← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ قيل: من بعد ما استجاب الله محمداً بإظهار المعجزة الدالة على نبوته (١). وقيل: من بعد ما استجاب أهل الكتاب، وأقروا بنبوته لوجودهم نعته في كتبهم واستفتحوا به. وقيل: من بعد ما استجاب المؤمنون لربهم وآمنوا بكتابهم. وقيل: أجيب له يوم الميثاق، وقيل: من بعد ما أجُيبوا إلى ما طلبوا من البيان والحجة، وقيل: الاستجابة ها هنا: خلق السماوات ونصب الأدِلَّات (٢). ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ لا تؤدي (٣) إلى الحق، وقيل: ﴿دَاحِضَةٌ﴾ باطلة زائلة لتمسكهم بالباطل (٤)، وسمّيت حجة بزعمهم. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ بكفرهم (٥). ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾ في النار. ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ اسم جنس (٦) ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ العدل (٧)، وقيل: الأحكام، وقيل: هو عين الميزان في زمن نوح ﵇، وقيل: ألهم (٨) اتخاذ الميزان، وقيل: الميزان محمد ﷺ يقضي بينهم بالكتاب.

стр. 2697

﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ يا محمد ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ أي: قريب إتيانها. سيبوية: " ذات قرب على النسب " (١). الزجّاج: " لأن تأنيثها غير حقيقي " (٢). أبو عبيدة: " القريب والبعيد إذا كانا ظرفين أو بمعنى الظرف يستوي فيهما المذكر والمؤنث والواحد والجميع (٣) (٤). ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ استهزاءً. وقيل: طمعاً في أن يذكر النبي ﷺ ... لها وقتاً معيناً ثم يمضي الوقت فلا يقع فصير حجَّة لهم عليه. ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ خائفون منها وجلون لهولها (٥). وقيل: ﴿مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ خائفون (٦) أن تقوم فتحولَ (٧) بينهم وبين التوبة. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ الكائن لا محالة. ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ﴾ يجادلون في وجودها (٨)، وقيل: يشكون في وقوعها، وقيل: يدخلهم المرية فينفونها.

стр. 2698

﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾ خطأ ﴿بَعِيدٍ (١٨)﴾ عن الصواب. ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ أي بارٌّ بهم (١). ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ البرُّ والفاجر. وقيل: معنى ﴿لَطِيفٌ﴾ يرزقهم من حيث لا يعلمون، وقيل معناه: يعلم خفيات أمورهم، واللطف (٢) في الأصل: الرِّقة (٣)، وقيل: يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة كي يتوبوا. ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾ الغالب غير المغلوب. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ﴾ أي ثواب الآخرة بعمله (٤)، وقيل تقديره: من كان يريد حرث الآخرة (٥)، أي: بعمله، وقيل تقديره: حرث خير الآخرة، وسُمِّي حرثاً أي: كالزارع الحارث (٦) يطلب بحرثه مزروعاً (٧). ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ فيعطيه بالواحد عشراً ومائة وأضعافاً. وقيل: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ نجمع له الدنيا والآخرة.

стр. 2699

﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ما قسمناه، و (مَن) للتبعيض. ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ﴾ أي: في خير الآخرة ﴿مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ لأنه كذَّب بها. قتادة: " إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة، ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا " (١). وقيل: نزلت في الذين حاربوا مع (٢) رسول الله ﷺ فمنهم من كان غرضه وجه الله، فالله وعده ذلك وزاده في الدنيا الغنيمة، ومنهم من كان غرضه الغنيمة وهم المنافقون، فآتاهم ذلك لأن النبي ﷺ قسَّم الغنيمة بين الكل (٣). وفي كتاب الناسخ والمنسوخ: " إنَّ في هذه الآية قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله: ... ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: (١٨)] وهو رواية جُوَيْبِر (٤) عن الضَّحاك (٥) عن ابن عباس ﵄. والقول الثاني: أنها ثابتة "وهو القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنَّه خبر والخبر لا يدخله النسخ (٦). ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ ﴿أَمْ﴾ هي المنقطعة عند بعضهم تقديره: بل ألهم شركاء؟. وقال بعضهم: هي المعادلة لألف الاستفهام.

стр. 2700

وفي الكلام مضمر تقديره: أفتقبلون ما شرع الله من الدِّين الذي وصَّى به نوحاً أم لهم آلهة ... ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ وصفوا لهم (١). ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: لم يأمرهم الله به، وقيل: لم يعلم به كقوله: ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: (٣٣)]، والإذن: العلم بالمسموعات (٢). ﴿شَرَعُوا﴾: ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله، وقيل: ما لم يطلق الله لهم التدين به كما قال: ﴿آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: (٥٩)]. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ وهي نظرتهم إلى وقت آجالهم. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لعجِّلت لهم العقوبة. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ في القيامة. ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ من جزاء كفرهم. ﴿وَهُوَ﴾ أي: الجزاء ﴿وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ لا محيص لهم عنه. ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ في رياض الجنان، والروضة: المكان الكثير الخضرة والماء (٣). ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي يتمنَّون ويشتهون في الجنة (٤). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: إعطاء هذه الأشياء.

стр. 2701

﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾ النعيم الدائم على القليل من العمل. ﴿ذَلِكَ﴾ أي الفضل الكبير هو (١): ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: هو لهم خاصة. ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄: " لمَّا قَدِمَ المدينة أتاه الأنصار، فقالوا (٢): إنك ابن أختنا وقد هدانا الله على يدك وتنوبك نوائب وحقوق، وليس عندك سعة فرأينا أنْ نجمع لك من أموالنا شطراً فنأتيك به، وتستعين (٣) على ما ينوبك " فنزلت هذه الآية (٤). قال قتادة: " اجتمع المشركون في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض: أترون محمداً يسأل على ما يتعاطاه أجراً؟ فأنزل الله هذه الآية " (٥). وفي الناسخ والمنسوخ: " أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ "، وفي معناه أربعة أقوال: أحدها: أن معنى قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ إلا تودّوني في نفسي لقرابتي منكم وهذا لقريش خاصة وهو قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد. الثاني: عن سعيد بن جبير أنه قال (٦) لمَّا نزلت (٧) هذه الآية قالوا يا رسول الله: من هؤلاء الذين نودُّهم؟

стр. 2702

قال: علي وفاطمة (١) وولدهما (٢) " (٣). الثالث: عن الحسن ﵁: " إلا أن تودّوا إلى الله، وتتقربوا إليه بالطاعة، والعمل الصالح " (٤). الرابع: إلا أن تودُّوا أقرباءكم، وتصلوا أرحامكم (٥) (٦).

стр. 2703

وفي الاستثناء قولان: أحدهما: أنه متصل (١) وهو فيمن جعله منسوخاً. وقيل: منقطع، أي: لا أسألكم أجراً البتَّة، لكن أذكركم المودَّة في القربى (٢). ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ يكتسب طاعة (٣)، وقيل: حبُّ آل محمد ﷺ . وقرف واقترف بمعنى. وقيل (٤): الاقتراف لا يستعمل إلا في الشرِّ، لكن لمَّا كان معناه معنى الفعل استعمله مكان الفعل (٥). ابن عيسى: " الاقتراف عمل شيء يؤخذ منه، مثل قرف التبر (٦) في القلِّة (٧). ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ نضاعفها له، والضمير يعود إلى الحسنة، وقيل: إلى الجنة. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن أذنب (٨) ﴿شَكُورٌ (٢٣)﴾ لمن أطاع. السُّدي: " ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوب آل رسول الله (٩) ﷺ ، ﴿شَكُورٌ﴾ لحسناتهم " (١٠). ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أن محمداً ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بدعوى النبوة وتقوُّل القرآن. ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ لأنساك ما آتاك من القرآن، ولكنه لم يشأ فأثبته فيه. ابن عيسى: " لو حدَّثت نفسك أن تفتري على الله كذباً بالطبع على قلبك " (١١).

стр. 2704

وقيل: يجعل (١) قلبك كالمختوم عليه لا يصل إليه شيء ولا يخرج منه شيء. وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه، ومثله: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: (٤٦)]. مقاتل: " فإن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حَزن ... ولا ضيق " (٢). ثم استأنف فقال: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ يرفعه ويزيله، ويهلك الشر. وحذف الواو من الخط لا للجزم ومثله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: (١١)] و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: (١٨)]. وذهب أبو علي الجُبَّائي (٣): " أن الواو حذف للجزم، وجعل معنى الآية: إن اقتربت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى " (٤). فعلى قوله: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾: استئنافٌ، ومعناه: يُظهر الحق ويُثبته. ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بالقرآن، وقيل: يُصَدِّق رسوله بوحيه، وقيل: ينصُر دينه بوعده. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾ بضمائر القلوب، فلو علم من قلبه أنه همَّ بالافتراء لعاجله بالعقوبة (٥)، فكيف إذا نطق به وصرَّح ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ إذا تابوا؛ لأنه إن لم يقبل كان إغراءً بالمعاصي (٦).

стр. 2705

﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ بعد التوبة ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ فيجازيهم عليه، وقيل: يعلم اعتقادهم فلا يقبل إلا التوبة النصوح. ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: يجيبهم إلى ما يدعونه، وقيل: يقبل طاعتهم، وقيل: هو دعاء بعضهم لبعض. واستجاب وأجاب بمعنىً، زيد السين للتوكيد كقوله (١): تعظَّم واستعظم، وتثبَّت واستثبت، وقيل: ويستجيب للذين فحذف اللام، [كما قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: (١٩٥)] (٢)، منَّ عليهم بأن أمهلهم للتوبة، ثمَّ إذا تابوا قَبِلَهَا منهم (٣) بعد التوبة عن سيئاتهم، واستجاب لهم ربهم وزادهم من فضله (٤). و ﴿الَّذِينَ﴾ على هذين القولين نصب، وقيل: محلّه رفع، أي: يجيب المؤمنون ربهم فيما دعاهم إليه (٥). ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعطيهم في الجنة أكثر مما سألوا (٦). ابن عباس ﵄: " يشفِّعهم في إخوانهم، ويزيدهم من فضله: يشفِّعهم في إخوان إخوانهم " (٧). الضحَّاك: " ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يجعل لهم محبة في صدورهم، ويسبغ عليهم النعمة في الدنيا والآخرة " (٨).

стр. 2706

وعن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: الشفاعة لمن وجبت له النار " (١). ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)﴾ في الآخرة. ﴿* وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ لو أغناهم جميعاً (٢). ﴿لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بغى بعضهم على بعض. وقيل: لظلموا في الأرض. وقيل: لبغوا بارتكاب المعاصي. وقيل: لتراموا إلى إفساد الأرض بأن لا يحتاج بعضهم إلى بعض فلا يتعاونوا. ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ أي: بقدر ما علم أن فيه صلاحهم. محمد بن جرير: " أنها نزلت في أصحاب الصُّفَّة تمنَّوا الغنى " (٣). وقيل: هذا في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض، وإذا أجدبوا انتجعوا في طلب الرِّزق، وفيه يقول الشاعر: وفي البقل إن لم يدفع الله شره ... شياطين ينزوا بعضهم على بعض (٤) ومثله: قوم إذا نبت الربيع بأرضهم (٥) نبتت عداوتهم مع البقل (٦)

стр. 2707

﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ علم صلاحهم (١) وصلاح كلُّ أحد منهم، فأعطى كل أحد منهم (٢) ما كتب له من الرزق. وقيل: لو رزقهم من غير كسب لتفرغوا (٣) للفساد، ولكن شغلهم بالكسب لئلا يتفرغوا للفساد. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ وهو من المطر ما كان نافعاً، وفي وقته، والمطر قد يكون نافعاً ومضراً، وفي وقته وغير وقته. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ أيسوا منه لتأخُّر نزوله (٤). ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ نعمته وخصبه (٥) فتعمُّ (٦) السَّهل والجبل والعامر والغامر. وقيل: رحمته مطره. وقيل: نشرها عمومها لجميع الخليقة. ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ الرَّبُّ المحمود يعيد المطر عاماً بعد عام مرَّة بعد أخرى (٧)، وذهب بعض المفسرين إلى أن الولي في الآية: المطر الذي يقع بعد الوسمي (٨). ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود أثره (٩).

стр. 2708

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ من علامات قدرته ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مع عظمهما (١) وكثرة أجزائهما. ﴿وَمَا بَثَّ﴾ خلق وفرَّق (٢) ﴿فِيهِمَا﴾ في السماوات والأرض ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ من خلق، وقيل: من دابة الإنسان والجن والملائكة وسائر الحيوان. الفراء: " ﴿فِيهِمَا﴾ يعود إلى الأرض وحدها كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: (٢٢)] " (٣). ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ إحيائهم بعد الموت ﴿إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ قادر على ذلك. ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ غمٍّ وألمٍ ومكروه ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فهو عقوبة للمعاصي التي ارتكبتموها. ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ من الذنوب فلا يعاقب عليه، وقيل: عن كثير من الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة، إما عطفاً ورحمة، وإمَّا زيادة في العذاب واستدراجاً. الحسن: " أراد به إقامة الحدود على المعاصي، ويعفوا عن كثير فلم يجعل له حدَّاً " (٤). من قرأ بالفاء فهو لجواب الشرط [أو بمعنى الشرط] (٥)، ومن حذف الفاء جعل ما مبتدأ (٦)، وإن شئت قلت: لمّا لم يعمل جزماً لم يحتج إلى الفاء.

стр. 2709

وفي تفسير الكَعْبِيّ: " تعلَّق بهذه الآية من يقول بالتناسخ، وقالوا: لولا أن الأطفال والبهائم كانت لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا. قال: وقال الآخرون: لمَّا بطل قول أصحاب التناسخ وصحَّ أن الأطفال لا ذنوب لهم صحَّ أن الأطفال لا يألمون. فإن (١) قال قيل لهم: هذا خطاب للبالغين المكلفين، وليس فيهم طفل ولا شيء من البهائم والحيوان غير البالغ المكلَّف العاقل " (٢). وقال غيره: إنها في البالغين عقوبة وفي الأطفال مثوبة، وقيل: فيما يصيب الطفل مثوبة الوالدين (٣). ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فائتين فلا يغرَّنكم إمهاله. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يحفظكم ﴿وَلَا نَصِيرٍ (٣١)﴾ ناصر يدفع عنكم العذاب إذا ما حلَّ بكم. ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ﴾ جمع جارية وهي السفينة (٤)، من قوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ [الحاقة: (١١)]. ﴿كَالْأَعْلَامِ (٣٢)﴾ كالجبال في العِظم (٥).

стр. 2710

﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ أي: فيبقين واقفة على ظهر الماء (١). تقول (٢): ركد إذا وقف وثبت، ومنه الماء الراكد الواقف (٣). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣)﴾ أي: لكل مؤمن، فإنَّ الإيمان نصفان نصف صبر، ونصف شكر، وقيل صبَّار في السفينة شكور إذا خرج منها. ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ يهلك كثيراً من السفن ومن فيها بذنوبهم (٤). ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤)﴾ فينجيهم، وقيل: يعف عن كثير من الذنوب، فلا يجازي عليها في الدنيا، وقيل: لا يجازي عليها في الدنيا والآخرة. ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِنَا﴾ أي: يجعلون الأوثان لله شركاء. ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾ من العذاب. قوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ جزم بالعطف، وكذلك ﴿وَيَعْفُ﴾. و ﴿وَيَعْلَمَ﴾ قرأ بالرفع والنصب، النصب (٥) بإضمار أن، والكوفيون يسمُّونه صرفاً أي صرف عن إعراب الأول، والرفع على الاستئناف (٦).

стр. 2711

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: أموالكم تنفعكم (١) مدَّة حياتكم في الدنيا، وهو نفع يسير. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾ يريد منافع الآخرة المعدَّة للمؤمنين المتوكلين خير؛ لأنه أمتع وألذ وأبقى؛ لأنه دائم لا ينقطع. ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ عطف على ﴿الذين آمنوا﴾ ومحله جر. ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ أضاف إلى الإثم، فإن في الإثم الصغيرة والكبيرة، والصغيرة (٢) مغفورة إذا اجتنبت الكبيرة كقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: (٣١)]. وقيل: مضاف إلى نفسه كقولك: عجائب خلق الله. [ومن وحَّد فالمراد به الجمع أيضاً (٣)، لإجماعهم على الجمع في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ﴾ [النساء: (٣١)]. قال ابن عباس ﵁: "] (٤) من وحَّد أراد الشرك " (٥). ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ عطفٌ على الكبائر. وقيل هي (٦) الزنا، وقيل: ما عظُم قُبْحُه فهو فاحشة (٧).

стр. 2712

﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ أي: غضبوا من أمور دنياهم عفواً. وقيل (١): إذا غضب بعضهم على بعضٍ تجاوزوا. ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أجابوه إلى ما دعاهم إليه من الطاعة. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: الصلوات الخمس في مواقيتها بشرائطها. ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أي: إذا حزبهم أمر استشاروا ذوي الرأي منهم (٢). والمشاورة: المفاوضة في الكلام ليظهر الصواب، واشتقاقها من شُرت الدَّابة شوراً إذا استخرجتْ (٣) ما عندها من الجري، وكذلك شُرت العسل (٤). ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ يتصدقون، وقيل: ينفقون من الحلال. ويُحتمل: ينفقون مقرِّين بأنه من رزق الله، فإن الكافر أيضاً ينفق مما رزقه الله لكنه جاحد. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ الظلم (٥) ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ ينتقمون ويقتصون. وليس بين هذه الآية وبين قوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ منافاة؛ لأنَّ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ". وقيل: أصابهم بغي المشركين انتصروا بالسيف منهم. ابن زيد: " منسوخة بالجهاد " (٦). غيره: محكمة؛ لأن الانتصار من الظالم تقويم له ممدوح ومحمود " (٧).

стр. 2713

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ قيل: ذلك في القصاص. مجاهد: " إذا قال أخزاه الله، فله أن يقول له مثل ذلك " (١). وأفاد ﴿مِثْلُهَا﴾ قدر الجناية من غير زيادة. وسمى الثاني (سيئة) ازدواجاً للكلام وليست هي سيئة (٢). ويحتَمل: أن المراد (بالسيئة) ها هنا ما يكرهه الناس طبعاً كالقصاص والقطع والحدود وغير ذلك (٣). ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ ترك الانتقام ﴿وَأَصْلَحَ﴾ ما بينه وبين أخيه، وقيل: أصلح العمل. ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: هو (٤) المتولي لذلك. وروي مرفوعاً: " أنه ينادي يوم القيامة منادٍ من له أجر على الله فليقم، فيقوم من عفا ... وأصلح " (٥).

стр. 2714

﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ المبتدئين (١) بالسيئة (٢). وقيل: المجازي بأكثر من السيئة، وقيل: الذين يمنعون الواجب. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أي: أخذ حقَّه بعد أن ظُلِمَ. ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ أي: سبيل (٣) إلى لومه. وقيل: ما عليهم من إثم. ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ باللوم والإثم (٤). ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يستطيلون (٥) على الناس ويفسدون عليهم. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾ وجيع (٦). ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ أي: صبر على مظلمة، ولم يقتصّ ﴿وَغَفَرَ﴾ تجاوز عنه. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: الصبر والمغفرة. ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ أي: من الأمور التي (٧) ندب إليها (٨). وقيل: من الثابت الذي لا ينسخ.

стр. 2715

والعزم: الإقدام على الأمر بعد الرويِّة والفكرة (١). وقيل: عزم الأمور: حقيقتها، والعائد إلى المبتدأ مقدَّر أي: منه وله. نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ (٢). ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ بالخذلان ﴿فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: ما له أحد يهديه بعد خذلان الله إيّاه (٣). ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ﴾ في القيامة ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ يعني: حين يرون فجاء بلفظ الماضي تحقيقاً. ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾ هل إلى رجعة إلى الدنيا من حيلة فنؤمن بك؟. ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ يساقون إليها. وأنَّث (العذاب) حملاً على المعنى وهو النار (٤)، وقيل: على جهنَّم. ﴿خَاشِعِينَ﴾ ساكنين متواضعين (٥). ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ الذِّلَّة والخزي والحزن. ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي: ينظرون إلى النار بعين ضعيفة، وطرف ساقطة (٦). والطَّرف: العين، وأصله مصدر فلم يجمع (٧).

стр. 2716

وقيل: يسارقون النظر إلى النار حذراً. وقيل: الطَّرف الخفي: عين القلب؛ لأنَّهم يُحشرون عمياً (١). وقيل: من طرف خفي ذليل (٢). وقيل: ينظرون إلى النار ببعض أبصارهم؛ لأنهم يجزعون من النظر إليها بجميع أبصارهم، وقيل: غضُّوا من أبصارهم استكانة وذلاً (٣). وقيل: ينظرون من تحت أشفارهم (٤). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ أي: يقولون في القيامة إذا رأوا الظالمين، وقيل: يقولون في الدنيا، وقيل: هذا تعليم للمؤمنين. ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ لا ينتفعون بأنفسهم. ﴿وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾ قيل: هذا من تمام كلامهم، وقيل: هذا تصديق من الله لهم. ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: يحولون بينهم وبين عذاب الله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ يخذله. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾ حُجَّة، وقيل: سبيل إلى النَّجاة. ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ أجيبوه إلى ما دعاكم إليه.

стр. 2717

﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يوم القيامة، وقيل: يوم الموت. ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قيل: (مِنْ) متصَّل بيأتي، أي: يأتي يوم من الله لا مردَّ له، وقيل: متَّصل بمردَّ أي: لا يردُّه الله، وقيل: لا يرجع فيه بعدما حكم به. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ﴾ مفرٍّ وحرْزٍ. ﴿يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾ مُغِيْرٍ يدفع عذاب الله عنكم (١). ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ عن الإيمان. ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ مسلَّطاً بحفظهم على الإيمان، ويمنعهم من الكفر، وقيل: حسيباً، وقيل: كفيلاً بإيمانهم، وقيل: هذا قبل أن أُمر بالقتال. ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي: ليس عليك إلا تبليغ الرسالة وقد فعلتَ. ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ نعمة وخصباً وسَعة. ﴿فَرِحَ بِهَا﴾ بطر لأجلها وزهى إعجاباً بها، فلم يشكر من أزلها وأسداها. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ محنة وقحط وضيق. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بسبب معاصيهم عقوبة لها، وجمع حملاً على الجنس كما استثنى في العصر. ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾ يعدّ (٢) المصائب ويجحد النعم (٣). وقيل: يسخط من قضاء الله ولم يره عقوبة وهو من كفران النعمة. وقيل: هذا خاص، والمراد به الكفر بالله ، ولهذا ذكر بلفظ المبالغة.

стр. 2718

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ من غير اعتراض عليه. ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ بنات دون البنين، وقدَّم ذكر البنات تطييباً لقلب آبائهن. ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩)﴾ البنين دون البنات، وأدخل الألف واللام فضيلة للمذكر (١) وتعريفاً، ومراعاة لروي الآيات (٢). ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ أي ويهب (٣) لمن يشاء البنين والبنات. ومعنى ﴿يُزَوِّجُهُمْ﴾: يجمعهم، وقيل: يقرنهم، من قول العرب: زوجتُ إبلي إذا قرن الضعيف بالقوي (٤). مجاهد: "هو أن تلد المرأة غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية " (٥). ابن الحَنَفِيِّة (٦): " تلد توأماً غلاماً وجارية " (٧). ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ لا بنين له ولا بنات، والعقيم الذي لم يلد من الرجل والمرأة، والعقيم من الريح التي لا خير معها.

стр. 2719

ابن عباس ﵄: " الآية خاصة في الأنبياء ﵈ وهب الله للوط ﵇ بنات، ولإبراهيم ﵇ بنين، ولمحمد ﷺ البنين والبنات، وجعل عيسى ويحي- ﵉: عقيما " (١). [وقيل معناه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾: الدنيا، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ الآخرة ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ الدنيا والآخرة ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ لا دنيا ولا عقبى] (٢) (٣). ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح العباد. ﴿قَدِيرٌ (٥٠)﴾ قادر على الكمال. ﴿* وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ رؤيا منام، وقيل: نفثاً في الروع (٤)، وقيل: إلهاماً كما كان لداود ﵇ فإنه ألهم الزَّبور فكتب حفظاً (٥). ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ قيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام إلا المكلم، وقيل: حجاب لموضع الكلام. وقيل: من وراء حجاب أي: بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب؛ لأنه على خلاف المخاطبة كما كلم الله موسى ﵇.

стр. 2720

﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ جبريل ﵇. ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ كما جاء إلى محمد ﷺ . وجعل إرسال الرسول أحد أقسام الكلام. قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ لا يجوز أن يكون محمولاً على أنْ المتقدمة؛ لأن الحمل عليه إنكار لإرسال الرسل، وذلك غير جائز بل يكون حملاً (١) على أنّ آخر تقديره: إلا وحياً أو أن يرسل رسولاً. وقيل: ﴿أَوْ﴾ ها هنا بمعنى: إلا أن، كما تقول: لا أفارقك أو تعطيني حقِّي كأنه قال: إلا أن يرسل رسولاً فيوحي بإذنه. ومن رفع ﴿يرسلُ﴾ ﴿فَيُوحِيَ﴾ جعله حالاً أو استئنافاً (٢). ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ متعالٍ عمّا لا يليق به من الأوصاف. ﴿حَكِيمٌ (٥١)﴾ يدبِّر ما يريد. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك، بأن أرسلنا إليك جبريل ﵇ (٣). ويحتمل: أنه إشارة إلى الخلال (٤) الثلاث لأنه ﷺ كان في بدء الأمر (٥) يرى الرؤيا، وسمع من وراء حجاب الكلام ليلة المعراج، وأتاه جبريل ﵇ على الدوام (٦).

стр. 2721

قوله: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ أي: القرآن وسماَّه روحاً؛ لأن حياة الأديان به (١). وقيل: ﴿رُوحًا﴾: وحياً، وقيل: رحمة، وقيل: جبريل ﵇ أي: أوحيناه بالقرآن إليك. ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ أي: قبل الوحي، ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي (٢): قبل البلوغ، وقيل: ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾: لولا [إنعامنا عليك، وقيل: ولا أهل الإيمان. وقيل: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ لولا] (٣) الوحي وهذا أشدُّ اتصالاً بما قبله (٤). ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: الكتاب (٥)، وقيل: الإيمان، وقيل: يعود إليهما (٦). ﴿نُورًا﴾ ضياء ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ نوفّق من كان أهلاً لذلك. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ ترشد وتدعو. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ الإسلام. وعن علي بن أبي طالب ﵁: " كتاب مستقيم" (٧). ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خلقاً وملكاً.

стр. 2722

﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ هذا وعيد بالجحيم، ووعد بالجنة والنعيم (١)، [والله أعلم بالصواب] (٢).

стр. 2723

سورة الزُّخْرُف (١) تسع وثمانون آية (٢) (٣) مكِّية (٤). قال مُقَاتِل (٥): " إلا آية من قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ " (٦). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ﴾ الكتاب (٧): القرآن، أقسم الله به أنَّه جعله بلسان العرب ليعقلوه. وقيل: أقسم به أن الله جعله قرآناً عربياً وليس بمفترى (٨) كما زعمه بعضهم، وهذا أولى بالجواب (٩)؛ لأنَّ كونه عربياً غير مشكوك فيه. قال (١٠) القَفَّال (١١): " يجوز أن يكون الكتاب عامَّاً، وجعلناه كناية عن غير مذكور كقوله:

стр. 2724

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: (١)] " (١). ويحتمل على قول القَفَّال: أنَّ الكتاب لمَّا كان للجنس اشتمل على القرآن فصار كالمتقدم ذكره فجاز الكناية عنه. وقيل تقديره: وربِّ الكتاب، وقيل: الكتاب: اللوح المحفوظ. ابن بحر: " الكتاب: الخط، وأقسم به تعظيماً لنعمته فيه، وفي القسم بالشيء تعظيم لذلك الشيء وتوكيد لما يقسم عليه" (٢). ﴿الْمُبِينِ (٢)﴾: أبان الأحكام، والحلال والحرام، وقيل: بيَّن الهدى والرَّشاد. وقيل: ﴿الْمُبِينِ﴾ البَيِّن؛ لأنه من حروفٍ يعرفونها. قال ابن عيسى: البيان: ما يظهر به المعنى للنَّفس عند الإدراك بالبصر والسمع، وذلك على خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة كالإعراض وتكليح الوجه " (٣). ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾: أي: بيَّنَّاه بلغة العرب (٤). وقيل: وصَفْنَاه، وقيل: قلناه. الثعلبي: معنى ﴿جَعَلْنَاهُ﴾: سمَّيناه كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: (١٩)] " (٥) وهذا مزيفٌ؛ لأنَّ القرآن عربي في جميع الأحوال. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾: لكي تفهموا معانيه، وما شرع لكم فيه، فيكون عامَّاً. وقيل: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني العرب.

стр. 2725

وقيل: لعل: للطمع، أي: ليرجو محمداً (١) ﷺ أن يسمعوا فيعقلوا فيؤمنوا. ﴿وَإِنَّهُ﴾: عطف على القسم، أي: القرآن. وقيل: علم الساعة. وقيل: عمل بني آدم. ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾: في اللوح المحفوظ، وسمَّاه أُمَّا (٢)؛ لأنه أصل كلِّ كتاب (٣). ابن بحر: " الكتاب: الحكمة: أي كلّ كتب الله منزل بالحكمة " (٤). وقيل: هو الكتاب الذي فيه أعمال العباد عند الحفظة. ﴿لَدَيْنَا﴾: عندنا، أي (٥): في محلِّ الشرف والكرامة لا يتطرق إليه التغيير والتبديل. ﴿لَعَلِيٌّ﴾: عليُّ الشأن، وقيل: عليٌّ في البلاغة؛ لظهور ما بالعباد إليه الحاجة فيه. ﴿حَكِيمٌ (٤)﴾: محكم (٦)، وقد سبق (٧)، واللام لخبر إنَّ. والتقدير: وإنه لعلي حكيم في أمِّ الكتاب لدينا. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أفنمسك (٨) عن الذكر. تقول: ضَرَبَ عن الذكر وأضرب: إذا أمسك عنه (٩).

стр. 2726

قال القَفَّال: " هذا من ضرب في الأرض إذا أبعدَ، وأنشد: أضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قَوْنَس الفرس." (١) (٢) والصفح: الإعراض مصدر من غير لفظ الفعل السابق، والأصل فيه: أن تولِّي (٣) الشيء صفحة عنقك (٤). وقيل: نُصِبَ على الحال، أي: صافحين، ولا يمتنع أن يكون مفعولاً له. وتأويل: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أي: نكف ونمسك عنكم إنزال القرآن، والتذكير بالوعد والوعيد صفحاً إعراضاً عن تنبيهكم. وقيل: المراد بالذِّكر: هو أن يُذَكَّروا بالعقوبة، أي: يعاقبوا. وقيل: ضرب الذِّكر: رفْعُ القرآن عن الأرض، أي: أفنرفع القرآن من بين أظهركم لإشراككم مع علمنا بأنَّه سيأتي من يقبله ويعمل به. السُّدِّي: " أفنترككم سُدى لا نأمركم ولا ننهاكم " (٥). النَّقاش: " نُهملكم فلا نُعَرِّفكم ما يجب عليكم " (٦). والأليق بالآية ذكر العذاب لقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ (٧). ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾: مشركين، قرئ بالفتح أي: لأن كنتم، وبالكسر، وله وجهان: أحدهما: أن يكونوا قوماً مُسرفين نضرب.

стр. 2727

والثاني: أن يقع مثل هذا نضرب عنكم، وقد مضى في قوله: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: (٢)] (١). وقول من قال: (أنْ) بمعنى: (إذْ) مُزَيَّف (٢). ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦)﴾ أي: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضين. ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧)﴾ أي: لم يكن يأتيهم نبي إلا استهزؤا به كما استهزأ قومك بك. ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ أي: أشدهم. ﴿بَطْشًا﴾: كعاد وثمود، و (مِنْ): زيادة، وقيل: أشد من قومك بطشاً. ويحتمل أن التقدير: أشدَّ منكم، فجاء بالهاء كما في قوله: ﴿كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: (٢٢)] (٣). ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾: سُنَّتهم وعقوبتهم (٤)، وقيل: صفتهم وذكرهم في القرآن، وقيل: حديثهم والإخبار عنهم: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾ [إبراهيم: (٤٥)]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: القوم المشركين (٥)، وقيل: الرسل.

стр. 2728

﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ﴾: المنيع، فلا يغالب. ﴿الْعَلِيمُ (٩)﴾: فلا يخفى عليه شيء، وتم كلامهم. ثم وصف الله تعالى نفسه بناءً على كلامهم فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ فيكون رفعاً بالوصف، ويجوز أن يكون استئنافاً، أي: هو الذي جعل لكم الأرض. ﴿مَهْدًا﴾: موضع قرار وطمأنينة (١)، وقرئ ﴿مِهَادًا﴾، وقد سبق (٢). ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾: طُرقاً لتسلكوا فيها (٣) لأمور الدين والدنيا. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾: لكي تهتدوا في أسفاركم، وقيل: تهتدوا إلى الإيمان. ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ على قدر حاجة العباد إليه (٤). ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ مقفرة من النبات (٥)، وذكِّر حملاً على المكان. ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)﴾: أي: كما أحيينا الأرض بعد موتها نحييكم (٦) بعد موتكم فتُخْرَجون وتَخْرُجون من قبوركم (٧).

стр. 2729

﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي: النبات من كل زوج بهيج. وقيل: جميع الأصناف من كل الأشياء كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والصيف والشتاء، والجنة والنار (١). ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾: السفن. ﴿وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾: قيل: الإبل خاصة، وقيل: جميع ما يركب (٢). ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾: جمع الظهر حملاً على اللفظ والمعنى، ووحَّد الهاء حملاً على لفظ الفلك (٣)، وقيل: على الأنعام، كقوله: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾ في النحل [الآية: (٦٦)]. وقيل: حملاً على لفظ (ما)، وهو الوجه (٤)، والمعنى: لتنتفعوا بركوبها برَّاً وبحراً. ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: تذكروها بقلوبكم. ﴿وَتَقُولُوا﴾: بألسنتكم.

стр. 2730

﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [تنزيها لله الذي] (١) ذلَّل هذا المركوب لنا. ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)﴾: لم نطق ركوبها مع صعوبتها، والمقرن: المطيق. أبو عبيدة ": المقرن: الضابط " (٢). وقيل: المماثل: تقول: أقرنت فلاناً، إذا صرت قِرناً له، وقيل: من المقارنة، كأنَّ المعنى: نطيق حمله في تصرفه (٣). وقيل: نطيق: أي: يقرن (٤) بعضها ببعض حتى نسيرها إلى حيث نريد. ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ أي: راجعون إلى الله في آخر عمرنا (٥). طاووس (٦): "حقٌّ على كل مسلم إذا ركب دابَّة أو سفينة أن يقول: اللهم لك الحمد هذا من فضلك ونعمك علينا، فلك الحمد، سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنَّا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون " (٧). وقيل: معنى قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ أي: راجعون في آخر عُمرنا على مركبٍ آخر، وهو الجنازة، أمر بهذا التذكر عند ركوبه مركب الدنيا آخر مركبه منها. ﴿وَجَعَلُوا لَهُ﴾: اعتقدوا، وقيل: أثبتوا ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: الملائكة.

стр. 2731

﴿جُزْءًا﴾: مثلاً، وقيل: ولداً؛ لأنَّ الولد بعض أبيه، وجزء منه (١)، وقيل: بنتاً (٢). قال: إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب ... قد تجزئ الحرَّةُ المِذْكَار أحياناً (٣) (٤). الزَّجاج: "لا أدري أَمُوَلَّدٌ هذا البيت أم عربي؟ " (٥). وقيل: معنى هذه الآية معنى قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية [الأنعام: (١٣٦)] (٦).

стр. 2732

﴿ ... إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾ اختار لكم البنين (١) وهو أفضل، ولنفسه البنات وهنَّ أدون (٢). ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ وهو البنت. ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ لما يعتريه من الكآبة والغم. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾: مملوء حُزناً (٣). وقيل: ينطوي على حزنٍ خفي (٤). ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (٥) أي: البنات، وقيل: الجواري، وقيل: الأصنام (٦). ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾: في المجادلة والذَّب عن الحريم. ﴿غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾: لا ينطق بحجَّة في الخصومة ولا بلاغة عنده (٧)، وقيل: ما تحاكمت المرأة إلا نطقت بما هو عليها. ومن حمل على الصنم فالمعنى: هو عاجز عن الجواب. وقيل: الخصام: جمع خصم. و (مَنْ) في محل نصب، أي: جعلوا من ينشأ، وقيل: رفع بالابتداء، وخبره مضمر أي كضده، وقيل: محله جرَّ حملاً على قوله: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾.

стр. 2733

﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ أي: قالوا، وقيل: حكموا، وقيل: سَمُّوا، و ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾: جمع عبد، وقيل: جمع عابد. وقرئ: ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ﴾ (١) أي: مقرَّبون منه كرامة لا مسافة تعالى الله عن ذلك. ﴿إِنَاثًا﴾ أي: وصفوهم بالتأنيث خطأ، كما وصفوه بالولد خطأ، ثمَّ بالأدون خطأً وجهلاً. ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾: أحضروا وقت خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثاً. وقيل: أشاهدوا خلقهم ورأوا صورهم. والمعنى: لم يحضروا خلقي إياهم ولم يصح عندهم ذلك بالسمع فقد كذَّبوا. وقرئ: ﴿أَأُشهِدوا﴾ (٢) على المجهول (٣). ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾: على الملائكة، أي: تحفظ (٤) (٥). ﴿وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ أي: عن الشهادة وهذا (٦) وعيد لهم. ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾: أي الأصنام، وقيل: الملائكة.

стр. 2734

وقيل: لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: (٢٨)]. وقيل: قالوها استهزاء، وقيل معناه: لو لم يشاء لعذبنا عليها. ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ بكون الملائكة بنات (١) ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ دلالة عقلية. ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ ما هم إلا كاذبون (٢). وقيل: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: لم أُعلمهم (٣) ما عندي من المشيئة في ذلك. ﴿أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن (٤)، وقيل: من قبل هذا القول منهم، أي: كتاباً فيه جواز عبادة الأصنام. ﴿فَهُمْ بِهِ﴾ بذلك الكتاب ﴿مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾ آخذون عاملون، استفهام إنكار. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: أشهدوا خلقهم أم آتيناهم كتاباً فيه: إن الملائكة إناث. ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ دين وملة وطريقة (٥). ﴿وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ مُتَّبعون، أي: قلَّدوا آباءهم من غير حُجَّة. وفي بعض التفاسير: أنَّها نزلت في الوليد بن المغيرة، وأبي سفيان بن حرب، وأبي جهل بن هشام، وعُتْبة وشيْبة ابني ربيعة من قريش (٦). ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ﴾ بلدة. ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ نبي.

стр. 2735

﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ مُتنعموها. ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ هذا تسلية للنبي (١) ﷺ أي: هذا دأب كل قوم، وأن تقليد الآباء والكبراء داءٌ قديم (٢). ﴿* قَالَ﴾ أي: النذير، ومن قرأ ﴿قُلْ﴾: أي: أوحينا إلى النذير. وقيل: قل يا محمد، والأول أظهر (٣). ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ﴾ وجواب (لو) مُقَدَّر تقديره: أتقيمون على دين آبائكم، والمعنى: جميع الأنبياء دعوا أممهم إلى ترك التَّقليد. ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤)﴾ أي: قال المُترفون. ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: (٤) أهلكناهم هلاك استئصال. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾ أي: عاقبة تكذيبهم الرُّسل. قال القفَّال: " ليس هذا لمحمد ﷺ ولا لأمَّته " (٥). ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦)﴾ أي: اذكر إذ قال. وقيل: تقديره ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ﴾ الآية ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾. وقوله: ﴿بَرَاءٌ﴾: مصدر أي: بريء، وقيل: وصف كهيمٍ وكهامٍ (٦) (٧).
следующие страницы →