← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

هذا كلُّه كلامُ المفسِّرين (١)، والوجه هو الأول، والمعنى: تعسِهم الله فَتَعِسُوا تعساً، ولهذا عطف عليه بالفعلِ، فقال: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾: أي: التي لولا كفرُهم لكانتْ حسناتٍ. ﴿ذَلِكَ﴾: أي: التعْسُ والإضلالُ (٢) ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: بسبب أنهم. ﴿كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: استثقلوا القرآن. ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾: فلم ينالوا بها خيراً. ابن عيسى: "إنما كَرَّر ليكونَ كلَّما ذُكروا وُصل ذكرُهم بالذمّ والتحقير والإخبار بسوء الحال " (٣). ﴿* أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: يعني: كفارَ أمَّتكَ. ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: استفهامٌ بمعنى الأمر، أي: سيروا. وقيل: بمعنى الخبر، أي: ساروا في الأرض، فهلاّ اعتبروا بما رأوا من سوء عاقبة مَن تقدَّمهم مِمَّن فعلوا فعلَهم. وقيل: هلاّ قرؤوا القرآن ليعرفوا حالَ مَن تقدَّمهم، فيعتبروا. قوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾: يجوزُ أنْ يكونَ جزماً على اللفظ (٤)، ويجوزُ أنْ يكونَ نصباً على الجواب (٥). ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أهلكهم إهلاكَ استئصال (٦). ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾: ولمشركي قريشٍ.

стр. 2872

﴿أَمْثَالُهَا (١٠)﴾: أمثالُ تلك العقوبات وتلك العاقبة. ﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى النصْر والتَّعْس. ﴿بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: أي: وليُّهم وناصرُهم. ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾: لا من الله سبحانه، ولا من غيره. وسأل عليّ ﵁ ابنَ الكواء (١): مَن رب السماوات؟ فقال: الله، فقال: مَن مولى الناس؟ فقال: الله، فقال: كذبتَ؛ ﴿اللَّه مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (٢). المبرّد: " الله مولى العبد من ثلاثة أوجه: الاختراعُ، وملكُ التصرُّف فيه، وهو غيرُ الاختراع، والنُّصرةُ والوِلايةُ. فهو وليُّ المؤمنين والكافرين من جهة الاختراع والتصرُّف فيهم، ومولى المؤمنين خاصّةً من جهة النُّصرة والوِلاية " (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ كلُّ ما اغترفتَ منه فهو تحتك. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾: بنعيم الدنيا. ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾: شبَّهَهُم بالأنعام لأكلِهم بالشَّرَه والنَّهَم، ولجهلِهم عاقبة أمرِهم وما يجبُ عليهم معرفتُه، ولتركِهم الاستدلال بالآيات، ولأن الأكلَ على وجهين: أكلُ الشهوة والمصلحةِ، وهو أكلُ العاقل، وأكلُ الشهوة (٤) فقط، وهو أكلُ الأنعامِ والبهائمِ.

стр. 2873

﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾: يجوزُ أنْ يكونَ " المثوى" في محلِّ رفعٍ بالخبر، ويجوزُ أنْ يكونَ في محلِّ نصبٍ بالحال، و ﴿لَهُمْ﴾ (١) الخبر (٢). ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أي: وكم من قريةٍ؟، فهي للتكثير (٣)، والمعنى: أهل قريةٍ. ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾: أي: أخرجك أهلُها. ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: بأنواع العذاب. ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾: لم يكنْ لهم مَن ينصرُهم ويدفعُ العذابَ عنهم. وقيل: ولا ناصر لهم الآن فينتقمَ لهم. ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [على حُجَّة وبرهانٍ، وعقلٍ وتبيانٍ. قيل: هو محمد ﷺ ، والبينة: القرآن. وقيل: هم المؤمنون، والبينة: معجزة للنبي] (٤) (٥). ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: زيّن له (٦) الشيطانُ، وسوَّلتْ له نفسُه (٧). ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)﴾: جُمع على معنى ﴿مَن﴾ (٨). وقيل: هم جميعُ الكفّار، وقيل: الاثنا عشر الذين (٩) تقدّم ذكرُهم، وقيل: هم الكافرون.

стр. 2874

﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾: المَثَلُ والمِثْلُ واحدٌ. ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: وُعدوا في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الحج: (١٤)] (١). و ﴿الْمُتَّقُونَ﴾: أمةُ محمد ﷺ . ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾: أي: جنةٌ فيها أنهارٌ، فحُذف الموصوفُ، وأُقيمت الصفةُ مقامَه. وفيه ضعفٌ عند سيبويه (٢). وأكثرُهم على أن معنى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾: صفةُ الجنة (٣) (٤)، كقوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾، [الفتح: ٩٢]، فيكونُ أيضاً مبتدأً خبره محذوف، والتقدير: صفةُ الجنة فيما نقصُّ (٥) عليكم، ثم شرع في قصَّتها. وقيل: (المثَلُ) زيادةٌ، كما يُزاد المِثْل، والتقدير: الجنةُ التي وُعدَ المتّقون فيها أنهارٌ. [فـ ﴿الْجَنَّةِ﴾ مبتدأٌ، و ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ خبرُه (٦). الكِسَائيّ (٧): " مَثَلُ أصحابِ الجنةِ كمَن هو خالدٌ في النار " (٨).

стр. 2875

﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾] (١) جمعُ نهرٍ. ابن بحرٍ: " يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بها الأنهار (٢) المعروفةَ، ويجوزُ أنْ يكونَ عبارةً عن كثرةِ هذه الأشياء وسعتِها فيها " (٣). ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ﴾: أي: غيرُ متغَيِّرِ الرِّيحِ (٤) والطَّعم واللَّون، من قولهم: أسِن الرجلُ إذا أُغُشيَ عليه (٥) من ريحٍ خبيثةٍ (٦). و ﴿أسِنٍ﴾ - بالقصر - في الحال، و ﴿آسن﴾ - بالمدّ - في المآل (٧)، كما تقول: عَوِرَ وحَوِلَ اليومَ، وعاوِرَ وحاوِلَ غداً. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾: إلى حُموضةٍ وغيرِها مما يعتري الألبان في الدنيا؛ لأنه لم يخرجْ من ضرعٍ (٨). ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾: لذيذٌ طعمُها. المبرّدُ " شرابٌ لذٌّ ولذيذٌ، كطَبٌّ وطبيبٌ، فتكونُ (٩) التاءُ لتأنيثِ الخمرِ " (١٠). وقيل: مصدرٌ، وتقديرُه: خمرٌ ذاتُ لذّةٍ، تُطرِبُ ولا تُسكِرُ ولا تَصرَعُ، وليس بحامضٍ ولا مرٍّ ولا منتنٍ؛ لأنها لم تُعصرٍ بالأيدي والأرجلِ.

стр. 2876

﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ من الشمعِ والرَّغوة والعكر والكَدَر؛ لأنه لم يخرجْ من ... بطنٍ (١). ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: مما يُعرَفُ، وما لا يُعرَفُ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: وسترُ الذنوبِ وتركُ العِتابِ والتذكيرِ، وفيه كمالُ لذّاتِهم - جعلنا الله من أهل الجنةِ بسعة طَولِه وفضلِه، إنه جوادٌ كريمٌ -. ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾: حارَّاً في النهايةِ. ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾: مجاري شرابِهم إذا دخل أجوافَهم. قولُه: ﴿كَمَنْ هُوَ﴾: تقديرُه: أفمَن هو خالدٌ في الجنةِ كمن هو خالدٌ في النار. فحذف إحدى الجملتين؛ لأن ما قبلَها يدلُّ عليها، كما حُذفت الجملةُ الثانيةُ في كثيرٍ من المواضعِ في القرآن وغيره (٢). الكسائيّ: " مَثَلُ أصحابِ الجنةِ كمن هو خالدٌ في النار " (٣). وقد سبق. وقيل: هو عطفٌ على ﴿كَمَنْ زُيِّنَ﴾، فحذف الواو. ويحتملُ: أنه بدلٌ منه، فلا يحتاجُ إلى الواو. ﴿وَمِنْهُمْ﴾: من الكافرين، وقيل: من المنافقين. ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾: أي: إلى خطابكَ يومَ الجمعةِ، وقد يكونُ فيها عيبُ المنافقين (٤). وقيل: كان عبدُ اللهِ بنُ أبيّ بن سلولٍ، ورفاعةُ بن زيد (٥)، ومالكُ بنُ الجُعْشُم (٦)، وأصحابُهم يحضرون مجالسَ النبيِّ ﷺ والجمُعاتِ، ويسمعون كلامَه، ولا يعونه كما يعيه المسلمون (٧).

стр. 2877

﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا﴾: انصرفوا وخرج المسلمون. ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾: يا محمدُ ﴿قَالُوا﴾: أي: هؤلاء المنافقون. ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ... عكرمة: " هو ابنُ عباس ﵄ " (١). وروي عنه أنه قال: ((أنا ممن أُوتوا العلمَ بالقرآن)) (٢). قال عبدُ الله بنُ بريدةَ (٣): هو ابنُ مسعودٍ ﵁ (٤). وقيل: هو (٥) أبو الدَّرْدَاء (٦).

стр. 2878

وقيل: هم الصحابةُ (١) (٢). ﴿مَاذَا قَالَ آَنِفًا﴾: أيُّ شيءٍ قال محمدٌ الآن. وسؤالُهم هذا استهزاءٌ وإعلامٌ أنهم لم يلتفتوا إلى ما قاله. وقيل: سؤالُ بحثٍ عمَّا لم يفهموه. ﴿آَنِفًا﴾ أي: في ساعتِنا هذه، من قولهم: استأنفتُ الأمرَ: إذا ابتدأتَه. وأنفُ (٣) كلِّ شيءٍ: ما تقدَّم منه. و ﴿آَنِفًا﴾: وزنُه فاعلٌ، وليس من لفظ فَعَلَ ثُلاثيّ، إنما يُقالُ: ائتنفَ الكلامَ ائتنافاً: إذا ابتدأ به واستأنفت (٤) الأمرَ، كما تقولُ من فقير ورفيعٍ: افتقر وارتفع (٥). ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: عُقوبةً لهم. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)﴾: ركبوا رؤوسَهم. ابنُ عيسى: "الهوى: رقةُ ميلِ القلبِ كرقّة هواءِ الجوّ " (٦). ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾: بالإيمان والاستماع إلى القرآن.

стр. 2879

﴿زَادَهُمْ﴾: اللهُ، وقيل: استماعُ كلامِ النبي ﷺ ، وقيل: استهزاءُ المنافقين وإعراضُهم (١). ﴿هُدًى﴾: علماً وبصيرةً، وقيل: شرحَ صدرٍ ويقيناً، وقيل: تصديقاً. ﴿وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾: بيَّن لهم ما يتَّقون، وقيل: آتاهم جزاءَ تقواهم، وقيل: العملَ بالناسخِ دونَ المنسوخِ (٢). ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: أي: إتيانُها، فهو بدلٌ من الساعةِ. ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً. ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾: آياتُها وأعلامُها من انشقاقِ القمرِ وغيرِه. وقيل: هو النبي ﷺ ؛ فإنه قال: ((بُعثتُ والساعةَ كهاتين)) (٣)، وأشارَ بالسبابة والوُسطى، ولأن النبي ﷺ آخرُ الأنبياءِ وأُمتُه خيرُ الأمم (٤). ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾: من أين وكيف لهم؟. ﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾: أي: لا ينفعُهم إيمانُهم وتذكُّرُهم حينئذٍ. وتقديرُ الآية: أنى لهم الذكرى، كقوله: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، [الفجر: (٢٣)]. و" الذكرى": (٥) مبتدأٌ، ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾: خبرُه، وفاعل ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ مضمرٌ يعودُ (٦) إلى "الذكرى ".

стр. 2880

ويجوزُ أنْ يرتفعَ (١) " الذكرى " بالفعل، والمبتدأُ مقدَّرٌ دلَّ عليه الفاعلُ (٢). وقيل: وأنى لهم الذكرى إذا جاءتهم الساعةُ. وقيل: " الذكرى " (٣) دعاؤهم بأسمائهم في القيامة تبشيراً وتخويفاً. وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أحسِنوا أسماءكم؛ فإنكم تُدعَون يومَ القيامةِ: يا فلانُ قمْ إلى نورك، يا فلانُ قمْ فلا نورَ لكَ)) (٤) - نعوذ بالله - (٥). ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: أي: اعلم خبراً يقيناً ما علمتَه نظراً واستدلالاً. وقيل: معناه: فاذكر لا إله إلاّ اللهُ. وقيل: اثبتْ على العلم. وقيل: هذا خطابٌ للنبي ﷺ والمرادُ به أمتُه، واحداً بعدَ واحدٍ. والهاء في ﴿أَنَّهُ﴾ (٦): يعودُ إلى الأمرِ والشأن، ويَحتملُ أنه يعودُ إلى الله تعالى، فلمَّا كنَّى في الأول، وصرّح في الثاني. والفاءات في هذه الآياتِ لعطفِ جملةٍ على جملةٍ بينهما اتّصالٌ. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾: استغفر اللهَ لصغائر ذنوبك، وقيل: سلِ اللهَ العصمةَ من الذنوب. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: استغفرْ لذنوبهم، وقيل: هو أنْ يشفعَ لهم.

стр. 2881

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾: أي: تصرُّفُكم في الدنيا ومنزلكم فيها. وقيل: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾: منزلُكم في الدنيا، و ﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ [في الآخرةِ. وقيل: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾: في الأسفار، و ﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ في الحضر. وقيل: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾: منتشرَكم في النهار، و ﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ مستقرَّكم بالليل. وقيل: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾] (١): انقلابَكم من أصلابِ الآباءِ إلى الأرحام (٢)، ثم منها إلى الدنيا، ثم منها إلى القبور (٣)، ثم منها إلى الجنة أو إلى النار، - نعوذ بالله من النار - (٤). ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ ابنُ عيسى: " تمنَّوا نزولَ السورةِ؛ لأنهم كانوا يأنسون بنزول الوحي ويستوحشون لإبطائة " (٥). وقيل: اشتهوا نزولَ سورةٍ تدلُّ على لزومِ الحرب والقتال ليتحمّلوا المشقةَ ويعودوا بالمثوبةِ. وقيل: تمنوا نزولَ سورةٍ فيها القتالُ؛ لأنَّ في القتال إحدى الحسنين: الشهادة والجنة، أو الظَّفَر والغنيمة. الفرّاءُ: "كان المؤمنون يكرهون القتالَ، فإذا نزلت سورةٌ فيها القتالُ توقَّعوا نسخَها فقال الله: ... ﴿فَأَوْلَى﴾ لمن كرهها " (٦). واستضعف هذا القول منه المفسرون (٧) (٨).

стр. 2882

﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾: مبيِّنةٌ (١) ما فيها، كقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ﴾ [هود: (١)]. وذكرُ المحكمِ والمتشابهِ قد سبق (٢). وقيل: محكمةٌ فيها أحكامُ الغزو. قتادةُ: " كلُّ سورةٍ ذُكر فيها القتالُ محكَمةٌ، وهي أشدُّها على المنافقين " (٣). وقيل: محكَمةٌ فيها الحلالُ والحرامُ. وقيل: محكَمةٌ أي: " محدَثةٌ "، وهكذا هو في مصحفِ ابنِ مسعودٍ ﵁ (٤). ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾: أُمر فيها الجهادُ (٥). ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: شكٌّ ونفاقٌ. ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ﴾ يَشخصون نحوَك بأبصارِهم فينظرون نظراً حديداً، كما ينظرُ الشاخصُ بصره (٦) عندَ الموت لكراهتهم القتالَ (٧). وقيل: يُبهتونَ كراهةَ القتالِ كأنهم مغشيٌّ عليهم غشيةً وغمَّاً وجزعاً. وقيل: شبههم به للدهش وزوال العقل. ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: قيل: متَّصلٌ بالنظرِ، أي: ينظرون خوفاً من الموت. وقيل: متَّصلٌ بالغشية، كما ذكرتُ.

стр. 2883

﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠)﴾: كلمة تحذير أي: وَلِيَكَ شرٌّ فاحذرْه، هذه عبارةُ كثيرٍ من المفسرين (١). وقيل: العقابُ أولى لهم، [أي: أولى الأشياءِ لهم أنْ يُعاقبوا. وقيل: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: أولى لهم] (٢) من الجزعِ عند الجهاد، فلا يكونُ حينئذٍ للوعيد. ويُحتملُ أن ﴿أَوْلَى﴾ اسمٌ على وزن أفعل، جُعل علَماً للتهديدِ والوعيد، فلم ينصرفْ. ويجوزُ أنْ يكونَ أفعل للتفضيل، أي: أولى الأشياء بك كذا، كما ذكرت. ويجوزُ أنْ يكونَ فعلاً متعدياً من (وَلِيَ)، أي: أولاه اللهُ المكروهَ، كثُرَ استعمالُها، فحُذف بعضُها للعلم به. ويجوزُ أنْ يكونَ " فعلى " من (آل، يؤول)، أي: يؤولُ أمرُك إلى شرٍّ فاحذرْه (٣). وذُكر عن ابن عباسٍ ﵄ أنه قال: ﴿أَوْلَى﴾ وعيدٌ، والكلامُ به تامٌّ، ثم قال ... ﴿لَهُمْ﴾، أي: للمؤمنين. ﴿طَاعَةٌ﴾ لله ولرسوله، ﴿وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾. حكاه الفرّاء، ثم قال: ((وكلامُ العرب عندنا أن يكونَ ﴿لَهُمْ﴾: متّصلاً بـ ﴿فَأَوْلَى﴾)) (٤). المبردُ: " يُقال للإنسان إذا كاد يعطب، ثم أفلت: أولى لك، أي: قاربتَ العطَب ثم نجوتَ، قال: وهو في القرآن على معنى التحذير " (٥). وقول الشاعر (يتلهَّف على الصيد): فلو كان " أولى " يُطعم (٦) القوم صدتها ... ولكن " أولى " يُتركُ القومُ جُوَّعا (٧) (٨)

стр. 2884

أنشده بعضُهم حجّةً لما قاله ابنُ عباس. والله أعلم. ﴿طَاعَةٌ﴾: أي طاعةٌ لله. ﴿وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: أي حسن، وقيل: ما عُرف صحّتُه خيرٌ من الجزع عند فرض الجهاد، فهو مبتدأٌ محذوفُ الخبر. وقيل: أمرنا ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾، فيكونُ خبرَ مبتدأ محذوف، وهذا حسنٌ. وقيل: هذا أمرٌ للمنافقين (١)، أي: قولوا ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾. وقيل: هذا كان منهم قبلَ الأمر بالجهاد، فلما أُمروا به امتنعوا عنه. ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾: جدَّ الأمرُ ولزم فرضُ القتال، أي: صار الأمرُ معزوماً عليه، كذبوا ونكلوا، وهذا جواب ﴿إِذَا﴾. ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾: في الإيمان والجهاد. ﴿لَكَانَ﴾: الصدقُ. ﴿خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾: من الكفر وكراهة الجهاد. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: فلعلّكم (٢) إنْ أعرضتم عن الإسلام والطاعة وما جاء به محمدٌ ﷺ . ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾: تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من قطيعة الرحم، وقتل بعضِكم بعضاً (٣).

стр. 2885

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: أبعدهم اللهُ من رحمته. ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾: فلا يسمعون الحقَّ. ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾: فلا يهتدون سبيلاً. وقيل: معناه: أتظنون إنْ تركتم النبيَّ وأعرضتم عن الإسلام تُتركون أنْ تُعاوِدوا ما كنتم عليه من قبلُ من الغارات، وتخريب البلاد، وقتلِ بعضِكم بعضاً من ذوي الرحم، كلاّ، فإن اللهَ يحولُ بينكم وبين ذلك. فيكون توليتم من الإعراض. وقيل: لعلّكم ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أمورَ الناس ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾: بالظلم. وقيل: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ الحكم، فجعلكم حكّاماً، ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾: بأخذ الرِّشى، فيكونُ من التولية. والمخاطَبون: هم المنافقون، وقيل: قريشٌ. ورُويَ عن المُزَنِيّ (١): أنهم الخَوَارِج (٢). حكاه الماورديّ (٣). وجزاء ﴿أَنْ﴾ محذوفٌ، دلَّ عليه ما قبلَه.

стр. 2886

و ﴿أَنْ تُفْسِدُوا﴾: في محلّ نصبٍ بـ"عسى ". ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾: فيعرفون ما لهم وما عليهم. ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾: فأضاف الأقفالَ إلى القلوب (١)؛ لأنه ليست من حديدٍ، إنما هي طبع وختمٌ، ورَينٌ أو غِشاءٌ وغِلافٌ، ممّا وُصف قلوبُ الكفّار به، وذلك أقفال ... القلوب. وقيل: هذا جوابٌ لهم حين قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾، [فصلت: ٥]، و ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، [البقرة: ٨٨]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾: كفروا بمحمد ﷺ ، يريد: اليهود (٢). ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾: يُريد في التوراة؛ فإنَّ فيها صفةَ ﷺ ونعتِه. وقيل: هم المنافقون ارتدُّوا بعدما سمعوا القرآن. ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾: زيّن لهم خطاياهم. المفضَّلُ: " مَنَّاهم، والسُّوَال: الأمنية " (٣). ابنُ بحرٍ: " لفظ ﴿سَوَّلَ﴾: من السُّول (٤)، وهو: ما يتمنّاه الإنسانُ في نفسِه، وكأنه دعاهم إلى ما كانوا يُريدون، فوافق لهم سُؤلَهم وأمنيّتَهم " (٥). وتمَّ الكلام، ثم قال:

стр. 2887

﴿وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾: أي ﴿وَأَمْلَى﴾ اللهُ وأمهلهم في العمر، وأخَّر عنهم العذابَ، ... والمعنى: أمدَّ لهم في الآجال ملاوةً من الدهر (١) (٢). وقُرئ: ﴿وَأُمْلِيَ لَهُمْ﴾: على المجهول (٣). وقُرئ: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾: مرسَلةَ الياء (٤). وقيل: الشيطانُ، ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾: أي طوَّل أملَهم فاغترُّوا به. ﴿ذَلِكَ﴾: أي ذلك الإملاء، وقيل: الإضلال. ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾: قيل: هم الذين يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ. وقيل: كرهوا أنْ يُؤمنوا بما نزّل الله. ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾: قالت اليهود للمنافقين (٥). ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾، يعنون: كتم نعتٍ محمد ﷺ وتكذيبه. وقيل: قال المنافقون لليهود ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾: عداوةِ محمدٍ، والقعودِ عن نُصرته، والميلِ إليكم، والتظاهرِ عليه، والارتدادِ بعدَ الإيمان. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾: فيما بينهم في هذا الكلام (٦).

стр. 2888

وقُرئ: ﴿إِسْرَارَهُمْ﴾: على المصدر (١). وقيل: يعلم اعتقادَهم هذا، وما أسرُّوه في أنفسِهم. ﴿فَكَيْفَ﴾: أي فكيف حالُهم. ﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: يصفُ عظيمَ ما حلَّ بهم. وقيل: فكيف لا يعلم ما يحلُّ بهم عند الموت. وقيل: كيف يُنافقون ﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وعرفنا أَسْرَارَهُمْ. ثم ذكر حالَهم فقال: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾: أي: ﴿وُجُوهَهُمْ﴾ عند الموت ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾: حالةَ السَّوق إلى النار. وقيل: يُريدُ حالةَ القتال: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ عند الطَّلَب ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ عندَ الهرَب (٢). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ﴾: أي: ﴿ذَلِكَ﴾ الضرب ﴿بِـ﴾ سبب ﴿أَنَّهُمُ﴾. ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾: يعني المعاصي ومعاونة المشركين. وقيل: كتمان صفة محمدٍ ﷺ ونعته. ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾: ما يرضاه من الطاعة ونُصرة المؤمنين. ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾.

стр. 2889

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩)﴾: حقدَهم وغشّهم، وحسدَهم، وعداوتَهم (١). والضغن: إضمارُ سوءٍ يتربّصُ به إمكانَ الفرصة (٢). ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾: أي: لو نشاءُ لعرّفناكهم بأعينهم، بأنْ نجعلَ على وُجوههم علامةً تعرفهم بها. واللاّم الأولى جوابُ ﴿لَوْ﴾، والثانيةُ تكرارُ لها وزيادةٌ. ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾: أي في فحوى كلامِهم ومتضمّنه، فإنهم لا يقدرون على كتمان ما في أنفسهم. واللَّحن: ذهابُ الكلامِ إلى خلاف جهتِه (٣). الكلبيُّ: لحنُ القول: كذبُه، قال: " لم يتكلَّمْ بعد نزولها منافقٌ عند رسولِ الله ﷺ ، إلاّ عرفه " (٤). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾: يراها، ظاهرَها وباطنِها، ويُميِّزُ خيرَها من شرِّها. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: نُعاملكم معاملةَ المبتلى. ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾: أي: نعلمُهم عِياناً، كما علمناهم غياباً؛ فإن المجازاة تقعُ على ما يظهر منهم. والمجاهدون: هم الغزاةُ. وقيل: الزاهدون في الدنيا، والصابرون على الجهاد، وقيل: عن الدنيا (٥).

стр. 2890

﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾: أسرارَكم، وقيل: ما ستفعلونه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: يعني: المُطعِمينَ يومَ بدرٍ. وقد سبق (١). ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾: عادَوه. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾: أي: بعد ما ظهر لهم أنه الحقُّ، وعرفوا الرسول. وقيل: نزلتْ في قومٍ آمنوا ثم ارتدُّوا (٢). ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾: بارتدادهم. ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢)﴾: يعني ثوابِ أعمالِهم، بسبب معاداتهم. وقيل: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾: كيدَهم على النبيِّ ﷺ والمؤمنين، ولهذا دخل عليه السين. ﴿* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قيل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ بتوحيده، و ﴿الرَّسُولَ﴾ بتصديقه. ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾: أي: احذروا مخالفةَ اللهِ ورسوله؛ فإنها مُبطلةٌ للحسنات. وقيل: لا تُبطلوها بالمعاصي والربا. وعن أبي العالية قال: ((كان أصحابُ رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضرُّ مع لا إله إلاّ الله ذنبٌ، كما لا ينفعُ مع الشرك عملٌ، حتى نزلت: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. (٣) فإنَّ الشرَّ يُبطِلُ الخيرَ، والخيرُ يُبطلُ الشرَّ، ومِلاكُ العمل: خواتمُه (٤). وقيل: لا يرجعون بعد الإيمان كفّاراً، ولا بعد الطاعة عصاةً.

стр. 2891

مقاتل: " نزلت في الذين يَمُنُّون إذا أسلموا " (١). ﴿ ... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)﴾. مقاتل: نزلت في رجلٍ سأل النبيَّ ﷺ عن والده، وقال: إنه كان مُحسناً في كفره، فقال: ... ((هو في النار))، فولَّى الرجلُ وهو يبكي، فدعاه، فقال: ((والدك، ووالدي، ووالدُ إبراهيمَ في النار))، فنزلت هذه الآية (٢). الكلبيُّ: نزلت في رؤساءِ أهل بدرٍ (٣) (٤). ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾: لا تضعفوا. ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾: أي: ولا تدعوا الكفّارَ إلى الصلح. ويجوزُ أنْ يكونَ نصباً بالجواب بالواو. والسَّلْمُ، والسِّلْم لغتان. وقيل: السَّلْمُ من الإسلام، كالنَّبات من الإنبات، والعَطاء من الإعطاء (٥). ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: عليهم. قيل: حال، وقيل: استئنافٌ ووعدٌ. ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾: بالنُّصرة. ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾: لن يُنقصَكم أجرَ أعمالِكم (٦).

стр. 2892

وقيل: لن يسلبكم أعمالَكم. وقيل: لن يطلبَكم (١)، وقيل: في أعمالِكم، فحُذف الجارُّ. والأول أظهر. ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: ينقطعان في أسرع مدَّةٍ. ابنُ بحرٍ: " ينقضيان عن غير عُقبى " (٢). وقيل: ذات لعبٍ ولهوٍ؛ لأن غالبَ أمرِ الناس فيها اللّعبُ واللهو. ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾: بالله ورسولِه. ﴿وَتَتَّقُوا﴾: الشركَ والمعاصي. ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦)﴾: لا يأمركم أنْ تخرجوا من جميع أموالِكم. وقيل: لا يسألكم أموالَكم لنفسه سبحانه، وقيل: لا يسألكم أموالَكم، إنما ذلك مالُه، وهو المُنعِمُ بإعطائه (٣). ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾: الإحفاء والإلحاف في المسألة: المبالغةُ فيها (٤). ابنُ بحرٍ: أحفيتُ المسألةَ إذا ألطفتُها وأنعمتُها، فبرزت فيها، من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] (٥). وقيل: الإحفاءُ: أنْ تأخذَ كلّ شيءٍ بيدكَ، كأنه جعله حافياً من المال عارياً منه، كالحافي الذي لا حذاءَ له. وقيل: ألحَّ عليكم وشدَّد. وقيل: لا يسألكم رسولي أموالَكم لنفسه.

стр. 2893

﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧)﴾: يبعث ذلك منكم حقداً يظهر ولا يخفى (١). وقيل: يصيرُ سبباً للأضغان؛ لأن المؤمنين لم يكنْ في قلوبهم أضغانٌ. وفاعل ﴿وَيُخْرِجْ﴾ هو الله على طريق التسبُّب، أي: ﴿وَيُخْرِجْ﴾ بامتناعِكم ﴿أَضْغَانَكُمْ﴾. وقيل: البخل هو الفاعل. وقيل: هذا خاصٌّ بالمنافقين (٢). ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ﴾: أي: كيف يأمركم بإخراج جميع أموالِكم، وقد دعاكم إلى إنفاق البعض في سبيل الله ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ ولا ينفق. و ﴿هَا﴾ للتنبيه، وكرّر مع ﴿ؤُلَاء﴾ للتوكيد. وقيل: جاز دخولُه على الضمير لمشاكلته المبهمَ في أنه معرفة، تصلحُ لكلّ مكنىً عنه (٣). الفرّاء: " دخلت للتقريب، والعرب إذا أرادت التقريبَ جعلت المكنَّى بين (ها)، و (ذا)، فقالت: ها أنت ذا قائماً، وربما أعادت، فقالت: ها أنت هذا قائماً " (٤). وقال بعضُهم: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ ها هنا موصولٌ، ﴿تُدْعَوْنَ﴾ صلتُه. وقيل: يا ﴿هَؤُلَاءِ﴾، وفيه بعدٌ. والكلامُ كما سبق. ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾: أي يضرُّ بذلك نفسَه. وقيل: تقديره: فإنما يبخلُ عن داعي نفسه، لا عن داعي ربِّه. وقيل ﴿عَنْ﴾ بمعنى (على)، أي: يبخل على نفسه بالجزاء والثواب.

стр. 2894

والبخلُ: منعُ الواجب وما يَقبُحُ منعُه (١). ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾: أي الغنيُّ عن إنفاقكم لا حاجةَ به إلى مالِكم. ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾: لا تستغنون عنه في دنياكم وأُخراكم. ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا﴾: تُعرضوا يا أهلَ مكةَ عن دينه وطاعتِه، واتّباعِ رسوله، والإنفاقِ في سبيله. ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: أقام مقامَكم قوماً آخرينَ أطوعَ منكم (٢). ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾: أي: في حال تولِّيكم إنْ تولّيتم، وليس يُريدُ به الحالةَ الأولى؛ لأنهم كانوا على أحسن حالٍ. وقيل: في جميع الأحوال. وقيل: إنهم العرب، والقوم المستبدَلُ بهم الملائكةُ. وزيّفه الزجّاجُ، وقال: القومُ لا يقعُ على الملائكة (٣). وقيل: قوماً بعد الذين خُوطبوا. وقيل: أهل اليمن. ورُوي أن النبيَّ ﷺ ((سُئل عن الذين يستبدلهم الله بهم، وكان سلمانُ إلى جنبه، فضرب فخذَه، وقال: ((هذا وقومُه)) (٤)، يعني: العجم. وفي خبرٍ آخَر أنه قال: ((والذي نفسي بيده، لو كان الدِّينُ منُوطاً بالثُّريا (٥) لتناولته رجالٌ من فارس (٦))) (٧).

стр. 2895

وكان أبو الدَّرْدَاء من الذين أوتوا العلم، فقال: أبشروا يا بني فرُّوخ (١) (٢). الكلبيُّ: شرط الاستبدالَ بهم بشرط تولِّيهم، ثم لم يتولَّوا، فلم يستبدلْ بهم (٣). والله أعلم.

стр. 2896

سورة الفتح (١) " تسع وعشرون آية " (٢) (٣) مدنيةٌ (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (١) في سبب النزول عن الزُّهريّ (٥) عن عُرْوةَ (٦) عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرمةَ (٧) ومروانَ بنِ الحكم قالا: أُنزلتْ سورةُ الفتحِ بين مكةَ والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها " (٨).

стр. 2897

وعن أنس: لما رجعنا من غزوة الحديبية، وقد حِيل بيننا وبين نُسكِنا فنحنُ بين الحُزْن والكآبة، أنزل الله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾، فقال ﷺ : ((لقد أُنزلَ عليَّ آيةٌ هي أحبُّ إليَّ من الدنيا كُلّها)) (١). وعن عطاءَ عن ابنِ عباس ﵄: أنَّ اليهودَ شَمَتوا بالنبيِّ ﷺ والمسلمين لما نزلت: ﴿مَا يُفْعَلُ بِي﴾، [الأحقاف: ٩]، فاشتدَّ ذلك على النبيّ ﷺ ، فأنزل الله ... ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فسُرَّ " (٢). والفتح، هو فتحُ خَيْبَر (٣). مجاهد: " هو فتحُ مكةَ " (٤). والجمهور على أنه يومُ الحديبية (٥).

стр. 2898

والحديبيةُ بئرٌ، وسُمِّيَ المكانُ بها، وكان قد غاض ماؤُها، فتمضمضَ فيها رسولُ اللهِ ﷺ فجاء بالماء حتّى عمتَّهم (١) (٢). وقيل: غرز فيها سهماً من كنانته، فجاش بالرِّواء (٣) حتى ضرب الناسُ عليه بعطَنٍ (٤). وسُمِّيَ يومَ الحديبية فتحاً؛ لأنَّه كان سببَ فتحِ مكةَ (٥). والمعنى: دنا فتحُه. وعن ابن شهابٍ (٦)، قال: " لم يكن في الإسلام فتحٌ أعظمَ من فتحِ الحديبية، وُضعتِ الحربُ، وأَمنَ الناسُ فتلاقَوا، ولم يكلَّمْ أحدٌ [بعقدِ الإسلام] (٧) إلاّ دخل فيه، وقد دخل في تلك السنين مثلُ مَن كان قبلَ ذلك أو أكثرُ " (٨). قال الشعبيُّ: " أصاب النبيُّ ﷺ في تلك الغزوة ما لم يُصبْ في غيرها، بُويعَ فيها بيعةَ الرضوان، وغُفرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّرَ، وظفرَ الرومُ على الفرس، وكان وَعد به فصحَّ صدقُه، وأُطعمَ نخيلَ خيبرَ، وقيل: نَفَلَ خيبرَ " (٩)، وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ بعد هجرته إلى المدينة أحبَّ أنْ يزورَ بيتَ اللهِ الحراِمَ بمكةَ، فخرج قاصداً نحوَه في سنة ستٍّ من الهجرة، وأمر مَن حوالي المدينة أنْ يخرجوا معه، فخرج أولو البصيرة، وتخلَّف مَن كان في قلبه مرضٌ من المنافقين، ظناً ﴿أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ فاستصحب سبعين بدنةً، لينحرَها بمكةَ، ولمّا كان بذي الحُلَيفة (١٠) قلّد الهديّ وأشعره وأحرمَ بالعمرة؛ لتعلم قريشٌ أنه لم يأتِ لقتالٍ، وأرسل عثمانَ إلى قريشٍ ليسألَهم أنْ يُمكّنوه وأصحابَه من الزيارةِ والطوافِ، فأبطأَ عليه رجوعُ عثمانَ، وأُرجف بقتله، فقال: لا نبرحُ حتى نناجزَ القومَ، ودعا أصحابَه إلى مبايعته على أنْ يُقتلوا قريشاً ولا يفرُّوا عنهم ولا يُولُّوهم أدبارَهم، وكانوا ألفاً وثلاثمائة، وقيل: ألفاً وأربعمائة، وقيل: ألفاً وخمسمائة، فبايعوه إلاّ جَدُّ بنَ قيسٍ (١١)، فإنه اختبأ تحت إبط ناقتِه، وهذه البيعةُ هي التي تُسمَّى ببيعة الرضوان، وكانت تحت الشجرة، وهي سَمُرَةٌ، وقيل: سِدْرةٌ، والأول أكثرُ في التفاسير، فرجع عثمانُ، ولم يُجبه قريش إلى ما سأل، وجاء عروةُ بنُ مسعودٍ لإيقاع صلحٍ، فلمّا رأى أصحابَ النبيَّ ﷺ قال: أي محمد، أرأيتَ إن استأصلت قومَك، هل سمعتَ بأحدٍ من العرب اجتاح أهلَه، على أني أرى وجوهاً وأشواباً خليقاً أنْ يفرُّوا ويدعوك، فشتمه أبو بكر، فلمّا عاد إلى قريشٍ قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، وغيرهم من الملوك، ما رأيت ملكاً يعظمُه أصحابُه ما يعظم أصحابُ محمدٍ محمداً، والله إنْ يتنخم نخامةً إلا وقعتْ في كفِّ رجلٍ منهم، فَدَلَكَ بها وجهَه وجلَده، وإذا أمرهم ابتدروا أمرَه، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتَهم عنده، وما يُحدُّون النظرَ إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خُطة رشدٍ فاقبلوها منه، فلمّا اتّفقوا على الصلح جاء سُهيلُ بنُ عمروٍ المخزوميُّ (١٢)، وتصالحوا على أنْ لا يدخلَ

стр. 2899

- ﷺ مكةَ سنتَه، بل يعودُ في القابل، ويُقيمُ بمكةَ ثلاثةَ أيامٍ، ثم ينصرفُ، فلمّا كتب عليٌّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: بسم الله الرحمن الرحيم، قال سُهَيلُ: ما نعرفُ الرحمنَ الرحيمَ، اكتبْ في قضيتنا: بسمك اللهمَّ، ولمّا كتب: محمد رسول الله، قال: لو علمنا أنك رسولُ الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله، فأجابه إلى الأمرين، وكتبه: هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً، صالحهم على أنه لا إغلالَ ولا إسْلال (١)، وعلى أن مَن قدم مكةَ من أصحاب محمدٍ حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمنٌ على دمه وماله، ومَن قدِم المدينةَ من قريشٍ مجتازاً إلى مصرَ والشام يبتغي من فضل الله فهو على دمه وماله آمنٌ، وعلى أن مَن جاءَ محمداً من قريشٍ فهو إليهم ردٌّ، ومَن جاء من أصحاب محمدٍ فهو لهم، واشتدَّ ذلك على المسلمين، فقال النبيُّ ﷺ : مَن جاءهم منا فأبعده الله، ومَن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإنْ علم اللهُ منه الإسلامَ جعل له مخرجاً. فلما فرغوا من الهُدنة نحر النبيُّ ﷺ وحلق، وفعلَ أصحابُه ذلك، فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، يُريدُ ما كان من أمر الحديبية (٢). والفتحُ قد يكونُ بالصلح. وقيل: كان هذا الفتحُ عن ترامٍ بالحجارةِ، ولم يكنَ قتالاً شديداً. والفتح: هو الظَّفَرُ بالمكان بصلحٍ أو حربٍ (٣)؛ لأن الموضعَ يكون مغلَقاً (٤)، فيُفتحُ، إمَّا بحربٍ أو هُدنةٍ وصلحٍ (٥). وقيل: المرادُ به فتحُ مكةَ، وعده اللهُ ذلك.

стр. 2900

ابنُ بحرٍ: " ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ معناه: أعلمناك فيما أنزلناه عليك من القرآن وأمَرْناك به من الدِّين أمراً مبيناً. وقد يُعبَّر عن العلم بالفتح، كقوله: ﴿* وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: (٥٩)]، أي: علم الغيب " (١). ابنُ عيسى: "الفتحُ: الفرَج المزيلُ للهمّ (٢)، ومنه فتحُ المسألة إذا انفرجت عن بيانٍ يُؤدِّي إلى الثقة " (٣). وقيل: الفتحُ القضاءُ والحُكمُ، والفتَّاح: القاضي، أي: حكمنا لك بهذه المهادنة. وقيل: أرشدناك إلى الإسلام. ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾: قيل: الفتح ليس بسبب للمغفرة (٤)، وإنما التقدير: إنا فتحنا لك فاستغفر ليغفرَ لك الله، ومثله: " إذا جاء نصر الله والفتح فسبح واستغفر " (٥) (٦).

стр. 2901

وإذا جُعل الفتح بمعنى الحكم فهو متّصلٌ به من غير إضمارٍ، وكذلك فيمَن جعله بمعنى العلم والإرشاد. وقيل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ﴾ بصبرك على ما امتحنتَ به. ابن الأنباريّ (١): " يجتمع لك المغفرة مع الفتح فتتم النعمة (٢) عليك" (٣). وذهب سَهل (٤) إلى أن اللاّمَ لامُ القسم، أي: ليغفرن الله، فلما حذفت النون كسرت اللام، وأنشد: إذا قال قَطْني قُلتُ آليتُ حِلفةً ... لِتُغْني عني ذا إنائكَ أجمعاً (٥) " (٦). وقد سبق (٧).

стр. 2902

وقيل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ بمجاهدتك ومقاتلتك (١) أهل مكة ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ فاللام متلق بالجهاد والقتال (٢). وقيل: المغفرة سبب للفتح (٣) أي لمغفرتنا لك ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا﴾ كما تقول أكرمتك لفضلك (٤). ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾: أي: تقدَّم النبوة. ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: بعدها. وقيل: قبل الفتح وبعده. وقيل: ما تقدم من ذنب آدم وحواء ﵉، وما تأخَّر ذنوب أمتك (٥). وقيل: ما وقع وما يقع على طريق الوعد مغفور. وقيل: أوّل ذُنُوبكَ وآخرهَا فَوحَّد (٦) لأنَّهُ إشارة إلى الجنس (٧). وقيل: هذا على وجه المبالغة، كما تقول: أعطى مَن رأى ومَن لم يَرَ (٨). ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾: بإعلاء دينك، وفتح البلاد على يدك. ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾: أي: يثبِّتك (٩) عليه. ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (٣): ذا عزٍ لا ذلَّ بعده أبداً.

стр. 2903

وقيل: مُعِزَّاً. وقيل: ممتنعاً على غيرك مثله. وقيل: عزيزاً لا يزيله ولا يعلوه عدوٌّ (١)، من قولهم: تمرّد ما رِدٌ وعزّ الأبلق (٢) ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ابن عيسى: " السَّكينة البصيرة التي تسكن إليها النَّفس " (٣). وقيل: السَّكينة: اسمٌ لما يَسكَن به الشيءُ أنْ يدومَ على ما هو عليه ولا يزول (٤). وقيل: السَّكينة: الصبر على أمر الله، والثقة بوعد الله، والتعظيم لأمر الله. ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ أي: يقيناً مع يقينهم. وقيل: إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله. وقيل: صبراً مع جهادهم. ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: كلُّهم عبيده (٥). وقيل: كل ما في السماوات والأرض بمنزلة الجُند له، لو شاء لانتصر به، كما ينتصر بالجند. وقيل: جنود السماوات: الملائكةُ، وجنودُ الأرض: الإنس والجن. وقيل: كلّها جنودٌ من حيث إنها (٦) تدل (٧) على الوحدانية. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾: بما فيهما (٨). ﴿حَكِيمًا (٤)﴾: بخلقهما.

стр. 2904

﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: في سبب النزول أنها متصلة بالأولى على ما حكينا قبُل أنها نزلت عند نزول قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: (٩)]، فلمَّا نزلت: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قال رجل من القوم: هنيئاً مريئاً لك يا نبيَّ الله، قد بيّنَ الله لنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١). ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: يغطيها، فهو بمعنى المغفرة، أي: يكفر عنهم سيئاتهم قبل أن يدخلهم الجنة ليدخلوها معرَّين من الآثام. وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: في الدار الآخرة. وقيل: في حكم الله، كما تقول: هذا عند الشافعي (٢) (٣) جائز. أي: في حكمه. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ (٤). وهذه اللام (٥) متعلقة بـ ﴿فَتَحْنَا﴾، ولم تدخل الواو؛ لأنَّ التقدير: [" إنَّا فتحنا ليغفر "] (٦)، " إنَّا فتحنا ليدخل المؤمنين " (٧).

стр. 2905

وقيل: متصل بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، وتقديره: " ليزدادوا إيماناً ليدخل المؤمنين "، فيكونُ بدلاً من قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا﴾ بدلَ الاشتمال. وقيل: متّصلٌ بقوله ﴿لِيَزْدَادُوا﴾ و ﴿لِيُدْخِلَ﴾. وقيل: متّصلٌ بالمعنى، وتقديرُه: ولله جنود السماوات والأرض، ولم ينتصرْ بهم، وانتصرَ بالمؤمنين ليدخل المؤمنين. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾: هو عطفٌ على ﴿لِيُدْخِلَ﴾ على الوجوه كلِّها (١). ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: هو ظنُّهم: ﴿أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ (٢). وقيل: ظنُّهم أن اللهَ ينصرُهم على رسوله والمؤمنين. وقيل: هو (٣) ظنُّهم أن لله شريكاً. وقيل: ظنُّهم أن لن يبعث الله أحداً. ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: أي يدورُ (٤) عليهم ويعودُ إليهم ضررُ ما دبّروا، ويقعُ الفسادُ والهلاك بهم.

стр. 2906

﴿السُّوء﴾ - بالضم - المصدر، ويصلحُ للاسم، وقد جاء مجموعاً نحو الأسواء. و ﴿السَّوْءِ﴾ بالفتح - النعت (١). و ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾: أي: ظن الأمر السَّوء، فيكونُ من باب مسجد الجامع، وصلاة الأُولى. ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: انتقم منهم (٢). ﴿وَلَعَنَهُمْ﴾: أبعدهم (٣) من رحمته. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾: هيأها لهم. وكلُّ لفظةٍ من هذه (٤) الثلاث يُنبئُ عن الآخَرين، لكن الإطنابَ في الإيعاد أبلغُ (٥). ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: أي: جهنم. ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فيدفعُ كيدَ مَن عادى نبيَّه ﷺ والمؤمنين بما شاءَ منها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ في أمره، ﴿حَكِيمًا (٧)﴾: في فعله. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾: على أمتكَ يومَ القيامة. وقيل: شاهداً لهم بعملهم. وقيل: شاهداً للأنبياء ﵈ بالتبليغ.

стр. 2907

وقيل: مبيِّناً لهم. وقد سبق (١). ﴿وَمُبَشِّرًا﴾: للمؤمنين، ﴿وَنَذِيرًا (٨)﴾: للكافرين. وقيل: ﴿مُبَشِّرًا﴾ لمَن أطاع ﴿وَنَذِيرًا﴾ لمن عصى. ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: نزَّل خطابَ النبي ﷺ منزلةَ خطاب المؤمنين. ومَن قرأ بالياء (٢)، فتقديره: "إنا (٣) أرسلناك إليهم ليؤمنوا "، وكذلك ما بعده. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: تُطيعوه، وقيل: تُبجِّلوه، وقيل: تنصروه بالسيف. العزْر (٤) والتعزيرُ: النصرُ مرةً بعدَ أخرى، وقيل: تعظِّموه (٥). والهاءُ يعودُ إلى الله سبحانه، كقوله (٦) تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وكذلك قوله: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: يعودُ إلى الله سبحانه، أي: تُعظِّموه، كقوله تعالى: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، أي: عَظَمَةً. وقيل: الضميرُ فيهما يعود إلى النبيّ ﷺ ، أي: تُعظِّموا النبيّ، وتدعوه (٧) باسم الرَّسول وباسم النبيّ ﷺ (٨). ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾: أي: تسبحوا الله وتنزهوه. وقيل: تصَلُّوا له. وهذا لله خاصة (٩). واستحسنوا الوقف على: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ لهذا (١٠). ويحتمل وتسبحوا له معه، فيكون للنبي ﷺ أيضاً، وفيه بُعدٌ (١١) (١٢). ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾: بالغداة والعَشِيّ. وقيل: دائماً. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ هي (١٣) بيعة الرِّضوان تحتَ الشجرة (١٤)، على ما سبق (١٥). وقيل: ليلة العَقَبَة (١٦)، وفيه بُعدٌ. وسمّاها مبايعةً تشبيهاً بعقد البيع.

стр. 2908

وقيل: هو بيعٌ وشراء؛ لقوله: ﴿* إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية، [التوبة: ١١١]. ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: قوّةُ الله في نُصرةِ الرسول فوقَ قوَّتهم (١). القفّال: "المعنى: راجعٌ إلى ما جرت به العادةُ من التصافق بالأيدي في المبايعات ". وقال أيضاً: هو من قوله ﷺ : ((اليدُ العليا خيرٌ من اليد السُّفلى)) (٢)، العُليا: المعطيةُ، أي: الله يُعطيهم ما يكونُ له به الفضلُ عليهم " (٣). ابنُ عيسى: " عقدُ اللهِ في هذا البيعة فوقَ عقدِهم " (٤). وقيل: ملكُ اللهِ فوقَ ملكِهم. وقيل: يدُ اللهِ بالوِفاء (٥) فوقَ أيديهم. وقيل: نعمُ اللهِ بما هداهم له فوقَ إجابتهم إلى ما أجابوا إليه من البيعة. ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾: نقض العهدَ، ولم يفِ به (٦)، وقيل: كفر. والنَّكثُ: نقضُ الفتل، والنِّكث: بالكسر المنكوث (٧). ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: أي: عليها وبالُ ذلك. ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾: أي: أتى به وافياً غيَر منتقض، وقيل: عاهد عليه اللهَ في إيمانه. ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾: جزيلاً، وهو الجنةُ ونعيمُها. ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: هم: أسلمُ، وجُهينةُ، ومُزينةُ، وغِفارُ (٨)، سُمُّوا مخلَّفين؛ لأنَّ اللهَ سَلبهم التوفيقَ لمّا لم يُخلصوا فخلَّفهم. وقيل: المخلَّفُ الذي لا يُؤبهُ به. قال الشاعر (٩): مُخَلَّفون ويقضي الناسُ أمرَهمُ ... غُشُّوا (١٠) الأمانةَ صُنبورٌ فصُنبور (١١) (١٢) شَغَلَتْنَا ﴿أَمْوَالُنَا﴾ وَأَهْلُونَا أي: لم يكنَ لنا مَن يخلُفنا في أموالنا وأهلينا، فخفنا الضياعَ علينا وعليهم. ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾: سلِ اللهَ أنْ يغفرَ لنا تخلُّفَنا عنك، وإنْ كان عن عذرٍ. ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾: يعني قولهم: اسْتَغْفِرْ ﴿لَنَا﴾. وقيل: هو قولُهم: شَغَلَتْنَا ﴿أَمْوَالُنَا﴾ وَأَهْلُونَا؛ لأنَّهم علموا أنَّ المانعَ خبث نيتهم (١٣). ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: مَن يمنعكم من عذاب الله. ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾: وأنتم (١٤) في أموالكم وأهليكم. وقيل: ﴿أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾: هزيمة. ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾: ظهوراً على عدوِّكم وغنيمة، وقيل: معناه: استغفاري لكم مع خُبث نيتكم لا يدفعُ عنكم عذابَ الله. ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)﴾. ردَّ بـ ﴿بَلْ﴾ (١٥) قولَهم: شَغَلَتْنَا ﴿أَمْوَالُنَا﴾ وَأَهْلُونَا. ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ﴾ أَبَدًا أي: إنما خلَّفكم ظنُّكم أنَّ المشركين يستأصلون الرسولَ والمؤمنين، فلا يرجعُ أحدٌ منهم إلى أهله، إما أنْ يُقتَلوا، أو يهربوا (١٦) فيتبدَّدوا (١٧) في البلاد. ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: زيّنه الشيطان، وقيل: قُوِّيَ في قلوبكم (١٨). ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: من علوِّ الكفّار وانتشار الفساد. ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾: هالكين، وقيل: فاسدين، وقيل: شراراً (١٩)، يُقال للواحد والجمع: بورٌ.

стр. 2909

وبار الشَّيءُ هلك وفسد، وبارت الأرضُ: لم تُثمرْ ولم تُنبتْ (١). ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣)﴾: ناراً مسعورةً ملتهبةً. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾. ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾: جمهور المفسرين على أنَّ هؤلاء هم ... ﴿الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ المذكورون فيما تقدَّم (٢). ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ﴾: ذهبتم. ﴿إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾: هي مغانمُ خيبرَ (٣)، وعُد أهلُ الحديبية ذلك أن غنائمَ خيبرَ لهم خصوصاً، مَن غاب منهم ومَن حضر. قالوا: ولم يغِبْ منهم عنها (٤) أحدٌ إلاّ جابر بن عبد الله، فقسَم له رسولُ الله ﷺ كَسَهْمِ مَن حضر (٥). وذكر الزهريُّ: أنَّ غنائمَ خيبرَ كانت بين أهل الحديبية مَن حضر منهم خيبرَ ولمَن غاب، ولمَن حضرها من غيرهم من الناس (٦).

стр. 2910

وكان انصرافُ رسولِ الله ﷺ من الحديبية في ذي الحِجّة، فأقام بالمدينة بقيّةَ ذي الحجّة، وبعضَ المحرَّم من سنة ستٍّ، ثم خرج في بقيَّة المحرَّم إلى خيبرَ، وخرج معه مَن شهد الحديبية، ففتحها، وغنم أموالاً كثيرةً، وجعلها لهم خاصَّةً (١). ورويَ أنه ﷺ لمّا بدا حصنُها قال: ((خَرِبتْ خيبرُ: إنَّا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ فساء صباحُ المنذَرين)) (٢). فلمَّا سمع هؤلاءِ المنافقون بوعد رسول الله ﷺ أصحابَه غنائمَ خيبرَ قالوا: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾: فمنعهم النبيُّ ﷺ ؛ لأنَّ اللهَ أمره أنْ لا يُخرجَ إلى خيبرَ إلاّ أهلَ الحديبية؛ لتكون (٣) الغنيمةُ لهم، عِوَضاً عن غنائم مكةَ، إذا انصرفوا عنهم على صلحٍ. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾: هو مصدرٌ، وقُرئ ﴿كَلِمَ اللَّهِ﴾ جمعُ كلمةٍ (٤)، وهو قوله: لا يخرجْ إلى خيبرَ إلاّ أهلُ الحديبية. وقيل: هو قوله: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ ولم تكونوا مؤمنين (٥) بوعد الله المسلمين ما وعدهم، لكن استئذانَهم إلى خيبرَ كان فعلَ مَن يُريدُ تبديلَ كلامِ الله. فقال الله لنبيه: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾: هو نفيٌ، وليس بنهي؛ لأنَّ اللهَ قال ذلك، ولا يُبدَّل القولُ لديه (٦). وقيل (٧): إلى خيبرَ فقط، وقيل: عامٌّ في غزواته.
следующие страницы →