← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

أحدها: أنه (١) النبي ﷺ (٢). والثاني: أنَّ المراد به المؤذنون، وأنَّ العمل الصالح ها هنا الصلاة بين الأذان والإقامة (٣). وقيل: نزلت في بلال (٤). مقاتل: " هو جميع الأئمة والدعاة إلى الله تعالى " (٥). ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ (لا): زائدة (٦)، أي لا يستوي الإيمان والشِّرك والحلم والضجر والطاعة والمعصية، والرِّفق والعنف (٧). وقيل: الحالة الحسنة والحالة السِّيئة. ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ابن عباس ﵄: أمر الله في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وجعل لهم عدوهم كأنَّه وليٌّ حميم " (٨).

стр. 2662

وقيل: ادفع بحقِّك باطلهم وبحلمك جهلهم. مقاتل: " نزلت في أبي سفيان (١): كان مُؤْذِياً للنَّبي ﷺ فصار ولياً " (٢). وقيل: نزلت في أبي جهل كان يؤذي النبي ﷺ فأمره بالصَّفح عنه إلى وقته (٣). وقيل معنى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أن تقول لمن جهل عليك: السلام عليك. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ أي إذا دفعت بالإحسان لانَ جانبهم لك ومالوا إليك، وصار عدوك كأنَّه قريب شفيق. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي هذه الخصلة (٤)، وقيل: هذه المجازاة، وهي الدفع بالأحسن، وقيل: الجنَّة. ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الظلم.

стр. 2663

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ من العقل والرأي والصبر، وقيل: الحظ العظيم: الجنَّة (١). ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ وسوسة وغضب، ودعاك إلى مقابلة القبيح بالقبيح فاستعذ بالله (٢). والنَّزغ: القول الفاسد (٣)، وقيل: تحريك إلى الشَّر. ابن عيسى: " الفحش إلى ما يدعوا إلى الفساد " (٤). ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ اعتصم بالله ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لاستعاذتك. ﴿الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ بنزع الشيطان (٥). وقيل: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ في إمهالي إيَّاهم، وترك استئصالي شأفتهم (٦) فاستعذ بالله. ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ آيات قدرته ودلالات وحدانيته.

стр. 2664

﴿اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ وإن كثرت منافعهما. ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ لأنَّ عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوق. يجوز أن تعود الكناية إلى الآيات، ويجوز أن تعود (١) إلى الليل والنَّهار والشمس والقمر، (٢) ولم يُغلِّب المذكَّر على القياس لأنَّ ذلك مع العُقلاء (٣). ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ فاعبدوه وحده؛ لأنَّ من عبد مع الله غيره لا يكون عابداً له. ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن عبادة الله. ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي الملائكة (٤)، ومعنى عنده: له، كما تقول: عند فلان ألف غلامٍ وألف فرس، وقيل: ذكر (عند) للمرتبة والمنزلة. ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي يُسبَّحون ويُمَجِّدون ويُكبِّرون ويُهلِّلون دائماً، وكلُّها تسبيح، وقيل: يُصلُّون. ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (٣٨)﴾ لا يَملُّون (٥). قيل: التسبيح منهم كالتَّنفس من النَّاس. موضع السَّجدة آخر هذه الآية إجماع، إلا ما رُوي عن ابن مسعود والحسن ﵄: " أنَّهما ذهبا إلى (٦) أنَّ موضعه ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ (٧). ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ يابسة غبراء دارسة (٨). وقيل: ذليلة بالقحط. ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ المطر. ﴿اهْتَزَّتْ﴾ للنَّبات. ﴿وَرَبَتْ﴾ ارتفعت (٩). وقيل: اهتزَّت تشقَّقت، وربت: انتفخت. وقيل: انفطرت للنَّبات، وربت نباتها وزادت، وقيل فيه: تأخير: أي ربت واهتزت. ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ بعد موتها بإنزال المطر عليها (١٠). ﴿لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ في الآخرة. ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإحياء والإماتة.

стр. 2665

﴿قَدِيرٌ (٣٩)﴾ قادر بالكمال. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ يميلون ﴿فِي آَيَاتِنَا﴾ القرآن حين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾. وقيل (١): يُكذِّبون، وقيل: يكفرون، وقيل: معاندون (٢) رُسُلنا، وقيل: هو المُكَاء والتَّصدية (٣) والصَّفير عند تلاوته (٤). ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فنلقيهم (٥) في النَّار، ثُمَّ قال: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ﴾ يعني أبا جهل - عليه اللعنة - (٦). ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قيل: هو عثمان، وقيل: عمر، وقيل: عمَّار بن ياسر ﵃ (٨). مقاتل: " هو رسول الله ﷺ " (٩). ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ هذه نهاية في التهديد والوعيد (١٠).

стр. 2666

﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ فيجازيكم عليه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ بالقرآن (١) ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ حين جاءهم ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإنَّ القرآن. ﴿لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾ لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، وقيل: عزيزٌ من تمسَّك به أعزَّه الله في الدنيا والآخرة، وقيل: عزيزٌ ممتنع (٢) من الباطل بما فيه من حُسن البيان ووضوح البرهان، وقيل: عزيز محفوظ من أن يُغَيَّر أو يبدَّل (٣) (٤). ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ الشيطان (٥)، وقيل: التبديل، وقيل: التناقض، وقيل: الكذب. وقيل: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: في أخباره عمَّا تقدَّم ولا عمَّا تأخَّر، وقيل: لا يأتيه الباطل بوجه من الوجوه (٦).

стр. 2667

وقيل: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ لفظه، ﴿وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ تأويله. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾. اختلفوا في خبر إنَّ، والجمهور على أنَّه ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾، والذي بينهما اعتراض فيه ذكر المبتدأ (١)، وقيل: خبره مُقَدَّر تقديره: إنَّ الذين كفروا بالذِّكر كفروا به لمَّا جاءهم. وقيل: هلكوا، وقيل: خبره ﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾ لأنَّ تقديره ما يقولون لك. ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي ما قول (٢) قومك لك إلا ما قالت الأمم الماضية لرسُلهم من قبلك إنَّه كاذب، إنَّه ساحر، إنَّه مفتر (٣). وفيه قول آخر: أي ما يقول الله لك في الوحي والتنزيل إلا ما قد قيل للرسل من قبلك (٤) فيما أوحي إليهم، فعلى هذا لا يصلح للخبر (٥). ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ للمؤمنين، ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ للكافرين. وقيل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ مفعول لقوله: ﴿يُقَالُ﴾ وقيل: على الحكاية، ثُمَّ عاد إلى وصف الذِّكر فقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي الذِّكر ﴿قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا﴾ على لغة العجم (٦) (٧) لنفرت منه العرب (٨): ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾ بلسان العرب (٩).

стр. 2668

﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ من تمام كلامهم، أي: المُنْزَل أعجمي، والمُنزل عليه عربي كيف يتوافقان؟ (١) وقيل: المنزل أعجمي، والمنزل إليهم عربيون. والاستفهام للإنكار. وقال بعضهم: يعني بالأعجمي غير المُبيَّن، أي لو أنزلناه غير مُبيَّن لقالوا: لولا أنزل إليه مُبيناً (٢). وقيل تقدير الآية: إنَّ الذين كفروا بالذِّكر لمَّا جاءهم، وقالوا: لولا أنزل بلسان العجم ليكون أقرب إلى المعجزة لعجزك عن نظم الكتاب على لغة العجم. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾ الآيات، ثُمَّ قال مُجيباً لهؤلاء: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا﴾ كما اقترحوا ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾ ... بلسان العرب لنفهمه نحن من غير ترجمان، ثُمَّ قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى﴾ من الضلالة (٣). ﴿وَشِفَاءٌ﴾ من الشَّك؛ فإنَّ الشَّك مرض (٤).

стр. 2669

﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي هم لتركهم قبوله بمنزلة من في أُذنه صَمَم. ﴿وَهُوَ﴾ أي القرآن ﴿عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ لا يُبصرون به مراشدهم (١). وقيل: عمى القلب. ويحتمل أن يكون (الذين) في محل جر عطفاً على ﴿لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾، وتقديره (٢): والذين لا يؤمنون وقرٌ في آذانهم (٣). ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ يسمعون الصَّوت بالقرآن، ولا يفهمون المعنى (٤). وقيل: بعيد من قلوبهم. وقيل: بعيد من الإجابة. وقيل: هو مثلٌ لمن لا يفهم، وعلى الضدِّ أنَّه يأخذ من قريب، وقيل: يُنادون في القيامة بأشنع الأسماء (٥). ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة (٦). ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فاختلف أمَّته فيها فمن مُصَدِّقٍ ومُكذِّب ومُحرِّفٍ ومُبدِّل. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ قيل: هو (٧) الأجل المُسَمَّى.

стр. 2670

وقيل: هي (١) قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وقيل: هي (٢) قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر: ٤٦]. وقيل هي قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. والمعنى: سبقت بتأخير العذاب (٣). ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أهلكهم إهلاك استئصال (٤). ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وإنَّ اليهود، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾ أي معه تهمة (٥). وقيل: تمَّ الكلام على قوله ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ أي اختلف اليهود في كتابهم كما اختلف قومك في القرآن، ثُمَّ رجع إلى القول في العرب فقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ الآية. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ ثوابه ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ عقابه. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ ذكر بلفظ المبالغة لمكان العبيد فإنَّه جمع (٦). وقيل: كأنَّه جواب قائل: إنَّه ظلَّام، وقيل: من ظلم وعلم أنَّه يظلم فهو ظلَّام.

стр. 2671

﴿* إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: علمها عند الله فحسب (١)، وقيل: من يسأل عنها، قال: الله تعالى يعلم (٢). وقيل: يجب على المسؤول أن يقول: الله يعلم ذلك. ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ (٣) من أوعيتها (٤). ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ﴾ حملها ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ أي: والله عالم به، فالباء (٥) للحال. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ بزعمكم (٧). ﴿قَالُوا آَذَنَّاكَ﴾ أعلمناك، وقيل: أخبرناك، وقيل: أسمعناك من قوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾ [الانشقاق: ٢] (٨). ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)﴾ أي: لهم، وقيل: ما منَّا من شهيدٍ أنَّ لك شريكاً، لأنَّهم لمَّا عاينوا القيامة تبرؤا من معبوديهم (٩).

стр. 2672

وقيل: يقول المعبودون: ما منَّا من شهيدٍ يشهد لهم بأنَّهم كانوا مُحقِّين، وقيل: كلام العابدين والمعبودين. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ﴾ يعبدون ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل يوم القيامة، أي لم يتنفعوا بهم (١). ﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا (٢)، والظنُّ ها هنا مُعلَّق عمل في المعنى دون اللفظ كما يُعلَّق مع لام الابتداء وألف الاستفهام (٣). ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾ مهرب ومخلص من عذاب الله (٤). وعن بعض القُرَّاء الوقف على ﴿وَظَنُّوا﴾ أي فظنُّوهم (٥) آلهة، ثُمَّ استأنف فقال: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾ فلا يكون الظنُّ مُعلَّقاً (٦). ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ﴾ الكافر (٧)، وقيل: عامٌّ للجنس.

стр. 2673

﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ أي: من دُعائه الخير، والخير ها هنا: المال، وقيل: الصِّحة والعافية، والمعنى: لا يملُّ من جمع المال وطلبه له (١). ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ الفقر ﴿فَيَئُوسٌ﴾ من الخير ﴿قَنُوطٌ (٤٩)﴾ من الرحمة (٢). وقيل: يؤوس من الإجابة قنوط بسوء الظنّ. وقيل: يؤوس قنوط من عَود (٣) النِّعمة وزوال المكروه. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا﴾ يعني: أصبناه عافية وغنى. ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ يعني: من بعد شدَّة أصابته (٤). ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ يعني: أنا أهل لهذا ومستحقّه (٥)، وقيل: هذا لي، أي: من خيرٍ عندي، وقيل: هذا لعلمي، وقيل: هذا إلىَّ وأنا حقيق به. والمعنى: لا يرى ذلك تفضُّلاً من الله وجب عليه شكره له. وشكَّ في الآخرة أيضاً وقال (٦): ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ ما أراها تكون.

стр. 2674

﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ كما يقول المسلمون. ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ يُفضِّلني في الآخرة كما فضَّلني في الدنيا؛ لأنَّ تفضيله إيَّايَ يدُلُّ على رضاه عنِّي (١). وقيل: هذا استهزاءٌ وتكذيبٌ (٢). والحُسنى: ما يحسُنُ ذكره ضد السوءى (٣) (٤)، وقيل: الحسنى: الجنَّة. ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ لنجزينَّهم بأعمالهم. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠)﴾ شديد لا يَفْتُر عنهم (٥). ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ﴾ عن الشكر والطاعة مُتكبراً مُتَجبراً. (٦) ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ تباعد بكلِّيته، لأنَّه إذا أبعد الجانب الذي هو فيه فقد بعد وأبعد كلّ متعلق به (٧). وقرأه من قرأ ﴿وناء بجانبه﴾ (٨)، مقلوب نأى، وبمعناه (٩). وقيل معناه: فأعجب (١٠) بنفسه وتكبَّر (١١).

стр. 2675

﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ كثير، وقيل: طويل (١). والوصف بالعرض أبلغ من الوصف بالطول؛ لأنَّ الشيء إذا كان عريضاً فهو طويل لا بُدَّ، وقد يكون الشيء طويلاً في قليلٍ من العرض كالحبل والخيط، وقد يكون طويلاً لا عرض له البتَّة كالخط فإنَّه طولٌ لا عرض له (٢). ولا منافاة بين قوله: ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩)﴾ وبين قوله: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ (٣) لأنَّ الأول في قومٍ والثاني في قومٍ (٤). وقيل: قنوط في البحر، وذو (٥) دعاءٍ في البرِّ. وقيل: يؤوس قنوط بالقلب، دعَّاء باللسان. وقيل: يؤوس قنوط من الصنم، دعَّاء لله. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ﴾ أي: القرآن (٦) ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: جحدتم وأنكرتم أنَّه من عند الله، وأفاد ﴿ثُمَّ﴾ أنَّكم (٧) كفرتم به الآن. ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ خلاف بعيد عن الوفاق، أي: لا أحد أضل منه.

стр. 2676

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ﴾ هو ما أخبرهم النبي ﷺ بوقوعه من الفتن وظهور الآيات في آفاق الأرض بعده، ولم يُصدِّقوه، ثُمَّ كان كما أخبر. وقيل: ﴿آَيَاتِنَا﴾: الأعلام التي تدلُّ على التوحيد. وقيل: آثار من كذَّب الرُّسل، وآثار خلق الله في كلِّ البلاد. وقيل: ﴿آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ﴾: هي الشمس والقمر والنُّجوم وأحوالها. وقيل: انشقاق القمر. ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بأن خلقهم من تراب ثُمَّ من نطفة، الآية. وقيل: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بالأمراض والبلايا. وقيل: ﴿فِي الْآَفَاقِ﴾ بما فتح عليه من نواحي مكة، وأقطار الأرض. ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فتح مكة (١). وجاء في بعض التفاسير: أنَّ أبا جهل قال للنَّبي ﷺ : ائتنا بعلامة فانشق القمر بنصفين (٢)، فقال أبو جهل: يا معشر قريش: قد سحركم محمدٌ فوجِّهوا رسلكم في الآفاق هل عاينوا القمر

стр. 2677

كذلك؟ فإن عاينوا شيئاً فهو آية وإلا فذلك (١) سِحر فوجَّهوا رسلهم في الأرض فإذا النَّاس كلُّهم يتحدثون في انشقاق القمر، فقال أبو جهل - عليه اللعنة -: هذا سِحرٌ مستمرٌّ، فنزل: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢). ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ﴾ أنَّ (٣) القرآن. وقيل: إنَّ (٤) محمداً ﷺ (٥). وقيل: إنَّ الله تعالى. وقيل: إنَّ الدِّين ﴿الْحَقُّ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ أي: أولم يكف للإنسان (٦) من الزاجر والرادع عن المعاصي كون الله شهيداً عليه (٧). وقيل: أولم يكف بربك شهيداً لا يختلف ما وعد. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ﴾ شكٌّ ﴿مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ البعث والحساب (٨). وقيل: المخاطبة والمُحاسبة. ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾ أي: عالمٌ حافظ له، فقد أحاط به علمه ... وقدرته (٩)، والحمد لله حقَّ حمده.

стр. 2678

سورة حم عسق (١) ثلاث وخمسون آية (٢)، وقيل (٣): هي (٤) سورة الشورى مكية (٥) ابن عباس ﵄ " إلا أربع آيات من قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ فإنها نزلت بالمدينة ". (٦) مقاتل: "مكية إلا قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿الصُّدُورِ (٢٤)﴾. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ إلى: ﴿مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ " (٧). الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ الكلام في ﴿حم (١)﴾ سبق (٨). واختلفوا في ﴿عسق (٢)﴾: فقيل: اسم للسورة (٩)، وقيل: اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: اسم جبل ق (١٠).

стр. 2679

وعن ابن عباس ﵄: " أنها نزلت في رجل يقال له: أبو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبني عليه مدينتين " حكاه الثعلبي (١) وأطال، ورواه أيضاً مرفوعاً (٢). وقيل: هي رموز إلى فِتَنٍ كان علي ﵁ عنه يعرف بها الفتن (٣). وذهب بعضهم: إلى أن الحاء: حكم الله، والميم: مُلْكه، والعين: عِلمه، والسِّين: سناؤه، والقاف: قدرته (٤). وقيل: الحاء: حرب علي ﵁ ومعاوية (٥)، والميم: ولاية المروانية (٦)، والعَين: ولاية العبَّاسية (٧)، والسِّين: ولاية السَّفيانية (٨)، والقاف: قدرة مَهْدِيّ (٩) (١٠) "، وأطالوا بمثل هذه الأقاويل،

стр. 2680

حتى قال أبو مُسلم (١) بعد ما حكى بعضها: " أردت بذكر ذلك أن يُعلم (٢) أن فيمن يدعي العلم أيضاً حمقى والسلام " (٣) (٤). وفي بعض مصاحف ابن مسعود ﵁ (حم سق) وكذلك (٥) قرأه ابن عباس ﵄ (٦). وفصل: ﴿حم﴾ ﴿عسق (٢)﴾ (٧) ﴿عسق (٢)﴾ خلاف ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: (١)] لتقدم: ﴿حم﴾ (١) قبله واستقلال هذه بنفسها، ولهذا عدَّا آيتين (٨). ابن عيسى: " إنما فصلت من سائرها بذكر ﴿عسق (٢)﴾ لأنَّ جميعها ذكر الكتاب بعده على التصريح، إلا هذه فإنه دلَّ عليه دلالة التضمين بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب " (٩).

стр. 2681

﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾. ابن عباس: ﵄: " ليس من نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه (١) " (٢). ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ ولذلك (٣) قال: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾. وقيل: أوحى معانيها على سائر الأنبياء. وقيل: إشارة إلى ما سيذكر في السورة. وقيل: إشارة إلى شأن النبي ﷺ وما كان عليه، أي: حال كلُّ من أوحي إليه كانت كحالك جواباً لمن أنكر الوحي. ومن قرأ ﴿يُوْحَى﴾ على المجهول فـ ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ رفع بفعل دلَّ عليه ﴿يُوْحَى﴾ (٤)، ومثله ﴿يُسَبَّح له فيها﴾ [النور: (٣٦)] فيمن فتح الباء (٥). قال الشاعر (٦): ليبك يزيد ضارع (٧) لخصومةٍ ... ومختبط مما تُطِيح الطوائح (٨)

стр. 2682

وقيل: رفع بالابتداء وما بعده خبر له. ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: الأنبياء (١). ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ في سلطانه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمور عباده. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ خلقاً وملكاً ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ كذلك. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ شأنه ﴿الْعَظِيمُ (٤)﴾ برهانه. ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ﴾ تقرب (٢). وقيل من قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: (٧٦)]. (٣) ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ يتشققن (٤)، و ﴿يَنْفَطِرْنَ﴾ ينشققن (٥)، التشديد للمبالغة. ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ الضمير يعود إلى السماوات أي: تكاد (٦) كل واحدة منها تنفطر فوق التي تليها (٧). وقيل: ينفطرن من أعلاهن عظمة لله، فيكون متصلاً بقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾ (٨).

стр. 2683

وقيل: ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية، أي: تفطرها من فوقها خشية من فوقها، فجهة فوقها سبب تفطرها. وقيل: انفطاره؛ لأن دعوا للرحمن ولدا كما في الآية الأخرى (١). وقيل: ﴿تَكَادُ﴾ بمعنى (٢): تقرب (٣)، والمعنى: قربت الساعة وانفطار السماوات. وما روي عن ابن عباس ﵄: "ينفطرن من ثقل الرحمن" (٤)، فإن صح عنه فهو كما جاء في صفة القرآن: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: (٥)]، وليس المراد به اعتماداً يجب التَّحدر والتَّسفل - تعالى الله عن ذلك -. وقيل: الضمير يعود إلى الأرض، فهو متصل بقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: قيل: هم عام، وقيل: هم حملة العرش (٥). ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قيل: يُصَلُّون، وقيل: يسبحون بالحمد لله (٦)، ... وقيل: يسبحون حامدين، وقيل: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: أي: (٧) بإذنه، وقيل: بشكره.

стр. 2684

﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: المؤمنين منهم (١)، كقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [غافر: (٧)] (٢). واستغفارهم: شفاعتهم لهم، وقيل: يسألون لهم الرزق (٣). وما رواه الماوردي عن علي ﵁: " ﴿لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: الحسين ﵁ " (٤) (٥)، فلعله أراد منهم الحسين، والله أعلم. ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: أعواناً وأنصاراً أشركوهم معه في العبادة. ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ حافظ لأعمالهم فيجازيهم عليها (٦). ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ لم توكل على منعهم من الكفر وحملهم على الإيمان.

стр. 2685

﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ بلسان قومك أي (١): كما أوحينا إلى سائر (٢) رسلنا من (٣) قبلك أوحينا إليك. قال صاحب النظم: " تقدير هذه الآيات: إنا أوحينا إلى الذين من قبلك بمثل هذه الحروف، كذلك أوحينا إليك بمثل هذه (٤) الحروف قرآناً " (٥). ابن بحر: " هو الكلام (٦) الأول أعيد لمّا اعترض بين الكلامين ما يخرج عن معناهما " (٧). ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ يعني مكة، لأنَّ سائر الأرض دحيت من تحتها (٨). وقيل: لأنها أشرف البقاع، وفيها بيت الله العتيق. والمعنى: لتنذر أهلها (٩). ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ حول مكة، يعني: العرب وهم المبدوء بهم في الإنذار ثم الأقرب فالأقرب (١٠)، وقيل: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: أهل الأرض جميعاً. ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ أي: تنذر الناس بيوم القيامة (١١) فهو مفعول به لا ظرف (١٢). ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ﴾ مُتَنَعِّمُون.

стр. 2686

﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ مُعَذَّبون. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ مسلمين كلهم يدخلون الجنة (١)، وقيل لألجأهم إلى الإيمان فيطبقوا عليه، لكن لم يستحقوا به الثواب، وقيل: لجعلهم أهل ضلالة. ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ الإسلام (٢)، أي: يكرم بالإسلام من كان أهلاً لذلك. ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾: الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ﴾ والٍ يمنعهم من العذاب ﴿وَلَا نَصِيرٍ (٨)﴾ ينصرهم. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ بل اتخذوا ﴿مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي (٣): الأصنام ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ الذي تنفع (٤) ولايته لا الصنم. ﴿وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ يحيهم بعد موتهم، وقيل: هو (٥) يحيي ويميت لا الصنم. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾ قادر بذاته. ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ من أمور الدِّين والدُّنيا. ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فعلمه عند الله (٦)، وقيل: كلوا علمه إلى كتاب الله، وسنة الرسول، كقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: (٥٩)]، وقيل: فحكمه

стр. 2687

إلى الله، وقد بين ذلك في القرآن إما ظاهراً منصوصاً، وإما مضمَّناً (١) فيه تضميناً قريب المأخذ أو تضميناً بعيد المأخذ. قال (٢) مقاتل: " إن أهل مكة كَفَرَ بعضهم بالقرآن وآمن بعضهم به " (٣). فأخبر أنَّ حكمهم إلى لله يحكم يوم القيامة للمُحِقِّ على المُبْطِل؛ فيصير المحقُّ إلى النعيم، والمُبْطل إلى الجحيم. وقيل: يحكم في الدنيا بإظهار المؤمنين عليهم وقتلهم وأسرهم. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾ أرجع بالأعمال والأقوال. ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبتدأ ﴿جَعَلَ﴾ خبره، وقيل: هو فاطر السماوات والأرض (٤). ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ خلق لكم ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ من جنسكم نساء (٥). وقيل: من أنفسكم ذكوراً وإناثاً. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ ذكوراً وإناثاً لتكثر (٦) منافعكم بها (٧). ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يخلقكم بكثرة (٨)، وقيل: يُكْثِر نسلكم، وقيل: يجعلكم ذرية.

стр. 2688

ابن عيسى: "الذَّرء: إظهار الخلق بإيجاده " (١). ﴿فِيهِ﴾ أي: به فيمن جعل الهاء كناية عن مصدر ﴿جَعَلَ﴾ (٢). وقيل: له فيمن جعل (٣) الهاء كناية عن الاختلاف كما في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: (١١٨ - ١١٩)]. وقيل: الهاء تعود إلى الذَّرء. وقيل: معنى ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾: يعيشكم ويرزقكم (٤). والهاء تعود إلى ﴿الْأَنْعَامِ﴾، ووحَّدَ كقوله: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: (٦٦)]، وقد سبق. وقيل: ﴿فِيهِ﴾ في الوقت , وقيل: ﴿فِيهِ﴾ فيما ذكرناه (٥). وقيل: في الرحم , وقيل: في البطن خلقاً من بعد خلق، وقيل: في التزاوج , وذكر الأزواج يدل عليه. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قيل: الكاف زيادة زيدت لتأكيد نفي التماثل، ومثله (٦) قول الشاعر: وقتلى كمثل جذوع النخيل ... يغشاهم سيل منهمر (٧)

стр. 2689

وتقديره: ليس مثله شيء. وقيل: مثل زيادة، والتقدير (١): ليس كَهُوَ شيء. (٢) وقيل: مثل عبارة عن الذات، كأنه قال: ليس كذاته شيء، وقول الناس: مثلي لا يفعل هذا يخرّج على القولين. وقيل: مِثل ومَثَل يأتيان بمعنى الصفة، أي: ليس كصفته صفة. وقيل: مثلُ الشيء صاحب صفات كصفاته، والله تعالى واحدٌ، ومحال أن يقع الواحد على اثنين، فإذاً معناه: ليس كصاحب صفاته شيء، وصاحب صفاته إنما هُوَ هُوَ؛ لأنَّ من صفاته ما لا يجوز أن يشترك فيه اثنان. وقيل: الكاف لتشبيه الصفة، ومثل لتشبيه الذات، فنفى بِـ (لَيْسَ) الشبهَ عن الذَّات والصفات، وهذا ضعيف لا وجه له في الإعراب (٣). ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لجميع (٤) المسموعات بغير أذن ﴿الْبَصِيرُ (١١)﴾ بجميع المرئيات بغير حدقة (٥). وختم الآية بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ لئلا يتوهم أنه لا صفات له كما لا مثل له. ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جمع إقليد (٦)، جاء على غير بناء الواحد. وقيل: جمع (٧) مقلاد ومقليد، وقيل: هو معرَّب.

стр. 2690

ومقاليد السماوات والأرض: خزائنها، في السماء خزانة المطر، وفي الأرض خزانة النبات. وقيل: خزانة السماء: الغيوب، وخزانة الأرض: الآيات. وقيل: ﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مفاتيحهما، ومن ملك المفتاح ملك الخزانة. وروى ابن عمر ﵄ أن عثمان ﵁ سأل النبي ﷺ عن مقاليد السماوات والأرض؟، فقال ﷺ ما سألني أحد عنها، إنها قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، سبحان لله، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير " (١). ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يوسِّع الرزق لمن يشاء، ويقْدر على من يشاء: أي (٢): يُضَيِّقُ (٣). وقيل: ... ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يُقَدِّر له البسط، فاكتفي بذكر أحد الضدين عن الآخر. ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من مصالح العباد ﴿عَلِيمٌ (١٢)﴾ فيعطيهم بقدر مصالحهم. ﴿* شَرَعَ﴾ بيَّن (٤)، وقيل: أوجب، وقيل: شرع شريعة في الخير والشر، وقيل: فتح عليكم. ﴿لَكُمْ﴾ لأجلكم، وقيل: عليكم. ﴿مِنَ الدِّينِ﴾ قيل: ﴿مِنَ﴾ زيادة، وقيل: اختار لكم من الأديان ديناً. ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ أي: الذي أمر به نوحاً، وقدَّم نوحاً؛ لأنه أول من أوحي إليه الحلال والحرام، وقيل: أول من أوحي إليه تحريم الأمهات والأخوات والبنات (٥).

стр. 2691

﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ أي: شرع لكم ذلك كله. وقيل: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا﴾ مبتدأ، ﴿وَمَا وَصَّيْنَا﴾ عطفٌ، و (١) ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ خبره. الزجاج: " يجوز في موضع أن النصب على البدل من ما، والرفع على هو أن أقيموا، والجر على البدل من الهاء في به، ويجوز أن يكون متصلاً بوصينا، أي: وصّينا بأن أقيموا" (٢). ومعنى: ﴿أَقِيمُوا﴾: اعبدوا (٣)، وأخلصوا في الدِّين (٤). وقيل: إقامة الدِّين التمسك به والعمل بموجبه (٥)، وقيل: ادعوا إليه، وقيل: اعملوا به. ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أي (٦): لا تختلفوا في الدِّين، فإن الحق واحد (٧). وعن علي ﵁: " لا تتفرقوا فالجماعة رحمة، والفرقة عذاب " (٨). ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ التوحيد، وقول: لا إله إلا الله والإخلاص (٩).

стр. 2692

وقيل: ما خُصِصتَ به من النبوة والرسالة (١). ويُحتمل أنه يعود إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يختار للنبوة والرِّسالة (٢) (٣)، والهاء تعود إلى ما يعود إليه في قوله: ﴿مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾. وقيل: يعود إلى الله ، أي: يصطفي ويضم من يراه أهلاً لذلك. وعدَّاه بـ"إلى"؛ لأنَّ الاجتباء بمعنى الجمع، من جبيت الماء في الحوض (٤)، والجمع يُعدى بـ"إلى " تقول: جمعت إليه كما تقول ضممت إليه، وقيل: إلى متعلق بمضمر تقديره: يجتبي ويدعو إليه. ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ يرشد ويوفِّق ﴿مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ يُقبل إليه. ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ يعني الأمم (٥) الذين تقدَّم ذكرهم (٦)، وقيل: أهل الكتاب. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: أي: العلم بصحة ما أمروا به. وقيل: العلم: القرآن. وقيل العلم: محمد (٧) ﷺ .

стр. 2693

وقيل: العلم بإقامة الدِّين وترك التفرق فيه. وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها؛ لأنه ختم الآية بقوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ والشَّكُّ والعلم لا يجتمعان (١). ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حسداً وعداوة (٢)، فهو مفعول له. وعن أبي بن كعب ﵁ (٣): " لابتغاء الدنيا، وطلب ملكها " (٤). ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بالإمهال. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: هو قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: (٤٦)]، وقيل: تأخيرهم إلى وقت معلوم، وقيل: إنظارهم إلى آخر أعمارهم. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لعجلت العقوبة لهم في الدنيا (٥). ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: التوراة والإنجيل (٦). ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من القرآن، وقيل: من الإخلاص لله، وقيل: من صدق الرسول (٧).

стр. 2694

﴿مُرِيبٍ (١٤)﴾ مدخل في الريبة، وقيل: هم العرب ورثوا الكتاب بعدهم فشكوا فيه. ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ قيل: إشارة إلى الدين والتوحيد، وقيل: إشارة إلى القرآن. واللام بمعنى إلى، أي (١): أدع إلى ذلك (٢)، وقيل: هما يتعاقبان كما تقول: أوحي إليه وله، وقيل: لما أوتيت من العلم فادع، فيكون اللام لتعليل وجوب الدعاء. ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أثبت على الدِّين، وقيل: على أمر الله، وقيل: على تبليغ الرسالة، وقيل: على طاعة الله كما أمرت في القرآن (٣). ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ لا تعمل بأهوائهم، وذلك حين دعوه إلى ملة آبائه (٤). وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وشَيْبَة بن ربيعة حين وَعَدَه الوليد أن يعطيه نصف ماله، ووعده شيبة أن يزوجه ابنته إن رجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش (٥). ﴿وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي: جميع كتب الله تعالى (٦). ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [أسوي بينكم في التبليغ، وقيل] (٧): أسوي بينكم في الحكم (٨)، وقيل: لأسوي بيني وبينكم فأعمل (٩) بما آمركم، وأنتهي عمَّا أنهاكم عنه.

стр. 2695

﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ خالقنا جميعاً ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ يجازي بها (١) جميعاً ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره. ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ لا خصومة بيننا في الدين (٢)، والحجة: بمعنى الحجاج، كالخصومة بمعنى الخصام (٣). ابن عباس: " هو خطاب لأهل الكتاب، ثم نسخ بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: (٢٩)] " (٤). فيكون المعنى: لم نؤمر أن نحتج عليكم ونقاتلكم، ثم نسخ. وقيل: هي محكمة (٥)، والمعنى: قد ظهرت البراهين، وقامت الحجج فلا نحتاج إلى حجة نقيمها (٦). ابن عيسى: " معناه عدلتم عن الحجة بإظهار العداوة والحسد " (٧). ويُحتمل لا حجة بيننا وبينكم، بل السيف بيننا وبينكم. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ في القيامة. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ المعاد لفصل القضاء. ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ يخاصمون النبي والمؤمنين في توحيد الله (٨)، وقيل: هم المشركون، وقيل: أهل الكتاب قالوا: كتابنا قبل كتابكم، [ونبينا قبل نبيكم] (٩)، وديننا قبل دينكم فنحن خير منكم.

стр. 2696

﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ قيل: من بعد ما استجاب الله محمداً بإظهار المعجزة الدالة على نبوته (١). وقيل: من بعد ما استجاب أهل الكتاب، وأقروا بنبوته لوجودهم نعته في كتبهم واستفتحوا به. وقيل: من بعد ما استجاب المؤمنون لربهم وآمنوا بكتابهم. وقيل: أجيب له يوم الميثاق، وقيل: من بعد ما أجُيبوا إلى ما طلبوا من البيان والحجة، وقيل: الاستجابة ها هنا: خلق السماوات ونصب الأدِلَّات (٢). ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ لا تؤدي (٣) إلى الحق، وقيل: ﴿دَاحِضَةٌ﴾ باطلة زائلة لتمسكهم بالباطل (٤)، وسمّيت حجة بزعمهم. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ بكفرهم (٥). ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾ في النار. ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ اسم جنس (٦) ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ العدل (٧)، وقيل: الأحكام، وقيل: هو عين الميزان في زمن نوح ﵇، وقيل: ألهم (٨) اتخاذ الميزان، وقيل: الميزان محمد ﷺ يقضي بينهم بالكتاب.

стр. 2697

﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ يا محمد ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ أي: قريب إتيانها. سيبوية: " ذات قرب على النسب " (١). الزجّاج: " لأن تأنيثها غير حقيقي " (٢). أبو عبيدة: " القريب والبعيد إذا كانا ظرفين أو بمعنى الظرف يستوي فيهما المذكر والمؤنث والواحد والجميع (٣) (٤). ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ استهزاءً. وقيل: طمعاً في أن يذكر النبي ﷺ ... لها وقتاً معيناً ثم يمضي الوقت فلا يقع فصير حجَّة لهم عليه. ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ خائفون منها وجلون لهولها (٥). وقيل: ﴿مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ خائفون (٦) أن تقوم فتحولَ (٧) بينهم وبين التوبة. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ الكائن لا محالة. ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ﴾ يجادلون في وجودها (٨)، وقيل: يشكون في وقوعها، وقيل: يدخلهم المرية فينفونها.

стр. 2698

﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾ خطأ ﴿بَعِيدٍ (١٨)﴾ عن الصواب. ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ أي بارٌّ بهم (١). ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ البرُّ والفاجر. وقيل: معنى ﴿لَطِيفٌ﴾ يرزقهم من حيث لا يعلمون، وقيل معناه: يعلم خفيات أمورهم، واللطف (٢) في الأصل: الرِّقة (٣)، وقيل: يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة كي يتوبوا. ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾ الغالب غير المغلوب. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ﴾ أي ثواب الآخرة بعمله (٤)، وقيل تقديره: من كان يريد حرث الآخرة (٥)، أي: بعمله، وقيل تقديره: حرث خير الآخرة، وسُمِّي حرثاً أي: كالزارع الحارث (٦) يطلب بحرثه مزروعاً (٧). ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ فيعطيه بالواحد عشراً ومائة وأضعافاً. وقيل: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ نجمع له الدنيا والآخرة.

стр. 2699

﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ما قسمناه، و (مَن) للتبعيض. ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ﴾ أي: في خير الآخرة ﴿مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ لأنه كذَّب بها. قتادة: " إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة، ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا " (١). وقيل: نزلت في الذين حاربوا مع (٢) رسول الله ﷺ فمنهم من كان غرضه وجه الله، فالله وعده ذلك وزاده في الدنيا الغنيمة، ومنهم من كان غرضه الغنيمة وهم المنافقون، فآتاهم ذلك لأن النبي ﷺ قسَّم الغنيمة بين الكل (٣). وفي كتاب الناسخ والمنسوخ: " إنَّ في هذه الآية قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله: ... ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: (١٨)] وهو رواية جُوَيْبِر (٤) عن الضَّحاك (٥) عن ابن عباس ﵄. والقول الثاني: أنها ثابتة "وهو القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنَّه خبر والخبر لا يدخله النسخ (٦). ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ ﴿أَمْ﴾ هي المنقطعة عند بعضهم تقديره: بل ألهم شركاء؟. وقال بعضهم: هي المعادلة لألف الاستفهام.

стр. 2700

وفي الكلام مضمر تقديره: أفتقبلون ما شرع الله من الدِّين الذي وصَّى به نوحاً أم لهم آلهة ... ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ وصفوا لهم (١). ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: لم يأمرهم الله به، وقيل: لم يعلم به كقوله: ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: (٣٣)]، والإذن: العلم بالمسموعات (٢). ﴿شَرَعُوا﴾: ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله، وقيل: ما لم يطلق الله لهم التدين به كما قال: ﴿آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: (٥٩)]. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ وهي نظرتهم إلى وقت آجالهم. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لعجِّلت لهم العقوبة. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ في القيامة. ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ من جزاء كفرهم. ﴿وَهُوَ﴾ أي: الجزاء ﴿وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ لا محيص لهم عنه. ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ في رياض الجنان، والروضة: المكان الكثير الخضرة والماء (٣). ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي يتمنَّون ويشتهون في الجنة (٤). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: إعطاء هذه الأشياء.
следующие страницы →