← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ أي: أعرض عنها ﴿فَعَلَيْهَا﴾ أي: فعليها جنى ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ الحسن: بِرَبٍّ أُجازيكم (١). وقيل: لا آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم. ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: كما صرفنا الآيات التي سبقت. وهو: الإتيان بها واحدة بعد واحدة. وقيل: تصريفها: تقليب معانيها، بالعبارات المختلفة نصرف الآيات في القرآن. ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قرئ: (دَرَسْتَ) و (دارسْتَ) و (دَرَسَتْ) (٢). تقول: دَرَسْتُ: إذا قرأتَ على غيرك، ودَرَسَ الناقة: إذا (٣) ارتاضها، ودَرَسَ السورة: أي: قرأ السورة لتخفَّ على لسانه. فمن قرأ ﴿دَرَسْتَ﴾ أي: تلوت وقرأت كتب أهل الكتاب. ومن قرأ (دارسْتَ) أي: قَارَأْتَ أهل الكتاب فتعلمت منهم، زعموا أنه يتعلم من أبي فكيهة (٤) وجبر (٥)، فتكون اللام لام العاقبة والصيرورة (٦).

стр. 317

ابن عيسى: أي (١): يقرون بورود الآيات فتقوم الحجة الواضحة عليهم. وقيل: تكررت (٢) الآيات ليقولوا إذا سمعوا آية بعد آية دَرَسَتْ هذه علينا فيتذكرون الماضية، فعلى هذين: اللام لام كي. ومن قرأ (دَرَسَتْ) أي: هذه آيات تقادمت فانمحت، ولم يأت محمد بآية سوى ما أتى به، فيكون تقديره: لئلا تقولوا، وكراهة أن تقولوا دَرَسَتْ. ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ أي: القرآن ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾. والواو في قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ عطف على المعنى، أي: لتتم حجتنا عليهم وليقولوا. ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: اعمل بالقرآن. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾ منسوخة بآية السيف (٣). ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ رباً، وقيل: رقيباً. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾ قيم بأمورهم. ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ في رواية الوالبي: قالوا يا محمد: لتنتهين عن سبِّك (٤) آلهتنا

стр. 318

أو لنَهَجُونَّ ربك، فنهاهم الله (١) أن يسبُّوا أوثانهم فيسبُّوا الله عَدْواً (٢). السَبُّ: الذِّكر بالقبيح. والذين يدعون: هم الأصنام، ويحتمل: أنهم الكفار. والعَدْو والعُدوان والعُدُوّ: مصدر عَدَا، إذا تجاوز الحد. ومعنى ﴿يَدْعُونَ﴾: يعبدون. وقيل: من الدعاء. وإنما نُهُوا عن سبِّ الأصنام لأنه (٣) إغراء على الكفر والنفار عن الإيمان، ولأن (٤) السبّ ليس من فعل العاقل ولا من سبيل المناظر، ولأنها ما أذنبت فتسب. ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ من الطاعة والمعصية والخير والشر ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ فيجازيهم. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ بأوكد الأيمان وأعظمها حرمة عندهم (٥). وجَهْد: مصدر وقع (٦) موقع الحال، أي: مجتهدين. ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ أي: من التي اقترحوها من قوله ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، فلما نزلت هذه الآية (٧) اشتد طمع

стр. 319

المسلمين في إيمان القوم فسألوا النبي ﷺ أن يسأل الله إجابتهم إلى إنزال آية فأنزل الله (١): ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرته وسلطانه ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ أي: وما يشعركم أنهم يؤمنون عندها. ثم استأنف فقال (إنَّها إذا جاءَت لا يُؤمِنُون) لأنهم معاندون. ومن فتح (٢) فتقديره: لعلها إذا جاءت، وهو مذهب سيبويه (٣) والبصريين، وذهب الفراء (٤) والكوفيون إلى أن التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون. ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ابن عباس ﵄: نحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءهم (٥) ما اقترحوا ما آمنوا به كما لم يؤمنوا به أول مرة، يريد انشقاق القمر وغيره. وقيل: بالقرآن. وقيل: بمحمد ﷺ . وقيل: كما لم يؤمنوا به زمن موسى ﷺ أسلافهم (٦).

стр. 320

وقيل: نقلب أفئدتهم وأبصارهم في النار كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا، أي: جزاء لذلك. وقيل: معناه أنا نحيط علماً بذات الصدور وخائنة الأعين منهم. ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ في تجاوزهم (١) الحد في الكفر ﴿يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ يترددون متحيرين. ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ كما (٢) اقترحوا عليك فعاينوهم ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ بصحة نبوتك ووجوب الإيمان بك ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قبلاً: أي: معاينة. وقيل في قبل: إنها جمع قَبِيْل (٣)، وقَبِيْل جمع قبيلة، أي: جماعة جماعة وصنفاً صنفاً، وقيل: جمع قَبِيْل وهو الكفيل. ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لما سبق لهم من الشقاء (٤). ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إيمانهم فيهديهم، والاستثناء منقطع. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ فيقترحون الآيات. والكناية تعود إلى الذين حرصوا على إيمانهم. وقيل: تعود إلى الكفار الذين (٥) قالوا ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩].

стр. 321

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ (١) أي: كما جعلنا لك عدواً كذلك جعلنا لكل نبي عدواً. وقيل: كما جعلنا العداوة بين بعض الناس وبعضهم كذلك جعلنا بين الأنبياء وأممهم. ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال بعضهم: شياطين الإنس: مردتهم، وكذلك شياطين الجن (٢). وقيل: شياطين الإنس من وكل بهم من أولاد إبليس وكذلك شياطين الجن من وكل بهم من أولاد إبليس (٣). وشياطين: نصب على البدل من العدو. وقيل: هو المفعول الأول، والعدو الثاني. ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يوسوس ويوهم ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ الباطل المموه ﴿غُرُورًا﴾ قيل: حال، وقيل: علة، وقيل: نصب على المصدر، وقيل: بدل من الزخرف. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: لو شاء إيمانهم آمنوا، والهاء: تعود إلى الكفر. ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ أي: كفرهم، إلى أن يأتي أمر الله بالقتال. وقيل: ما فعل الشياطين الوحي (٤).

стр. 322

﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: ولتميل إلى الزخرف (١) قلوب الكفار. يقول: صَغَا يَصْغُو وصَغِيَ يَصْغَى. قال: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ وليحبوه ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ وليكتسبوا ما هم مكتسبون (٢)، والاقتراف: الاكتساب، من قوله: ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ [التوبة: ٢٤]، وقيل: الاقتراف: عمل معه تهمة، ويدفعه قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ [الشورى: ٢٣]. واللام: لام العاقبة، وقيل: لا م الأمر، ويدفعه: إثبات الألف إلا شاذاً، نحو: ألم يأتيك (٣). ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي﴾ أطلب ﴿حَكَمًا﴾ حاكماً. والحَكَم أبلغ من الحاكم (٤)؛ لأنه اسم لمن عُرِفَ بالحُكْمِ مَرَّةً بعد أخرى. والحاكم اسم الفاعل، وهو نصب على الحال، وتقدير الآية: قل لهم أفغير الله ابتغي حَكَماً. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿مُفَصَّلًا﴾ فيه بيان كل ملتبس، وفَصْلاً بيني وبينكم.

стр. 323

﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم مؤمنوا أهل الكتاب. وقيل: هم أصحاب رسول الله ﷺ . ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بإظهار الحق ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾ الشاكين في أن أهل الكتاب يعلمون ذلك. وقيل: لا تشك أنهم يعلمون نبوتك. ابن جرير: لا تكن في شك مما قصصنا عليك (١). وقيل: لا تكن شاكاً في أن الذين يبتغون حَكَماً غير الله لا يؤمنون. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ قيل: هو القرآن، وقيل: عِدَاتُه (٢)، وقيل: دينه. ﴿صِدْقًا﴾ صادقة فيما وعد ﴿وَعَدْلًا﴾ عادلةً فيما حكم. وقيل: صدقاً فيما حكاه عدلاً فيما قضاه. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لاتبديل ولاتغيير ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقولون ﴿الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ بما يضمرون. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: الكفار. وقيل: الجهال، لأن العلماء قليلون. وقيل: الأرض (٣): أهل مكة. ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه.

стр. 324

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ ما يتبعون إلا ظناً لا يعلمون صحته ولا فساده، فهم شاكّون. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ يكذبون. وقال بعض المفسرين: وذلك حين جادلوه في أكل الميتة وقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم (١). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾ أي: هو يعلم الكفار والمؤمنين. و﴿مَنْ﴾ محله نصب بفعل دل عليه ﴿أَعْلَمُ﴾، أي: يَعْلَمُ مَنْ يَضِلّ. وقيل: محله رفع لأنه استفهام. وقيل: جر بإضمار الباء، ودل عليه قوله: ﴿أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾. ولا يجوز أن يكون محله جراً بالإضافة تعالى الله عن ذلك (٢). ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يريد دون ما لم يذكر ودون الميتة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾. أجمع المفسرون على أن المراد به ما ذكر اسم الله على ذبحه، إلا عطاء فإنه قال: هو عام في كل مطعوم ومشروب ومذبوح (٣). ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الحسن: عَنَى به مشركي العرب، قال:

стр. 325

ومعناه حلال لكم فكلوه (١). غيره: عنى به المؤمنين، وهو تأكيد للآية الأولى. ومعنى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾ أي شيء يتم لكم في أن لا تأكلوا. وقيل: ما منعكم أن لا تأكلوا (٢). ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: ما سبق (٣) من القرآن. ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ إلى أكله. والاضطرار: العَوَزُ الذي يخاف معه التلف. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وهم الذين جادلوا في إحلال الميتة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ الذين تجاوزا (٤) الحق إلى الباطل. ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ ابن عباس ﵄: اتركوا معصية الله سراً وجهراً (٥). غيره: الزنا في الحوانيت واتخاذ الأخدان، فإن العرب لم تكن تستنكف من الزنا سراً. الزجاج في جماعة: هو عام في أنواع المعاصي (٦). وقيل: ظاهره بالجوارح، وباطنه بالقلب. والأليق بالآية أن يحمل ظاهر الإثم (٧) وباطنه على أكل الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.

стр. 326

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ابن عباس ﵄: الميتة (١). غيره: ما ذبح لغير الله من الأصنام. وقيل: ما ذبحه غير موحد، وأما ذبيحة المسلم (٢) إذا كانت متروكة التسمية عمداً فحرام بخلاف الناسي، فإن علياً وابن عباس ﵃ في جماعة قالوا: لا باس بأكل ما ذبح ونسي التسمية عليه (٣). وقال على ﵁: هو على الملة (٤). وقال ابن عباس ﵄: ذكر الله في قلبه. وقال: كما لا ينفع الاسم مع الشرك لا يضر النسيان مع (٥) الإسلام (٦). وذهب بعضهم إلى أن متروك التسمية عمداً حلال، وكذلك عنده النسيان، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (ذبيحة المسلم حلال وإن نسي ولم يذكر اسم الله عليه فإنه لو ذكر لم يذكر إلا الله) (٧).

стр. 327

وذهب بعضهم إلى أن متروك التسمية (١) عمداً أو نسياناً حرام، حملاً على ظاهر الآية. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: أكله ﴿لَفِسْقٌ﴾ الحسن: كفر. يريد مع الاستحلال (٢). غيره: معصية. ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾ بالوسوسة ﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يعني الكفار ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بقولهم (٣): تأكلون ذبيحتكم وصيد الباز (٤) والكلب وتدعون ما قتله الله. عكرمة: إن الشياطين أهل فارس كاتبوا أولياءهم من قريش بأن حُجُّوا محمداً بتفضيله قتيل أصحابه على قتيل الله (٥). فالوحي على هذا: الكتابة (٦). ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال ماحرم من هذه ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ كافرون. ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ نزلت في حمزة وأبي جهل. وقيل: في عمر وأبي جهل. وقيل: في عمار بن ياسر وأبي جهل.

стр. 328

وقيل: في رسول الله ﷺ وأبي جهل. وقيل: عام في كل مؤمن وكافر (١). شبه الكافر بالميت لأنه لا ينتفع بحياته. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ يعني الإيمان والحجج والبيان. وقيل: القرآن (٢). ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ يقال: هو كل فضيلة بين المسلمين. وقيل: يمشي به في القيامة. ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: كمن مثله مثل من في الظلمات. وقيل: مثل زيادة، أي: كمن هو في الظلمات: الكفر والجهل. ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ لا يفارقها ﴿كَذَلِكَ﴾ (٣) أي: كما زين للمؤمن إيمانه ﴿زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ زين لهم الشيطان أعمالهم. ابن بحر: زُين في مثل هذا لا يحتاج إلى فاعل كأُعْجِبَ وزُهيَ وغير ذلك، أي: حسن (٤). ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ كذلك إشارة إلى الذين.

стр. 329

وقيل: إلى المصدر، أي: كما جعلنا بمكة أكابر المجرمين (١) جعلنا في سائر البلاد أكابر المجرمين. وأضاف الأكابر إلى مجرميها: لأن أفعل (من) لا يجمع إلا مع الألف واللام أو مع الإضافة (٢). وقوله ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ هي لام العاقبة. ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لعود (٣) الوبال إليها. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ أنه يعود إليها. وذهب بعضهم إلى أن تقديرها: جعلنا مجرميها أكابر. وهذا التأويل يدفعه الإعراب. ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ﴾ أهل مكة ﴿آيَةٌ﴾ معجزة (٤)، وقيل: آية من القرآن تأمرهم بالإيمان ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾ أي: لن نصدقك ﴿حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ أي: حتى يوحى (٥) إلينا ويؤتى كل واحد منّا (٦) كتاباً، وقيل: أراد حتى نؤتى من الكرامة والمنزلة مثلهم. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وهو محمد ﷺ ، أي: يُرْسِلُ من يعلم أنه يصلح للرسالة. وحيث: مفعول به.

стр. 330

﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ﴾ ذل. والصغار في القدر، والصِغَرُ في السن وغيره. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في القيامة ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ أي (١): جزاء على مكرهم. و﴿عِنْدَ﴾ صلة صغار. وقيل: تقديره: من عند الله. والوجه الأول. ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ يعرفه طريق الإيمان ويوفقه له. وقيل: يهديه لنيل الثواب. ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يفتحه ويوسعه وينور قلبه لقبول الإسلام. وروى المفسرون عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ سئل عن شرح الصدر ما هو، فقال: (نورٌ يقذفه الله في قَلْبِ المؤمن فينشرح له وينفسح) قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها، فقال: (نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت) (٢).

стр. 331

﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ عن هدايته ويخذله (١). وقيل: عن نيل الثواب. ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ لا ينجع فيه الإيمان ﴿حَرَجًا﴾ إثماً. وقيل: شاكاً. وقيل: مُلْتَبِسَاً. الفتح مصدر، والكسر صفة، كقَمَن وقَمِن (٢). ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ كأنه كُلِّف الصعود إليها في البعد والامتناع. وقيل: كأنه لا يجد منفذاً لضيق المسالك عليه إلا (٣) السماء. ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ الحسن: رجاسة الكفر وقذارته (٤). رَجِسَ يَرْجَس، مثل: نَجِسَ يَنْجَس. وقيل: العذاب. وقيل: السخط. وقيل: الشيطان. الزجاج: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة (٥).

стр. 332

﴿وَهَذَا﴾ يريد ما سبق من ذكر الإسلام والإيمان والأحكام ﴿صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ أي: الطريق الذي لا عوج له (١). وقيل: القرآن. ومستقيماً: حال عن (هذا)، ويجوز أن يكون عن الصراط. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾. ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يريد: الجنة، والسلام: هو الله سبحانه، والجنة داره. وقيل: يريد: السلامة، فحذف الهاء (٢). وقيل: السلام: التحية. وسميت دار السلام لقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، و ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٦]. ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ أي: ناصرهم ومعينهم. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني الإنس والجن يوم القيامة. ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ أي فيقول: يامعشر الجن (٣). ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: من إغوائهم وإضلالهم. ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ وهم الذين أطاعوا الجن، اعترفوا رجاء أن ينفعهم. ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ أي: الإنس بالجن، والجن بالإنس. وقيل: استمتع بعض الإنس ببعضهم. وقيل: أما استمتاع الجن بالإنس فإغواؤهم إياهم وإضلالهم، وأما استمتاع

стр. 333

الإنس بالجن فهو أن العرب إذا نزلت وادياً أو سلكوا مفازة استعاذوا بالجن وقالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي أو هذه المفازة من شر سفهاء قومه، وكانوا يعتقدون أن الأرض ملأى جناً، وأن من لم يدخله جني في (١) جواره خبله الآخرون، وكذلك إذا قتلوا صيداً استعاذوا بهم لأنهم يعتقدون أن هذه البهائم للجن، منها مراكبهم. وقيل: هو ما كانوا يأخذونه من الجن من السحر والكهانة والأراجيف، واستمتاع الجن بالإنس أيضاً أنهم قالوا قد سدنا الجن والإنس حتى عاذوا بنا، فيزدادون شرفاً في قومهم وعِظَماً في أنفسهم. ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ يعني: الموت. وقيل: البعث. ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ منزلكم (٢) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. والأحسن: أن نجعل مثواكم مصدراً لعمله في الحال، وتقديره: ذات مثواكم. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ قيل: من الزيادة على النَّار من العذاب والنَّكال. وقيل: سوى ما شاء الله (٣). وقيل: إلا ما شاء الله قبل الدخول. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال (٤): جعل أمرهم في مبلغ عذابهم ومدتهم إلى مشيئة الله حتى لا يحكم على الله في خلقه أحد (٥).

стр. 334

والمعنى: لم ينفعكم اعترافكم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾. ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ أي: كما خذلنا عصاة الجن والإنس نولي بعض الظالمين. قتادة: هو من الموالاة، أي: نتبع بعضهم بعضاً في النار (١). ابن عباس ﵄: من التولية، أي: نسلط بعضهم على بعض (٢). كما قيل: إذا فسد الزمان أُمِّرَ عليهم شرارهم. وعن النبي ﷺ : (عمَّالكم أعمالكم) (٣). وعنه ﷺ : (يقول الله: أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك، قلوبهم ونواصيهم بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم) (٤). وقيل: من الولاية، المؤمن ولي المؤمن حيث كان، والكافر ولي الكافر حيث كان.

стр. 335

وقيل: معناه: نكل بعضهم إلى بعض. ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ﴾ يقرؤون ﴿عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ كتبي ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يعني: يوم القيامة. الضحاك: بَعث إلى الجن رسلاً منهم كما بَعث إلى الإنس رسلاً منهم (١). الزجاج والفراء في جماعة: رسل الجن من الإنس (٢). وقوله: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ لايدفع هذا التأويل، فإنه غَلَّبَ الإنس على الجن. ابن عباس: رسل الجن هم المُنْذِرُون (٣)، من قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ بالجرم والعصيان. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ بحيث لا يمكن التلافي والاستدراك. يجوز أن يكون من كلامهم ويجوز أن يكون متصلاً بما بعده. ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ أي: بمن أتاهم من الرسل. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى إرسال الرسل ﴿أَنْ لَمْ﴾ بسبب أن لم ﴿يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ أي: لا يهلكهم ولا يعذبهم حتى يبعث إليهم الأنبياء ويعذر إليهم. وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: من الله. وقيل: بظلمهم.

стр. 336

ومعنى ﴿غَافِلُونَ﴾ أي: عن الإنذار والإعذار (١). ﴿وَلِكُلٍّ﴾ أي: المؤمن (٢) والكافر ﴿دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: هم متفاوتون في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم، والجنة درجات والنار دركات، فَغُلِّبت الدرجات. وقيل: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ للمؤمنين خاصة. ثم أوعد الكفار فقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾. ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ عن العباد ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بهم ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يستأصلكم ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ يريد: ويقيم مكانكم غيركم. و﴿مَا﴾ بمعنى مَنْ. ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ﴾ أي: خلقكم ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ أي: قرناً بعد قرن. وقيل: يذهب بكم ويأت بخلق مخالف لجنسكم هو أطوع لله منكم، ولهذا قال: ﴿مَا يَشَاءُ﴾. ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ أي: من البعث والحساب والثواب والعقاب (٣) لكائن لا محالة. ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾ بفائتين، وتقديره: لا تعجزون طالبكم. ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ هذا أمر تهديد ووعيد، ومثله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، والمعنى: اعملوا، فعملكم عائد عليكم بالوبال، إني عامل بخلاف عملكم. وقيل: اعملوا في أمري إني عامل في أمركم.

стр. 337

وقوله: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على قدر منزلتكم، من قول العرب: مَكُنَ مَكَانةً فهو مَكِيْنٌ. ابن عباس ﵄: ناحيتكم (١). أبو عبيدة: على حيالكم (٢). الزجاج وابن عيسى: طريقتكم (٣). الكلبي: منازلكم (٤). وقيل: على تؤدةٍ وتثبيت. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: فسيظهر أينا أحسن عملاً. و﴿مَنْ﴾ بمعنى: الذي، ومحله نصب، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ويجوز أن يكون استفهاماً ومحله رفع، كقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢]. والعاقبة: مصدر، والمراد بها: الجنة. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾ لا يفوزون (٥). عكرمة: لا يبقون في الثواب (٦). ﴿وَجَعَلُوا﴾ يعني قريشاً ومشركي العرب. ﴿لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾ خلق وأظهر ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ الزرع ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ الإبل

стр. 338

وغيرها ﴿نَصِيبًا﴾ حظاً، يريد: وللأصنام نصيباً، فاكتفى (١) بما دل عليه. قوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾. اختلفت عبارات المفسرين عن هذا النصيب، ومحصول كلامهم أن الكفار جعلوا للضيفان والمساكين في حروثهم وأنعامهم نصيباً ونسبوه (٢) إلى الله سبحانه، وجعلوا للأوثان نصيباً ينفقونه ويصرفونه إلى وجوه عينوها لها، ثم جعلوا الأرجح الأجود للأصنام، والأَخسَّ الأرذل لله، وقصروا في نصيب الضيفان والمساكين بعد توفيرهم نصيب الأوثان عليها، وإن وقع في نصيب الأوثان خلل واحتاجت إلى زيادة صرف (٣) من نصيب الله (٤) إليها، وإن وقع فيما نسبوه إلى الله خلل لم يصرف إليه من نصيب الأوثان (٥). ثم ذم صنيعهم فقال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما زين لهم الشيطان عبادة الأوثان وبخس (٦) حق الله. ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾ البنات بالوأد مخافة الفقر (٧) والعار، والبنين بالنذور عند قضاء الحاجات. ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ شياطين الجن، لأنهم شاركوهم في الكفر وزينوا بالوسوسة

стр. 339

لهم ذلك (١). وقيل: شركاؤهم: قوم كانوا يخدمون الأوثان. وقراءة ابن عامر (٢): (زُين) بضم الراء و (قتل) رفع (أولادهم) نصب (شركائهم) جر، وإن ضعفت في العربية للإحالة بين المضاف والمضاف إليه فقوية في الرواية عالية (٣). ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ ليهلكوهم بالعذاب، واللام لام العاقبة، وقيل: هي لام كي. ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أي: يغطوا (٤) عليهم دينهم الذي يحب أن يتدينوا به. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ بسلب قدرتهم على ذلك. ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾ أي: دعهم وما هم فيه. ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ﴾ يعني: ذبائح الأوثان، وقيل: البحيرة وأخواتها. ﴿وَحَرْثٌ﴾ هو ما جعلوه للأوثان. ﴿حِجْرٌ﴾ حرام، وأصله المنع. ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ يريدون الرجال دون النساء. وقيل: من يخدم الأوثان والأصنام. ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أي: لا حجة لهم على ذلك. وقيل: بكذبهم.

стр. 340

قال شريح: لكل شيء كناية وكناية الكذب الزعم (١). ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ يعني: السائب والحامي (٢). ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ مجاهد: كانت لهم طائفة من الأنعام لا يذكرون اسم الله عليها، لا حالة الذبح ولا حالة الحلب والبيع والرحل (٣). عاصم عن أبي وائل: هو ما لم يحج عليه (٤). غيرهما: هو ما لم يذكر اسم الله على ذبحه. ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ مصدر وقع موقع الحال، أي: مفترين، لأنهم زعموا أن الله أمرهم بذلك. وقيل: افتروا بتركهم التسمية. ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾. ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾ قيل: الأجنة، وقيل: اللبن، وقيل: هما جميعاً. ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ أي: هي للذكور خاصة. وتأنيث ﴿خَالِصَةٌ﴾ لتأنيث معنى ﴿مَا﴾ (٥)، وتذكيره للفظه (٦).

стр. 341

وقيل: هي مصدر، كالعاقبة. قال (١): كنت أميني وكنت خالصتي ... وليس كل امرئٍ بمؤتمنِ وقيل: للمبالغة في الخلوص. ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ أي: خرج ميتاً، زال عنه التحريم، فحلَّت للنساء والرجال (٢). ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ هو كقوله: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ﴾ [النحل: ٦٢] وتقديره: بوصفهم، فحذف الجار. وقيل: جزاء وصفهم، فحذف المضاف. ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ بالوأد والنذر. ﴿سَفَهًا﴾ جهلاً وخفة عقل، وهو مصدر وقع موقع الحال. وقيل: نصب على المصدر، أي: سفهوا سفهاً. وقيل: نصب على العلة، وفيه بُعد.

стр. 342

﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: بغير علم أن الله أمرهم (١). ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: البحيرة وأخواتها. ﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ أي: كذبوا في نسبة التحريم إلى الله. ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ إلى الصواب. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ خلق ابتداء. ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ مرفوعات على ما يحملها كالكرم وما يشبهه، أي: من شأنها أن تَعْرُش. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ النخل وما يشبهه (٢). وقيل: المعروشات: ما يرفع بعض أغصانها على بعض. ابن عباس: المعروشات: ما غرس الناس، وغير المعروشات: ما خرج في البر والجبال من الأشجار والثمار (٣). وقيل: معروشات: ما حولها حائط، وغير معروشات: ما لا حائط حولها. ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا﴾ حال مقدر، كقوله: معه (٤) صقر صائداً به غداً.

стр. 343

﴿أُكُلُهُ﴾ ثمره، والهاء (١) تعود إلى الزرع. وقيل: أكل ذلك، وقيل: أكل كل واحد منها. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ قيل: متشابه في اللون غير متشابه في الطعم، كالحلو والحامض والمزّ من الرمان (٢). وقيل: أنواع تَشَّبَّه طعومها، وأنواع تختلف طعومها. وقيل: المتشابه (٣): ما كان من جنس واحد، وغير متشابه: ما اختلف جنسه وثمره. ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ من ثمر كل واحد من ذلك. ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ هذه رخصة للمالك أن يأكل عند إدراكه قبل (٤) إخراج حق الله منه. ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ أي: حق الله، وفيه خمسة أقوال: سعيد بن جبير: منسوخة بالزكاة (٥). ابن عباس ﵄: نُسخت بالعشر ونصف العشر (٦). أنس بن مالك والحسن: هو الزكاة المفروضة (٧). سفيان: هو أن يدع المساكين يتبعون أثر الحصادين، فما سقط من المنجل

стр. 344

أخذوه، ويكره حصاد الليل لهذا (١). وقيل: هذا ندب. ويوم حصاده: يوم قطعه وجذاذه. وقيل: يوم حصاده: كيله. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ بإشراك الآلهة في الحرث. وقيل: لا تسرفوا في الأكل قبل إخراج حق الله. وقيل: لاتسرفوا فتنفقوا في معصية الله. وقيل: ولاتسرفوا فتتجاوزا قدر المفروض. وأنها نزلت في معاذ بن جبل، جدّ نخلة فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شيء، فنزلت: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٢). ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ هي كبار الإبل التي يحمل عليها (٣). والفرش: صغارها. ابن عباس ﵄: الحمولة: ما حمل عليه من الإبل والبقر، الفرش: الغنم (٤).

стр. 345

والإفراش: الإضجاع (١) للذبح. ابن جرير: الفرش من الأنعام ما قربت جثته من الأرض (٢). وقيل: الحمولة: الإبل والخيل والبغل والحمير والبقر، والفرش: ما اتخذ من أصوافها وجلودها. ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾ أي: كلوا ما أحل لكم (٣) منها ولا تحرموها فعل الجاهلية. ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أفراد، والزوج ما معه آخر من جنسه، ويقال لمجموعهما زوج وللمفرد زوج، لأن كل واحد منهما زوج للآخر. ونصب ثمانية على البدل من الحمولة والفرش، أوتقديره (٤): أنشأنا ثمانية أزواج. ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ الضأن ذوات الصوف والألايا (٥). والضأن جمع، واحدها: ضائن، وقيل: ضائنة، وقيل: إنها (٦) جمع لا واحد لها من لفظها، ويجمع على: ضَئين كعَبيد وكَليب. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ هي ذوات الشعر، واحدها: ماعز، ومن فتح العين (٧)

стр. 346

جعله: كحارس وحَرَس وطالب وطَلَب، وجاء فيها: الِمعْزى والأُمْعوز والمَعِيز، وكلها جمع. ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ هذا جواب لمن (١) قالوا: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]. وقيل: نزلت في مالك ابن عوف وأصحابه (٢)، والمعنى: قل لهم: أحرم الله الذكور أم حرم الإناث أم حرم جميع ما في الأرحام، ولو كان تحريمه من جهة الله لكان عاماً في نوعه، كتحريم البنات والأخوات والربا والزنا، ولم يكن مخصوصاً في بعض دون بعض وفي عام دون عام وعلى قوم دون قوم كما يزعمون، وإذا لم يكن هذا على منهاج سائر المحرمات ظهر كذبكم على الله وافتراؤكم. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣)﴾ أي: أخبروني بما علمتم به أن (٣) هذا من جهة الله سبحانه. ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ أي (٤): أم شاهدتموه فسمعتم يوصي بهذا التحريم إذ كنتم لا تؤمنون بنبي. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يريد علماءهم وكبراءهم.

стр. 347

وقيل: يريد عمرو بن لحي (١) فإنه غَيَّرَ دين إبراهيم ﷺ وسَنَّ هذا التحريم. ﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ العوام ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾. ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ أي: في القرآن (٢) ﴿مُحَرَّمًا﴾ حيواناً حرم أكله (٣) ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ آكل يأكله ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ المحرم ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ فإن (٤) الخنزير، وقيل: فإن اللحم ﴿رِجْسٌ﴾ منتن قذر ﴿أَوْ فِسْقًا﴾ أي: مذبوح فسق، فحذف المضاف، وفسقاً: نصب بالعطف على ما قبله، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ جرى مجرى الوصف. وقيل: وما أهل لغير الله به فسقاً (٥). ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ذبح على اسم الصنم. اختلفت الأئمة في هذه الآية على خمسة أقوال (٦): الأول: أنها منسوخة، وأن المائدة نزلت بعدها وفيها الناسخة، وهذا ضعيف، لأن قوله: ﴿لَا أَجِدُ﴾ خبر، والخبر لا يدخله النسخ. الثاني: أنها محكمة، وليس شيء من الحيوان بمحرم إلا ما فيها (٧)، وليس هذا

стр. 348

المأخوذ به في المذهبين (١). والثالث: أن المحرمات داخلة فيها (٢)؛ لأن التذكية إنما تؤخذ توقيفاً، وكل مالم (٣) يؤخذ تذكيته بالتوقيف فهو ميتة داخل في الآية. الرابع: ما صح تحريمه عن النبي ﷺ داخل في الاستثناء. الخامس: أن الآية جواب لما سألوا، وثَمَّ محرمات لم يسألوا عنها. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ سبق في البقرة (٤). ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ أي: حرمنا عليهم في أيام موسى ﷺ عقوبة لهم. ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ يريد ما ليس بمنفرج (٥) الأصابع مشقوقها، كالإبل والنعام والبط وجميع أنواع السباع كالسنانير والكلاب، وما يصطاد بظفره من الطير داخل فيه. وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفراً مجازاً. ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ يريد الثروب (٦). وقيل: كل شحم لم يختلط بلحم ولا عظم. وقيل: شحم الكليتين. ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ يريد شحم الجنب وما علق بالظهر من خارج، وقيل: من داخل.

стр. 349

﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ هي ما يتحوى في البطن، أي: يجتمع ويستدير، ويسمى بَنَاتُ اللَّبَنْ (١). وقيل: هي المباعر، واحدتها: حاوية، وقيل: واحدتها: حاوياء، كقاصعاء وقواصع، وقيل: حوية، كسفينة وسفائن (٢). ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قيل: هي الإلية لاتصالها بالعصعص. وقيل: المخ. وقيل: فيها تقديم (٣)، والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما. و﴿أَوْ﴾ للتخيير. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: التحريم ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ وبظلمهم ومخالفتهم أنبياءهم. الحسن: بكفرهم (٤). ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ فيما أخبرنا به. ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ يا محمد ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ لا يعجل بالعقوبة ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ أي: يمهل ولا يهمل. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ في الآية أعظم معجزة لرسول الله ﷺ ، لأنه أخبر عنهم قبل قولهم فكان كما أخبر (٥). وعطف ﴿آبَاؤُنَا﴾ على الضمير المتصل. وعُدَّ (لا) حائلاً (٦). المعنى: رضي منا ومن آبائنا الشرك وأراد منا تحريم ماحرمنا. وقيل: معناه: لو شاء أن لا يفعل لحال بيننا وبينه. ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا ليس بجواب لهم لأنه مشدد، أي: كذّبك قومك فيما أخبرتهم به، كذلك كذّب الأمم السالفة أنبياءهم. وذهب بعضهم إلى أنه جواب، لأنهم (٧) كَذَبوا في هذا وكَذَّبوا بهذا رسول الله ﷺ ، لأنهم قالوا: أراد الله منا أن نشرك ورضي به. وقيل: قالوا هذا القول تعنتاً واستهزاء، ولو قالوها (٨) تيقُّناً واعتقاداً كان إيماناً. وقوله (٩): ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ أي: عذابنا.

стр. 350

﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ بيان لدعوتكم ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ فتظهروه ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: ما تتبعون إلا ظناً لايؤدي إلى علم ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ تكذبون على الله. ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ لأن ما احتججتم به باطل، وإذا بطلت حجتكم عَلَت حجة الله وغَلَبت (١)، وهي ما احتجَّ بها على الكافرين في الآية الأولى وفي سائر الآيات. والحجة: ما يثبت به صحة دعوى المدعي. والبالغة: التي بلغت النهاية في التصحيح والبيان. ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ هداية إلجاء واضطرار (٢). ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ أي: ائتوا بمن يشهد لكم على صحة دعواكم أن الله حرم الحرث والأنعام. وقيل: هلم شهادتكم. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أي: شهادتهم غير مقبولة لأنهم يشهدون لأنفسهم حيث كانوا على دين واحد واعتقاد واحد. والمعنى: إن اقتصروا على قولهم وشهادتهم فخالفهم في ذلك. و﴿هَلُمَّ﴾ يأتي مبنياً على الفتح يستوي معه الواحد والجمع والتأنيث والتذكير، وقد يجري مجرى سائر الأفعال، فيقال: هلمَّا وهلمُّوا وهلمِّي وهَلْمُمْن. وأصله (ها) و (لَمَّ)، وقال الكوفيون: أصلها (هل) و (أَمَّ)، ويكون متعدياً كما في الآية، ولازماً (٣) بمعنى: تعالوا، كقوله: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ وإن أقروا بالآخرة، كأهل الكتاب.

стр. 351

﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ كعبدة الأوثان. ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ يجعلون له عديلاً، وهو: المثل. ﴿قُلْ﴾ يا محمد للذين حرموا الحرث والأنعام ﴿تَعَالَوْا﴾ احضروا ﴿أَتْلُ﴾ أقرأ ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ الذي (١) حرم، ومحله نصب بـ ﴿أَتْلُ﴾، وقيل: نصب بـ ﴿حَرَّمَ﴾، و ﴿أَتْلُ﴾ بمعنى: أقل. وقوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ من صلة ﴿حَرَّمَ﴾، وقيل: استئناف للإغراء، ويحتمل أن يكون صلة ﴿أَتْلُ﴾. قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ بدل من ﴿مَا﴾ ومحله نصب. الزجاج: لأن لا، ومحله خفض، وقيل: رفع، أي: ذلك أن لا تشركوا، وقيل: تشركوا: جزم إذا حملت على النهي، ونصب إذا أعملت (أن) وكذلك ما بعدها. وقيل: (أن) هاهنا هي المفسرة، بمعنى: أي، وقيل: (لا) صلة، والمعنى: لا تشركوا مع الله في العبادة والطاعة غير الله. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: أوصيكم بالوالدين إحساناً. وقيل: أحسنوا بالوالدين إحساناً، فحذف لأن المصدر دل عليه، والمعنى: عقوقهما حرام والبر بهما والإحسان إليهما فرض. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ فقرٌ بكم. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ والإملاق: الفقر يحمل صاحبه على الخضوع. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ أي: الزنا سراً وجهراً. وقيل: ما ظهر: بالجوارح، وما بطن: بالنية.

стр. 352

وقيل: الآثام كلها فواحش فنهى عنها ظاهرها وباطنها (١). وما ظهر وما بطن بدل من الفواحش. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ القود بالنفس الحرام، والزنا بعد الإحصان، والكفر بعد الإيمان. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ما ذكر مفصلاً ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ وصاكم ربكم بحفظه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ لتصيروا من الراشدين. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يريد التجارة وتثمير ماله. الزجاج: ركوب دابته واستخدام خادمه وقد سبق (٢). ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ثماني عشرة سنة (٣). وقيل: إذا احتلم. وقيل: يبلغ الحنث. وقيل: ثلاثين سنة. جمع شِدَّة، كنِعْمَة وأَنْعُم. وقيل: جمع شَدّ (٤). وقيل: هو واحد، كالآنُك (٥). ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ أوفوهما بالعدل تاماً.

стр. 353

والميزان: مصدر، كالكيل. ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: إذا توخيتم الإيفاء فلا تؤاخذون بما ليس في وسعكم بالتعديل على أقل القليل فإنه يصعب (١) خصوصاً في الكيل. ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: إذا حكمتم بين الناس فتكلمتم (٢) فقولوا الحق. وقيل: تجتنبوا الزيادة والنقصان. وقيل: لا تحيفوا وإن كان المقول فيه قريباً لكم. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ هو ما عهد إليكم من تأدية أحكام الشرع، وقيل: النذر (٣) والحلف. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ما تقدم ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ تتعظون. ﴿وَأَنَّ هَذَا﴾ أي: ما سبق في السورة، لأنها كلها في التوحيد وأدلة النبوة وإثبات الدين. وقيل: الإشارة إلى هذه الآيات، لأنها المحكمات التي لم تنسخ في ملة من الملل. وقيل: هو القرآن. ﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ طريقي الذي يؤدي سالكه إليَّ لا عوج فيه، و ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ حال ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ اعملوا بموجبه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الكتب المتقدمة والشرائع المنسوخة. وقيل: البدع والشبهات.

стр. 354

﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تزيلكم عن الإسلام وتبعدكم عن القرآن. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: الاتباع ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ أمركم بلزومه ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ لتكونوا على رجاء إصابة التقوى. ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ثم: لتراخي الأخبار، أي (١): ثم أخبركم أنَّا آتينا موسى الكتاب. وقيل: ثم قل آتينا موسى. وقيل: ثم مع الجملة يأتي بمعنى الواو (٢). ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ قيل: الفعل مسند إلى ضمير ﴿الَّذِي﴾ وهو واقع موقع الجمع، أي: على الذين (٣) أحسنوا وهم الأنبياء، كقول الشاعر (٤): وإن الذي حانتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤهُمْ ... هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أُمَّ خالدِ وقيل: الفعل لله، أي: تماماً على الذي أحسن الله إلى موسى ﷺ . وقيل: الفعل لموسى، أي: تماماً على الذي أحسن موسى من قيامه بأمرنا ونهينا. وقيل: أحسن موسى، أي: عَلِم. وقيل: الفعل لإبراهيم ﷺ . وجوَّز الكوفيون أن يكون ﴿أَحْسَنَ﴾ اسماً في محل جر صفة لـ ﴿الَّذِي﴾ وهذا

стр. 355

خطأ عند البصريين (١). وقرئ (أحسنُ) أي: هو أحسن (٢). وقيل: ﴿الَّذِي﴾ بمعنى: ما، أي: على إحسانه، وفيه بُعْدٌ أيضاً. ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: بياناً لكل ما يحتاجون إليه في دينهم. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ﴾ أي: بني إسرائيل ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾ بالثواب والعقاب والبعث والحساب. ﴿وَهَذَا﴾ يعني القرآن ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ كثير الخير ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ أي: اعملوا بما فيه ﴿وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ أي (٣): بعد الاتباع. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: أنزلنا القرآن كراهة أن تقولوا، أو: لئلا تقولوا، وقيل: لعلكم تتقون أن تقولوا (٤) يا أهل مكة. ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ اليهود والنصارى، وخُصَّا بالذكر لحصولهما بين أظهرهم (٥)، وهذا يدل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب (٦). ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾ ما ندري ما هي وما معنى كتبهم. ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ أصوب ديناً. وقيل: أشد اهتداء. والأحسن أن يجعل من الهداية؛ لأنه لا يهدي (٧) إلا مهتد. ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حجة واضحة بليغة تعرفونها. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ لمن عمل به.
следующие страницы →