← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

ومن جعل ﴿حم﴾ لافتتاح الكلام حالاً (١) فـ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ رفع بالابتداء. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبره (٢)، والمعنى: القرآن كلام الله. ﴿الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه. ﴿الْحَكِيمِ (٢)﴾ في تدبيره، وليس كما زعم المُبطلون إنَّه شعر أو كهانة أو تقوُّل محمد. ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ يجوز أن يكون المراد في السماوات والأرض: دلائل على الوحدانية. ويجوز أن يكون المراد بالآيات: ما في السماوات (٣) من الشمس والقمر والنُّجوم وغيرها، وما في الأرض من الجبال والأشجار والأنهار وغيرها فإنَّ كل واحدة (٤) منها آية دالة على توحيد الله تعالى (٥). وخصَّ المؤمنين بالذِّكر لانتفاعهم بها (٦). وقيل: معناه: من كان يؤمن بآياته (٧) ففيها مقنع ومُكتفى. ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾ أي: من تأمَّل في خلق نفسه، وخلق الحيوان جميعاً، واختلاف طبائعها وعجائب صُنعها تيقَّن أنَّ لها صانعاً حكيماً. وخصَّ الموقنين بالذِّكر؛ لأنَّ اليقين يقع بالاستدلال (٨).

стр. 2802

﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بالظلمة والضياء، وقيل: بتعاقبهما. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب، وقيل: من جهة السماء، وقيل: من سماء الملائكة. ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾ مطر؛ لأنَّه سبب رزق الحيوان. ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أنبتت (١) بالمطر نباتها وأشجارها، وتلك حَيوتها بعد يبسها بانقطاع الماء عنها. ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ وتصريف الرِّياح جنوباً وشمالاً، ودُبوراً وصبَّاء ونكباء. وقيل: وتصْرِيفها رحمة وعذاباً (٢). ﴿آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ خصَّ العقلاء بالذِّكر؛ لأنَّ بالعقل (٣) يمكن الوقوف على الدلائل المذكورة في هذه الآيات الثلاث، وهي أكبر الأدلَّة (٤). قُرِئ ﴿آَيَاتٌ﴾ بالرفع والنَّصب في المحل (٥)، فالنَّصب بالعطف على اسم إنَّ. والرَّفع بالابتداء على مذهب سيبويه وأصحابه، أو بالعطف (٦) على اسم إنَّ وخبره، أو بالظرف (٧) على مذهب الأخفش (٨).

стр. 2803

وفي الآية الثالثة: عطف على عاملين سواء رفعت أو نصبت، وذلك غير جائزٍ عند سيبويه وأصحابه. وله وجهان: أحدهما: أنَّ الآيات هي الأولى ذكرت تأكيداً من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إنَّ في الدار زيداً، وفي الحُجرة زيداً، وفي (١) المسجد زيداً، وأنت تريد أنَّ في الدار زيداً، وفي الحُجرة والمسجد. والثاني: أنَّ قوله: ﴿وَاخْتِلَافِ﴾ مجرور بمحذوفٍ دلَّ عليه الجار الأوّل، كما قال الشاعر: أكل امريءٍ تحسبين امرأً ... ونارٍ تأجَّج بالليل ناراً (٢) أي وكل نارٍ، ومثله قولهم: بمن تمرر أمرر، فتحذف (٣) الباء من الثاني؛ لأنَّ الأول يدلُّ عليه، ولا يجوز: من تضرب أمرر، وأجاز الأخفش العطف على عاملين، واستدل بالآية وليس له فيه استدلال كما سبق (٤) (٥). ﴿تِلْكَ﴾ أي: الدلائل المتقدمة. ﴿آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا﴾ يقرأ ذكرها (٦). ﴿عَلَيْكَ﴾ أي: بقراءة جبريل ﵇. قال أبو علي: " لا يستعمل التلاوة إلا في كتاب الله، والأصل فيها: إتيان الثاني أثرَ الأوَّل " (٧).

стр. 2804

وقيل: هذه آيات القرآن نتلوها عليك. ﴿بِالْحَقِّ﴾ مُحقِّين، وقيل: نخبر عنها بالحقِّ لا بالباطل (١)، وقيل: لأجل الحقِّ الذي قصدناه. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ﴾ بعد حديث الله وآياته، كقوله (٢): ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [الزمر: (٢٣)] (٣). وقيل: هو (٤) ما يتحدَّث به عن وحدانيته ونبوة رسوله. وقيل (٥): فبأي آية بعد آيات الله وهي القرآن. ﴿يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ أي: من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه. وقيل معناه: القرآن آخر كتب الله ومحمداً آخر رسله؛ فإن لم يؤمنوا به، فبأي كتاب يؤمنون؟ فلا كتاب بعده ولا نبي (٦). قُرئ بالياء حملاً على القوم، وبالتاء حملاً تقدير: قل يا محمد (٧). وقيل: ﴿بَعْدَ اللَّهِ﴾ بعد إعراضكم عن الله. ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ كثير الكذب.

стр. 2805

﴿أَثِيمٍ (٧)﴾ كثير الإثم. وقيل: ﴿أَفَّاكٍ﴾ يُكذِّب ربَّه. قتادة: " كاهن " (١). ﴿يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآن (٢). ﴿تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: يسمع النبي بعد آيات الله، فحذف المفعول الأول (٣). و ﴿تُتْلَى﴾ حال من ﴿آَيَاتِ اللَّهِ﴾. ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ يبقى بعد سماع القرآن كافراً (٤). والإصرار: العزم على الأمر، وأكثر ما يستعمل في الإقامة على الذَّنْب (٥). ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ عن الإيمان. ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ في عدم الانتفاع بها، والقبول لها. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ قيل: هذا استهزاء. وقيل: أخبره خبراً يظهر أثره على بشرته من التَّرح (٦). وقيل (٧): نزلت في النضر بن الحارث، وكذلك التي بعدها (٨)، وهي:

стр. 2806

﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا﴾ (١) أي: سمعها وفهمها وحفظها. وقيل: علم وعاند. ﴿اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ استهزاءً بها، وعارضها بحديث الفُرْس يُرِي العوام، أنه لا حقيقة لذلك. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩)﴾ مُذلٌّ مُخْزٍ، وجمع حملاً على معنى كُلِّ (٢) (٣). ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: قدّامهم؛ لأنَّه لم يأت بعد (٤). وقيل: من خلفهم؛ لأنَّه يكون بعد انقضاء آجالهم وقيامهم من قبورهم. وكل ما يوارى (٥) عنك، فهو وراءٌ، تَقَدَّم أو تأخَّر (٦) (٧). ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ لا يدفع عنهم. ﴿مَا كَسَبُوا﴾ كسبهم المال والأولاد ﴿شَيْئًا﴾ من عذاب الله. ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: الأصنام، وما عبدوه. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾ دائم لا ينقطع. ﴿هَذَا هُدًى﴾ أي: القرآن سبب الهداية والرَّشاد لمن تدبره وتفكَّر فيه.

стр. 2807

وقيل: هذا العذاب الذي ذكره حقٌّ. حكاه الفقيه (١) أبو الليث ﵀ (٢). ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ قيل: الرِّجز أشد العذاب لقوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: (١٣٥)]، فيكون التَّقدير: لهم عذاب من أشدِّ العذاب، فأفاد الصِّفة. وقيل: الرِّجْز النتن، وأصله الارتعاد والسرعة (٣). ﴿أَلِيمٌ (١١)﴾ مؤلمٌ، الرَّفع (٤) صفة للعذاب، والجرّ صفة للرجز (٥). ﴿* اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾ سَهَّلَ لكم ركوب البحر. ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ السُّفن. ﴿فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ لتسخيره ذلك لكم دون غيره. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا المال بالتجارة في البحر، واستخراج الجواهر منه، وصيد ما فيه. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ ولتشكروني على هذه النِّعم.

стр. 2808

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ صَيَّره بحيث يتصرَّفون فيه وتنتفعون (١) به في دنياكم ودينكم بالاستدلال به على التوحيد. ابن عبَّاس ﵄: " سخَّر لكم ما في السماوات: المطر والثلج والبرَد، وما في الأرض: النبات والأشجار والثمار " (٢). ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال، ﴿مِنْهُ﴾ أي: هذه النِّعم كُلّها منه خلقاً، فيكون خبر مبتدأ محذوف. وقيل: تسخير الجميع منه، وقيل: تقديره مَنْ خَلْقه، فحذف المُضاف، وقيل: ابتداء كونه منه. ويجوز أن يكون صفة للمصدر أي تسخيراً منه، ويجوز أن يكون منه حالاً (٣). وقرأ ابن عبَّاس ﴿مِنَّة﴾ (٤) أي: منَّ بها عليكم منَّة. ويحتمل: أن يكون العائد في ﴿مِنْهُ﴾، أي: من أمره كما قال في الآية الأولى ﴿بِأَمْرِهِ﴾ (٥). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ أي: في تسخير القوي للضعيف دلالة على صانع قديرٍ حكيم. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ في سبب النُّزول: ابن عبَّاس برواية عطاء: ... " أنَّها نزلت في عمر بن الخطاب ﵁، وذلك أنَّهم نزلوا في غزوة بني المُصْطَلَق (٦) على بئرٍ

стр. 2809

يقال لها: المُرَيْسِيع (١)، فأرسل عبد الله بن أُبيّ (٢) غُلامَه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلمَّا أتاه قال: ما حَبسك؟ قال: غلامُ عُمر ﵁ قعد على رأس البئر، فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قِرَبَ النبي ﷺ ، وقِرَب أبي بكر، وملأ لمولاه ﵄، فقال ... عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء، إلا كما قيل: سَمِّن كَلبك يأكلك ". فبلغ قوله عمر ﵁ فاشتمل بسيفه يريد التَّوجه إليه فأنزل الله هذه الآية " (٣). وعن ميمون بن مِهران (٤) عن ابن عباس ﵄، قال: " لما نزلت ... ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: (٢٤٥)، الحديد: (١١)] قال يهودي بالمدينة يقال له: فنحاص بن عازوراء احتاج ربُّ محمد، فبلغ ذلك عمر فاشتمل على سيفه، وخرج في طلبه فجاء جبريل ﵇ وأنزل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ (٥). ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾: لا يخافون مثل عقوبات الأيام الخالية، والعرب تعبِّر (٦) عن الوقائع بالأيام كيوم أُحُدٍ (٧) ويوم حُنَين (٨) (٩). وقيل: ﴿لَا يَرْجُونَ﴾: لا يطمعون في أيام الله نصرة الله لأولياء الله. وقيل: لا يطمعون في أيام الله التي وعدها الله المؤمنين في الجنة، أضاف إلى الله كبيت الله. ومعنى: ﴿يَغْفِرُوا﴾ ها هنا يعفوا ويصفحوا (١٠). وجزمه على جواب قوله: ﴿قُلْ﴾ على اللفظ (١١). وقيل: على إضمار أمر أي: وهو اغفروا يَغْفِروا (١٢)، وقيل: بإضمار اللام أي: ليغفروا، والقول الأول فيه ضعف (١٣). ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾: أي ليجزيهم الله على فعلهم. وقُرئ ﴿لِيُجْزَى قَوْمَاً﴾ (١٤) أي (١٥) ليجزى الخير والشر قوماً. ومن قال: ليجزي الجزاء قوماً ففي قوله ضعفٌ.

стр. 2810

والقوم: هم المؤمنون، وقيل: الكافرون، وكلاهما جائزان لقوله بعده: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي: لها الثواب وعليها العقاب. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾ أكثر المفسرين على أنَّها منسوخة بآية السَّيف (١). ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ التوراة. ﴿وَالْحُكْمَ﴾ أي: الحِكمة، وقيل: الفقه، وقيل: السُّنَّة، وقيل: القضاء بين النَّاس. ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ فإنَّ إبراهيم ﵇ كان شجرة الأنبياء. ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الحلال، وقيل: اللذيذ، وقيل: المَن والسَّلوى. ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ أعطيناهم الزِّيادة. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ عالِمي زمانهم. وقيل: خصَصْنا بكثرة الأنبياء من بين سائر الأمم. ﴿وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ يريد أمر محمدٍ ﷺ (٢).

стр. 2811

﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ في كونه نبياً. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ محمد ﷺ ، والقرآن. ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)﴾. وقيل: أراد بالاختلاف اختلافهم في أوامر الله ونواهيه في التوراة (١). ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حسداً، لا عن جهلٍ يكون الإنسان به (٢) معذوراً. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي: بعد اختلاف أهل الكتاب جعلناك على طريقة ومنهج (٣). ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ من الدِّين. وقيل: على ملَّة مشروعة لك من أمرنا الذي أمرناه من قبلك من رسلنا. وقيل: من الأمر الذي أنت بصدده. قتادة: "الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي " (٤). وقيل: على بيِّنة، وقيل: على سُنَّة. ابن عيسى: " أصل الشريعة: علامة تُنب على الطريق دلالة على الماء " (٥) (٦).

стр. 2812

﴿فَاتَّبِعْهَا﴾ فاتبع هذه الشريعة، واعمل بها واتَّخذها إماماً. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ لا تتَّبع الكافرين والمنافقين، ولا تعمل بهواهم. ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ إنَّ هؤلاء الكفار والمنافقين غير نافعيك مما يريده الله بك من العذاب، ولا كافيك ما يشاؤه فيك من العقاب (١). ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: الظالم وهو الكافر يوالي ظالماً مثله وينصره ويعينه، وقيل: هم متَّفقون على عداوتك. ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ أي: يُوالي المتقين، وهم المؤمنون. ﴿هَذَا﴾ أي: القرآن (٢)، وقيل: ما تقدَّم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم. ﴿بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ بيِّنات ودلائل في أمر دينهم (٣). ﴿وَهُدًى﴾ رُشْدٌ. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ نعمة من الله. ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾ لا يَشُوبُ إيمانهم شكٌّ وارتياب. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ اكتسبوا معاصي الله، وارتكبوا مآثم المآثم (٤) (٥).

стр. 2813

﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ نزلت فيمن قالوا: نُعطى في الآخرة خيرٌ مِمَّا يُعطى المؤمنون (١). وقيل: أم حسب عُتبة وشَيْيبة والوليد وأتباعهم أن نجعلهم كعلي وحمزة وعبيدة ... ابن الحارث ﵃ (٢). ﴿سَوَاءً﴾ أي: حسبوا أن يُسوَّى بين الفريقين في المحيا والممات، أي: في الدنيا والعُقبى. ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ بئس هذا الحكم بل نفرِّق بينهم، فنُعلي المؤمنين وننصُرهم في الدنيا والآخرة، ونُخزي الكافرين فيهما. وقيل: المراد بالمحيا: الحياة بعد الموت، وبالممات: القبر من قوله: ((القبر روضة من رياض الجنَّة أو حفرة من حُفر النيران)) (٣). وقيل: أحسب الكفَّار أن يُشاركوا المؤمنين فيما يعطيهم الله في الآخرة كما شاركوهم فيما أعطاهم في الدنيا من قوله سبحانه: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: (٣٢)]. قُرِئ ﴿سَوَاءٌ﴾ بالرفع والنَصب (٤)، فمن رفع فـ ﴿مَحْيَاهُمْ﴾ المبتدأ ... ﴿وَمَمَاتُهُمْ﴾ عطف على المبتدأ، و ﴿سَوَاءٌ﴾ خبر المبتدأ تقدَّم عليه ولم يُثَنَّ لأنَّه مصدر.

стр. 2814

ويجوز في الجملة: أن تكون (١) واقعة موقع المفعول الثاني لجَعَلَ. ويجوز أن يكون استئنافاً وما قبله وقف، أي: محياهم محيا سواء ومماتهم كذلك، وهذا أولى؛ لأنَّه قطع فلا يدخل في الحُسبان. ومن نَصب جاز أن يكون المفعول الثاني لجعل وجاز أن يكون حالاً، والمفعول الثاني ... ﴿كَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ويرتفع ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالمصدر، وفيه ضعف؛ لأنَّه ليس باسم الفاعل ولا بالصِّفة المُشَبَّهة باسم الفاعل (٢). وفي الضمير (٣) قولان: أحدهما: أنَّه يعود إلى الكُفار فحسب، وقيل: إلى القَبِيْلِين (٤). ويحتمل أن يعود إلى المؤمنين فحسب، كما (٥) قُرِئَ في الشواذ بالجرِّ (٦)، فيكون التقدير: أن يجعل محيا الكفار ومماتهم كمحيا المؤمنين ومماتهم، فحذف الأول. وقُرِئَ بالنصب (٧)، فيكون للكفار (٨) على البدل وحذف الثاني. ويجوز في النَّصب: أن يكون ظرفاً. والله أعلم (٩).

стр. 2815

﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ بالعدل، فلا يَقتضي التَّساوي بين الفريقين، وقيل: لم يخلقه عبثاً لكن للجزاء ثُمَّ بيَّنه فقال: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾. وقيل: خلق للعدل، ولتُجزى. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: بهواه وإيثاره، لا بالأدلة والبراهين. قال ابن عباس: " كان أحدهم يَعبد حجراً فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد ما هو أحسن " (١). وقيل: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: اتَّخذ هواه إلهه فَرَكِبَ ما اشتهاه من غير ... زاجر (٢). ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ﴾ خذله الله، وقيل: أضله من الثواب، وقيل: أضله وجده ضالاً. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: على علمٍ من الله بضلاله في سابق علمه (٣) (٤). وقيل: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ حال للمفعول، فيكون علم التجارة وسائر الصناعة، وفيه ضعف.

стр. 2816

ويجوز: أن يكون المراد به المُعاند؛ لأنَّ ضلاله على علم (١). ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ فلا ينتفع بما يسمع. ﴿وَقَلْبِهِ﴾ فلا يتفكَّر في آيات الله. ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ فلا يبصر الحق. ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: غير الله، وقيل: بعد هداية الله، وقيل: بعد خذلان الله إيَّاه (٢). ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾. وجواب ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ﴾ (٣). ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا﴾ ﴿هِيَ﴾ كناية عن الحياة؛ لأنَّهم وُعدوا حياة ثانية، فقالوا ما الحياة إلا حياتنا ﴿الدُّنْيَا﴾ التي نحن فيها (٤). وقولهم: ﴿الدُّنْيَا﴾ ليس بتسليم لثانية، وإنَّما هو كقوله: (يا أيها الرسول) أي: بزعمك (٥). ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير، أي: نحيا (٦) ونموت، ولأنَّ الواو لا يوجب الترتيب.

стр. 2817

وقيل: يموت الآباء ويحيا الأبناء، وحياة الأبناء حياة الآباء، لأنَّ الأبناء بحيوة الآباء صاروا أحياء. وقيل: يموت بعض ويحي بعض، وقيل: كنَّا مَواتاً فحيينا (١). ويحتمل: أنَّ هذا كلام من يقول بالتناسخ، أي: يموت الرّجل، ثُمَّ يجعل روحه في موات فيحيا به (٢). ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ مُضي الأيام والليالي، وقيل: طول الدَّهر بالهرم. قتادة: " إلا العمر " (٣). عكرمة: " إلا الله " (٤). وفيه نظر. ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ وما هم (٥) في اعتقاد هذا القول إلا على شك. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: القرآن، واضحات الدلائل، ويريد بالآيات ها هنا: ما فيه ذِكر البعث والنَّشور (٦). ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ﴾ أي: جوابهم وما احتجُّوا به (٧)، وسُمِّي حُجَّة على زعمهم (٨). ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ أحيوهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ في دعوى البعث.

стр. 2818

﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ فيها. ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ﴾ في القبور (١) ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في اليوم، وقيل: في الجمع، أي: لا ترتابوا فيه. وقيل: قد قامت الدلالة على صحَّة البعث فلم يبق (٢) فيه ارتياب. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ قُدرة الله على البعث لإعراضهم عن التدبُّر والتَّفكُر في الدلائل. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيكون مفعولاً به، ويجوز أن يكون ظرفاً. وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل منه (٣)، ومعنى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: حينئذٍ. ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾ من لا حُجَّة له. ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ﴾ أمَّة كل نبي يوم القيامة. ﴿جَاثِيَةً﴾: ابن عباس ﵄: " مُجتَمعة للحساب " (٤). وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم. وقيل: مُستوفز (٥) لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله (٦).

стр. 2819

وقيل: مُتميزة، وقيل: خاضعة (١). والجُثُوُّ للكُفَار خاصَّة، وقيل: عامٌّ (٢). تقول: جَثَا يَجْثُوا: إذا جلس على ركبتيه، وجذا يجذوا بمعناه (٣). ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ يريد: كتاب الحَفَظَة ليقرؤه، ويستوفوا الجزاء (٤)، وهو قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ في الدنيا. الجاحظ (٥): " إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا؟ " (٦). وقيل: إلى حِسابها، وقيل: يُدعي: يُسأل، كما تقول: سألت الله كذا، ودعوته بكذا. ويحتمل يدعون بكتاب نبيها فيقال: يا أهل التوراة، يا أهل القرآن، كما سبق في قوله ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: (٧١)] أي: بكتابهم. ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يُبَيِّنُ لكم، وُضِع النُّطق موضع البيان (٧). ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالعدل.

стр. 2820

﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ نُثْبِتُ، وقيل: نحفظ أعمالكم، وليس ذلك بنقلٍ من كتاب، تقول: نَسَخت واستنسختُ بمعنى، نحو: عَجِبتُ واستَعْجَبْتُ (١)، وقيل: نأمرُ بإثباتها. والاستنساخ: الأمر بالنَّسخ، وعليه باب الاستفعال. وقيل: نستنسخ أعمالكم من اللوح المحفوظ كُتِبَ قبل أن تُخْلقوا وقبل أن تعلموا، فيكون النَّسخ نقلاً من كتابٍ إلى كتاب (٢). وقيل: كِتابنا القرآن يدلكم على ما فيه، فهو شاهد عليكم. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠)﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيقال لهم: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني: الكتب المُنزَّلة على الأنبياء (٣). ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تعظَّمتم عن الانقياد والإيمان بها. ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)﴾: كافرين مُذنبين. والفاء في ﴿أَفَلَمْ﴾ قام مقام المحذوف (٤).

стр. 2821

﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: قيل لكم إن البعث والجزاء كائن. ﴿وَالسَّاعَةُ﴾ القيامة ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ أي: قائمة لا محالة. ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ أي: لسنا نعلم ما تُريدون بقولكم الساعة، وكيفية قيامها. ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾ أبو علي: لا يُجرى هذا الكلام على ظاهره؛ لأنَّ كلَّ من يَظُنُّ فإنَّه لا يَظُنُّ غير الظنِّ، قال: ويصحُّ الكلام بأن يُقدَّر بـ ﴿إِلَّا﴾ التقديم (١)، وهو قول الأخفش (٢) أي: ما نحن إلا نظُّن ظنَّاً، والتوكيد غير مُستنكر. المازني (٣): " تقديره: إن نظن نحن إلا أنَّكم ظننتم وما نحن بمستيقنين أنَّكم لا تَظنُّون " (٤)، أي: هذا الذي تدعوننا إليه ظنٌّ منكم وأنتم شاكُّون فيه. وقيل: إن نظنُّ إلا ظنَّاً لا يؤدِّي إلى العلم، وما نحن بمُستيقنين، أي: نشك في جواز وقوعه ولا نستيقن ذلك. ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ ظهر لهؤلاء المشركين حين شاهدوا القيامة، وأُخرج لهم ما كتبت الحفظة من أعمالهم. ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ قبائح أفعالهم.

стр. 2822

﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أحاط بهم ولزمهم. ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣)﴾ جزاء استهزائهم بقائل ذلك، والمُخبر به. ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: تقول لهم الملائكة اليوم نترككم في النار ترك الشيء المنْسِي الذي لا يُذكر، كما أعرضتم عن تَدَبُّر الوعيد والإنذار إعراض من نَسِيَ الشَّيء (١). ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ منزلكم ومثواكم جهنَّم (٢). ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)﴾ من ينصركم ويدفع عنكم ممن كنتم تتعزَّزون (٣) بهم في الدنيا. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ذلكم العذاب ﴿بِأَنَّكُمُ﴾ بسبب أنَّكم. ﴿اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: ما كان يُتلى (٤) عليكم. ﴿هُزُوًا﴾ تنزلونها منزلة الهُزُء الذي لا يُقبل عليه، ولا يُتَدبر فيه. ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ اغتررتم بما مُدَّ لكم فيها من الحياة السريعة الانقضاء وما وُسِّع عليكم من أسباب دُنياكم. ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ لأنَّهم فيها خالدون. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾ لا يُطلب رضاهم، وقيل: لا يُطالبون بالتوبة، وقيل: لا يُردُّون إلى الدُّنيا، وقيل: لا يُراجعون الكلام بعد دخول النار.

стр. 2823

وقيل: لا يُقبل منهم العُتبى، وهو إعطاء الرِّضى. ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ ختم السُّورة بكلمة الإخلاص، وقيل قولوا: الله الحمد، عرَّفهم كيف يحمدون ربَّهم. ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: العظمة والجلال (١). وقيل: استحقاق التَّعظيم في أعلى المراتب له وحده. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ بسُلطانه. ﴿الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ فيما أمر ونهى، وخلق وقضى.

стр. 2824

سورة الأحقاف (١) خمس وثلاثون آية (٢) (٣) مكِّيَّة (٤) ابن عباس وقتادة "إلا آية فإنَّها مدنية وهي قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ " (٥) وقيل هي: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٦). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ سبق (٧)، وإنَّما كرَّر ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ لأنَّه بمنزلة عنوان الكتب، ثمَّ ذكر ما أنزل فقال: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي (٨): للحقِّ وإقامة الحقِّ (٩)، وقيل: بالعدل في الخلق، وقيل: لتدلَّ (١٠) على وحدانية الله تعالى.

стр. 2825

وقيل: بالصدق، وقيل: إلا للبعث. ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: خلقه مقروناً بأجلٍ مُسَمَّىً إلى وقت معلوم قد سَمَّاه، وإن كان قد طوى علمه عن عباده. وقيل: هو الأجل المخلوق لكل مَقدور. المُبَرِّد: ما خلقناهما (١) إلا بأجل مُسَمَّى، والأجل المُسَمَّى قوله: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ... [الأعراف: (٤٥) وغيرها] (٢). ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالآخرة ﴿عَمَّا أُنْذِرُوا﴾ به وهو الجزاء يوم المعاد. ﴿مُعْرِضُونَ (٣)﴾ لا يتفكرون، وقيل: أعرضوا بعدما قامت عليهم الحُجَّة. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: تدعونه إلهاً، وقيل: تعبدونه من الأصنام، وقيل: الملائكة والجن وعيسى. ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هل خلق واحد منهم شيئاً من الأرض؟. ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: في خلقها ومُلكها. ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ﴾ أنزله الله تعالى فيه برهانُ (٣) ما تدعون، أي: التوراة والإنجيل والزَّبور وسائر كُتبه. ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ قبل القرآن.

стр. 2826

﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ رواية، تقول: أثره يأثره، وخبر مأثور، وجاء في الأثر. تريد (١) ما كانت العرب تعلم بعض الأشياء به من القيافة والزَّجر والطَّرق مما كانوا يأثرونه عن أسلافهم ويعدونه علماً، وإن لم يكن فيه ما يوجب الوثيقة. وقيل: الأثارة: البقية، تقول العرب: سمَّنت الإبل على أثارة، أي: بقية من الشَّحم، وقيل: أثارة، أي: ميراث من علم، وقيل: خاصَّة من علم، وقيل: بيِّنة. وقيل: مناظرة من علم، لأنَّ المناظرة في العلم مثيرة لمعانيه، ولعل هذا على (٢) من قرأ ... ﴿إثارة﴾ (٣) بالكسر. وقيل: اجتهاد بعلمٍ، وقيل: هو إسناد الحديث، وقُرئ في الشَّواذ على وجوه (٤)، ومعانيها قريبٌ (٥) بعضها من بعض (٦) (٧). ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ أي: إن صدقتم في دعواكم فأتوني به. ورُوي مرفوعاً في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾: أنَّه الخَطُّ " (٨).

стр. 2827

وقال: " كان نبي من الأنبياء يخطُّ فمن صادف مثل خطِّه علم " (١). وروى القَفَّال: " أنَّ نبياً كان يخطُّ فمن صادف مثل خطِّه علم " (٢). قال أبو سليمان (٣) في غريبه عن ابن الأعرابي (٤) قال: " يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حُلواناً (٥) وهو جعْله فيقول له: أقعد حتى أخط لك، قال: وبين يدي الخازي غلام معه ميل ثمّ يأتي إلى أرض رُخوة فيخطّ خُطُوطاً كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد، قال: ثُمَّ يرجع فيمحوا على مهلٍ خطَّين خطَّين فإن بقي منهما خطَّان فهما علامة النَّجاح (٦).

стр. 2828

وكانت العرب تُسمِّي ذينك الخطين ابني عيان فيقول الحازي (١): ابني عيان (٢) أسرعا البيان، وإن بقي خطٌّ واحدٌ فهو علامة الخيبة (٣). ابن عباس ﵄: " قال: الخطُّ الذي يَخطُّه الحازي (٤) علمٌ قَديم تركه الناس " (٥). ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أيْ: أيُّ أحدٍ أبين ضلالاً؟، والمعنى: لا أحد أشد ضلالاً. ﴿مِمَّنْ يَدْعُو﴾ يَعبد، وقيل: يطلب ويسألُ (٦). ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يسأل شيئاً لو دعاه إلى يوم القيامة لم يستجب له دعاءه، ولا كان عنده معونة، والمعنى: لا يستجيب أبداً. ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ قيل: هي الأصنام التي هي جماد فأجراها مجرى العقلاء في الإخبار على زعمهم (٧). وقيل: هم الملائكة والجن، وهم مشتغلون عنهم غير عالمين بعبادتهم. وقيل: قوله ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ استبعاد كما ذكرت. وقيل: غاية؛ لأنَّ المعبود يُجيب العابد يوم القيامة، كما جاء في القرآن في مواضع نحو: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: (١٦٦)]، ونحو قوله: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ [ق: (٢٧)]، ونحو قوله: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: (٢٥)]، ويقويه قوله عقبه:

стр. 2829

﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ أي: المعبودين للعابدين (١) أعداء. وقيل: العابدون للمعبودين أعداء. ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ كقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ ... [الأنعام: (٢٣)]، وقيل: كان المعبودون كافرين لم يشكروهم عليها بل ذمُّوهم. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات الدلائل، وهي القرآن. ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ أي: لا حقيقة له يوهم إذا قرع السَّمع أنَّه شيء لا أصل له، وقيل: هذا سحر، أي: كلام منظوم نظماً دقيقاً يأخذ القلوب كما يقال: هو السِّحر الحلال. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ اختلقه محمد ﷺ ، وأضافه إلى الله كذباً. ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: إن كذبت على الله كما زعمتم فلا تملكون دفع عذابه عنِّي ولا نفع لي من قبلكم. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الله أعلم بما تقولون فيما بينكم وبما ترمونني به وتخوضون فيه (٢). ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: هو شاهدي على صدق ما أدعوكم إليه؛ إذ هو المرسِل إليكم. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ لمن تاب من شِركه وأسلم. ﴿الرَّحِيمُ (٨)﴾ لم يُعجِّل بالعقوبة. وقيل: معنى الآية: إن افتريته فقد أسأت إذاً الاختيار لنفسي (٣).

стр. 2830

وقيل: معناه: إن افتريته فغاية ذلك إن أخدعنكم تتبعوني (١)، وما انتفاعي باتباعكم وأنتم لا تملكون دفع عذاب الله عنِّي. ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْع: ما لا سابق له، أي: لست بأول رسولٍ أرسله الله، ولا جئتكم بأمرٍ بديع لم يكن لي إلى مثله سابق (٢). ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي﴾ أي: في الدنيا؛ لأنَّ لله في الأنبياء أحكاماً يمتحنهم بها من جهة قومهم من إخراجٍ من البلد، أو قتلٍ، أو تعذيبٍ، أو إنجاء (٣) من هذه المحن، أو أمرٍ بالهجرة (٤)، أو بالمقاتلة مع القوم. ﴿وَلَا بِكُمْ﴾ من خسفٍ أو مسخٍ أو رجفةٍ أو تغريقٍ أو إهلاكٍ بريحٍ أو قتلٍ أو أخذ جزيةٍ (٥) أو كفرٍ أو إيمانٍ (٦). ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ولم يوح إليَّ في هذا الباب شيء. ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ اقتصر على ما قصرني الله عليه من الإنذار لكم. وقيل: لا أدري ما أُؤمر به (٧) ولا ما تُؤمرون به. وقيل: كان هذا قبل نزول: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [سورة الفتح: (٢)]، ثُمَّ نُسِخ به فعلم بعد ذلك ما يُفعل به (٨).

стр. 2831

وقيل: لا يجوز أن يقول الرَّسول: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم، بل سبب ذلك " أنَّه رأى في المنام أن يتحول إلى أرضٍ ذات نخلٍ وشجر وماء فأخبرَ أصحابه بها فلمَّا بطؤَ حصول ذلك راجعوه في ذلك، فنزلت الآية " (١). وقال ابن بحر: " معنى قوله: ﴿مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ أي (٢): لا أدّعي علم ذلك ولا معرفة ما يفعله بي ولا بكم (٣) من الإحياء والإماتة والنِّعمة والجدب، وسائر ما ينفع ويضرّ إلا أن يُوحى إليَّ في ذلك شيء فأتَّبعه " (٤)، وهذا أحسن الأقوال (٥)، ومثله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: (١٨٨)].

стр. 2832

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: القرآن. وقيل: محمد ﷺ . ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الجمهور أنَّه عبد الله بن سَلام ﵁ (١)، والآية مدنية (٢)، وذلك أنَّه جاء إلى النَّبي ﷺ ، وقال: اجعلني يا رسول الله حكماً بينك وبين

стр. 2833

اليهود، فسألهم عنه، أي رجل هو فيكم؟ فقالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وابن عالمنا (١)، ... [عبد الله بن سلام] (٢)، قال: فإنَّه قد آمن بي " (٣). الشَّعبي - في جماعة -: " ليس بعبد الله (٤)؛ لأنَّ السُّورة مكِّية، وإنَّما أسلم ابن سلامٍ بالمدينة " (٥). وقالوا: الشاهد من بني إسرائيل هو موسى ﵇، وشهادته هو ما في التوراة من نعت محمد ﷺ وبعثته (٦).

стр. 2834

قوله: ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ على مثل (١) ما شهد عليه القرآن ومحمد ﷺ . ﴿فَآَمَنَ﴾ أي: الشاهد ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن الإيمان. وقيل: وشهد موسى ﵇ على (٢) مثل القرآن فآمن به بنوا إسرائيل وكفرتم يا معشر العرب بمحمدٍ ﷺ والقرآن. الفرَّاء: " أي: شهد رجلٌ من اليهود على مثل ما شهد به عبد الله بن سلام، فآمن ذلك الرجل واستكبرتم " (٣). وفي بعض التفاسير: الرَّجل يامين بن يامين (٤)، وكان أسلم قبل عبد الله بن سلام، ثُمَّ أسلم ابن سلامٍ فشهد على مثل ما شهد عليه يامين (٥). وقيل: على مثل شهادة الله، وقيل: شهادة محمد ﷺ ، وقيل: شهادة القرآن. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: " إن كان من عند الله، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم وكفرتم به ". وجواب: ﴿إِنْ كَانَ﴾ مُقدَّر تقديره: أليس قد ظلمتم، فحذف؛ لأنَّ قوله ﴿إِن اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ يدل عليه.

стр. 2835

وقيل: جوابه فمن أضلُّ (١) منكم، وقيل: أتؤمنون به؟ (٢)، وقيل جوابه: أتأمنون عُقوبة الله؟ . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ اللام لام العلة، أي: لأجلهم. وقيل: هو كقولك: قلت له، والوجه هو الأول. قيل: المراد بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: اليهود (٣)، قالوا: ﴿لَوْ كَانَ﴾ ما أتى به محمد. ﴿خَيْرًا﴾ أي: صدقاً وحقَّاً. ﴿مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ ولكنَّا أسرع إلى قبوله من الذين آمنوا؛ لأنَّا أرباب العلم والكتاب. وقيل: المراد بهم مشركو العرب، وذلك أنه لما أسلمت جُهَينة (٤) ومُزَينة (٥) وأَسْلَم (٦) وغِفَار (٧)،

стр. 2836

قالت بنو عامر (١) وغَطَفَان (٢) وأَسَد (٣) وأَشْجَع (٤): لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدِّين (٥) خيراً ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالاً وأكثر مالاً وهؤلاء رُعاة الغنم (٦). ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾ كذب مثل كذب عيسى ﵇. وقيل: هو كقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: (٢٥)، وغيرها]، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: (٣٩)].

стр. 2837

وأفاد دخول السِّين أنَّهم في المستقبل يقولون هذا القول أيضاً. قيل (١): الواو في ﴿وَإِذْ﴾ زيادة، وهو ظرفٌ لقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ استأنف فقال: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ (٢). ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل القرآن ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ أي: التوراة. ﴿إِمَامًا﴾ مقصداً بالاتباع ﴿وَرَحْمَةً﴾ نعمةً ونجاة ﴿وَهَذَا﴾ أي: القرآن. ﴿كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾ أي: التوراة (٣). وفي مصحف ابن مسعود ﵁ ﴿مُصدق لما بين يديه﴾ (٤). ﴿لِسَانًا﴾ حال من هذا، وقيل: من الضمير في ﴿مُصَدِّقٌ﴾، وقيل: مفعول به، والتقدير: مُصَدِّق ذا لسان عربي، وقيل: مُصَدِّق التَّوراة والإنجيل لساناً (٥) (٦). ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: يُصدِّقهما في هذه الحال. ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٧) لينذر الكتاب، وقيل: الله، وقيل: محمد ﷺ .

стр. 2838

﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾ أي: هو بشرى، وقيل: وليبشِّرَ بشرى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ جاء مَرفوعاً: " أقامُوا عليه ولم يرجعوا عنه " (١). وقيل: استقاموا على كلمة الإخلاص (٢)، وأداء الفرائض. ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في القيامة. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ عند الموت. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ (٣) أمرناه أن يُحسن إليهما إحساناً. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ أي: بالمشقة والصعوبة يريد حالة ثقل الحمل في بطنها، لا في ابتداء الحمل (٤). ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ بالمشقة والصُّعوبة، الضَّمُّ والفتحُ (٥) لغتان (٦)، وقيل: الفتحُ المصدر والضَّمُّ الاسم، وقيل: الفتح المَّشقة، والضَّم: الإجبار. ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ أراد مُدَّة حمله وفصاله، وهو الفطام (٧) (٨). ﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ذكر أقل الحمل، وهو ستة أشهر، ونهاية الرَّضاع، وهي حولان لقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: (١٤)] , وما يزاد في أحدهما نقص (٩) من الآخر، وليس هذا حتماً واجباً، وللفقهاء فيه خلاف (١٠). وقال صاحب النَّظم: " هذه الآية خاصَّة لرسول الله ﷺ وكان حمله ستَّة أشهر " (١١). ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾: قيل: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد سبق (١٢). وفي سبب (١٣) النزول عن ابن عباس ﵄ في رواية عطاء أنَّها (١٤) نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، وذلك أنَّه صحب رسول الله ﷺ وهو ابن ثماني عشرة سنة، ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام، فنزلوا منزلاً فيه سدرة فقعد رسول الله ﷺ في ظلِّ السِّدرة (١٥)، ومضى أبو بكر إلى راهبٍ هناك يسأله من الدِّين فقال له: من الرَّجل الذي في ظلِّ السِّدرة؟ فقال أبو بكر (١٦) ﵁: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال: هذا والله نبيٌّ، فما استظَلَّ تحتها (١٧) أحدٌ بعد عيسى بن مريم إلا محمدٌ - صلى الله عليهما - (١٨) فوقع في قلب أبي بكر ﵁ اليقين والتَّصديق (١٩) فكان لا يكاد يفارق رسول الله

стр. 2839

- ﷺ في أسفاره وحضوره، فلمَّا نُبِّئ رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة، وأبو بكر ﵁ ابن ثمانٍ وثلاثين سنة، أسلم وصدَّق رسول الله ﷺ ، فلمَّا بلغ أربعين سنة قال ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ﴾ الآية (١). قوله: ﴿أَشُدَّهُ﴾ قيل: حدُّ الإسلام، وبلوغ التَّكليف، وهو ثمان عشرة سنة، وبلغ أربعين سنة، وهو عند كمال حُجَّة الله عليه، ولهذا خصّ هذين الوقتين بالذِّكر. والقول في ﴿أَشُدَّهُ﴾ قد سبق (٢). ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني، يقول: هو موزع بكذا، أي (٣): مولع به (٤). وقيل: أصله من المنع من الانصراف. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ ولم يكن في الصَّحابة (٥) من أسلم وأسلم والداه وأولاده إلا أبو بكر ﵁ (٦). ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أي: في جماعة أولادي وتبعهم. ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾

стр. 2840

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ أي: الطاعة، والمباح لا يثاب عليه (١). ﴿وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (٢) أي: كبائرهم بالتوبة، وصغائرهم بالاستغفار (٣). ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ أي: وعَدَ وعْدَ الصِّدق. ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ أي: في الدنيا. ومعنى ﴿الصِّدْقِ﴾ (٤) لا خُلف فيه. ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ مُبتدأ خبره ﴿أُولَئِكَ﴾ وهو واقع موقع الواحد، ﴿وَالَّذِي﴾ واقع موقع الجمع، وقيل: تقديره: واذكر الذي قال. ذهب السُّدي: إلى أنَّ الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ (٥) قبل الإسلام، وأنَّه كان يقول لوالديه أبي بكر الصِّديق (٦) وأُمُّ رُوْمَان (٧): أفٍ لكما قذراً ونتناً، وهي لفظة استقذار وطرد (٨).
следующие страницы →