← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

﴿جُزْءًا﴾: مثلاً، وقيل: ولداً؛ لأنَّ الولد بعض أبيه، وجزء منه (١)، وقيل: بنتاً (٢). قال: إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب ... قد تجزئ الحرَّةُ المِذْكَار أحياناً (٣) (٤). الزَّجاج: "لا أدري أَمُوَلَّدٌ هذا البيت أم عربي؟ " (٥). وقيل: معنى هذه الآية معنى قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية [الأنعام: (١٣٦)] (٦).

стр. 2732

﴿ ... إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾ اختار لكم البنين (١) وهو أفضل، ولنفسه البنات وهنَّ أدون (٢). ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ وهو البنت. ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ لما يعتريه من الكآبة والغم. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾: مملوء حُزناً (٣). وقيل: ينطوي على حزنٍ خفي (٤). ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (٥) أي: البنات، وقيل: الجواري، وقيل: الأصنام (٦). ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾: في المجادلة والذَّب عن الحريم. ﴿غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾: لا ينطق بحجَّة في الخصومة ولا بلاغة عنده (٧)، وقيل: ما تحاكمت المرأة إلا نطقت بما هو عليها. ومن حمل على الصنم فالمعنى: هو عاجز عن الجواب. وقيل: الخصام: جمع خصم. و (مَنْ) في محل نصب، أي: جعلوا من ينشأ، وقيل: رفع بالابتداء، وخبره مضمر أي كضده، وقيل: محله جرَّ حملاً على قوله: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾.

стр. 2733

﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ أي: قالوا، وقيل: حكموا، وقيل: سَمُّوا، و ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾: جمع عبد، وقيل: جمع عابد. وقرئ: ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ﴾ (١) أي: مقرَّبون منه كرامة لا مسافة تعالى الله عن ذلك. ﴿إِنَاثًا﴾ أي: وصفوهم بالتأنيث خطأ، كما وصفوه بالولد خطأ، ثمَّ بالأدون خطأً وجهلاً. ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾: أحضروا وقت خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثاً. وقيل: أشاهدوا خلقهم ورأوا صورهم. والمعنى: لم يحضروا خلقي إياهم ولم يصح عندهم ذلك بالسمع فقد كذَّبوا. وقرئ: ﴿أَأُشهِدوا﴾ (٢) على المجهول (٣). ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾: على الملائكة، أي: تحفظ (٤) (٥). ﴿وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ أي: عن الشهادة وهذا (٦) وعيد لهم. ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾: أي الأصنام، وقيل: الملائكة.

стр. 2734

وقيل: لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: (٢٨)]. وقيل: قالوها استهزاء، وقيل معناه: لو لم يشاء لعذبنا عليها. ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ بكون الملائكة بنات (١) ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ دلالة عقلية. ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ ما هم إلا كاذبون (٢). وقيل: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: لم أُعلمهم (٣) ما عندي من المشيئة في ذلك. ﴿أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن (٤)، وقيل: من قبل هذا القول منهم، أي: كتاباً فيه جواز عبادة الأصنام. ﴿فَهُمْ بِهِ﴾ بذلك الكتاب ﴿مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾ آخذون عاملون، استفهام إنكار. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: أشهدوا خلقهم أم آتيناهم كتاباً فيه: إن الملائكة إناث. ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ دين وملة وطريقة (٥). ﴿وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ مُتَّبعون، أي: قلَّدوا آباءهم من غير حُجَّة. وفي بعض التفاسير: أنَّها نزلت في الوليد بن المغيرة، وأبي سفيان بن حرب، وأبي جهل بن هشام، وعُتْبة وشيْبة ابني ربيعة من قريش (٦). ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ﴾ بلدة. ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ نبي.

стр. 2735

﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ مُتنعموها. ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ هذا تسلية للنبي (١) ﷺ أي: هذا دأب كل قوم، وأن تقليد الآباء والكبراء داءٌ قديم (٢). ﴿* قَالَ﴾ أي: النذير، ومن قرأ ﴿قُلْ﴾: أي: أوحينا إلى النذير. وقيل: قل يا محمد، والأول أظهر (٣). ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ﴾ وجواب (لو) مُقَدَّر تقديره: أتقيمون على دين آبائكم، والمعنى: جميع الأنبياء دعوا أممهم إلى ترك التَّقليد. ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤)﴾ أي: قال المُترفون. ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: (٤) أهلكناهم هلاك استئصال. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾ أي: عاقبة تكذيبهم الرُّسل. قال القفَّال: " ليس هذا لمحمد ﷺ ولا لأمَّته " (٥). ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦)﴾ أي: اذكر إذ قال. وقيل: تقديره ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ﴾ الآية ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾. وقوله: ﴿بَرَاءٌ﴾: مصدر أي: بريء، وقيل: وصف كهيمٍ وكهامٍ (٦) (٧).

стр. 2736

﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾: قيل: الاستثناء مُتَّصل، وكان فيهم من يعبد الله، وقيل: منقطع (١). وقيل: محله جرَّ بالبدَل مِنْ (مَا) في قوله: ﴿مِمَّا﴾، أي: إلا من الذي فطرني. ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ يثبتني على الهداية (٢)، وقيل: يثيبني. ﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي: جعل إبراهيم، وقيل: جعل الله، والكناية تعود إلى قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ الآيتين، والمعنى: أوصى ولده بعبادة الله، والبراءة من كل معبود سوى الله. وقيل: كناية عن شهادة إلا إله إلا الله، وقيل: عن كلمة التوحيد، وقيل: عن كلمة الإسلام، والكلُّ واحد (٣). ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ مَنْ خَلَفَه. وقيل: في ذرِّيته ولده وولد ولده (٤)، وقيل: هذا حُكم باقي إلى آخر الأبد، أي (٥): لم يزل في ولد إبراهيم من يوَحِّد ولا يُشرك. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ التَّرجي لإبراهيم (٦)، أي: قال ما قال لقومه رجاء قبولهم ذلك منه. وقيل: قل يا محمد مثله لقومك فإنَّهم ولده، لعلهم يرجعون إلى الله وإلى مِلَّته.

стр. 2737

﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ﴾ في الدنيا بالإمهال والسلامة من العذاب لعلمي (١) بمن يولد منهم فيؤمنون. ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ التوحيد والإيمان والقرآن. ﴿وَرَسُولٌ﴾ محمد ﷺ ﴿مُبِينٌ (٢٩)﴾ ظاهر بالمعجزات (٢)، وقيل: يبين لهم الهدى والرَّشاد. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾: القرآن والمعجزة (٣) ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾: شيء لا ثبات له، وقيل: معنى سِحر حيلة خفية توهم المعجزة ﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ أي: إحدى القريتين مكة والطائف (٤). ﴿عَظِيمٍ (٣١)﴾: له أعوان وأموال (٥). وعنوا بعظيم مكَّة: الوليد بن المُغيرة، [وقيل: الأخنس بن شُريق] (٦) (٧)، وقيل: عتبة بن ربيعة، وقيل: أبو جهل.

стр. 2738

وبعظيم الطائف: حبيب بن عمرو الثقفي (١)، وقيل: ابن عبد ياليل (٢)، وقيل: عروة ... ابن مسعود (٣)، وقيل: أبو (٤) مسعود الثقفي (٥) (٦). ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ يريد: النبوة (٧)، فيضعوها حيث شاؤوا.

стр. 2739

﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ أرازقهم (١). ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ يريد في الرزق والمعيشة حتى صار واحد مالكاً، وآخر مملوكاً. ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ خدماً ومِلْكاً وأجيراً ويستعمل هذا ذاك، وينتفع كل طبقة بالأخرى (٢)، واللام لام العاقبة، وقيل: لام الغرض. ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ أي: النبوة خير من المال، يريد: لم يفوض إليهم قسمة معيشتهم ورزقهم، وهو حقير تافه، فكيف نفوض إليهم قسمة النبوة وهي أعلى مراتب العباد في الدنيا، وفي المعاد؟. وقيل معناه: أهم يقسمون رحمة ربك، يعني: الرزق، فيقتسموا النبوة أيضاً، أي: لم نفوض (٣) إليهم صلاح دنياهم فكيف نفوض (٤) إليهم صلاح دينهم. وقيل: ورحمة ربك عباده بالإسلام والإيمان خير من الأموال. وقيل: ورحمة ربك الجنة. ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: مجتمعين على اختيار الدنيا على الآخرة (٥)، وقيل: مجتمعين على الكذب.

стр. 2740

﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾: بدل من بدل الاشتمال دخله اللام (١)، كما دخل قوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: (٧٥)]؛ لأنَّ العامل في البدل غير العامل في المُبدل (٢). وقيل: " اللام " بمعنى "على "، وفيه ضعف. وقيل: اللام للتبيين نحو قوله: سُقيا لك. وقيل: اللام لام للعلة كما تقول: وهبت لك لأخيك درهماً، أي لأجله، وهذا أظهر الوجوه. ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ أعلى البيوت (٣)، وإذا كان السَّقف من فضة فالجدار كذلك. وقيل: ﴿سُقُفًا﴾ أبواباً، والسُّقُف (٤)، بضمتين جمع سَقْفٍ، كرهن ورُهُن. وقيل: جمع سُقوف جمع الجمع (٥). ويحتمل أن المراد: السُّقوف فحذف الواو كما قرئ ﴿وبالنُّجُم هم يهتدون﴾ (٦)، أي: النجوم. مجاهد: "ما كان من السَّماء فهو السَّقف بالفتح، وما كان من البيوت فهو السُّقف بضمَّتين " (٧). ﴿وَمَعَارِجَ﴾: مصاعد ومراقي، أي: الدرج من فضة (٨). ﴿عَلَيْهَا﴾: على المعارج ﴿يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾ السَّقف والغرف (٩)، وقيل: على السقف.

стр. 2741

﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا﴾ يريد من فضة ﴿وَسُرُرًا﴾ من فضة ﴿عَلَيْهَا﴾ على السُّرر. ﴿يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا﴾ ذهباً (١). وقيل: متاع البيت. وقيل: زينة. وقيل: هو عطف على محل ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾، أي: سُقفاً من فضَّة وزخرف، وقيل: فرشاً. والمعنى: لو فعل ذلك بالكفار لا فتتن بهم غيرهم، وتوهموا أن ذلك لفضيلة في الكفار فيكفرون ويكونون في الكفر أمةً واحدةً. وقيل: معناه: لولا ما أردنا (٢) أن يكون الناس أمةً واحدةً بأن يكونوا مؤمنين، وفي المؤمنين غني وفقير لجعلنا للكافرين ما ذكرنا لهوان الدنيا وحقارة قدر متاعها. ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ مَنْ شدَّد ﴿لَمَّا﴾ (٣) جعل (إنْ) بمعنى (ما) النفي، ومن خفَّف ﴿لَمَا﴾ جعل (أن) المُخفَّفة من المثقَّلة، وجعل اللام هي التي (٤) تصحبه إذا خفَّف وجعل (ما) صلة. ﴿وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: وثواب الآخرة خير ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾. وقيل: والجنة عند ربك للمتقين (٥).

стр. 2742

﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: يعرض عنه (١). وقيل معناه: من لم ينظر في حُجج الله تعالى بالإعراض منه عنها بجهله (٢) إلا نظراً ضعيفاً (٣)، وقيل: يعش عنه لإظلامه عليه بجهله به (٤). وقيل: يعش عنه عمي عنه (٥). ومعنى عشوت إلى الشيء: نظرتُ إليه بشيء ضعيف. وكان القياس: إلى ذكر الرحمن، [فقيل: لأن المعنى حدث له العُشو عن ذكر الرحمن، وفيه ضعفٌ، إلا أن يُحمل على ترك ذكر الرحمن] (٦) (٧). وقيل معنى ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: عن معرفة الله وطاعته؛ لأنه لا يذكره إلا من عرفه وأطاعه. وقيل: عن القرآن، ويحتمل أن المراد به من نزل فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: (٦٠)]. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾، أي: نُسَبب له، وقيل: نُتيح ونُيَسِّر (٨).

стр. 2743

وقيل: نُسَلِّط عليه. وقيل: يخذله الله ويبدله شيطاناً يقارنه. وقيل: يُخَلِّيه وإيَّاه، ويكله إلى نفسه. وقيل: ذلك في القيامة يقرن كل إنسي بالشيطان الذي كان يدعوه. ﴿فَهُوَ﴾ أي: الشيطان ﴿لَهُ﴾ أي (١): لبني آدم ﴿قَرِينٌ (٣٦)﴾ لازم في الدنيا أو في النار على القولين (٢). ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي: الشياطين، وجمع؛ لأنَّ مع (٣) كلّ من يعشوا شيطاناً. وقيل: حمل على معنى (مَنْ) (٤). ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: الكفار ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ عن الإسلام (٥). ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ أي: الكُفار ﴿أَنَّهُمْ﴾ أنَّ الشياطين. وقيل: أن الكافرين. ﴿مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ مُسْتبصرون في دينهم، [وقيل: في الدنيا] (٦). ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الكافر (٧)، ومن ثنَّى الضمير (٨) فهو الكافر وقرينه.

стр. 2744

﴿قَالَ﴾ أي: الكافر. ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: يا ليتني (١) لم أعرفك وليت بيني وبينك ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: المشرق والمغرب، كالقمرين (٢)، وقيل: مشرق الصيف، ومشرق الشتاء (٣) (٤). ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ كنت في الدنيا، وقيل: بئس القرين أنت في النار، فهذا من تمام كلام (٥) منْ في النار، وقيل: هذا استئناف وكلام من الله. ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ كفرتم في الدنيا. ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾: اشتراككم في العذاب، كما كان يتسلى البعض بالبعض في الدنيا ويستأنس؛ لأنَّ كل واحد مشتغل بنفسه. [و (أنَّ) مع ما بعده الفاعل. وقيل: الفاعل مضمر تقديره: لن ينفعكم الاعتذار لأنَّكم في العذاب مشتركون] (٦). ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠)﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ أي: لا يضق (٧) صدرك، فإنَّ من سبق علم الله بكفره لا يستمع (٨) ولا يهتدي (٩).

стр. 2745

﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ قبضناك إلينا فنتوفينك (١) قبل أن نريك ما نعدهم من العذاب (٢). ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١)﴾ بعد موتك. الحسن ﵀: " الله أكرمه بأن لم يُرِهِ تلك النقمة " (٣). وقيل: وإما نذهبنَّ بك من مكة فإنا منهم منتقمون يوم بدر، فعلى هذا رأى الانتقام (٤). ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ حال حياتك، يعني العذاب في الدنيا. ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ﴾ على عذابهم (٥) ﴿مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾ قادرون. وعن جابر ﵁ (٦) أنه قال: لمَّا نزلت: ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١)﴾ قال النبي ﷺ : ... ((بعلي (٧) بن أبي طالب ﵁)) (٨).

стр. 2746

﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أي: تمسَّك بالقرآن واتله حقَّ تلاوته، وامتثل أوامره واجتنب نواهيه. ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ على الدِّين الذي (١) لا عوج له. ﴿وَإِنَّهُ﴾ إنَّ القرآن ﴿لَذِكْرٌ﴾ لذكر عظة وتبصرة ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أمَّتك، والجمهور على أنه شرف لك ولأمتك (٢)، وقيل: ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾ قريش. ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾: عن هذه الموعظة أو عن هذا الشرف هل أدَّيتم شكره أم لا؟ (٣) وقيل: عن كفركم بمحمد ﷺ . ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا﴾ سمَّينا وحكمنا. ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ سوى الرحمن. ﴿آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ آلهة يعبدون مع الله. قيل: الخطاب للنبي ﷺ وهو لم يسألهم لأنه أعلم به منهم، وقيل: الخطاب للنبي والمراد به غيره كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: (٩٤)].

стр. 2747

واختلفوا في الآية فقيل تقديره: واسأل أهم من أرسلنا؟ فحذف المضاف، والمراد: أهل الكتابين؛ لأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم. القفال: " تقديره فسل من أرسلنا إليهم من قبلك رسولاً من رسلنا " (١). فحذف الصلة كما حُذف من قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ [الشورى: (٢٣)]: أي به. وهذا والأول في المعنى سواء، ويختلفان في التقدير. وقيل: واسأل من أرسلنا ليلة المعراج، وقد رأى منهم جماعة منهم موسى وعيسى ﵉، وهو قول ابن عباس ﵄ (٢). وقيل: واسأل جبريل عمن أرسلنا، ومثله: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾، وتقديره: سل جبريل ﵇ عمن أرسلنا، فحذف حرف الصلة، وكذلك سل بني إسرائيل عن كمِّية ذلك، وعلى هذا تم الكلام على قوله: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ (٣).

стр. 2748

ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟ قال: قلت علام بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب ﵁ "رواه الثعلبي (١). ثم قال: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ ويجوز أن يكون (مَن) رفعاً بالابتداء وخبره: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾، والعائد مضمرٌ، أي: على ألسنتهم (٢). ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦)﴾ في هذه الآيات تسلّي (٣) للنبي ﷺ (٤). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾ استهزؤا بها، وقالوا: إنها سحر وتخييل. ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾: شَبِيْهَهَا التي تقدمت، أي: أنها كلّها كبار متكافئة في الكِبرَ. ويحتمل أن يقال: إنَّ (٥) الآية الأولى كبيرة، والتي تليها أكبر من الأولى، والثالثة (٦) أكبر من الثانية، وكذلك ما بعدها (٧).

стр. 2749

﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ السنين ونقص من الثمرات إلى سائر ما ابتلوا به. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾ عن كفرهم. ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ﴾ أي: العالم، ولم يكن السِّحر عندهم ذمَّاً، وقيل: يقال للعالِم البالغ في العلم إنه لساحر، أي: يعلم ما لا يعلمه غيره (١). وقيل: الساحر الغالب للسِّحر، من باب فاعَلْتُه ففعلتُه، أي: ساحرته فسحرته. وقيل: كانوا بعدُ على كفرهم قالوا: يا أيها الساحر (٢). ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أنَّ من (٣) آمن بك كشفتُ العذاب عنه (٤)، وقيل: أدعه بما عوَّدك الإجابة به. ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩)﴾ مؤمنون. ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾ ينقضون العهد ولا يوفون ... به (٥). ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ قيل: نادى بنفسه، وقيل: أمر منادياً فنادى (٦). ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ وهي المعروفة. مجاهد: اسكندرية (٧) (٨).

стр. 2750

وذلك أن موسى ﵇ لمَّا (١) دعا الله فكشف الله العذاب عن القِبط خاف فرعون أن يؤمن به بعضهم فجمعهم ونادى فيهم فقال: يا قوم أليس لي مُلك مصر. ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ﴾ يريد: أنهار النيل (٢). وفي التفاسير: كانت ثلاثمائة وستين نهراً، وقيل: كان معظمه أربعة. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ أي: تحت قصري، وقيل: بين يديه لارتفاع سريره، وقيل: في مُلكي، وقيل: في أمري. وقال عبد الله بن المبارك الدينوري (٣) في تفسيره الواضح: " ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ﴾ أي: الجياد من الخيل، وسمَّاه نهراً ". ولم يبعد ابن المبارك فقد قال ﷺ للفرس الذي ركبه: " وجدته بحراً " (٤) (٥). الضحاك: " ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ﴾ أي: القواد (٦) والجبابرة تحت لوائي " (٧)، وهذا يقرب من قول ابن المبارك.

стр. 2751

﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ مُلكي وقوَّتي، وقيل: (١) أفلا تبصرون قُوَّتي وعجز موسى ﵇ (٢). ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ فيه أقوال: قال بعضهم: معناه: بل أنا خيرٌ. وقال بعضهم: تقديره: أفلا تبصرون، أم تُبصرون فحذف إحدى (٣) الجملتين. سيبويه: تقديره: أفلا تبصرون أم تبصرون؛ لأنهم إذا قالوا: أنت خير صاروا عندهم بُصراء " (٤). وقيل: تقديره: أفلا تبصرون أني خير أم أبصرتم، ثمَّ استأنف فقال: أنا خيرٌ. ويحتمل أن التقدير: أهو خير من هذا الذي له مُلك مِصر، والأنهار تجري من تحته (٥). ﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ ومعنى ﴿مَهِينٌ﴾: ضعيف (٦). وقيل: قليل من المهَانة وهي القِلة. وقيل: ﴿مَهِينٌ﴾ يَمْتَهِن نفسه في جميع حاجاته وليس له من يكفيه ذلك. وقيل: ﴿مَهِينٌ﴾: فقير ولا يكاد يبين وفي لسانه ثقل. قيل: أراد ما كان في لسانه من العُقدة، وإن كان الله قد أزال ذلك من لسانه. وقيل: معنى: ﴿لَا يَكَادُ يُبِينُ﴾: [لا يكاد يبين] (٧) ما يدعيه بحُجَّة واضحة (٨).

стр. 2752

﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ أي: هلا كان في حُلِيِّة وزيٍّ حسن، كما أن الملوك يُشْهرون رسلهم بخِلَعٍ (١) وكرامات. ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾ يمشون معه يقترن بعضهم ببعض، وقيل: اثنين اثنين، وقيل: أعواناً يعينونه (٢). السِّوار والأساور هو: الذي يُلبس مكان القُلْبين (٣). وأسورة جمع سِوار كجراب وأجربة، وأساورة جمع أسْوار، حذف الواو وعُوِّض الهاء كفرازنة وزنادقة (٤) (٥). وقيل: أساورة جمع أسْوَره جمع الجمع (٦) (٧). ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ أي: طلب منهم الخِفَّة في الطاعة، وهي الإسراع إليها فأطاعوه (٨)، وقيل: استخفَّ عقولهم. القفَّال: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾: "عمل فيهم كلامه فخفُّوا في طاعته " (٩).

стр. 2753

وقيل: استجهلهم فأطاعوه. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤)﴾ خارجين عن دين الله. ﴿فَلَمَّا آَسَفُونَا﴾ أغضبونا (١)، والأسف الغضب (٢)، ويقال: أشد الغضب. وقيل: الأسف الغمّ والتحسر على الفائت، فيكون التقدير: فلمَّا آسفونا (٣)، أي: رسُلنا. ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ جازينهم على فعلهم. ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ أهلكناهم بالماء. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ مُقدمة لمن بعدهم من الكفار. السَّلَف: بفتحتين مصدر سَلَفَ إذا تقدم، فهو سالف وسليف، ويجوز أن يكون: جمع سالف كحارس وحرس. و ﴿سُلُفاً﴾ بضمتين (٤) جمع سَليف، وقيل (٥): [ويجوز أن يكون] (٦) جمع سلف، وقيل: جعلهم الله مقدمة كفار أمَّة محمد ﷺ إلى النار. ﴿وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ (٥٦)﴾ يُضرب بهم الأمثال فيما بينهم، وقيل: جعلناهم حديثاً (٧) لمن بعدهم (٨).

стр. 2754

﴿* وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ وذلك أنَّ قريشاً قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن يكون الملائكة بنات الله، فيكون الضارب للمثل كافراً (١). ﴿إِذَا قَوْمُكَ﴾ أي: المؤمنون. وقيل: إن ابن الزِّبَعْرى (٢) قال: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله (٣) في النار جاز أن يكون آلهتنا فيها، وقد سبق في سورة الأنبياء (٤) فيكون الضارب للمثل أيضاً (٥) كافراً (٦). ﴿إِذَا قَوْمُكَ﴾ على هذا القول يحتمل أن يكونوا مؤمنين، ويحتمل أن يكونوا كافرين. وقيل: لمَّا نزل قوله: ﴿إِن مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ﴾ [آل عمران: (٥٩)] قالوا: إن محمداً يريد أن يتخذه رباً كما اتخذ النصارى عيسى فيكون الضارب للمثل هو الله تعالى (٧). ﴿إِذَا قَوْمُكَ﴾: المشركون. ﴿مِنْهُ﴾ من المثل، وقيل: من ضرب المثل، وقيل: من الله، وقيل: من عيسى ﵇. ﴿يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ (٨) يَعِجُّون.

стр. 2755

[وقيل: يضحكون. وقيل: يجزعون. وقيل: يضجون. وقيل: يعجون] (١) ويُصفِّقون بأيديهم سروراً بأن جعلوا يحتجون على محمد ﷺ (٢). والضم في هذه كلها لغة (٣)، وقيل: الضم بمعنى: ينفرون صدوداً ويمنعون غيرهم صداً (٤). ﴿وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾: يعنون الملائكة خير من عيسى. وقيل معناه: عيسى خير من الأصنام، وهو في النار لعموم قوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [لأنبياء: (٩٨)] كذلك آلهتنا. وقيل: ﴿أَمْ هُوَ﴾ يعود إلى محمد ﷺ ، والمعنى: أنطيع محمداً وندع آلهتنا عَنوْا أنَّ الآلهة خير ... منه (٥). ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ﴾ ما ضربوا (٦) هذا المثل، وقيل: ما قالوا هذا القول. ﴿إِلَّا جَدَلًا﴾ باطلاً لا برهان عليه.

стр. 2756

﴿بَلْ هُمْ﴾، أي: قومك. ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ حاذقون في الخُصومة (١). ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو ﴿إِلَّا عَبْدٌ﴾ يعني: عيسى ﵇ ﴿أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة. ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا﴾ دلالة ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ على صدقه، وقيل: وجعلنا قولنا (٢): ﴿إِن مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ﴾ [آل عمران: (٥٩)] مثلاً لبني إسرائيل. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ قيل: لجعلنا من الإنس ملائكة، وإن لم تجر العادة كما خلقنا عيسى من غير أبٍ، وقيل: لو نشاء لجعلنا بعضكم ملائكة أو جميعاً، فجعلناهم سكان الأرض، كما جعلنا الملائكة سكان السماوات، إذ ليس في كونهم في السماوات ما يوجب لهم الإلاهية، ولا نسباً من الله. والأكثر على أن ﴿مِن﴾ بمعنى البدل (٣)، أي: لو نشاء لجعلنا بدلكم ومكانكم ملائكة في الأرض يخلفون يكونون بدلاً عنكم (٤)، وقيل: يخلف بعضكم بعضاً (٥). ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإنَّ عيسى ﵇ ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: نزوله من أشراط الساعة يُعلم بنزوله قربها وثبوتها (٦). وقيل: إن عيسى (٧) ﵇ كان يُحيي الموتى فَعُلِم به الساعة والبعث. وقرئ في الشواذ ﴿لَعَلَمٌ للسَّاعة﴾ (٨) (٩)، وهو كما تقول من أشراط الساعة.

стр. 2757

وقال ﷺ : " أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي، وإنه (١) أوَّل نازل يكسر الصليب ويَقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإسلام " (٢). مقاتل: " ينزل عيسى ﵇ بجبل بأرض الشام يقال له: أفِيق " (٣) (٤). وقيل (٥): إذا نزل عيسى ﵇ رُفع التكليف، وفيه بُعد. الحسن: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: القرآن علم للساعة " (٦) (٧)، أي: يُعلم منه، وفيه ثبوث ذلك. ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ لا تشكنَّ فيها ولا تكذِّبون (٨) (٩). ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ فيما آمركم به. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾: دين قيم.

стр. 2758

الحَسن: " القرآن صراط إلى الجنة مُستقيم " (١). ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: عن الإيمان بالساعة والقرآن. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾ ظاهر العداوة. ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات (٢)، وقيل: بالإنجيل. ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ بما يفصل بين الحق والباطل، وقيل: بالنبوة (٣). ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهو أمر الدِّين لا أمر الدنيا، وهو بعض ما اختلفوا فيه، وقيل: " بعض " بمعنى " كل "، وقد سبق (٤). وقيل: بعض الذي تختلفون نصَّاً فاجتهدوا في طلب الباقي. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ خالقي ورازقي، وأنا عبد مخلوق محتاج إلى الرِّزق. ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾ يجوز أن يكون من تمام كلام عيسى (٥) ﵇، ويجوز أن يكون استئنافاً من الله تعالى (٦).

стр. 2759

﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ أي: الذين تحزبوا بعد عيسى ﵇، وهم اليعقوبية (١)، والنَّسطورية (٢)، والمَلْكانية (٣) (٤)، والمرقوسية (٥) (٦).

стр. 2760

وقال مقاتل: " والشَّمْعُونِيِّة " (١) (٢). ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ من بين النصارى. وقيل: فيما بينهم. وقيل: من بين اليهود والنصارى. وقيل: "مِن " زيادة، وقيل: ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ من عند أنفسهم لم يؤمروا به (٣). وقيل: الأحزاب هم الذين آمنوا به، أي: اختلف الأحزاب من بين الناس. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قالوا في عيسى ﵇ ما كفروا به. ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾ وهو القيامة. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ قيل: الضمير لقوم عيسى ﵇، وقيل: للكفار. ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ بدلٌ من الساعة (٤). ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾. ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾: جمع خليل (٥).

стр. 2761

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مجاهد: " في الدنيا " (١)، والجمهور على أنه يوم القيامة (٢). ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يريد الكفار والأحزاب، وقيل: الأخلاء على معصية الله. ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ أي: المؤمنين، وقيل: الذين يتقون المعاصي. ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ أي: لا تخافوا ولا تحزنوا، قيل (٣): هو متصل بالأول، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم: يا عبادي. ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾ على دين إبراهيم ﵇، وقيل: داخلين في الإسلام والدِّين. قيل (٤): هذا مبتدأ، وخبره (٥): ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة، وقيل: صفة للمؤمنين (٦)، وقيل: بدل من (عبادي)، وقيل: مبتدأ وخبره ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾. وقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ مُتَّصل بقوله: ﴿يَا عِبَادِ﴾، وهو اعتراض بين المبتدأ وخبره، والمبتدأ اعتراض بين المنادي والمنادى به (٧).

стр. 2762

﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾: قيل: الحور، وقيل: النساء المسلمات. ومعنى (١): ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تُزَينون، والحُبر: حُسن الهيئة، وقيل: ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تُسرُّون. والحُبور السُّرور، وقيل: تُكَرَّمون، وقيل: تُنَعَّمون، وقيل: تُعجبون، وقيل: إنه التلذذ بالسَّماع (٢). ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ جمع صَحْفة، أي: فيها طعام (٣). ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ أي: من ذهب أيضاً، جمع كوب، وهو الإبريق لا عُروة له (٤). وقد سبق (٥). ﴿وَفِيهَا﴾ أي: في الجنَّة ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ تنازع النفوس إلى الظفر به. ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ تجد بالنظر (٦) إليه لذَّة لإفراط حسنه في مرآها، وما التذَّته العين (٧) قبلته النَّفس؛ لأنَّها رائد النفس (٨). قال القفَّال: " جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلُّهم على وصف ما فيهما على التفصيل لم يخرجوا عنه " (٩).

стр. 2763

وقرئ ﴿تَشْتَهي﴾ (١) فحذف الضمير، وحذف الضمير من الموصول (٢) أحسن من الإثبات (٣). ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾ لأنَّ نعيمها لا ينقطع ولا يزول. ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ أي: يقال لهم ذلك. ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ تتعلَّلون بها بعد الطعام والشراب. ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾ أي: ما اشتهيتم منها، وهذا ردٌّ على من زعم أن لا أكل في الجنَّة (٤). ثم ذكر (٥) جزاء الكفَّار للتقابل فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤)﴾ رُفِعَ. ﴿خَالِدُونَ﴾ بالخبر؛ لأنَّه المقصود بالذِّكر، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر (٦). ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ لا يُخَفَّف عنهم زماناً ولا نقصاناً (٧). ﴿وَهُمْ فِيهِ﴾ في العذاب ﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من النَّجاة مُتَحَيِّرون (٨).

стр. 2764

﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بالعذاب ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾ أي: هم ظلموا أنفسهم بكفرهم، و ﴿لَظَالِمِينَ﴾: نُصِبَ بكانَ، و ﴿هُمُ﴾: عِماد (١). ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ لمَّا يئِسُوا من فتور العذاب نادوا: يا ملك، وهو خازن النار. ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ لِيُمِتنا ربُّك (٢). ﴿قَالَ﴾ مالك بعد أربعين عاماً (٣)، وقيل: بعد مائة عام، وقيل: بعد ألف عام (٤): ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ لابثون في العذاب أبداً لا تتخلَّصُون عنه لا بموتٍ ولا فتور (٥). وقيل: هذا تمنٍّ منهم لا طمع؛ لأنَّهم يعلمون أنَّه لا مُخَلِّص لهم. ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ هذا استئناف كلام: أي جاءكم رُسلنا بالحق الذي لا باطل معه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾ أي: كرهتم ما جاءكم الرَّسول به، وخِفتُم زوال رئاستكم. وقيل: هذا مُتَّصل بكلام مالك، أي: جئناكم، يعني الملائكة، وهم رسل الله، وهو منهم (٦). ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾ عدل من الخطاب إلى الغيبة (٧). والمعنى: أحكموا أمراً في المكر بمحمدٍ ﷺ (٨).

стр. 2765

﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾ مُحكِمون أمراً في مُجازاتهم. قيل: نَزلت في كفَّار قُريش حين اجتمعوا في دار الندوة (١)، وأجمعوا على [اغتيال محمد] (٢) ﷺ (٣). الفراء: " أحكموا أمراً ينجيهم من العذاب بزعمهم، فإنَّا مُبرمون مُعَذِّبوهم (٤) " (٥). قتادة: " أجمعوا (٦) على التكذيب، وأجمعنا على التعذيب " (٧). وقيل: أعلموا دينهم بل هم في جهل، فإنا مُبرمون ما دعوناهم إليه من الدين. ابن بحر: " هو عطف على قوله: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ " (٨). ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾ رأوا رأياً عزموا عليه ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾ فاعلون ما يليق بفعلهم (٩). ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ﴾ يتوهمون. ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ حديث أنفسهم. ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما يتحدثون فيما بينهم ويُخفونها عن غيرهم. ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ﴾ أي: الحفظة (١٠).

стр. 2766

﴿يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ ما يكون منهم، ثم (١) يعرضون عليهم في القيامة، ليعلموا أنه لا يخفى على ملائكتنا فكيف علينا؟. ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ فيه أقوال: أحدها: إن كان للرحمن ولد بزعمكم، فأنا أول العابدين بأنَّه واحدٌ (٢) لا ولد له (٣). وقيل: " إنْ " بمعنى النفي، والفاء لعطف جملة على جملة، أي: ما كان للرحمن ولد، وأنا أول العابدين بأنَّه لا ولد له من هذه الأمَّة. وقيل: من الآنفين، وقيل: إن للشَّرط، و " ﴿الْعَابِدِينَ﴾ بمعنى: الآنفين (٤). وقيل: إن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبد ذلك الولد، ولكن: (٥) ليس له ولد. وقيل: إن كان للرحمن ولد فأنا أعبد الله بهذه الصِّفة، لكن ليس له ولد، ولم يثبت، فليس إليَّ اعتقاده سبيلٌ (٦). حكاهما القَفَّال (٧).

стр. 2767

وقال: " هذا على تعريض الكلام كما قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ " [سبأ: ٢٤] سُفيان بن عُيينة: " إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أوَّل، ولست بأول (١) العابدين، فليس لله ولد. قال: وهذا كما تقول: إن كان ما تقول حقَّا، فإنَّا جماد، أي: ليس ذلك بحق كما لستُ بجماد " (٢). ثمَّ نزَّه نفسه عن الولد فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ في باطلهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم. ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ أي: القيامة. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ أي (٣): معبود في السماء يعبده الملائكة، ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ مُعبودٌ في الأرض يعبده الإنس والجن، أي: ليس له فيهما (٤) ولد ولا شريك (٥). وقرئ: ﴿وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله﴾ (٦) وقرئ في الغريب ﴿وهو الذي في السماء لاه وفي الأرض لاه﴾ (٧). ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ خلقها بحكمته ﴿الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ علم ما يكون فيهما.

стр. 2768

﴿وَتَبَارَكَ﴾ تعالى ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وهو الهواء، وقيل: هو المخلوقات فيهما. ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: القيامة، وقيل: علم ساعة قيام القيامة. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾ للثواب والعقاب. ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ أي: الذين يدعونهم، فهو عام (١) في المَدعوين من الملائكة والإنس والجنِّ والصنم ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ فإنَّهم يملكون الشفاعة، يعني: الملائكة وعيسى وعزيراً ﵈ (٢). ومَنْ في محل رفعٍ، وله وجه (٣) ثان تقديره: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة لأحد، فحُذِف اقتصاراً؛ لأنَّ الشفاعة تقتضي (٤) مشفوعاً له (٥) (٦). ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [أي: لِمَن شهد بالحقِّ] (٧)، وهم المؤمنون، فحذف اللام، و" مَنْ " في محل نصب. وله وجه ثالث: وهو أن يحمل ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ على الداعين، أي: لا يملك أحد منهم شفاعة، إلا من شهد، أي: لكن من شهد بالحقِّ فإنَّه يملك الشفاعة. والاستثناء: منقطع، و " مَنْ " في محل نصب، ومعنى ﴿يَمْلِكُ﴾: ينال (٨).

стр. 2769

ووجه رابع: وهو أن يُجعل " مَنْ " بمعنى " ما " المصدر، فيكون التقدير: لا يملك المدعوون إلا الشهادة. حكاه القفَّال (١) (٢). ومثلُ حمل " مَنْ " على المصدر حملهم " الذي " عليه في قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ﴾ [الشورى: (٢٣)]، وقد سبق (٣) (٤). ومعنى ﴿شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾: إذا حملته على الملائكة والنبيين، أي: الذين يُخلصون الوحدانية على علمٍ منهم ويقين. وقيل: إلا من شهد من الملائكة له بأنَّه كان على دين الحقِّ مع علمهم بذلك منهم. ومن حمله على المؤمنين فمعناه إلا من قال: لا إله إلا الله على علم وعقيدة خلاف ما يقوله المنافق (٥). ابن بحر: " الشفاعة ها هنا الشِّركة، و ﴿مَنْ شَهِدَ﴾ بمعنى: الشهادة " (٦). ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: المعبودين (٧) من خلقهم ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقيل: ولئن سألت العابدين. وقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ محمول في الوجهين على العابدين، والمعنى: يصرفون عن الحق إلى الباطل، وقيل: فأنَّى يُكَذِّبون. ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾: الهاء تعود (٨) إلى النَّبي ﷺ (٩). وقد تقدم ذكره بالكناية في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾. أبو علي: " يعود إلى عيسى ﵇، لأنَّه المذكور في آخر هذه السورة " (١٠). ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ قاله حين يئس (١١) من صلاح قومه، وأراد به تصبير محمد ﷺ (١٢). ابن بحر: "يعود الضمير إلى (١٣) ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ " (١٤)، أي: لا يُقبل منه (١٥) إلا الشهادة بالحقِّ. وقوله: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ الوجه (١٦) هو الأول (١٧)، والمعنى: إنَّ هؤلاء قوم ليس من هِمَمِهِم الإيمان والتصديق بالحقِّ، لتركهم النَّظر، وركونهم إلى الباطل (١٨). قُرئ بالنَّصب والجرِّ. الجرُّ بالعطف على الساعة، أي: عنده علم السَّاعة، وعلمُ قيله. والنَّصبُ بالعطف على محلِّ العِلم. وقيل: بالعطف على قوله: سِرَّهُمْ ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ و ﴿وقِيْلَهُ﴾. وقيل: نصب على المصدر، أي: قال: قيله يارب (١٩).

стр. 2770

﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم. ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي: معروفاً، ثمَّ نُسِخ بالقتال (١). قال القفَّال: " وقد يكون ذلك مع الأمر بالقتال على حسب اختلاف الأحوال " (٢). وقيل: قل ما تسلم من شَرِّهم واحلم عنهم، وقل (٣) خيراً بدل شَرِّهم. النَّقَّاش: " ودِّعهم " (٤). وقيل: هو ما نُدب إليه في مواضع كقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ ... [الفرقان: (٦٣)]، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ [القصص: (٥٥)]. ابن بحر: " من شأن العرب ختم كل أمر وقول يبلغون آخره بالسلام، كأنّهم يقولون: أتينا على ما أردنا، وتخلصنا منه والسلام ". (٥) ابن عيسى: " أصل فاصفح من قولك: صَفَحتُ الورقة وتَصَفَّحتها إذا تجاوزتها إلى غيرها، سواء قرأتها أم لم تقرأ غيره هو من الإعراض. أي: أعرضت حتى أبديت له صفحة عُنُقي " (٦). ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ بالياء والتاء (٧) تهديد ووعيد.
следующие страницы →