← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

قالت بنو عامر (١) وغَطَفَان (٢) وأَسَد (٣) وأَشْجَع (٤): لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدِّين (٥) خيراً ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالاً وأكثر مالاً وهؤلاء رُعاة الغنم (٦). ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾ كذب مثل كذب عيسى ﵇. وقيل: هو كقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: (٢٥)، وغيرها]، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: (٣٩)].

стр. 2837

وأفاد دخول السِّين أنَّهم في المستقبل يقولون هذا القول أيضاً. قيل (١): الواو في ﴿وَإِذْ﴾ زيادة، وهو ظرفٌ لقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ استأنف فقال: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ (٢). ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل القرآن ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ أي: التوراة. ﴿إِمَامًا﴾ مقصداً بالاتباع ﴿وَرَحْمَةً﴾ نعمةً ونجاة ﴿وَهَذَا﴾ أي: القرآن. ﴿كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾ أي: التوراة (٣). وفي مصحف ابن مسعود ﵁ ﴿مُصدق لما بين يديه﴾ (٤). ﴿لِسَانًا﴾ حال من هذا، وقيل: من الضمير في ﴿مُصَدِّقٌ﴾، وقيل: مفعول به، والتقدير: مُصَدِّق ذا لسان عربي، وقيل: مُصَدِّق التَّوراة والإنجيل لساناً (٥) (٦). ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: يُصدِّقهما في هذه الحال. ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٧) لينذر الكتاب، وقيل: الله، وقيل: محمد ﷺ .

стр. 2838

﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾ أي: هو بشرى، وقيل: وليبشِّرَ بشرى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ جاء مَرفوعاً: " أقامُوا عليه ولم يرجعوا عنه " (١). وقيل: استقاموا على كلمة الإخلاص (٢)، وأداء الفرائض. ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في القيامة. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ عند الموت. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ (٣) أمرناه أن يُحسن إليهما إحساناً. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ أي: بالمشقة والصعوبة يريد حالة ثقل الحمل في بطنها، لا في ابتداء الحمل (٤). ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ بالمشقة والصُّعوبة، الضَّمُّ والفتحُ (٥) لغتان (٦)، وقيل: الفتحُ المصدر والضَّمُّ الاسم، وقيل: الفتح المَّشقة، والضَّم: الإجبار. ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ أراد مُدَّة حمله وفصاله، وهو الفطام (٧) (٨). ﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ذكر أقل الحمل، وهو ستة أشهر، ونهاية الرَّضاع، وهي حولان لقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: (١٤)] , وما يزاد في أحدهما نقص (٩) من الآخر، وليس هذا حتماً واجباً، وللفقهاء فيه خلاف (١٠). وقال صاحب النَّظم: " هذه الآية خاصَّة لرسول الله ﷺ وكان حمله ستَّة أشهر " (١١). ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾: قيل: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد سبق (١٢). وفي سبب (١٣) النزول عن ابن عباس ﵄ في رواية عطاء أنَّها (١٤) نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، وذلك أنَّه صحب رسول الله ﷺ وهو ابن ثماني عشرة سنة، ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام، فنزلوا منزلاً فيه سدرة فقعد رسول الله ﷺ في ظلِّ السِّدرة (١٥)، ومضى أبو بكر إلى راهبٍ هناك يسأله من الدِّين فقال له: من الرَّجل الذي في ظلِّ السِّدرة؟ فقال أبو بكر (١٦) ﵁: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال: هذا والله نبيٌّ، فما استظَلَّ تحتها (١٧) أحدٌ بعد عيسى بن مريم إلا محمدٌ - صلى الله عليهما - (١٨) فوقع في قلب أبي بكر ﵁ اليقين والتَّصديق (١٩) فكان لا يكاد يفارق رسول الله

стр. 2839

- ﷺ في أسفاره وحضوره، فلمَّا نُبِّئ رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة، وأبو بكر ﵁ ابن ثمانٍ وثلاثين سنة، أسلم وصدَّق رسول الله ﷺ ، فلمَّا بلغ أربعين سنة قال ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ﴾ الآية (١). قوله: ﴿أَشُدَّهُ﴾ قيل: حدُّ الإسلام، وبلوغ التَّكليف، وهو ثمان عشرة سنة، وبلغ أربعين سنة، وهو عند كمال حُجَّة الله عليه، ولهذا خصّ هذين الوقتين بالذِّكر. والقول في ﴿أَشُدَّهُ﴾ قد سبق (٢). ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني، يقول: هو موزع بكذا، أي (٣): مولع به (٤). وقيل: أصله من المنع من الانصراف. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ ولم يكن في الصَّحابة (٥) من أسلم وأسلم والداه وأولاده إلا أبو بكر ﵁ (٦). ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أي: في جماعة أولادي وتبعهم. ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾

стр. 2840

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ أي: الطاعة، والمباح لا يثاب عليه (١). ﴿وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (٢) أي: كبائرهم بالتوبة، وصغائرهم بالاستغفار (٣). ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ أي: وعَدَ وعْدَ الصِّدق. ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ أي: في الدنيا. ومعنى ﴿الصِّدْقِ﴾ (٤) لا خُلف فيه. ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ مُبتدأ خبره ﴿أُولَئِكَ﴾ وهو واقع موقع الواحد، ﴿وَالَّذِي﴾ واقع موقع الجمع، وقيل: تقديره: واذكر الذي قال. ذهب السُّدي: إلى أنَّ الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ (٥) قبل الإسلام، وأنَّه كان يقول لوالديه أبي بكر الصِّديق (٦) وأُمُّ رُوْمَان (٧): أفٍ لكما قذراً ونتناً، وهي لفظة استقذار وطرد (٨).

стр. 2841

وقيل: كلمة تبرُّم يُقصد بها إظهار السَّخط، وقُبح الرَّد، وقد سبق (١). ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أُبعث (٢). ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ وقد تفانت الأُمم (٣)، فلم يرجع أحدٌ (٤) منهم إلى الدُّنيا ولا خرج من قبره (٥). ﴿وَهُمَا﴾ أبواه. ﴿يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾ ويسألانه أن يُوفِّقه للإيمان (٦) ويقولان له: ﴿وَيْلَكَ آَمِنْ﴾ بالله والبعث. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث وثواب المؤمن وعقاب الكافر ﴿حَقٌّ﴾ صدقٌ. ﴿فَيَقُولُ﴾ لهما (٧) ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)﴾ إلا أباطيل الأولين، أي: قد كتبها الأولون لا حقيقة لها.

стр. 2842

قال السُّدِّي: "فاستجاب الله فيه دعوة أبي بكرٍ ﵁، فأسلم وحسن إسلامه، ولقد رأيته وما بالمدينة أعبد منه، - قال-: "ولمَّا أسلم نزلت فيه: " ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ " (١). وأنكر أكثر المُفسرين هذا؛ لِما رُوي عن عائشة ﵂ أنَّها قالت لمروان بن الحكم حين خطب ليزيد (٢) بالمدينة فأثنى على معاوية، وردَّ عليه عبد الرحمن، فقال مروان: هذا الذي قال لوالديه ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾: كذبت؛ فإنَّها نزلت في أبيك وأخيك "، وفي رواية قالت: والله ما هو به ولو شئت لسمَّيته، ولكنَّ الله لعن أباكَ وأنت في صُلبه، فأنت ممن لعن الله " (٣). قال الزَّجاج: " يدل على أنَّها ليست في عبد الرحمن أنَّ الله تعالى أخبر بأنَّه من أهل النار في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ " (٤). قال (٥) مجاهد: " نزلت في عبد الله بن أبي بكر ﵁ (٦) إلى آخر القصَّة " (٧) (٨).

стр. 2843

الحسن " لم يرد واحداً بعينه، إنَّما هو عام " (١). قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ القول يعني: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ ... [هود: (١١٩)]، وقيل: حقَّ خبر الله أنَّه لا يُؤمن. قوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في جُملة أُمم ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضت. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)﴾ خسروا أنفسهم. ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾ مراتب ﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾ وقيل: على قدر أعمالهم، وقيل: أراد درجات ودركات، فاقتصر على أحد الضِّدين. ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: جزاءها ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾. ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ قيل: بعد الدخول، وقيل: قبل الدخول عند إظهار العذاب لهم. ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ أي: يقال لهم: أذهبتم (٢). قُرئ بالاستفهام والخبر، الاستفهام بمعنى التوبيخ، والخبر هو الوجه (٣).

стр. 2844

﴿طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ نلتم لذَّاتكم وأصبتم شهواتكم في الدنيا، غير مُتفكِّرين في حرامها وحلالها. ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ بملاذها، والهاء تعود (١) إلى الدنيا، وقيل: إلى الطيبات. ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ الذُّلُّ والهوان ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ تتكبَّرون ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ أي: باستكباركم ... وفسقكم (٢). وقيل: الطيبات من الرزق: الحلالات التي أنفقتموها في شهواتكم ولذاتكم، ولم تنفقوها في مرضاة الله تعالى وتقدَّس. وقيل: أذهبتم طيباتكم في الآخرة بمعاصيكم في الحياة الدنيا. وقيل: أذهبتم طيباتكم، أي: لذَّات الدنيا (٣) التي نلتموها بما استوجبتم من عذاب العُقبى. وقيل: طيباتكم: شبابكم وقوَّتكم، من قول العرب: " ذهب أطيباه " (٤). المفضل (٥): " ﴿طَيِّبَاتِكُمْ﴾ حسنات أعمالكم بإنكاركم هذه النار " (٦).

стр. 2845

وعن عمر ﵁ أنَّه قال: " أنا أعلم بالعيش فلو شئت لجعلت أكباداً وأسنمة وصلاءً (١) وصناباً وصلائق، ولكن استبقي حسناتي لأنَّ الله وصف قوماً فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٢). الصِّلاء: الشواء، والصِّناب: الأصبغة، والصلائق: الرِّقاق العريض (٣). وعن عمر ﵁ أيضاً (٤): أنَّ رجلاً دعاه إلى طعام فأكل، ثم قدّم شيئاً حُلواً فامتنع، وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين (٥) ما قبلها ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ فلست منهم فأكل وسرَّه ما سَمِعَ " (٦). ﴿* وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ يعني هُوداً، وكان منهم فسمَّاه أخاً لهم. وعاد قوم من العرب لهم قوة وأيد ومَنعة، وكانوا ينزلون الأحقاف، وهي منزِل بين عُمان (٧) وحضرموت (٨) (٩).

стр. 2846

ابن عباس ﵄: " وادٍ بين عُمَان ومَهَرة (١) " (٢). الضحاك: " جبل بالشام " (٣). قتادة: " رمال مُشرفة (٤) على البحر بالشِّحْر (٥) (٦) من اليمن " (٧). الحسن: " أرض خلالها رمل " (٨) (٩). والأحقاف: جمع حِقف وهو ما استطال واعوجَّ من الرَّمل العظيم (١٠). وروي عن علي بن أبي طالب (١١) ﵁: " خير واديين في الناس وادٍ بمكة، ووادٍ نزل به آدم ﵇ بأرض هندٍ (١٢)، وشرُّ واديين في الناس وادي الأحقاف (١٣) ووادٍ بحضرموت يُدعى برهوت

стр. 2847

يُلقى فيه أرواح الكُفار، وخير بئرٍ في الناس بئر زمزم، وشرُّ بئرٍ في الناس بئر بلهوت في ذلك الوادي الذي بحضرموت ". (١) ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ مضت الرُّسل. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قبل هودٍ وبعده، وهذا اعتراض (٢). ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: لا تعبدوا، وقيل: قال لهم: لا تعبدوا ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾. وقيل: هو متَّصل بـ ﴿النُّذُرُ﴾، وفيه ضعف. ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن لم تؤمنوا ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)﴾ هائل يريد يوم القيامة، وقيل: يوم عذابهم في الدنيا. ﴿قَالُوا﴾ أي: قوم هودٍ ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا﴾ لتصرفنا (٣). ﴿عَنْ آَلِهَتِنَا﴾ إلى دينك، وهذا ما لا يكون. ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب الذي توعدنا به. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)﴾ فيما تقول. ﴿قَالَ﴾ هود ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ بوقت مجيء العذاب. ﴿عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ أي: الذي أُمرت بتبليغه إليكم، وليس فيه تعيين وقت العذاب.

стр. 2848

﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣)﴾ لا ستعجالكم العذاب. وقيل (١): تجهلون ما يجب عليكم (٢) من الاستماع منِّي، وقيل: تجهلون مراشدَكم. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ أي: ما وعدوا به واستعجلوه، وهو العذاب. وقيل: يعود إلى غير مذكور. ﴿عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ عرض في نواحي السماء. ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ذكر أنَّ المطر كان قد احتبس عنهم، فاشتدَّت (٣) حاجتهم إليه (٤) فرأوا سحابة استقبلت أوديتهم، فقالوا: هذا سحابٌ يأتينا بالمطر فأظهروا لذلك (٥) فرحاً (٦). ابن عيسى: " العارض المارُّ سريعاً لا يلبث " (٧). المفضَّل: العارض: سحاب يعلوا الأفق " (٨). وقوله: ﴿مُمْطِرُنَا﴾ أي: يمطر السَّحاب لنا، يقال: مطرت السَّحاب وأمطرت الرِّيح السَّحاب. وقيل: العرب تُسَمِّي السَّحاب الذي يُرى في بعض أقطار السَّماء عشياً (٩)، ثُمَّ يُصبح من الغد قد استوى وحَبَا (١٠) (١١) بعضه إلى بعضٍ عارضاً (١٢).

стр. 2849

﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: قال هودٌ ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ من العذاب، ثُمَّ فسَّره فقال: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ﴾ تُهلك ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أمرت بتدميره. والتدمير: إهلاك استئصال، وأصله من دَمَر إذا دخل من غير إذن. ... وقيل: التدمير أن يرمي (١) ببعض الشيء على بعض حتى يهلك (٢). قوله: ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ يعود إلى الرِّيح. ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ أي: فصاروا لو حضرت بلادهم لا ترى إلا مساكنهم (٣). وقرئ ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾، بلفظ المجهول، يقول: فجاءتهم الرِّيح فدمَّرتهم فلم يبق منهم أحد، وبقيت مساكنهم خالية لا ساكن فيها. وعن النبي ﷺ : " نصرت بالصَّبا (٤) وأُهلكت عاد بالدَّبور (٥) " (٦).

стр. 2850

﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ أي: من أجرم مثل جرمهم، وهذا تحذير لمشركي العرب. وفي التفسير: فخرج هود من بين أظهرهم، ونزلت الرِّيح في شعب مواشيهم، فهلك الرُّعاة والأنعام وحلَّقت بهم في السماء ثُمَّ قذفتهم في البحر، ثمَّ تتبَّعت أهل البيوت فجعلتهم كالرَّميم (١). ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ أي: مكَّنَّا عاداً في البلاد والمال والأولاد ما لم نمكنكم فيه (٢) (٣). وقيل: ﴿إِنْ﴾ صلة، والتَّقدير: مكناهم فيما مكَّنَّاكم فيه. وقيل: ﴿إِنْ﴾ للشَّرط، وجزاؤه مضمر تقديره: في الذي إن مكَّنَّاكم فيه كان بغيكم أكثر. حكاه أقضى القضاة (٤). ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ أي: آلات المدارك والفهم. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [فلم يُغْنِ عنهم شيء] (٥) مما كنت جعلته لهم. ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ لإقامتهم على الجحود بأعلامه الدَّالة على التوحيد وصدق الرَّسول، أي: كانت لهم آلة الدفع، فلم يقدروا (٦) على دفعها. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ نزل بهم، وأحاط بهم.

стр. 2851

﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾ جزاء استهزائهم، وقول من قال: ﴿وَحَاقَ﴾: بمعنى حُقَّ، والألف بدل من القاف، بعيدٌ ضَعِيفٌ (١). ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ﴾ يخاطب العرب. ﴿مِنَ الْقُرَى﴾ كَحِجْر ثمود (٢)، وقُرى قوم لُوط (٣)، ونحوها ممَّا كان يجاور (٤) بلاد الحجاز (٥). ﴿وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ﴾ بتكرير ذكرها وإعادة أقاصيص الأمم الخالية بتكذيبها وشركها (٦). ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾ عن شركهم. وقيل: تصريف الآيات للعرب المخاطبين دون الماضين. وقيل: للماضين، وهو أظهر؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾. ﴿فَلَوْلَا﴾ فهلا. ﴿نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً﴾ أي: اتخذوهم آلهة. فـ ﴿آَلِهَةً﴾ المفعول الثاني، و ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولاً له، أي: للقربة بزعمهم (٧).

стр. 2852

﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ هلكوا عنهم، فلم يجدوهم عند حاجتهم إليه لدفع عذاب الله عنهم. ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ أي: وهذا محصول إفكهم وتوقعهم لشفاعة النُصرة من عندهم. وقيل: ذلك عاقبة إفكهم وافترائهم. ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ﴾ عطف على قوله ... ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾. ومعنى: ﴿صَرَفْنَا﴾: صَيَّرناهم إليك، وقيل: سبَّبنا ذلك، وقيل: ألجأناهم. وقيل: وقفناهم بصرفنا إيَّاهم عن بلادهم إليك (١). والجمهور: على أنَّ سبب ذلك ما حدث من طردهم عن السماء برجمهم بالشُّهب، وكانوا قبل ذلك يقعدون منها مقاعد للسَّمع (٢)، وقالوا: لم يحدث هذا في السَّماء إلا بحادث في الأرض فيتبعوا (٣) ذلك، فوافقوا النَّبي ﷺ بنخلة (٤) يصلي بأصحابه. فمنهم من قال: كان يُصلي صلاة العشاء الآخرة. ومنهم من قال: كان يُصلي الصُّبح، فقرأ فيها سورة: اقرأ. وقيل: كان يُصلي وحده (٥).

стр. 2853

ثُمَّ من المُفَسرين من قال: لم يكن ذلك بعلمٍ منه ﷺ حتى أوحى الله إليه فأخبره بما كان منهم. ومنهم من قال: بل أُمر ﷺ بذلك، فقال لأصحابه: ((إنِّي أُمرت أن أقرأ القرآن على الجن فأيّكم يتبعني، فأطرقوا لها ثلاثاً (١)، فاتّبعه ابن مسعود ﵁، فدخل رسول الله ﷺ شِعْب الحَجُون (٢)، وخط على ابن مسعود، وقال له: لا تبرح حتى آتيك)) (٣) (٤). وروي عن ابن مسعود ﵁: أنّه قال للنبي ﷺ : ((لمَّا خشيتهم كِدت أذهب فتذكرت قولك لي: لا تبرح: فقال له (٥) ﷺ : لو ذهبت ما التقينا إلى يوم القيامة)) (٦). وروي عن ابن مسعود ﵁: " أنَّه رأى رجالاً من الزُّطِّ (٧) طوالاً شمطاناً سُوداً فقال: هُم أشبه شيءٍ بالجنِّ الذين قرأ النبي ﷺ عليهم القرآن " (٨) (٩). وروي عنه ﵁ أيضاً (١٠): ((أنَّه قال فسمعت لغطاً شديداً حتى خِفت على رسول الله ﷺ ، ثُمَّ على القرآنُ أصواتهم، فلمَّا رجع رسول الله ﷺ سألته عن اللغط، فقال: اختصموا إلي في قتيل كان بينهم فقضيت بينهم)) (١١).

стр. 2854

وعن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّه قال (١): قال لي (٢) رسول الله ﷺ ((أمعك ماء؟ قلت: يا رسول الله معي إداوة (٣) فيها شيء من نبيذ التمر فاستدعاه، فصببت على يده فتوضأ وقال: تمرة طيبة، وماء طهور)) (٤) (٥). واختلفوا في عددهم: ابن عباس ﵄: "كانوا تسعة من جنِّ نَصِيْبِين (٦) " (٧). وقيل: من أهل نِيْنَوَى (٨). عكرمة: " كانوا عشرة من جزيرة المَوْصِل (٩) " (١٠). زِرُّ بن حُبَيْش (١١): " كانوا تسعة، وفيهم زوبعة " (١٢) (١٣).

стр. 2855

مجاهد: "كانوا سبعة ثلاثة من نَجْرَان (١)، وأربعة من نَصِيبين وعدَّ أسماءهم (٢) " (٣). وقيل: كانوا سبعين من بني إقليثي (٤)، وفيهم زوبعة. قال القَفَّال: " والذي في ظاهر الكتاب أنَّ الله تعالى صرف نفراً من الجنِّ يستمعون القرآن، وليس في شيء من ذلك أنهم خاطبوه ولا خاطبهم هو، وإنما فيه: أنهم استمعوا القرآن (٥) فآمنوا ورجعوا إلى قومهم فأعلموهم وأنذروهم " (٦). وروي: أنَّهم خاطبوا النبي ﷺ فسألوه أشياء منها: أنهم قالوا يا رسول الله: ... )) إنَّ الأرض التي بيننا وبينك مَحَل لا تنبت (٧) فأعطاهم روثة وعظماً، وقال: لكم بالروثة كُلَّ تربة تمرون بها خراباً مثلها يوم كانت مخصبةً، ولكم بكلِّ عظم مررتم به مثله يوم كان عليه اللحْم)) فمن ثَمَّ نهي أن يستنجى بروث أو عظم، ثُمّ بعثهم رسول الله إلى سائر الجنِّ مُنذرين، فكانوا رسلَ رسولِ الله (٨). وقيل: لم يكونوا رُسلاً؛ بل كانوا مُنذرِيَنَ، ولم يبعث الله رسولاً إلى الثقلين إلا ... محمداً ﷺ (٩).

стр. 2856

﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ أي: محمداً ﷺ ، وقيل: القرآن، وقيل: استماع القرآن. ﴿قَالُوا﴾ قال بعضهم لبعض ﴿أَنْصِتُوا﴾ لسماع لقرآن. ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ فرغ النبي ﷺ من القراءة. ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ قيل: مُسلمين. وقيل: مُنذرين إياهم برسول الله ﷺ . ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ قرآناً. ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ذهب بعضهم إلى أنَّهم كانوا هُوداً، ولهذا قالوا ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ (١). قال (٢) ابن عباس: " كانت الجنُّ لم تسمع أمر عيسى ﵇، ولذلك قالوا: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ " (٣). ﴿مُصَدِّقًا﴾ مُوافقاً ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب. ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي: إلى دين الحق، وقيل: إلى الله (٤). ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾. ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ أي: محمداً ﷺ (٥).

стр. 2857

﴿وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾. وَمَنْ ﴿لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ أي (١): كفر بمحمد ﷺ . فَلَيْسَ ﴿بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ بأن لا يلحقه (٢) عذاب. وَلَيْسَ ﴿لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ يمنعونه منه. ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ قيل لم يتعب، وقيل: لم يعجز (٣). وقيل: لم يذهب عليه وجه الحكمة (٤) في خلقه من قولك: عَيِبْتُ بهذا الأمر، إذا لم تعرف وجْهَه وتحيّرت فيه (٥). ﴿بِقَادِرٍ﴾: قيل: الباء دخل خبر أنَّ زيادة، ومثله: (٦) ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ [النساء: (٦)]، وقيل: دخلت للتَّعجب كقوله (٧): ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾ [الكهف: (٢٦)]، وهذا مُزَّيف. والباء دخل في مكان النفي في أول الكلام، ولأنَّ المعنى: أليس الله بقادر (٨) ﴿عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾؟ (٩)

стр. 2858

﴿بَلَى﴾ جواب للنفي. ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإحياء والإماتة. ﴿قَدِيرٌ (٣٣)﴾ قادر بذاته. ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ فيقال لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أي: هذا الجزاء حق لا باطل، وقيل: معناه أليس هذا بمُستحق لكم. ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ اعترفوا به، وحلفوا عليه. ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾ بكفركم في الدنيا. ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذى قومك لك، وعلى إقامتهم على تكذيبك (١). ﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: من رُسل الله الذي أنت من جملتهم، والعزم: توطين النَّفس على الفعل مع البصيرة، وقيل: العزم: القوة والثبات (٢). والمُحَقِّقُون: على أنَّ جميع رُسل الله أولو العزم، و ﴿مِنْ﴾ في الآية للتبيين لا للتبعيض كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: (٣٠)] (٣). وذهب بعضهم إلى أنَّ أولي العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (٤) ﵈ (٥).

стр. 2859

السُّدِّي: " الذين أمروا بالقتال من الرُّسل " (١). أبو العالية: "كانوا ثلاثة رابعهم محمد، نوح وإبراهيم وهود- عليهم الصلاة والسلام -" (٢). وقيل: هم الذين أوذوا في سبيل الله، وقيل: هم أصحاب الشرائع. ابن جريج (٣): " ليس منهم يونس لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: (٤٨)]، ... ولا سليمان، ولا آدم- ﵈ لقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) [طه: (١١٥)] (٤)، وقد سبق في موضعه (٥) (٦).

стр. 2860

﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ لا تسل الله أن يعجِّل عذابهم وإهلاكهم. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: يرون العذاب في القيامة. وقيل: في الدنيا. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ أقل ما يكون من الزَّمان، استقصروا تلك المُدَّة لمَا دُفعوا إليه من العذاب في الدنيا. وقيل: في القبر، وقيل: في القيامة ينسيهم هول ما ينزل بهم مُدَّة اللبث. ﴿بَلَاغٌ﴾ قيل: هذه السورة بلاغ يبلغ الكفاية (١) في الحاجة لمن تدبَّر. الحسن: " القرآن بلاغ " (٢). [وقيل ذلك اللُّبث: بلاغٌ. وقيل: ساعة من نهار بلاغ، أي: يسيره. وقيل: هو بلاغ] (٣)، أي: الإتيان بالرسالة بلاغ، أي: إذا بلَّغت فقد فعلت ما وجب عليك (٤). ووقف أبو حاتم (٥) على قوله ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ﴾ على تقدير: لهم بلاغ،: أي وقت يَبلغون إليه (٦).

стр. 2861

و ﴿بَلَاغٌ﴾: مبتدأ، و ﴿لَهُمْ﴾: خبره، وما بينهما اعتراض قائم بنفسه مُتَّصل به في المعنى (١). وقيل: ﴿بَلَاغٌ﴾ واقع موقع بَلَغَ. قيل: إنها منسوخة بآية السَّيف، وقيل: مُحكمة (٢) (٣). ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾ المشركون، أي: فلن يُهلك بعد هذا البلاغ بعذاب الله إلا من خرج عن طاعة الله (٤). قيل: إنَّها أرجى آية في الرحمة. وعن مقاتل: " أنَّها نزلت يوم أُحُد " (٥). [وصلَّى الله على محمد، وآله وصحبه أجمعين].

стр. 2862

سورة محمد ﷺ - (١) ثمان وثلاثون آية (٢) (٣) مدنية (٤) ويُقال لها: سورة القِتَال (٥). ابن عباس وقتادة إلاّ آية، نزلت حين خرج رسول الله ﷺ من مكة فنظر إليها حَزناً عليها وهي قوله (٦): ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ (٧). ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: منعوا الناس عن الإيمان صدّاً، وامتنعوا صُدوداً. ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)﴾: جعلها ضلالاً على غير هدىً. وقيل: أبطل كيدَهم بالمؤمنين. وقيل: أبطل ثوابَها وصيّرها عِقاباً.

стр. 2863

وقيلَ: أبطل صلتَهم الأرحامَ، وإطعامَ الطعامِ، وعمارتَهم المسجد الحرام (١). وعن ابن عباسٍ ﵄: " أنها نزلت في المطعِمينَ (٢) يومَ بدرٍ " (٣). مقاتل: " كانوا اثني عشرَ رجلاً " (٤). النقاش: هم: أبو جهل، وعُتبةُ، وشيبةُ، والوليدُ بنُ عتبةَ، وعُقبةُ بنُ أبي مُعيطٍ (٥)، وأُميّةُ بنُ خلَفٍ (٦)، ومُنَبِّهُ (٧)، ونُبَيهُ (٨)، وحكيمُ بنُ حِزامٍ (٩)، وزَمعةُ بنُ الأسودِ (١٠)، والحارثُ بنُ عامر ابنِ نوفلَ (١١)، وأبو البَخْتَريّ (١٢). كانوا يصدُّون الناسَ عن الإيمانِ، ويأمرونهم بالكفر (١٣).

стр. 2864

و ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: كلُّ ما أُريدَ به وجهُ الله. ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: بالمواساة: يعني: الأنصارَ. وقيل: بالهجرة، يعني: المهاجرين. وقيل: هم المهاجرون والأنصارُ، وقيل: هو (١) عامٌّ. ﴿وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾: يعني: القرآنَ. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: لأنه ناسخٌ لسائر الكتب، والناسخُ حقٌّ. وقيل: ﴿هُوَ﴾: يعودُ إلى محمدٍ ﷺ ، وقيل: يعودُ إلى إيمانهم. ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: غفرها لهم وسترها عليهم. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢)﴾: شأنهم في دينهم ودُنياهم (٢).

стр. 2865

والبالُ لا يُثنّى ولا يُجمعُ. النقاشُ: ﴿بَالَهُمْ﴾: " قلوبُهم، أي: أمرُ دينِهم، وأنشد: لو كنتُ من بالكَ لم تنسني ... لكنني لم أكُ من بالكا " (١) ﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى الإضلالِ والإصلاح. ﴿بِأَنَّ﴾: بسبب أنَّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾: الشيطان ووساوسه. ﴿وَأَنَّ﴾: وبأنَّ ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: محمد أو القرآن. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ﴾: يبين الله. ﴿لِلنَّاسِ﴾: محمد ﷺ ، وقيل: عامٌّ. ﴿أَمْثَالَهُمْ (٣)﴾: أمثالُ حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين. وقيل: ﴿أَمْثَالَهُمْ﴾: صفاتُ أفعالِهم، وقيل: إخباره (٢) عن الفريقين بغير تصريحٍ مثلٌ مضروب لَهما؛ لأنه مثّل لحالِهما، وهذا حقيقةُ ضربِ المثل. ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: في دار الحرب (٣)، وقيل: في القتال. ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾: فاضربوا أعناقهم (٤). وخصَّ الرقابَ؛ لأنه لا يعيشُ بعدَه (٥). وقيل: هذا تعليمُ للقتل (٦)، وقيل: كنايةٌ عن القتل بالسلاح.

стр. 2866

و " ضرب الرِّقاب ": مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول (١). ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾: ظفرتم بهم، وأكثرتم فيهم القتلَ، وثقُل أمرُكم عليهم (٢). وأصلُ الثَّخْن: الثِّقَلُ (٣). ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾: إئسروهم، وشدُّوهم بالحبال والسيور المحكمَة الوثيقة (٤). ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾: أيْ: إمَّا أنْ تَمُنُّوا عليهم بعفوٍ من غير عوضٍ، وإمَّا أنْ تُفادوهم فِداءً بمالٍ. وقيل: إِمَّا ﴿مَنًّا﴾ بالعتق (٥)، ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾ بالبيع (٦). والفداءُ ها هنا مصدرُ: (فادى)، فهو ممدودٌ مكسورٌ. وإذا كان من (فدَيتُ): جاز فيه المدُّ مفتوحاً، ومكسوراً، ومضموماً، وجاز القصرُ مضموماً لا غير (٧). ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾: ﴿حَتَّى﴾ متّصلٌ بالقتل والأسر. الحسن: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ ... حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٨). والمعنى عند الفرّاء: " حتى تضعَ حربُكم أوزارَ كفرِكم بالإسلام، أي: آثامكم، فلا يبقى إلاّ مسلمٌ أو مسالِمٌ" (٩).

стр. 2867

قتادة: "حتى لا يكونَ شركٌ (١) " (٢). مجاهدُ وسعيدُ: " حتى يخرجَ عيسى بن مريمَ ﵇ " (٣). وروى أبو هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((يوشكُ مَن عاش منكم أنْ يلقى عيسى إماماً هادياً وحكَماً عدْلاً، يكسرُ الصليبَ، ويقتلُ الخنزيرَ، وتضع الحرب أوزارها، حتى تدخلَ (٤) كلمةُ الإخلاص كلَّ بيتٍ من وَبَرٍ أو مَدَرٍ، بعزِّ عزيزٍ أو ذُلّ ذليلٍ، ويبتزُّ قريشاً الإمارةَ)) (٥)، أي: ينزعُها عنهم. وقيل: حتى يضعَ أهلُ الحرب أوزارَ الحرب، وهي السلاح. وفسّره الأعْشَى (٦): رماحاً وخيلاً ودروعاً (٧).

стр. 2868

وقيل: حتى تضعَ (١) الحربُ ثِقَلَها عنكم، وتخفَّ عليكم (٢). وقيل: الحربُ جمعُ حاربٍ، فلا يحتاجُ إلى إضمار الأهل. وفي النسخ أقوالٌ: قال بعضهم: الآيةُ منسوخةٌ، وهي في أهل الأوثان، لا يجوزُ أنْ يُفادوا ولا يُمنُّ عليهم، والناسخُ لها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، [التوبة: (٥)]. وقال بعضُهم: هي ناسخةٌ، ولا يجوزُ أنْ يُقتَلَ الأسيرُ ولكنْ يُمَنُّ عليه أو يُفادي. وقال بعضُهم: لا يجوزُ الأسرُ إلاّ بعدَ الإثخان والقتل، فإذا أُسرَ العدوُّ بعد ذلك فللإمامِ أنْ يحكمَ فيه بما يرى من قتلٍ أو منٍّ أو مفاداةٍ (٣) (٤). ﴿ذَلِكَ﴾: أي الحكم فيهم ذلك. فهو مبتدأٌ وخبرٌ، وقيل: أفعل بهم ذلك، فهو نصبٌ.

стр. 2869

﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾: بغير قتالٍ، أو بغيركم، أو بالملائكة، أو يُسلّطُ عليهم أضعفَ خلقِه. ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾: يمتحنكم بمقاتلة الكفُّار؛ ليظهر المحقُّ من المبطِلِ، فيُجازيكم على ما يظهر. ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أيْ: الشهداء. وقُرئ: ﴿قَاتَلُوا﴾، أيْ: المجاهدين (١). ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾: خلافَ الكفَّار. ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾: إلى الثواب، يعني: الشهداء، وقيل: يُثَبِّتُهم على الهدايةِ، يعني: المجاهدين، وقيل: سيهديهم إلى جواب المُنْكَر والنَّكِير في القبر. ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥)﴾: أمرُ معاشهم في الدنيا، وقيل: حالُهم في النعيم. وكُرِّر؛ لأن الأولَ سببُ النعيم، والثاني نفسُ النعيم (٢). ويحتمل على قول النقّاش: " قلوبهم " (٣) بإخراج الغلِّ منها. ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾: جعلَ كلَّ واحدٍ يعرفُ منزلَه من الجنة (٤). وقيل: يُعرِّفُها لهم الحفَظَةُ. ابن عيسى: ﴿عَرَّفَهَا﴾ بوصفها [على مايُشَوِّق إليها ليعملوا بما يستوجبونها " (٥).

стр. 2870

وقيل: عَرَّفهم حال الجنة ومآلهم فيها بما وصفها] (١) به في القرآن ". وقيل: طيّبها لهم، من العَرْف، وهو: الريحُ الطَّيِّبةُ التي تقبلُها النفسُ. وقيل: عَرَّف أهلَ السماءِ أنها لهم. حكاه الماورديّ (٢). وقيل: عَرّف أن طريقَ الوصول إليها بالحسنات (٣). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾: أي: نبيَّ الله بالجهادِ معه لإظهار (٤) دين الله (٥). ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾: على عدوّكم. ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾: يُشجّعْكم ويقوِّيكم فتَثبتوا (٦) وتُنصروا. وقيل: يُثبِّتُ أقدامَكم على الصراطِ. قتادة: " حقٌّ على الله أنْ ينصرَ مَن نصره؛ لقوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وأنْ يزيدَ مَن شكره؛ لقوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وأن يذكرَ مَن ذكره؛ لقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وأنْ يُوفِّي بعهده (٧)؛ لقوله: ... ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] " (٨). ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ في الدنيا بالقتل، وفي العُقبى بالتردِّي في النار، أي: عثاراً لهم، ضدّ الانتعاش وتثبيت الأقدام. وقيل: ﴿تَعْسًا﴾: هلاكاً، وكسْراً، وحُزناً، وبُعداً، وشقاءً، وشتماً، وخيبةً، وقُبحاً، ورغْماً.

стр. 2871

هذا كلُّه كلامُ المفسِّرين (١)، والوجه هو الأول، والمعنى: تعسِهم الله فَتَعِسُوا تعساً، ولهذا عطف عليه بالفعلِ، فقال: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾: أي: التي لولا كفرُهم لكانتْ حسناتٍ. ﴿ذَلِكَ﴾: أي: التعْسُ والإضلالُ (٢) ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: بسبب أنهم. ﴿كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: استثقلوا القرآن. ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾: فلم ينالوا بها خيراً. ابن عيسى: "إنما كَرَّر ليكونَ كلَّما ذُكروا وُصل ذكرُهم بالذمّ والتحقير والإخبار بسوء الحال " (٣). ﴿* أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: يعني: كفارَ أمَّتكَ. ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: استفهامٌ بمعنى الأمر، أي: سيروا. وقيل: بمعنى الخبر، أي: ساروا في الأرض، فهلاّ اعتبروا بما رأوا من سوء عاقبة مَن تقدَّمهم مِمَّن فعلوا فعلَهم. وقيل: هلاّ قرؤوا القرآن ليعرفوا حالَ مَن تقدَّمهم، فيعتبروا. قوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾: يجوزُ أنْ يكونَ جزماً على اللفظ (٤)، ويجوزُ أنْ يكونَ نصباً على الجواب (٥). ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أهلكهم إهلاكَ استئصال (٦). ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾: ولمشركي قريشٍ.

стр. 2872

﴿أَمْثَالُهَا (١٠)﴾: أمثالُ تلك العقوبات وتلك العاقبة. ﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى النصْر والتَّعْس. ﴿بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: أي: وليُّهم وناصرُهم. ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾: لا من الله سبحانه، ولا من غيره. وسأل عليّ ﵁ ابنَ الكواء (١): مَن رب السماوات؟ فقال: الله، فقال: مَن مولى الناس؟ فقال: الله، فقال: كذبتَ؛ ﴿اللَّه مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (٢). المبرّد: " الله مولى العبد من ثلاثة أوجه: الاختراعُ، وملكُ التصرُّف فيه، وهو غيرُ الاختراع، والنُّصرةُ والوِلايةُ. فهو وليُّ المؤمنين والكافرين من جهة الاختراع والتصرُّف فيهم، ومولى المؤمنين خاصّةً من جهة النُّصرة والوِلاية " (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ كلُّ ما اغترفتَ منه فهو تحتك. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾: بنعيم الدنيا. ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾: شبَّهَهُم بالأنعام لأكلِهم بالشَّرَه والنَّهَم، ولجهلِهم عاقبة أمرِهم وما يجبُ عليهم معرفتُه، ولتركِهم الاستدلال بالآيات، ولأن الأكلَ على وجهين: أكلُ الشهوة والمصلحةِ، وهو أكلُ العاقل، وأكلُ الشهوة (٤) فقط، وهو أكلُ الأنعامِ والبهائمِ.

стр. 2873

﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾: يجوزُ أنْ يكونَ " المثوى" في محلِّ رفعٍ بالخبر، ويجوزُ أنْ يكونَ في محلِّ نصبٍ بالحال، و ﴿لَهُمْ﴾ (١) الخبر (٢). ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أي: وكم من قريةٍ؟، فهي للتكثير (٣)، والمعنى: أهل قريةٍ. ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾: أي: أخرجك أهلُها. ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: بأنواع العذاب. ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾: لم يكنْ لهم مَن ينصرُهم ويدفعُ العذابَ عنهم. وقيل: ولا ناصر لهم الآن فينتقمَ لهم. ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [على حُجَّة وبرهانٍ، وعقلٍ وتبيانٍ. قيل: هو محمد ﷺ ، والبينة: القرآن. وقيل: هم المؤمنون، والبينة: معجزة للنبي] (٤) (٥). ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: زيّن له (٦) الشيطانُ، وسوَّلتْ له نفسُه (٧). ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)﴾: جُمع على معنى ﴿مَن﴾ (٨). وقيل: هم جميعُ الكفّار، وقيل: الاثنا عشر الذين (٩) تقدّم ذكرُهم، وقيل: هم الكافرون.

стр. 2874

﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾: المَثَلُ والمِثْلُ واحدٌ. ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: وُعدوا في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الحج: (١٤)] (١). و ﴿الْمُتَّقُونَ﴾: أمةُ محمد ﷺ . ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾: أي: جنةٌ فيها أنهارٌ، فحُذف الموصوفُ، وأُقيمت الصفةُ مقامَه. وفيه ضعفٌ عند سيبويه (٢). وأكثرُهم على أن معنى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾: صفةُ الجنة (٣) (٤)، كقوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾، [الفتح: ٩٢]، فيكونُ أيضاً مبتدأً خبره محذوف، والتقدير: صفةُ الجنة فيما نقصُّ (٥) عليكم، ثم شرع في قصَّتها. وقيل: (المثَلُ) زيادةٌ، كما يُزاد المِثْل، والتقدير: الجنةُ التي وُعدَ المتّقون فيها أنهارٌ. [فـ ﴿الْجَنَّةِ﴾ مبتدأٌ، و ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ خبرُه (٦). الكِسَائيّ (٧): " مَثَلُ أصحابِ الجنةِ كمَن هو خالدٌ في النار " (٨).

стр. 2875

﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾] (١) جمعُ نهرٍ. ابن بحرٍ: " يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بها الأنهار (٢) المعروفةَ، ويجوزُ أنْ يكونَ عبارةً عن كثرةِ هذه الأشياء وسعتِها فيها " (٣). ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ﴾: أي: غيرُ متغَيِّرِ الرِّيحِ (٤) والطَّعم واللَّون، من قولهم: أسِن الرجلُ إذا أُغُشيَ عليه (٥) من ريحٍ خبيثةٍ (٦). و ﴿أسِنٍ﴾ - بالقصر - في الحال، و ﴿آسن﴾ - بالمدّ - في المآل (٧)، كما تقول: عَوِرَ وحَوِلَ اليومَ، وعاوِرَ وحاوِلَ غداً. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾: إلى حُموضةٍ وغيرِها مما يعتري الألبان في الدنيا؛ لأنه لم يخرجْ من ضرعٍ (٨). ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾: لذيذٌ طعمُها. المبرّدُ " شرابٌ لذٌّ ولذيذٌ، كطَبٌّ وطبيبٌ، فتكونُ (٩) التاءُ لتأنيثِ الخمرِ " (١٠). وقيل: مصدرٌ، وتقديرُه: خمرٌ ذاتُ لذّةٍ، تُطرِبُ ولا تُسكِرُ ولا تَصرَعُ، وليس بحامضٍ ولا مرٍّ ولا منتنٍ؛ لأنها لم تُعصرٍ بالأيدي والأرجلِ.
следующие страницы →