← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

﴿يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ ما يكون منهم، ثم (١) يعرضون عليهم في القيامة، ليعلموا أنه لا يخفى على ملائكتنا فكيف علينا؟. ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ فيه أقوال: أحدها: إن كان للرحمن ولد بزعمكم، فأنا أول العابدين بأنَّه واحدٌ (٢) لا ولد له (٣). وقيل: " إنْ " بمعنى النفي، والفاء لعطف جملة على جملة، أي: ما كان للرحمن ولد، وأنا أول العابدين بأنَّه لا ولد له من هذه الأمَّة. وقيل: من الآنفين، وقيل: إن للشَّرط، و " ﴿الْعَابِدِينَ﴾ بمعنى: الآنفين (٤). وقيل: إن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبد ذلك الولد، ولكن: (٥) ليس له ولد. وقيل: إن كان للرحمن ولد فأنا أعبد الله بهذه الصِّفة، لكن ليس له ولد، ولم يثبت، فليس إليَّ اعتقاده سبيلٌ (٦). حكاهما القَفَّال (٧).

стр. 2767

وقال: " هذا على تعريض الكلام كما قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ " [سبأ: ٢٤] سُفيان بن عُيينة: " إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أوَّل، ولست بأول (١) العابدين، فليس لله ولد. قال: وهذا كما تقول: إن كان ما تقول حقَّا، فإنَّا جماد، أي: ليس ذلك بحق كما لستُ بجماد " (٢). ثمَّ نزَّه نفسه عن الولد فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ في باطلهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم. ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ أي: القيامة. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ أي (٣): معبود في السماء يعبده الملائكة، ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ مُعبودٌ في الأرض يعبده الإنس والجن، أي: ليس له فيهما (٤) ولد ولا شريك (٥). وقرئ: ﴿وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله﴾ (٦) وقرئ في الغريب ﴿وهو الذي في السماء لاه وفي الأرض لاه﴾ (٧). ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ خلقها بحكمته ﴿الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ علم ما يكون فيهما.

стр. 2768

﴿وَتَبَارَكَ﴾ تعالى ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وهو الهواء، وقيل: هو المخلوقات فيهما. ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: القيامة، وقيل: علم ساعة قيام القيامة. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾ للثواب والعقاب. ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ أي: الذين يدعونهم، فهو عام (١) في المَدعوين من الملائكة والإنس والجنِّ والصنم ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ فإنَّهم يملكون الشفاعة، يعني: الملائكة وعيسى وعزيراً ﵈ (٢). ومَنْ في محل رفعٍ، وله وجه (٣) ثان تقديره: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة لأحد، فحُذِف اقتصاراً؛ لأنَّ الشفاعة تقتضي (٤) مشفوعاً له (٥) (٦). ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [أي: لِمَن شهد بالحقِّ] (٧)، وهم المؤمنون، فحذف اللام، و" مَنْ " في محل نصب. وله وجه ثالث: وهو أن يحمل ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ على الداعين، أي: لا يملك أحد منهم شفاعة، إلا من شهد، أي: لكن من شهد بالحقِّ فإنَّه يملك الشفاعة. والاستثناء: منقطع، و " مَنْ " في محل نصب، ومعنى ﴿يَمْلِكُ﴾: ينال (٨).

стр. 2769

ووجه رابع: وهو أن يُجعل " مَنْ " بمعنى " ما " المصدر، فيكون التقدير: لا يملك المدعوون إلا الشهادة. حكاه القفَّال (١) (٢). ومثلُ حمل " مَنْ " على المصدر حملهم " الذي " عليه في قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ﴾ [الشورى: (٢٣)]، وقد سبق (٣) (٤). ومعنى ﴿شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾: إذا حملته على الملائكة والنبيين، أي: الذين يُخلصون الوحدانية على علمٍ منهم ويقين. وقيل: إلا من شهد من الملائكة له بأنَّه كان على دين الحقِّ مع علمهم بذلك منهم. ومن حمله على المؤمنين فمعناه إلا من قال: لا إله إلا الله على علم وعقيدة خلاف ما يقوله المنافق (٥). ابن بحر: " الشفاعة ها هنا الشِّركة، و ﴿مَنْ شَهِدَ﴾ بمعنى: الشهادة " (٦). ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: المعبودين (٧) من خلقهم ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقيل: ولئن سألت العابدين. وقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ محمول في الوجهين على العابدين، والمعنى: يصرفون عن الحق إلى الباطل، وقيل: فأنَّى يُكَذِّبون. ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾: الهاء تعود (٨) إلى النَّبي ﷺ (٩). وقد تقدم ذكره بالكناية في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾. أبو علي: " يعود إلى عيسى ﵇، لأنَّه المذكور في آخر هذه السورة " (١٠). ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ قاله حين يئس (١١) من صلاح قومه، وأراد به تصبير محمد ﷺ (١٢). ابن بحر: "يعود الضمير إلى (١٣) ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ " (١٤)، أي: لا يُقبل منه (١٥) إلا الشهادة بالحقِّ. وقوله: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ الوجه (١٦) هو الأول (١٧)، والمعنى: إنَّ هؤلاء قوم ليس من هِمَمِهِم الإيمان والتصديق بالحقِّ، لتركهم النَّظر، وركونهم إلى الباطل (١٨). قُرئ بالنَّصب والجرِّ. الجرُّ بالعطف على الساعة، أي: عنده علم السَّاعة، وعلمُ قيله. والنَّصبُ بالعطف على محلِّ العِلم. وقيل: بالعطف على قوله: سِرَّهُمْ ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ و ﴿وقِيْلَهُ﴾. وقيل: نصب على المصدر، أي: قال: قيله يارب (١٩).

стр. 2770

﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم. ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي: معروفاً، ثمَّ نُسِخ بالقتال (١). قال القفَّال: " وقد يكون ذلك مع الأمر بالقتال على حسب اختلاف الأحوال " (٢). وقيل: قل ما تسلم من شَرِّهم واحلم عنهم، وقل (٣) خيراً بدل شَرِّهم. النَّقَّاش: " ودِّعهم " (٤). وقيل: هو ما نُدب إليه في مواضع كقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ ... [الفرقان: (٦٣)]، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ [القصص: (٥٥)]. ابن بحر: " من شأن العرب ختم كل أمر وقول يبلغون آخره بالسلام، كأنّهم يقولون: أتينا على ما أردنا، وتخلصنا منه والسلام ". (٥) ابن عيسى: " أصل فاصفح من قولك: صَفَحتُ الورقة وتَصَفَّحتها إذا تجاوزتها إلى غيرها، سواء قرأتها أم لم تقرأ غيره هو من الإعراض. أي: أعرضت حتى أبديت له صفحة عُنُقي " (٦). ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ بالياء والتاء (٧) تهديد ووعيد.

стр. 2771

الياء للغيبة، والتاء على تقدير: قل لهم يا محمد ذلك (١). [وصلى الله على محمدٍ، وعلى آله وسلَّم] (٢).

стр. 2772

سورة الدُّخَان (١) تسع وخمسون آية (٢) (٣) مكية (٤) النقاش: " مَكِّية إلا آية من قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ﴾ " (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ سبق في الزُّخرف. واختلف في الجواب فقيل جوابه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾. صاحب النظم: جوابه: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾، وقال: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ اعتراض " (٦). وقيل: " جواب القسم مُقَدَّم: أي: والكتاب المبين حم ما هو كائن.

стр. 2773

والجمهور على أنَّ الجواب: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ (١) على أن المعنى: إنا أنزلنا القرآن على محمد، ولم يتقوَّله كما زعم البعض. ويحتمل أنَّ القسم وقع على إنزاله ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ لا على الفاعل والمفعول. قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ قيل: القرآن (٢)، وقيل: جبريل. ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الجمهور على أنها: ليلة القدر (٣)، لقوله (٤): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: (١)] وليلة القدر في شهر رمضان لقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ﴾ [البقرة: (١٨٥)]. وقيل (٥): أنزله جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل ﵇ في وقت الحاجة إليه، وقيل: كان (٦) ينزل ما يحتاج إليه في طول السنة في ليلة القدر إلى قابل. وقيل: كان بدءُ إنزاله في ليلة القدر، ويحتمل: إنا (٧) أنزلناه في شأن ليلة مباركة ومنزلتها. عكرمة (٨): " ليلة النصف من شعبان " (٩).

стр. 2774

قوله: ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ أي: كثيرة البركة (١) لما ينزل فيها من الرحمة ويُجاب فيها من الدعوة، وقيل: سمّاها مباركة؛ لأنه (٢) يقسِّم فيها نعمه على الخلق ويكتب ذلك فيهم (٣) طول سنتهم (٤). ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾ أي: أنذر قومك به جرياً على عادتي في إنذار سائر الأمم. ﴿فِيهَا﴾ في تلك الليلة. ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل ويظهر (٥) وقيل: يكتب، وقيل: يقضى، وقيل: ينزل، وقيل: يُخرج (٦). ﴿كُلُّ أَمْرٍ﴾ قيل: هو عامٌّ في الرزق والأجل والشقاوة والسعادة (٧).

стр. 2775

ابن عمر ﵄: " إلا السعادة والشقاوة فإنهما في أمُّ الكتاب لا يُغيّر ولا يُبدّل " (١). مجاهد: "إلا الحياة والموت " (٢). وقيل: فيها (٣) ينزل الكتب على الأنبياء ﵈. ﴿حَكِيمٍ (٤)﴾ أي مُحْكَم (٤)، وقيل: الحكيم: الأمر الصواب، ويُحتمل: ﴿حَكِيمٍ﴾ محكوم به، وهو ما حكم الله به. ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: أمراً منَّا لذلك بأن نقول له: كن فيكون. و ﴿أَمْرًا﴾ نُصِبَ من وجوه أحدها: أن يكون حالاً من ﴿أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ , وإن كان نكرة؛ لأنه قَرُب من المعرفة بالوصف. وقيل: حال عن الهاء في﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، وقيل: حال عن الفاعل أي أنزلناه آمرين، ... وقيل: على المصدر، أي: أمرنا أمراً، وقيل مصدر من غير لفظ الفعل الأول، أي: يفرق أمراً، وقيل: نصب على المدح؛ لقوله: ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: أمراً أردناه، وقيل: تمييز، وقيل: مفعول، أي: أحكمنا أمراً، ودلَّ ﴿حَكِيمٍ﴾ عليه (٥). ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)﴾ أي: أرسلنا إليك جبريل ﵇ بالقرآن على عادتنا بإرسال الرسل إلى الأنبياء ﵈ قبلك.

стр. 2776

﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ رحمة منا للخلق وإنعاماً عليهم. و ﴿رَحْمَةً﴾ نصب على الحال، أي: راحمين، وقيل: مفعول له، أي: للرَّحمة. وقيل مفعول به، وهو محمد ﷺ لقوله (١): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً﴾ [الأنبياء: (١٠٧)]، وقيل: مصدر (٢). ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لمَّا يقول الرسول ويجاب، ﴿الْعَلِيمُ (٦)﴾ قبل الإرسال والإجابة. ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الرفع محمول على ما قبله أو على الاستئناف، أي: هو رب، والجر على البدل (٣). ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)﴾ في إقراركم إذا سئلتم من خلقها؟ فقلتم: الله، فأيقنوا أنه لا يهملكم. وقيل: إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم. وقيل معناه: رب السماوات والأرض وما بينهما فاعلموا ذلك وكونوا موقنين به. وقيل: الموقن (٤) الذي يريد اليقين فيطلبه كالمُتْهِم والمنْجِد (٥) أي: كنتم تريدون اليقين، فاعلموا: أنَّ الإله هو الله . وقيل: " إنْ " بمعنى النفي، أي: ما كنتم موقنين.

стр. 2777

واليقين: العلم بلا ريب (١)، وقيل: اليقين: ثَلَجُ (٢) الصدر بالعلم. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ ظاهر (٣). ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ أي: ليسوا بموقنين، بل قلدوا آباءهم. ﴿يَلْعَبُونَ (٩)﴾ في كلامهم، فإنَّ كلامهم ينقض بعضه بعضاً. وقيل: ﴿يَلْعَبُونَ﴾: في الدنيا لا يتفكرون ولا يتدبرون. ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ﴾ أي: انتظر لهم هذا اليوم وتوقعه (٤). واليوم: عبارة عن ذلك الوقت، وقيل: هو يوم القيامة. ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ يحدث في الهواء دُخَان. واختلفوا في الدُّخَان: فقيل: هو عبارة عن الجوع؛ لأنَّ الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدُّخَان من ضعف بصره، وذلك أنَّ النبي ﷺ دعا عليهم بعد قتلى بِئْرُ مَعُوْنَة (٥)، فقال: " اللهم اشدد وطأتك على

стр. 2778

مُضَرَ (١)، واجعلها سنين كسني يوسف ﵇، فقحطوا سبع سنين حتى أكلوا العِلْهِز (٢) (٣) والجيف" (٤)، فيكون الناس في قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ العرب. وقيل: الدُّخَان عبارة عن الجدب ويبوسة الأرض؛ فإنه يثور منه في الأرض وفي آفاق السماء كالدخان من الغبار المنكدر الذي يشوبه الظلمة، والعرب تقول: جوع أغبر، وسنة غبراء، وسمّي عام الرَّمادة في زمن عمر ﵁ لهذا. وقيل: الدُّخان عبارة عمَّا علاهم يوم فتح مكة، والعرب تضع (٥) الدُّخَان موضع الشَّرِّ، فعلى هذه الأقوال قد مضى الدُّخَان. وقيل: هو دخان يجيء قبل قيام الساعة، وأنَّ الدنيا تصير كبيت لا خصاصَ له مملوء دخاناً يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيصيرون كالسُّكارى، ويصيب (٦) المؤمن منه كالزُّكام فيبقى ذلك أربعين يوماً (٧) (٨).

стр. 2779

وجاء عن ابن مسعود ﵁ إنكار هذا، وذهب إلى أنَّه الجذب والجوع على ما سبق (١)، وروى بعضهم عن حذيفة ﵁ (٢) أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((أول الآيات الدُّخَان ونزول عيسى بن مريم ﵇ ونار تخرج من قعر (٣) عَدَنِ أَبْيَنَ (٤) تسوق الناس إلى ... المحشر)) (٥).

стр. 2780

وقيل: الدُّخَان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم تأتي السماء بدخان مبين محيط بالخلائق. ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ يجوز أن يكون تقديره: هو عذاب أليم فارتقبه، ويجوز أن يكون حكاية كلامهم (١) متصلاً بما بعده، أي: يقولون: هذا عذاب أليم (٢). ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ أي: هذا العذاب. ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ أي: آمنَّا فاكشف العذاب عنا. ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ من أين لهم أن يتذكروا، وكيف يتذكرون بذلك؟. ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)﴾ يعني: محمداً ﷺ فلم يتذكروا (٣) بالرسول (٤). ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أعرضوا عنه. ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾ أي: ما أتى به من البيان والقرآن يعلمه الشيطان كما يعلمه الكهنة، وقيل: هو من قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: (١٠٣)]. ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ﴾ بدعاء النبي ﷺ ، وهو الجوع والقحط (٥). وقيل: الثَّلْج حكاه الماوردي، وأنكره (٦). ﴿قَلِيلًا﴾ أي: يكشف عنهم بعض العذاب.

стр. 2781

وقيل: كل العذاب زماناً قليلاً، وهذا دليل على أنه وقع (١) في الدنيا. وقيل تقديره: إنا لو كشفنا العذاب لعدتم إلى الكفر. وقيل: هو بين النفختين. ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ إلى الكفر الذي كنتم فيه، وقيل: إلى العذاب. ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ العقوبة الكبرى (٢). ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ أي: ننتقم يوم نبطش، وهو يوم بدر عند جماعة (٣). وعند جماعة: يوم القيامة (٤). وقيل: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ عطف على ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ ومنتصب بقوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ فحذف واو العطف. وقيل: منصوب بقوله: ﴿عَائِدُونَ﴾، وقيل منصوب بـ ﴿تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ﴾. ﴿* وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ﴾ امتحنا قبل هؤلاء المشركين ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بالإيمان وطاعة الله ورسوله. ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧)﴾ على الله اصطفاه لنبوته. وقيل: كريم حَسِيْبٌ نَسِيْبٌ في قومه. وقيل: كريم الأخلاق (٥).

стр. 2782

﴿أَنْ أَدُّوا﴾ بأن أدوا ﴿إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ أرسلوا بني إسرائيل معي وأطلقوهم عن الاستعباد (١)، من قول العرب: أدي إليَّ حقي، أي: لا تحبسه. وعباد: جمع عبد، وقيل: جمع عابد، أي: هم عباد الله ليسوا بعبيدكم. وقيل: أَدُّوا إليَّ حق الله، وما وجب عليكم من الإيمان به والاعتراف بنعمته (٢) يا عباد الله فحذف حرف النداء (٣). ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)﴾ غير متهم في إرادة (٤) الخير لكم. وقيل: أمين على وحيه. ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ لا تتكبروا عليه، ولا ترفعوا أنفسكم عن طاعته وطاعة رسوله، وقيل: لا تفتروا على الله. ﴿إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩)﴾ بحجة ظاهرة وهي معجزاته وبراهنه. قتادة: " بعذر مبين " (٥). ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ لُذْتُ، والتجأت إليه، وتوكلت عليه. ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠)﴾ من أن تعذبوني (٦) رجماً (٧). وقيل: من أن تشتموني وتنسبوني إلى السِّحر.

стр. 2783

وقيل: عُذت بالله من أن ترجموني فلا تقدرون (١) على قتلي، من قوله: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: (٤٦)]. وقيل مجاز قوله: ﴿عُذْتُ بِرَبِّي﴾ نشدتك الله، وأقسمتُ عليه (٢) أن تفعل كذا. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾ إن لم تصدقوني (٣) فيما أخبركم به عن الله ففارقوني وكونوا بمعزل مني لا عليَّ ولا ليا (٤). ﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾ شاكياً قومه: ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾ مُصِرُّون على الكفر فاعمل بهم ما تعمل بالمجرمين (٥). ثم أخبر جلَّ ثناؤه عمَّا آل إليه أمر فرعون مع موسى ﵇. ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾ أي: أجبنا دعاه، وقلنا له أسر بعبادي بني إسرائيل ومن آمن بموسى ﵇ من غيرهم. ﴿لَيْلًا﴾ قبل الصبح. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ يتبعكم فرعون وقومه إذا علموا بخروجكم من مصر. ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ﴾ أي: لا تضربه ثانياً واتركه. ﴿رَهْوًا﴾ ساكن الجري (٦)، فيكون حالا عن ﴿الْبَحْرَ﴾. وقيل: صفة لسير موسى ﵇؛ لأنه عجَّل حين دخل البحر، فقيل له: سِرْ ساكناً كما تقول: افعل كذا سهواً رهواً (٧) أي: ساكناً بغير تشدُّدٍ.

стр. 2784

وقيل: واترك البحر منفرجاً منكشفاً كما قد (١) كشفته من قول العرب: امرأة رَهْوٌ ... ورَهْوَى: أي واسعة الهَنُ (٢). وقيل: ﴿رَهْوًا﴾ أي: على حاله يتبع بعض الناس بعضاً متقاطرين أرسالاً. والرَّهو: القطار (٣). الزجاج: "يبساً من قوله: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: (٧٧)] " (٤). وقيل واسعاً، وقيل: غَرِقاً. ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ مهلكون بالماء بعد خروجك من البحر. ﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ ﴿كَمْ﴾ عبارة عن الكثرة. ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾ بساتين كثيرة الأشجار ﴿وَعُيُونٍ (٢٥)﴾ نابعة بالماء. سعيد بن جبير: " عيون الذهب " (٥). ﴿وَزُرُوعٍ﴾ فنون الأقوات وألوان الأطعمة، أي: كانوا أهل ريف وخصب خلاف حال العرب. ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦)﴾ محافل الاجتماعات للتدبير والتشاور فيها. وقيل: المنابر، وقيل: المنازل (٦).

стр. 2785

﴿وَنَعْمَةٍ﴾ وتنعم في عيش (١). ﴿كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧)﴾ لاعبين لاهين، وقيل: متنعمين بأنواع اللذات (٢). ﴿كَذَلِكَ﴾ هكذا كان، فلا تَشُكَّن فيه، وقيل: كذلك أهلكناهم. ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (٢٨)﴾ أي: نقلناها إلى بني إسرائيل ومن آمنوا معهم. وقيل: غير بني إسرائيل؛ لأنهم لم يعودوا إلى مصر (٣). ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾ كانت العرب تزعم أن الرئيس الجليل إذا مات بكت له السماء والأرض، يعنون أنَّ المصيبة به عمَّت المخلوقين (٤). وقيل: كانوا يعتقدون ذلك، ويجعلون الخسوف والكسوف والحمرة تحدث في السماء بكاء على الميت ولهذا قال ﷺ عند موت ابنه إبراهيم (٥) يوم كسفت الشمس، وقال الناس كسفت

стр. 2786

لموت إبراهيم فخطبهم رسول الله (١) ﷺ فقال: " إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة " (٢). وقيل: ما بكت عليهم أهل السماء وأهل الأرض، فحذف المضاف. وقيل: هو ما جاء في الخبر أنَّ المؤمن ليبكي عليه من الأرض مصلاه وموضعُ عبادته، ومن السماء مصعد عمله (٣)، والمعنى: ما بكت عليهم حيث لم يكن لهم أثرٌ في طاعة وعبادة. وقيل معناه: لم ينتصر لهم ولم يطلب بثأرهم أحد، ومن أثبت لهما بكاء قال: بكاؤهما (٤) حمرة أطرافها. وقيل: يُبْكى كبكاء الناس. وقيل: أمارة تظهر منها؛ تَدُلُّ على حزنٍ وأسف. ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾ مؤخَّرين عن العذاب ولا طرفة عين. مقاتل: "لم يُنظروا (٥) بعد الآيات التسع " (٦). ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: استعباده إيَّاهم، واستخدامه لهم وقتله أولادهم. ﴿الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ أي عذابه.

стр. 2787

﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا﴾ قاهراً للعباد غير منقاد لأوامرنا. ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ المجاوزين الحدَّ المفرط في معاصيه. ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ﴾ أي: بني إسرائيل. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ منَّا باستحاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢)﴾ عالمي زمانهم فجعلنا فيهم الكتاب والنبوة والملك (١). وقيل: اخترناهم على جميع العالمين بما جعلنا فيهم من كثرة الأنبياء ﵈، ... وهذه خاصة لهم ليست لغيرهم. ﴿وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ﴾ أي: آتيناهم معجزات موسى وسائر ... أنبياء (٢) بني إسرائيل ما فيه بلاء ونعمة (٣). وقيل: محنة، وقيل: اختبار. ﴿مُبِينٌ (٣٣)﴾ ظاهرٌ لا يخفى على من تأمله. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: كفار قريش (٤) ﴿لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ﴾ ما الموتة. ﴿إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾ ويُحتمل: ما النهاية، ويُحتمل: الحالة والعاقبة إلا موتتنا الأولى. قوله: ﴿الْأُولَى﴾ ليس بإثباتٍ لثانيةٍ، وإنما هي (٥) بمنزلة قول (٦) القائل: حجّ فلان الحجة الأولى ومات (٧).

стр. 2788

وقيل: لمَّا سمعوا وصف مَنْ في (١) النار بقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: (١٧)] قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾. وزيَّف القفَّال هذا القول وقال: إن الله قال: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ (٢). ويحتمل أن هذا إنكار لما أثبته غيره في قوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ ... [غافر: (١١)]. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾ بمبعوثين (٣). ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾ أنا نبعث؟ (٤)، فلم يجبهم الله بل أوعدهم، وإنما لم يجبهم؛ لأنَّ البعث الموعود إنما هو في دار الجزاء يوم القيامة، والذي كانوا يطلبونه بعث في الدنيا وحالة التكليف، وبينهما تغايرٌ. وقوله: ﴿فَأْتُوا﴾ بمنزلة قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: (١)] (٥). ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ أي: ليسوا بخير منهم في العُدة والعدد والعزَّ والمَنَعَةِ (٦). ابن عباس: ﵄ " تُبَّع: نبي " (٧).

стр. 2789

أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا أدري تُبَّع نبياً كان أو غير نبي " رواه الثَّعلبي (١). عائشة ﵂ (٢) قالت: " إنَّ تُبَّعَاً كان رجلاً صالحاً " (٣). سعيد بن جبير: " إنَّ تُبَّعَاً كسا البيت " (٤)، يعني: الكعبة. قتادة: " كان رجلاً من حِمْير (٥) سار حتى حَيّرَ حِيْرَةً (٦)، ثم أتى سَمَرْقَنْدَ (٧) فهدمها، وقيل: فبناها " (٨). وقيل: كان اسمه أسعد بن مَلكي كَرِب (٩). أبو عبيدة: " هم ملوك اليمن يُسمَّى كل واحد منهم تُبَّعَاً؛ لأنه يتبع صاحبه، وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين وكسرى للفرس وقيصر للروم " (١٠)، وجمعه تبابعة. وقيل: سُمِّيَ تبعاً لكثرة تبعه.

стр. 2790

وكان يكتب إذا كتب: بسم الله الذي (١) ملك براً وبحراً وضحَّاً (٢) وريحاً (٣). كعب (٤): " هو رجل صالح ذمَّ الله قومه ولم يذمَّه " (٥). وقيل: خصَّهم بالذِّكر لقربهم من العرب مكاناً وزماناً. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قبل قوم تبع، ويجوز أن يكون الضمير عن كفار قريش فيحسن الوقف على ﴿تُبَّعٍ﴾ (٦). ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ يجوز أن يكون خبراً عن ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ويجوز أن يكون استئنافاً يعود إلى ﴿قَوْمُ تُطِعِ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فيكون التقدير: أهم خير أم قوم تبع؟ والذين من قبلهم خير (٧). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾ كافرين ينكرون البعث. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ عابثين لاهين (٨)، فإنَّ اللعب يقتضي الإهمال.

стр. 2791

﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ بسبب الحق، وقيل: للحَقِّ وهو الجزاء والحساب، وذلك يقتضي البعث والنشور. وقيل: الباء للحال أي محقِّين، وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالجدِّ ضد اللعب. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ إنَّه خلق لذلك. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ يعني: يوم القيامة، يفصل بين المحق والمبطل، وقيل: يفصل بين الوالد وولده، والرجل وزوجته (١)، والمرء وخليله. ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾ وقت موعودهم كلهم (٢). ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي﴾ لا يدفع ولا يمنع ﴿مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ وليّ عن وليّ، ووالد (٣) عن ولده، ولا مولود عن والده (٤). أبو عبيدة: " ابن العم عن ابن العم، كما يمنع في الدنيا " (٥). ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ ليس لهم من ينصرهم من عذاب الله بالشفاعة، فإنَّ النصرة في القيامة بالشفاعة. وقيل: لا ينصرهم (٦) الذين كانوا يعبدونهم (٧) من دون الله. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً، أي: إلا المؤمنون فإنه يشفع بعضهم لبعض.

стр. 2792

وقيل: الاستثناء منقطع، أي: لكن من رحمة الله فإنه مغفور له (١). ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ على أعدائه. ﴿الرَّحِيمُ (٤٢)﴾ لأوليائه. ﴿إِن شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ شجرة الزَّقوم على صورة شجر الدنيا لكنها من النار، والزَّقوم: ثمرها، وهو ما أكل بتكرُّهٍ شديدٍ (٢). ثَعْلَب (٣): " كلُّ طعامٍ ثقيلٍ فهو زقوم " (٤). وفي التفسير: أنَّ ابن الزِّبَعرى قال: إن أهل اليمن يُسَمُّون أكل التَّمْر مع الزُّبْد (٥) التَّزقم فدعا أبو جهل بتمر وزُبْد فقال: تزقَّموا فإنَّ هذا هو الذي يخوفكم به محمد فنزل: ... ﴿إِن شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ يعني بالأثيم: أبا جهل (٦). النقاش: " ﴿شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ أبو جهل " (٧)، وهو ضعيف. والأثيم: الكافر، وقيل: الأثيم كثير الإثم (٨). ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥)﴾ المُهل: ما يمهل في النار حتى يذوب كالذهب والفضة وسائر الفِلِزَّات (٩). وقيل: المهل عَكَرُ الزَّيت أي درديِّه (١٠). مجاهد: " المهل: القيح والدم " (١١). ﴿يَغْلِي﴾ قُرِئ بالياء والتَّاء (١٢)، التَّاء: على "الشجرة "، والياء على "الزقوم"، أو لإضافة الشجرة إلى مُذَكَّر، ومن ذهب إلى أن التذكير للمُهل، فقد أخطأ؛ لأنَّ الغليان للمأكول وهو شجرة الزقوم لا المهل. ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ غلياً كغلي الحميم. ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: ثم يقول الله للزبانية: خذوه أي: الأثيم ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ سوقوه بدفع وجذب (١٣). والعُتُلُّ: الجافي الغليظ (١٤)، الكسْر والضّم لغتان (١٥).

стр. 2793

﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧)﴾ وسطها الذي تستوي (١) المسافة إليه من جميع أطرافه (٢). ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾ الماء الحار، فالحميم مصبوبٌ فوق رأسه يأخذ جميع بدنه من خارج، والزقوم في جوفه من داخل. ويحتمل أن المعنى: ثم اسقوه الماء الحميم، فيكون العائد في ﴿فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ يعود إلى ... ﴿الزَّقُّومِ﴾. ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ الحسن: " أي عند نفسك " (٣). وقيل: إنك الذي تطلب العزة والكرم بمعصية الله في قومك. سعيد بن جبير: " هذا استهزاء به " (٤). وقيل: هو على الضد، أي: الذليل المهين. الكسر على الاستئناف، والفتح على لأنك (٥). وقيل: ذق بهذا القول، وذلك أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فهدده فقال: أولى لك يا أبا جهل (٦) فأولى، فأنزل الله تعالى ما قالها له، فردَّ عليه أبو جهل وقال (٧): ما تقدر أنت ولا

стр. 2794

ربك عليّ إني لأكرم (١) أهل الوادي وأعزهم "، فنزلت الآية (٢) (٣)، ومعناها التوبيخ، أي: ذق بهذا القول الذي قلته، أي: بسببه (٤). ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾ أي: يقال لجماعتهم إنَّ (٥) هذا ما كنتم به تمترون، أي: تَشُكُّون وتجادلون في دفعه (٦) إذا أنذرتموه (٧). ﴿إنَّ المُتَّقِين في مُقَامٍ﴾ موضع إقامة لا زوال عنها (٨)، وبالفتح في مجلس. ﴿أَمِينٍ (٥١)﴾ [يأمن فيه صاحبه، وقيل: ﴿أَمِنَ﴾ بمعنى مأمون، أي: مأمون الغوائل والآفات] (٩) (١٠). ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢)﴾ بدلٌ من ﴿مَقَامٍ أَمِينٍ﴾.

стр. 2795

﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ﴾ وهو ما رَقَّ من الحرير يجري مجرى الشِّعار (١) لهم (٢)، وهو ألين من الدِّثار (٣) في المعتاد. ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غلظ نسجه (٤)، وقيل: هو فارسي مُعَرَّب، وقيل: سُمِّي به لبريقه يجري مجرى الدِّثار، وهو أرفع نوع من أنواع الحرير. والحرير نوعان: نوع كُلَّمَا كان (٥) أدقّ كان أنفس، ونوعٌ كُلَّما كان (٦) أرَزَنَ بكثرة الإبْرِيسَم (٧) كان (٨) أنفس. ﴿مُتَقَابِلِينَ (٥٣)﴾ يتقابلون في مجالسهم. وقيل: يتقابلون أزواجهم من الحور العين. وقيل من القَبول، أي: يقبل بعضهم بعضاً، ويتوادُّون من غير عداوةً ولا منافسةٍ (٩). ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أكرمناهم [بما تقدَّم ذكره أكرمناهم] (١٠) بأن زوجناهم بالحور العين.

стр. 2796

وقيل: كذلك يدومون على تلك الحال، فلا تتبدل أحوالهم (١). وقيل: كذلك هم في حكم الله، ومحله رفع، أي: الأمر كذلك. وقيل: نصب، أي: وجعلنا كذلك (٢). ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)﴾ أي: قرناهم (٣)، ولهذا عُدي بالباء. وقيل: زوجته امرأةً وزوجته بامرأة، لغتان. وأنكره الأخْفَش (٤)، وقال: معناه: "جعلناهم أزواجاً بالحور" (٥). ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ أي: يحكمون ويأمرون بإحضار ما يشتهون. ﴿بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ أي: فاكهة كلِّ زمان وكلِّ مكان، وذلك لا يجتمع في الدنيا. ﴿آَمِنِينَ (٥٥)﴾ من الزوال والانقطاع وتولد ضرر من الإكثار (٦). ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ أي: لا يذوقون في الجنة موتاً ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ قيل: ﴿إِلَّا﴾ ها هنا بمعنى " بَعْدَ "، وهذا يدفعه ﴿فِيهَا﴾.

стр. 2797

وقيل: بمعنى " سِوى "، وهذا يدفعه المعنى، لأنَّ ﴿إِلَّا﴾ تكون (١) ناقصة أبداً، وإذا (٢) جعلته بمعنى " سِوى " تكون (٣) زائدة نحو قولك: عندي ألف إلا الألف الذي من قِبل زيد، أي: سواه يلزمه ألفان، وهذا يؤدي في الآية إلى أنهم يذوقون من جنس الموتة الأولى. وقيل: الاستثناء منقطعٌ، أي: لكن الموتة الأولى (٤) قد ذاقوها (٥)، وهذا لولا الإضمار حَسَنٌ. وقيل: إنما قال هذا لأنَّه (٦) أخبرهم بذلك وهم أحياء في الدنيا، فلما كان الخبر متقدماً لموتهم في الدنيا جاز أن يقال: لا ينالهم فيها موتٌ إلا الموت في الدنيا، وهذا أيضا يدفعه قوله: ﴿فِيهَا﴾. وقيل: لأنهم في وقت المعاينة ينظرون إلى الجنة كأنهم فيها (٧)، وهذه (٨) جملة ما قيل في الآية (٩). ويحتمل: أنَّ الهاء في قوله: ﴿فِيهَا﴾ يعود إلى الآخرة، لا إلى الجنة؛ لأنَّ هذا وصف عامٌّ لأهل الجنة وأهل النار، وجاز استثناء الموت؛ لأنَّ الموت أول أحكام الآخرة، والقبر أول منزل من منازل الآخرة، ولهذا لا يقبل التوبة عند النزع كما لا يقبل يوم القيامة والله أعلم. ويُحتمل أيضاً: أن يجعل ﴿فِيهَا﴾ حالاً دائماً من الضمير في ﴿يَذُوقُونَ﴾ لا صلةَ للذوق (١٠)، وفي هذا نوع غموض في الإعراب (١١).

стр. 2798

﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: تفضُّلاً منه (١)، أي: لأجل تفضله عليهم ودلَّ ما قبله على فعله. ويجوز أن يكون مصدراً من غير لفظ الفعل الأول (٢)، لكن من نوعه (٣). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يدخل الجنة أحد إلا بفضل الله، فقيل (٤): ولا أنت يا رسول الله، فقال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته وفضله " (٥). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: صرف العذاب ودخول الجنة ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ النجاة العظيم. ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ أي: الكتاب في قوله: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ﴾ (٦). فتتح السورة بذكر الكتاب وختمها به (٧). ﴿بِلِسَانِكَ﴾ بلغتك؛ ليسهل عليهم (٨) تفهمه (٩). وقيل: أطلقنا لسانك به تيسيراً، ولولا تيسيرنا ذلك لم يمكنك قراءته؛ لأنه كلام الله تعالى، ولا يمكن (١٠) حفظه وقراءته إلا بتيسير الله (١١).

стр. 2799

﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتَّعظون. ﴿فَارْتَقِبْ﴾ هلاكهم وإظفارك عليهم ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ منتظرون الدوائر، ورَيب المنون (١). وقيل: يحل بهم الوعيد حلول الشيء المنتظر. وقيل معناه: فارتقب فعن قريب يتحقق أَمَلُك، وتَخِيْبَ آمالهم، والله أعلم.

стр. 2800

سورة الجاثية (١) [سبع وثلاثون آية (٢) مكية] (٣) (٤) وتسمَّى سورة الدَّهر، وسورة الشَّريعة مَكية. ابن عباس وقتادة: " مكِّية إلا آية ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ فإنَّها مدينة نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١)﴾ محله رفع بالابتداء فيمن جعله اسم السورة. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ خبره أو رُفع بالخبر، والتقدير: هذه ﴿حم﴾. ومن جعله قسماً فالمقسم عليه ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾. ولم يأت بحرف الجواب لأنَّه لمَّا عُدل القسم عن وجهه خُفِّف (٦) حُكم جوابه. وقيل: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ خبره.

стр. 2801

ومن جعل ﴿حم﴾ لافتتاح الكلام حالاً (١) فـ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ رفع بالابتداء. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبره (٢)، والمعنى: القرآن كلام الله. ﴿الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه. ﴿الْحَكِيمِ (٢)﴾ في تدبيره، وليس كما زعم المُبطلون إنَّه شعر أو كهانة أو تقوُّل محمد. ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ يجوز أن يكون المراد في السماوات والأرض: دلائل على الوحدانية. ويجوز أن يكون المراد بالآيات: ما في السماوات (٣) من الشمس والقمر والنُّجوم وغيرها، وما في الأرض من الجبال والأشجار والأنهار وغيرها فإنَّ كل واحدة (٤) منها آية دالة على توحيد الله تعالى (٥). وخصَّ المؤمنين بالذِّكر لانتفاعهم بها (٦). وقيل: معناه: من كان يؤمن بآياته (٧) ففيها مقنع ومُكتفى. ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾ أي: من تأمَّل في خلق نفسه، وخلق الحيوان جميعاً، واختلاف طبائعها وعجائب صُنعها تيقَّن أنَّ لها صانعاً حكيماً. وخصَّ الموقنين بالذِّكر؛ لأنَّ اليقين يقع بالاستدلال (٨).

стр. 2802

﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بالظلمة والضياء، وقيل: بتعاقبهما. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب، وقيل: من جهة السماء، وقيل: من سماء الملائكة. ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾ مطر؛ لأنَّه سبب رزق الحيوان. ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أنبتت (١) بالمطر نباتها وأشجارها، وتلك حَيوتها بعد يبسها بانقطاع الماء عنها. ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ وتصريف الرِّياح جنوباً وشمالاً، ودُبوراً وصبَّاء ونكباء. وقيل: وتصْرِيفها رحمة وعذاباً (٢). ﴿آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ خصَّ العقلاء بالذِّكر؛ لأنَّ بالعقل (٣) يمكن الوقوف على الدلائل المذكورة في هذه الآيات الثلاث، وهي أكبر الأدلَّة (٤). قُرِئ ﴿آَيَاتٌ﴾ بالرفع والنَّصب في المحل (٥)، فالنَّصب بالعطف على اسم إنَّ. والرَّفع بالابتداء على مذهب سيبويه وأصحابه، أو بالعطف (٦) على اسم إنَّ وخبره، أو بالظرف (٧) على مذهب الأخفش (٨).

стр. 2803

وفي الآية الثالثة: عطف على عاملين سواء رفعت أو نصبت، وذلك غير جائزٍ عند سيبويه وأصحابه. وله وجهان: أحدهما: أنَّ الآيات هي الأولى ذكرت تأكيداً من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إنَّ في الدار زيداً، وفي الحُجرة زيداً، وفي (١) المسجد زيداً، وأنت تريد أنَّ في الدار زيداً، وفي الحُجرة والمسجد. والثاني: أنَّ قوله: ﴿وَاخْتِلَافِ﴾ مجرور بمحذوفٍ دلَّ عليه الجار الأوّل، كما قال الشاعر: أكل امريءٍ تحسبين امرأً ... ونارٍ تأجَّج بالليل ناراً (٢) أي وكل نارٍ، ومثله قولهم: بمن تمرر أمرر، فتحذف (٣) الباء من الثاني؛ لأنَّ الأول يدلُّ عليه، ولا يجوز: من تضرب أمرر، وأجاز الأخفش العطف على عاملين، واستدل بالآية وليس له فيه استدلال كما سبق (٤) (٥). ﴿تِلْكَ﴾ أي: الدلائل المتقدمة. ﴿آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا﴾ يقرأ ذكرها (٦). ﴿عَلَيْكَ﴾ أي: بقراءة جبريل ﵇. قال أبو علي: " لا يستعمل التلاوة إلا في كتاب الله، والأصل فيها: إتيان الثاني أثرَ الأوَّل " (٧).

стр. 2804

وقيل: هذه آيات القرآن نتلوها عليك. ﴿بِالْحَقِّ﴾ مُحقِّين، وقيل: نخبر عنها بالحقِّ لا بالباطل (١)، وقيل: لأجل الحقِّ الذي قصدناه. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ﴾ بعد حديث الله وآياته، كقوله (٢): ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [الزمر: (٢٣)] (٣). وقيل: هو (٤) ما يتحدَّث به عن وحدانيته ونبوة رسوله. وقيل (٥): فبأي آية بعد آيات الله وهي القرآن. ﴿يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ أي: من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه. وقيل معناه: القرآن آخر كتب الله ومحمداً آخر رسله؛ فإن لم يؤمنوا به، فبأي كتاب يؤمنون؟ فلا كتاب بعده ولا نبي (٦). قُرئ بالياء حملاً على القوم، وبالتاء حملاً تقدير: قل يا محمد (٧). وقيل: ﴿بَعْدَ اللَّهِ﴾ بعد إعراضكم عن الله. ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ كثير الكذب.

стр. 2805

﴿أَثِيمٍ (٧)﴾ كثير الإثم. وقيل: ﴿أَفَّاكٍ﴾ يُكذِّب ربَّه. قتادة: " كاهن " (١). ﴿يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآن (٢). ﴿تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: يسمع النبي بعد آيات الله، فحذف المفعول الأول (٣). و ﴿تُتْلَى﴾ حال من ﴿آَيَاتِ اللَّهِ﴾. ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ يبقى بعد سماع القرآن كافراً (٤). والإصرار: العزم على الأمر، وأكثر ما يستعمل في الإقامة على الذَّنْب (٥). ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ عن الإيمان. ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ في عدم الانتفاع بها، والقبول لها. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ قيل: هذا استهزاء. وقيل: أخبره خبراً يظهر أثره على بشرته من التَّرح (٦). وقيل (٧): نزلت في النضر بن الحارث، وكذلك التي بعدها (٨)، وهي:
следующие страницы →