكر الجدال مُكرراً في السورة في ثلاث مواضع، فجاز أن يكون في ثلاثة أقوام، أو ثلاثة أصناف، وجاز أن يكون التكرير للتأكيد (٢). ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ جمع بين سوف وبين (٣) إذ وبينهما تضاد؛ لأنَّ المُتوقَّع في حُكم الموجود، ولأنَّ أكثر ألفاظ القيامة جاءت بلفظ الماضي تحقيقاً (٤). المُبرِّد: " إذ صارت زماناً قبل سوف؛ لأنَّ العلم وقع منهم بعد ثبوت الأغلال. والمعنى: علموا مسَّ الأغلال الذي كانوا وعدوه بعد أن حقَّ بالوجود، واستدل بقول أبي ذؤيب (٥): فسوف تقول إذْ هي لم تجدني ... أخان العهد أم أَثِمَ الحليف (٦)

стр. 2629

لأنَّ القول كان بعد فقدها (١). ﴿وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ﴾ يُجرُّون في الماء الحار (٢). ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ أي: يُعذَّبون مرَّة بهذا ومرَّة بهذا، وقيل: يُعذَّبون بالماء، وقيل: يُعذَّبون بالماء الحار ثُمَّ يُحرقون بالنَّار (٣). مقاتل: " ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ يعني: في حرِّ النار" (٤). ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ عطف على ﴿الْأَغْلَالُ﴾، وقيل: رفع بالابتداء، وما بعدها خبره، والتقدير: يُسحبون بها في الحميم. ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: تقول (٥) لهم الخزنة. ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام التي تعبدونها. ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ اشتغلوا بأنفسهم، وقيل: ضاعوا عنَّا، ولم يصل إلينا ما كُنَّا نرجوه من النَّفع والشفاعة. ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي: ندعوا شيئاً يستحق العبادة (٦).

стр. 2630

هذا على قول من لم يجوِّز أن يكون في القيامة كذبٌ، ومن جوَّز قال: أنكروا عبادتهم الأصنام، والأول أظهر لقولهم (١): ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ (٢). وقيل: لمَّا ذُمُّوا على إقرارهم أنكروا. ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ قيل: عن الحُجَّة، وقيل: عن الإيمان، وقيل: عن طريق الجنَّة. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: العذاب ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تبطرون وتتكبَّرون (٣). ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: الباطل. ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)﴾ أي: هذا جزاء فرحكم بتكذيب الأنبياء، وأشركم، وكفركم لنعم الله، واستهزائكم بالمؤمنين. الفرح: السُّرور، والمرح: البطر (٤). وقيل: الفرح: الشِّرك، والمرح: العُدوان. وقيل: الفرح: الإفراط في إظهار السُّرور، والمرح: الخيلاء والإعجاب. ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: يُقال لهم: ادخلوا أبواب جهنَّم. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾ بئس منزل من تكبَّر عن الإيمان جهنَّم. ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بهلاك الكُّفار ﴿حَقٌّ﴾ كائنٌ. ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب، وهو القتل والأسر.

стр. 2631

﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نُريك عذابهم في الدنيا ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾ في الآخرة فنجزيهم (١) بأعمالهم. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: أرسلناهم إلى أممهم. ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ يعني: سمَّيناهم لك فأنت تعرفهم. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ يعني: لم نسمِّهم لك، فصبروا على أذى القوم فتأسَّ بهم واصبر. ذهب بعض المفسِّرين إلى أنَّ الأنبياء معدودون، وأنَّ عددهم مائة ألفٍ وأربع (٢) وعشرون ألفاً (٣)، وذهب بعضهم (٤) إلى أنَّ عددهم ثمانية آلاف (٥)، وذهب بعضهم إلى أنَّ عددهم غير معلوم، ولا يجوز حَصرهم بل يجب الإيمان بجملتهم (٦). وعن علي ﵁ أنَّه قال: " بعث الله نبياً لم يقصّ علينا قِصَّته "، وفي رواية: " بعث حبشياً عبداً أسوداً " (٧). ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بإذنه له في الإتيان بالآية. وإذنه إيَّاه: إعطاؤه إيَّاها، وأمره بعرضها، وذلك أنَّ كُفَّار مكَّة سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم بآية (٨).

стр. 2632

﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: بالعذاب لهم (١) (٢). ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أهلكوا. وقيل: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾: الساعة، ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أي: لم يُظلموا إذا عُذِّبوا. ابن بحر: " أمر الله الآية التي اقترحوها، ويقع الاضطرار عندها" (٣). ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ أي الكافرون، والمُبطل صاحب الباطل (٤). ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ خلق لكم. ﴿الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩)﴾ أي: لتركبوا بعضها، وتأكلوا بعضها (٥). ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: الألبان والأوبار والأشعار. ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي: لتسافروا عليها (٦)، وقيل: لتبلغوا عليها ما تحتاجون إليه من الأمور، وقيل: هو من قوله: : ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ ... ﴾ الآية [النحل: (٧)]. ﴿وَعَلَيْهَا﴾ أي: على الأنعام ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ السُّفن (٧) ﴿تُحْمَلُونَ (٨٠)﴾ قيل (٨) من قول العرب: حملتُ فلاناً على الفرس، إذا وهبتُ له فرساً.

стр. 2633

﴿وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ﴾ وهي أكثر من أن تُحصى. ﴿فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾ أنَّها ليس من عند الله، و " أيَّ " منصوب بتنكرون، ولو أثبتَّ الهاء رفعتَ بخلاف: أزيداً ضربته (١). وفرَّقَ سيبويه (٢) بينهما (٣). ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ فيما سلكوه من سبُلهم. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ عَدَدَاً. ﴿وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ في الأبدان والعُدد (٤). ﴿وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ لم يغنِ عنهم جميع ذلك شيئاً. وقيل: ﴿ما أغنى عنهم﴾ استفهامٌ، ومحلُّ (ما) نصب. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: أعجبوا بجهلهم وظنُّوه علماً ولم يلتفتوا إلى ما آتاهم الرسل من العلم (٥).

стр. 2634

وقيل: علمهم قولهم: لن نُبعث ولن نُعذَّب، وقيل: من قِلَّة علمهم رضوا بما عندهم. وقيل: ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ علم التِّجارة والصِّناعات، وقيل: فيه (١) تقديم وتأخير تقديره: فلمَّا جاءتهم رسُلُهم بالبينات من العلم فرحوا بما عندهم وحاق. وقيل: ﴿فَرِحُوا﴾ أي: الرُّسل بما عندهم من العلم بنجاتهم وهلاك الكُفار (٢). ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أحاط بهم ولزمهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾ أي: جزاء فعلهم وقولهم. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ عاينوا العذاب (٣) ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾ أي: تبرأنا من الأصنام. ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ لأنَّه إيمان إلجاء واضطرار (٤). ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أي: سَنَّ الله سُنَّة بينهم، وهي عذاب الكُفَّار وعدم الانتفاع بالإيمان وقت البأس. ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ هلك عند ذلك المُكذِّبون، وقيل: تبيَّن لهم خُسرانهم إذا رأوا العذاب (٥).

стр. 2635

سورة حم السَّجدة (١) " أربع وخمسين آية (٢) (٣) مكية " (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١)﴾ اسم للسُّورة (٥)، وسُمِّيت هذه السُّور السَّبع "حم " على الاشتراك في الاسم لِما بينهنَّ من التَّشاكل الذي اختُصَّت به، وهو أنَّ كُلّ واحدة منها استفتحت بالكتاب، أو صفة الكتاب مع تقارب المقادير في الطول والقصر، وتشاكل الكلام في النِّظام (٦). ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ أي: نزل به جبريل ﵇ من عند الله، ... و ﴿تَنْزِيلٌ﴾: رفع بالابتداء، ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ صفته، ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾ خبره. وإن شئت رفعت ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ﴾ بالابتداء، تنزيل (٧) بالخبر، وهذا أولى لأنَّهم أنكروا أنَّه من الله (٨). الفَرَّاء: " هذا تنزيل " (٩).

стр. 2636

وقيل: ﴿حم﴾: مبتدأ، ﴿تَنْزِيلٌ﴾: خبره. ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ﴾ بالأمر والنَّهي، والحلال والحرام، والوعد والوعيد. وقيل: ﴿فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾ بفواصل فصاحة وبلاغة وإعجاز. وقيل: ﴿فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾ أظهرت دلالاته وحُججه (١). ﴿قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ بلسان العرب. و ﴿قُرْآَنًا﴾ نصب على الحال من الهاء، وقيل: نصب على المدح، وقيل: على التمييز، وقيل: فصَّلناه قُرآناً، والقول هو الأول، والكوفيون يُسمُّونه قطعاً (٢). ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ العربية (٣)، وقيل: لقوم يعلمون فيصَدّقون. ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ صفتان للقرآن، وقيل: حالان، " أي: يبشِّر المؤمنين وينذر الكافرين" (٤) بما فيه (٥) من البشارة والنَّذارة (٦). ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني: أهل مكة عن قبوله واتِّباعه (٧).

стр. 2637

﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)﴾ لا يقبلون، وقيل: لا ينتفعون بسماعة، وقيل: إذا تلاه النبي ﷺ لا يستمعون (١). ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ أغطية جمع كِنان (٢). ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيد فلا نفهمه ولا نعيه (٣). ﴿وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ﴾ فلا نسمعه (٤) (٥). ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ سِتر وغطاء، وقيل: خلاف في الدِّين (٦). ويحتمل: أنَّ هذا استهزاءٌ من الكُفَّار، وجوابٌ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥، الإسراء: ٤٦]. وقوله: ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء: (٤٥)]، وقيل: إنَّ هذا يجري مجرى المثل، أي حالنا معك حال من يكون بهذه الصِّفة. ﴿فَاعْمَلْ﴾ في دينك، ولربِّك ﴿إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾ في ديننا ولربِّنا (٧). وقيل: اعمل لهلاكنا وإبطال ديننا إننا عاملون (٨) لهلاكك وإبطال دينك.

стр. 2638

وقيل: فاعمل لآخرتك إننا عاملون لدُنيانا. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في الطَّبْع والجنس. ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: لست بمَلَكٍ ولا مَلِكٍ، ولا أطلب بمقالتي رئاسة، إنَّما أعلمكم ما يُوحى إليَّ من أنَّ المعبود واحدٌ. الحسن: " علَّمه التواضع بقوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ " (١). ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ وجِّهوا وجوهكم إليه (٢)، وقيل معناه: واستقيموا له. ابن بحر، معنى الآية: " لو كان كُفْركم بي كان سهلاً عليكم؛ لأنِّي بشر مثلكم، ولكنَّه كفر بالله فهو (٣) يدخلكم (٤) به النار " (٥) (٦). ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي: من الشِّرك ﴿وَوَيْلٌ﴾ فشدَّة عذابٍ. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لا يعتقدون وجوبها (٧).

стр. 2639

الحسن: " لا يُطيعون الله في (١) الطاعة التي يصيرون بها أزكياء" (٢). وقيل: الزَّكاة ها هنا: الإيمان. ابن عبَّاس ﵄: " لا يشهدون أن لا إله إلا الله، وهي زكاة النَّفس" (٣). وقيل: لا يُطَهِّرون أنفسهم، فإنَّما المشركون نجس، والزكاة بمعنى التطهير. ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ يعني: بالبعث بعد الموت، والثواب والعقاب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾ غير منقوص ولا مقطوعٍ عنهم، ولا ممنون به عليهم (٤). ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: في وقتٍ على مقدار يومين من أيام الدنيا، وقيل: من أيَّام الآخرة (٥). ويحتمل: أنَّه خلق في كلِّ يوم ما خلق في أسرع ما يكون من غير استغراق اليوم به، ثُمَّ في اليوم الثاني وما بعده كذلك. وقيل: إنَّما أحدث شيئاً بعد شيء مع قدرته على خلق جميعها في أيسر وقت؛ ليُرشد خلقه إلى الأناة في أمورهم، وليكون بصيرة لمن رأى ذلك (٦)، وحُجَّة لمن سمع (٧). وقيل: إنَّما فرَّق بينهما؛ لأنَّ فيها الشيء وضدَّه، ومُحال الجمع بين الضدِّين كالليل والنَّهار، وكذلك بين المختلفين والمختلفات كالطَّلْع والبُسر والرُّطب والتَّمر.

стр. 2640

﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ شُركاء وأشباهاً (١) ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الذي خلق ما سبق. ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾ خالق جميع الموجودات وسيدها ومربِّيها. ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ أي: في الأرض جبالاً (٢)، والرَّواسي جمع راسية من رسا أصله (٣)، وقيل: لأنَّ الأرض رسَت بها. الماوردي: "سُمِّيت رواسي؛ لعُلوِّ رؤوسها" (٤). ذهب إلى أنَّها مشتقٌّ من الرأس، وهو سهو، وذكر غيره أيضاً. ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ في الأرض أنبت شجرها من غير غرس، وأخرج زرعها من غير بذر، وأودعها منافع أهلها (٥). وقيل: ﴿فِيهَا﴾: يعود إلى الرَّواسي، أي: جعل فيها معادن الذَّهب والفضَّة، وسائر الفِلِزَّات (٦) (٧). ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا﴾ في الأرض. ﴿أَقْوَاتَهَا﴾ قيل: هي المطر، وقيل: قدَّر في كلِّ قرية عملاً لا يصلح في (٨) الأخرى، وقيل: أرزاق أهلها (٩).

стр. 2641

﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ في تتمَّة (١) أربعة أيَّام، وهذا التقدير سائغ في الكلام شائع: تقول: سِرت من البصرة إلى بغداد في عشرة (٢)، وإلى الكوفة في خمسة عشر، أي: في تتِّمَّة خمسة عشر (٣). ولا يكون بين قوله تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤)، وغيرها]، وبين هذه الآيات مناقضة كما زعمت الملاحدة. ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ فيه أقوال: أحدها: للسَّائلين الرِّزق والقوت، أي لطالبيه. والثَّاني: سواءً لمن سأل، ولمن لم يسأل. وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ وأنا رديفه يقول: ... ((خلق الله الأرواح قبل الأجسام بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، سواء لمن سأل، ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرِّزق، ومن سأل فهو جهل منه" (٤).

стр. 2642

ونصب ﴿سَوَاءً﴾ على المصدر (١)، ومن جرَّه جعله وصفاً للأيام (٢)، أي: لا زائد ولا ناقص، ومن رفع فهو على الخبر، أي: هو سواء (٣). والثالث: سواء للسَّائلين: في كم مُدَّة خلقت السماوات والأرض وما بينهما؟؛ لأنَّ اليهود سألوا رسول الله عن ذلك (٤). ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ قصد نحوها (٥)، وقيل: صعد أمره إلى السَّماء (٦). وقيل معنى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: لم يخلق بعد الأرض وما عليها شيئاً إلا السَّماء، وقد سبق (٧). وليس بين هذه الآية، وبين قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: (٣٠)] مناقضة كما زعمت الملاحدة (٨) من وجهين: أحدهما: ـ وهو قول الجمهور: ـ أنَّ الأرض خُلِقت قبل السَّماء غير مَدحُوَّة، ثُمَّ دُحِيت بعد خلق السَّماء.

стр. 2643

والثاني: أنَّ السَّماء خُلقت قبل الأرض، و ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ لتراخي الإخبار لا لتراخي الخلق، ولأنَّ ﴿ثُمَّ﴾ يأتي مع الجملة في مواضع، ومعناها التَّقدم كقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، وقوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: (٨٢)]، وقد سبق كذلك في الآية (١). ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ ابن عيسى: " الدخُان جسمٌ لطيف مُظلم مُتنفشّ " (٢). وقيل: هو بخار الماء (٣). وجاء في الخبر: " أنَّ أول ما خلقه الله جوهر، ونظر إليه بالهيبة فصار ماء، وسلَّط عليه ناراً فارتفع البخار، فخلق منه السَّماوات، ثُمَّ أرسل ريحاً على الماء، فارتفع زبد فخلق منه الأرض فكانتا رتقاً " (٤). ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ فانفتق البعض عن البعض، وانتظم الكل (٥) فذلك قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. وفي الإتيان والقول قولان: أحدهما: أنَّه عبارة عن الإيجاد والوجود، وليس ثمَّ أمرٌ ولا قول. والثَّاني: أنَّ الله تعالى خاطبهما وقدَّرهما على الإجابة؛ فنطق من سائر (٦) الأرض موضع الكعبة ومن السَّماء ما يحاذيها (٧)، فجعل الله لها حُرمة على سائر الأرض (٨).

стр. 2644

وقيل هذا خطاب بعد الوجود معناه: جِيْبَا (١) بما خلقت فيكما: أمَّا أنت يا سماء، فأطلعي الشمس والقمر والنُّجوم، وأمَّا أنت يا أرض، فأخرجي ما خلقت فيك من النبات قالتا (٢): جئنا بما أحدثت فينا مُستجيبين لأمرك (٣). وجمع؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما سبعٌ جمع السَّلامة (٤)؛ لأنَّه وصفهم بصفة العُقلاء، وهو المُخاطبة والمُحاورة فأجري مجراهم، وقيل: أتينا بمن (٥) فينا طائعين. وقوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: إن (٦) لم تأتيا طوعاً أتيتما كرهاً (٧). وقيل معنى: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ اشتدَّ عليكما، وقيل: كونا كما أردت من شدَّة ولين. والطَّوع: اللين والسُّهولة من قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ [المائدة: ٣٠] (٨). والكُره من قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي: شدَّة (٩). ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ خلقهن وأتقن صُنعهن (١٠)، وجمع الضمير؛ لأنَّ الضمير للجنس، وقيل: لأنَّها جمع سماوة. ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ رُوي عن النبي ﷺ أنَّه قال: ((إنَّ الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشَّجر والماء والعمران والخراب فتلك أربعة أيام،

стр. 2645

وخلق يوم الخميس السَّماء، وخلق يوم الجُمعة النُّجوم والشَّمس والقمر والملائكة وآدم ـ صلوات الله عليه ـ)) (١) الحديث مرفوع، وفي ذكر آدم معهم إشكال. ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قيل: أمر أهل كلِّ سماء أمرهم من العبادة. وقيل: معناه خلق فيها خلقها. وقيل: جعل في كل سماء ملائكة فذلك أمرها، وقيل: أمر في كلِّ سماء ما يُصلحها. وقيل: الوحي ها هنا: الإرادة والتكوين، والأمر الحال والهيبة (٢). ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ أي: من الأرض. ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ بكواكب. ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: حفظناها من الشياطين حفظاً، وقيل: مفعول له، وقيل: حال، أي: زَيَّنَّاها حافظين، وقيل: خُلقت الكواكب للزِّينة والحفظ جميعاً (٣). ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ الغالب غير المغلوب. ﴿الْعَلِيمِ (١٢)﴾ العالم بمواقع الأمور. ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ عن الإيمان بعد هذا البيان.

стр. 2646

﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ﴾ خوَّفتكم. ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ (١) عذاباً شديداً، وأصلها رَعْدٌ معه نار (٢). وقيل: وقعة مثل وقعة عادٍ وثمود، أي: ينزل بكم مثل ما نزل بهم. ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ﴾ يعني عاداً (٣) وثموداً (٤) (٥). ﴿الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ يريد: آباءهم ومن كان قبلهم. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ اختلفوا في هذا الضمير فقيل: هو عائد إلى الرُّسل، أي: جاءهم رُسُل بعد الرُّسل، وقيل: يعود إلى القوم أيضاً، والمعنى: بين أيديهم ومعهم. وقيل: من بين أيدهم، أي: من كان قبلهم، ومن خلفهم: من كان بعدهم. وقيل: جاءتهم الرُّسل؛ فحذَّروهم من بين أيديهم الآخرة، ومن خلفهم الدنيا. وقيل: هذه عبارة عن الكثرة، يقال للشِّيء إذا كثر: أتاه من بين يديه ومن خلفه، ويحتمل من بين أيديهم، أي: هم الذين عاينوهم. ومن خلفهم: هم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم (٦).

стр. 2647

وحقيقة بين يديه: أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستخدم للشيء الماضي بزمانٍ قريب. ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ بأن لا تعبدوا ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ وقيل: إن هي (١) المُفسِّرة، والقول مُقَدَّر، أي: وقالوا: لا تعبدوا إلا الله. ﴿قَالُوا﴾ أي: القوم ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا﴾ إرسال رسول ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ فلم يَتَخَالَجُنا شكٌّ (٢) في أمرهم. ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي: بزعمكم. ﴿كَافِرُونَ (١٤)﴾ جاحدون (٣). ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ تعظَّموا عن الإيمان ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. وقيل: تجبَّروا في الأرض كبراً بغير ما أذن الله لهم فيه، وقيل: بالظُّلم. ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ لا أحد أشدَّ منَّا، أي: اغتروا بقوتهم وشوكتهم. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَن اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أوسع قُدرة. ﴿وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾ هذه معطوفة على قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ باردة، وقيل: شديدة السُّموم، وقيل: شديدة الصوت، واشتقاقه من الصَّرير، وقيل: باردة ذات صوت. وجاء في التفسير: أنَّها الدَّبور (٤).

стр. 2648

﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ مشؤمات عليهم تقول: نُحِسَ نحْساً فهو منْحوس، كقولهم: سَعُد فهو مسعود. وقيل: باردات، والنَّحْس: البرد، وقيل: ذات غُبار، وقيل: مُتتابعات (١). ابن عبَّاس: ﵄: "كُنَّ آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء، وما عُذِّب قوم إلا في يوم الأربعاء " (٢). والنَّحْس مصدر لقوله: ﴿يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: (١٩)]، فأضاف إليه. والكسر اسم الفاعل، والتَّسكين تخفيفه، وإن شئت قلت وُصِف بالمصدر (٣). ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ عذاب الهون الذي يستحيى من مثله لفضيحة أهله. ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى﴾ أشدُّ إهانة لهم من عذاب الدُّنيا (٤). ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ لا يُمنع العذاب عنهم.

стр. 2649

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي بيَّنَّا سبيل الخير والشَّرِّ لهم. وقيل: أعلمناهم الهُدى من الضلالة، وقيل: دللناهم إلى طريق الرشد، فعدلوا عنه إلى طريق الغَي، وقيل: دعوناهم (١). ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ فاختاروا الكفر على الإيمان (٢). ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ وهي النَّار، وقيل: هي صيحة كانت من السماء (٣)، وقيل: الموت. قوله: ﴿الْهُونِ﴾ أي: ذي الهُون، وهو الهَوان (٤). وقيل: العطش، حكاه النَّقَّاش (٥). ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ باختيارهم الكفر. ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ بصالحٍ ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾ الشّرك (٦)، أي: نجَّيناهم من تلك الصاعقة. ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾ يُمنعون من التَّفرُّق، وقيل: يُحبس أولهم على آخرهم، وقيل: يُطردون إلى النَّار (٧). ﴿حَتَّى﴾ ها هنا بمنزلة الواو ﴿إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ و ﴿مَا﴾ صلة، والمعنى: صاروا بحضرتها (٨).

стр. 2650

﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾ واحدها الجلد، وهو غشاء البدن (١)، وقيل: هي ها هنا كناية عن الفُروج (٢). وشهادتها: أن يُنطقها الله تعالى؛ فتشهد (٣)، وقيل: الشهادة مضافة إليها مجازاً، والشاهد هو الله، وقيل: هي دلالة تظهر على الأعضاء. وفي تفسير ابن جرير: ((أنَّ النبي ﷺ ضحك فسئل ﷺ عن مُوجبه فقال: ضحكت عجباً من مُجادلة العبد ربَّه يوم القيامة يقول: ياربِّ أليس وعدتني ألا تظلمني، قال: لك ذلك، قال: فإنِّي لا أقبل عليَّ شاهداً إلا من نفسي، قال: أليس كفى بي شهيداً، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟، قال: فيُختم على فيه ويتكلَّم أعضاؤه بما كان يعمل، قال: فيقول لهنَّ (٤) بُعداً لكُنَّ وسُحقاً عن كنَّ كنت أُجادل)) (٥). ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ... أي: كلَّ شيء ناطق (٦)، والنُّطق: إدارة اللسان في الفم بالكلام.

стр. 2651

﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ غير ناطق ثمَّ أنطقكم، ويحتمل: أنَّ الكلام تمَّ عند قوله: ... ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ثمَّ استأنف، فقال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: (١) في الدُنيا (٢). ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾ في الأُخرى. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ ابن مسعود ﵁: " قال: كنت مُستتراً بأستار الكعبة، إذ جاء ثلاثة نفرٍ ثقفي (٣)، واسمه ... عبد يا ليل (٤)، وخَتْناه (٥) قُرَشيان: ربيعة (٦) وصفوان بن أميَّة (٧)؛ فتحدثوا بينهم الحديث؛

стр. 2652

فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: إذا رفعنا أصواتنا (١) يسمع، وإذا لم نرفع لا يسمع، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا صوتنا، فهو يسمع إذا خفضنا، فأتيت النَّبي ﷺ فذكرت ذلك له؛ فأنزل الله ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ الآية (٢). واختلف في ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾ فقال بعضهم معناه: تستخفون (٣)، والمعنى: لم يكن يُمكنكم أن تستتروا أعمالكم عن أعضائكم؛ لأنَّها أعوانكم فجعلها الله شهوداً عليكم. وقيل معناه: ما كُنتم تتركون المعاصي حذراً أن تشهد عليكم جوارحكم. واستخفاؤها من الجوارح: تركها فحسب. وقيل: لم تكونوا تخافون أن تشهد عليكم فتستروا (٤) منها. وأصله: ما كنتم تستترون من أن تشهد؛ لأنَّ استتر لازم، والتقدير: أن لا تشهد فحذف لا؛ لأن ﴿لَا﴾ في قوله: ﴿وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ يدل (٥) عليه. وقيل: وما كان قصدكم باستتاركم وقت المعاصي أن تستروها من الجوارح؛ فإنَّ ذلك غير ممكن، لكن

стр. 2653

ظننتم أنَّكم تسترونها عن الله، وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ ... أي: أهلككم، والرَّدى: الهلاك (١). ابن عبَّاس ﵄ " رماكم في النَّار " (٢). ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ الهالكين. ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ، ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه، ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ صفته ... ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبره. ويجوز أن يكون ﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبر المبتدأ، ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر بعد خبر. ويجوز أن يُضمر قَدْ مع أرداكم؛ فيكون حالاً، أي: مُردياً (٣). ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ (٤) أي في النَّار. ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ مسكن ومنزل (٥)، وقيل: إن تصبروا عن (٦) الشكوى والاستغاثة. وقيل: إن تصبروا على آلهتكم لقوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦]. ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾ إن يطلبوا الرِّضى فما هم بمرضى عنهم.

стр. 2654

وقيل: إن يجزعوا فما هم من الآمنين. وقيل معناه: إن يسألوا أن يُرجع بهم (١) إلى ما يُحبِّون لم يُرجع بهم (٢). وأصل العتاب عند العرب استصلاح الجلد بإعادته في الدِّباغ، ومن أمثالهم: إنَّما يُعاتب الأديم ذو البشرة (٣) (٤)، ثُمَّ استعير لما يُنكر فيقال: عتب عليه إذا أنكر عليه شيئاً، وعاتبه أظهر له ما أنكره منه على وجه الاستصلاح. ولك العُتبى: (٥) أي الرُّجوع إلى ما تُحب. واستعتب: طلب منه الرُّجوع إلى الرِّضا، وأعتبه أزال المكروه منه (٦) وعاد إلى المحبوب (٧). وقيل: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾: يسترجعوا من الآخرة إلى الدنيا فما هم من المرجوعين. وقيل: وإن يعتذروا فما هم ممن يُقبل عُذرهم. ﴿* وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ سبَّبنا لهم من حيث لا يحتسبون (٨)، وقيل: هيأنا، وقيل: خلَّينا بينهم وبين الشياطين، وقيل: سلَّطنا عليهم. ابن بحر: " بدَّلنا لهم شياطين بدل هدى الله وألطافه. قال: والقيض: البدل، ومنه قولهم: قايضت فلاناً بكذا إذا بادلته " (٩).

стр. 2655

وقيل: قدَّرنا. وقيل: هذا التقييض: هو (١) إحواجه بعضهم إلى بعض كالمرأة إلى الرَّجل، والرَّجل إلى المرأة، والغني إلى الفقير، والفقير إلى الغني يستعين (٢) بعضهم ببعض. ﴿قُرَنَاءَ﴾ قيل: هم الشياطين، وقيل: هم قرناء السُّوء. ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الدُّنيا والآخرة، أي: لا جَنَّة ولا نار، ولا بعث ولا حساب. وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: أعمالهم التي عملوها ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما عزموا على فعله. وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣): زيَّنوا لهم فعل مُفسدي زمانهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فعل (٤) مُفسدي من تقدَّم زمانهم (٥). ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ وجب عليهم العذاب، وقيل: حق عليهم القول: هو قوله تعالى: أنَّهم يكفرون فيُعَّذَّبون. ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في جُملة أُمم، وقيل: معهم. المُبرِّد: " إذا كان العد لا يُحصى فـ"في" بمعنى "مع"، كما تقول: جاءني زيد في جيشٍ، أي مع جيش، وإذا عُلِم عددهم افترقا تقول: خرج في عشرة أي هو عاشرهم، وخرج مع عشرة أي هو الحادي عشر " (٦).

стр. 2656

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قبل أهل مكَّة (١) ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أي: كانوا في الدنيا عملوا بمثل معاصيهم. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾ مثلهم، وقيل: خاسرين بالعقوبة. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ نزلت في أبي جهل وأصحابه كانوا يقولون: إذا سمعتم القرآن من محمد فارفعوا أصواتكم بالشعر والكلام في وجهه حتى تلبسوا عليه (٢). ومعنى: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ عارضوه بكلام غير مفهوم، وقيل: اجحدوه. وقيل: أنكروه، وقيل: غادروه. واللغو من الكلام ما ليس له معنى، وقيل: هو المُكاء والتَّصدية والتخليط في المنطق. وقيل: الغطوا فيه، واللغط: الشَّغب والجلب (٣). ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ أي تغلبونه فيسكت أو ينسى (٤). ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ أشدّ (٥) من غير تخفيف شيء منه. و ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾: هو الكفر (٦).

стр. 2657

﴿ذَلِكَ﴾ العذاب ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، والجزاء خبره بدل من العذاب (١)، ويحتمل وجوهاً أُخر. وقد وقف بعض القراء على قوله: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾. و ﴿النَّارُ﴾ مبتدأ ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾ خبره (٢). ومعنى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ أي: موضع (٣) المقام أبداً (٤)، والنار أعمُّ من الدَّار. الزَّجَّاج: " هو كما تقول لك في هذه الدَّار دار السُّرور. وأنت تعني الدار بعينها (٥) " (٦). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقولون يوم القيامة (٧): ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أكثر المفسِّرين على أنَّ المراد من الجنِّ إبليس ومن الإنس قابيل (٨)، وقيل: أراد دُعاة النوعين (٩).

стр. 2658

﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ نَدُسْهما ونطأهما انتقاماً منهما وإذلالاً لهما. وقيل: نجعلهما في الدرك الأسفل (١). ﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾ أسفل منَّا (٢). ابن عبَّاس ﵄ " ليكونا أشدّ عذاباً " (٣). ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ في سبب النُّزول عن ابن عبَّاس ... ﵄ " أنَّها نزلت في أبي بكر الصدِّيق ﵁، فإنَّ المشركين قالوا ربُّنا الله، والملائكة بنات الله، واليهود قالوا: ربُّنا الله، وعزير ابن الله، ومحمد ﷺ ليس بنبي، وأبو بكر ﵁ قال: ربُّنا الله وحده لا شريك له ومحمد عبده ورسوله فاستقام " (٤). ومعنى الآية: إنَّ الذين أقروا بوحدانية الله تعالى، ونفوا عنه الأنداد والصاحبة والأولاد، ثم أقاموا على طاعته، وأداء فرائضه، مخلصين له الدين إلى حين موتهم. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ عند الموت (٥)، وقيل: عند (٦) الخروج من القبر.

стр. 2659

﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ بأن لا تخافوا، وقيل: لا تخافون الموت قائلين: لا تخافوا الموت وما بعده. ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما خلفتم في الدنيا (١). ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ في الدُّنيا على لسان الرُّسل بشرى للمؤمنين (٢) في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث (٣). ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ﴾ أودَّاؤكم ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالاستغفار. ﴿وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ بالشفاعة (٤). قيل: هم الحفظة، وقيل: هم ملائكة وَكَلَهُمُ الله بالمؤمنين يثبِّتونهم على الإيمان. وقيل: نحفظكم في الحياة الدنيا، ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنَّة. وقيل: أولياؤكم في الدنيا بالهداية، وفي الآخرة بالكرامة. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ من النَّعيم، وقيل: البقاء السَّرمد لأنَّ النَّاس يشتهون ذلك. والشَّهوة: مُنازعة النَّفس إلى ما فيه اللذة (٥).

стр. 2660

﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ تفتعلون من الدُّعاء. وقيل: ما تتمنون. وقيل: تطلبون (١). وقيل: تدَّعون في الدنيا أنَّها لكم في الآخرة. وقيل: من ادعى شيئاً في الجنَّة فهو له؛ لأنَّ الإنسان في الجنَّة لا يدَّعي ما لا يستحقُّه. ﴿نُزُلًا﴾: هو ما يهيأ للضيف إذا نزل (٢). الحُجَّة: " جمع نازل، وأنشد: . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . فإنَّا معشرٌ نُزُلُ " (٣) (٤). فيكون حالاً من الضمير في تدَّعون، وعلى الوجه الأول حال عن ﴿مَا﴾، وقيل: نصب على المصدر ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي (٥) إلى طاعة الله وتوحيده (٦). ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدى الفرائض (٧). ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ تفاخُراً بالإسلام وتمدُّحاً (٨). وفيه ثلاثة أقوال (٩):

стр. 2661

أحدها: أنه (١) النبي ﷺ (٢). والثاني: أنَّ المراد به المؤذنون، وأنَّ العمل الصالح ها هنا الصلاة بين الأذان والإقامة (٣). وقيل: نزلت في بلال (٤). مقاتل: " هو جميع الأئمة والدعاة إلى الله تعالى " (٥). ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ (لا): زائدة (٦)، أي لا يستوي الإيمان والشِّرك والحلم والضجر والطاعة والمعصية، والرِّفق والعنف (٧). وقيل: الحالة الحسنة والحالة السِّيئة. ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ابن عباس ﵄: أمر الله في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وجعل لهم عدوهم كأنَّه وليٌّ حميم " (٨).

стр. 2662

وقيل: ادفع بحقِّك باطلهم وبحلمك جهلهم. مقاتل: " نزلت في أبي سفيان (١): كان مُؤْذِياً للنَّبي ﷺ فصار ولياً " (٢). وقيل: نزلت في أبي جهل كان يؤذي النبي ﷺ فأمره بالصَّفح عنه إلى وقته (٣). وقيل معنى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أن تقول لمن جهل عليك: السلام عليك. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ أي إذا دفعت بالإحسان لانَ جانبهم لك ومالوا إليك، وصار عدوك كأنَّه قريب شفيق. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي هذه الخصلة (٤)، وقيل: هذه المجازاة، وهي الدفع بالأحسن، وقيل: الجنَّة. ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الظلم.

стр. 2663

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ من العقل والرأي والصبر، وقيل: الحظ العظيم: الجنَّة (١). ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ وسوسة وغضب، ودعاك إلى مقابلة القبيح بالقبيح فاستعذ بالله (٢). والنَّزغ: القول الفاسد (٣)، وقيل: تحريك إلى الشَّر. ابن عيسى: " الفحش إلى ما يدعوا إلى الفساد " (٤). ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ اعتصم بالله ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لاستعاذتك. ﴿الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ بنزع الشيطان (٥). وقيل: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ في إمهالي إيَّاهم، وترك استئصالي شأفتهم (٦) فاستعذ بالله. ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ آيات قدرته ودلالات وحدانيته.

стр. 2664

﴿اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ وإن كثرت منافعهما. ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ لأنَّ عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوق. يجوز أن تعود الكناية إلى الآيات، ويجوز أن تعود (١) إلى الليل والنَّهار والشمس والقمر، (٢) ولم يُغلِّب المذكَّر على القياس لأنَّ ذلك مع العُقلاء (٣). ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ فاعبدوه وحده؛ لأنَّ من عبد مع الله غيره لا يكون عابداً له. ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن عبادة الله. ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي الملائكة (٤)، ومعنى عنده: له، كما تقول: عند فلان ألف غلامٍ وألف فرس، وقيل: ذكر (عند) للمرتبة والمنزلة. ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي يُسبَّحون ويُمَجِّدون ويُكبِّرون ويُهلِّلون دائماً، وكلُّها تسبيح، وقيل: يُصلُّون. ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (٣٨)﴾ لا يَملُّون (٥). قيل: التسبيح منهم كالتَّنفس من النَّاس. موضع السَّجدة آخر هذه الآية إجماع، إلا ما رُوي عن ابن مسعود والحسن ﵄: " أنَّهما ذهبا إلى (٦) أنَّ موضعه ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ (٧). ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ يابسة غبراء دارسة (٨). وقيل: ذليلة بالقحط. ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ المطر. ﴿اهْتَزَّتْ﴾ للنَّبات. ﴿وَرَبَتْ﴾ ارتفعت (٩). وقيل: اهتزَّت تشقَّقت، وربت: انتفخت. وقيل: انفطرت للنَّبات، وربت نباتها وزادت، وقيل فيه: تأخير: أي ربت واهتزت. ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ بعد موتها بإنزال المطر عليها (١٠). ﴿لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ في الآخرة. ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإحياء والإماتة.

стр. 2665

﴿قَدِيرٌ (٣٩)﴾ قادر بالكمال. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ يميلون ﴿فِي آَيَاتِنَا﴾ القرآن حين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾. وقيل (١): يُكذِّبون، وقيل: يكفرون، وقيل: معاندون (٢) رُسُلنا، وقيل: هو المُكَاء والتَّصدية (٣) والصَّفير عند تلاوته (٤). ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فنلقيهم (٥) في النَّار، ثُمَّ قال: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ﴾ يعني أبا جهل - عليه اللعنة - (٦). ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قيل: هو عثمان، وقيل: عمر، وقيل: عمَّار بن ياسر ﵃ (٨). مقاتل: " هو رسول الله ﷺ " (٩). ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ هذه نهاية في التهديد والوعيد (١٠).
следующие страницы →