← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾: أي: الذين ينادونك من جملة قومٍ أكثرهم لا يعقلون. فيه قولان: أحدهما: لا يفعلون فعلَ العقلاء لقلة أناتهم وكثرة تهوُرِهِم؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يكنْ يحتجب عن الناس إلاّ في وقتٍ يَخلو فيه بأمر نفسه، فمن أزعجه عن ذلك كان منسوباً إلى قلة العقل، وسوء الأدب. والثاني: لا يعلمون عِظَمَ حرمتك، وأنَّ الصبرَ خيرٌ لهم (١). والحُجْرة: المكانُ الذي (٢) يتحجَّره المرءُ لنفسه يمنعُ غيرَه من مشاركته فيه، مشتقةٌ من الحَجْر، وهو الحبس (٣). ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾: أي: لو صبروا عمَّا فعلوا وانتظروا خروجك. ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: في دينهم بما ينالون من الثواب في تعظيم نبي الله ﷺ ، وفي دنياهم بما يكون في ذلك من الدلالة على وفور عقلهم باستعمال السَّكينة والوقار. وقيل: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: أبلغَ لهم في نيل ما كانوا (٤) يشفعون فيه من الصَّفح عن الأسرى، ولأطلق لهم أسراهم جميعاً؛ لأن النبَّيَّ ﷺ اعتق النِّصف وفادى النِّصف (٥). ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: أي: مع هذا غفورٌ لمنْ تاب منهم. ﴿رَحِيمٌ (٥)﴾: في قَبول التوبة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾: أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن عقبة (٦)، بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلِق مصدِّقاً وكان بينهما إحنةٌ (٧)، فلما

стр. 2942

سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم فرجع، فقال (١): إن القومَ همُّوا بقتلي ومنعوا صدقاتهم، فهمَّ رسولُ الله ﷺ بغزوهم (٢)، فبينا هم في ذلك قدم وفدُهم، وقالوا: يا رسولَ الله، سمعنا برسولك فخرجنا نُكرمُه ونُؤدِّي إليه ما قبلناه من الصدقة، فاستمر راجعاً (٣) (٤). وفي بعض التفاسير: فأرسل ﵊ إليهم خالدَ بنَ الوليد، فأنزل الله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾: كاذبٌ (٥). وقيل: خارج عن أمر الله إلى كثيراً من الذنوب. ﴿بِنَبَإٍ﴾: بخبرٍ يعظُم وقعُه في القلوب. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾: تعرَّفوا صحّته و ﴿فَتَثَبَّتوا﴾: اتَّئدوا ولا تعجلوا (٦). ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾: كراهةَ أنْ تصيبوا، ولئلاّ تصيبوا. ﴿قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾: أي: بجهالةٍ منكم بحالهم في استحقاق ما تصيبونه. ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾: فتصحبوا نادمين على عجلتكم.

стр. 2943

وذكر بعض المفسرين في هذه الآية: أن خبرَ الواحد العدل يجبُ العملُ به؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالتثبُّت في خبر الفاسق، ولو تثبّتنا في خبر العدل لسويّنا بينهما. وذهب بعضهم إلى أنَّ الوليدَ كان ثقةً عند رسول الله ﷺ فصار فاسقاً بكذبه، فخبر الواحد متردِّدٌ حتَّى يُخبر آخرُ بمثله. وقيل: إنَّ الوليدَ لم يقصد الكذبَ؛ لأنه ظنَّ لمّا اجتمعوا لإكرامه أنْ يكونوا همُّوا بقتله (١). ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾: أي: فلا تقولوا الباطلَ فإنَّ الله يخبره. وقيل: معناه: وفيكم رسول الله والرأي معه. ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾: لنالكم المكروهُ، أي: لو عمل برأيكم لكان يُخطئُ في أفعاله، كما لو قبل (٢) من الوليد فَقَتَلَ وقَتَلْتُم، وأخذ المال وأخذتم. ﴿لَعَنِتُّمْ﴾: لأثمتم. وقيل: معناه: لو فعل جميعَ ما تختارون (٣) وتريدون لنَالَكم ضررٌ. وقيل: لغويتم. وقيل: لهلكتم. وقيل: لنالكم شدة. وقوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾: جاء على الأصل؛ لأنَّ الطاعةَ موافقةُ الدَّاعي، غير أنَّ المستعملَ في حق الأكبر الإجابةُ، وفي حق الأدون الطاعةُ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ قيل (٤): بنصب الأدلة. وقيل: حسّنه وزيَّنه بتوفيقه له. وقيل: بما وعد عليه من النصر والفتح في الدنيا، والجنة والنعيم في الأخرى. والمعنى: لكنَّ اللهَ حببَ إليكم الإيمانَ فأطعتموه فوقاكم الله العنَتَ. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾: أي: قبّحه. وقيل: بما أوعد عليه العذابَ في الدنيا والآخرة. ﴿وَالْفُسُوقَ﴾: وهو (٥) الكذب والخروج من أمر الله وارتكاب الكبائر. وقيل: الفسوق الكبائر ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾: الصغائر. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾: الذين قد أصابوا طريقَ الحق ولم يَضِلوا عن الهدى. ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾: مفعول له، أي: حبَّبَ وكرَّه للفضل والنعمة. وقيل: نصب على المصدر. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بخلقه ﴿حَكِيمٌ (٨)﴾: في تدبيره. ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾: في الصحيحين عن أنس ﵁ أنه قال: قيل: لرسول الله ﷺ : يا نبَّي الله لو أتيتَ عبدَ الله بنَ أُبيّ فانطلق إليه (٦) رسولُ الله ﷺ على حمار، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبِخةٌ، فلما أتاه النبيُّ ﷺ راث حمارُه، فقال عبد الله (٧): إليك عنّي، فوالله لقد آذاني نتنُ روثِ (٨) حمارِك، فقال رجلٌ من الأنصار: والله لروثُ حمار (٩) رسول الله أطيبُ ريحاً منك فغضب لعبد الله رجلٌ من قومه، وغضب لكلّ واحدٍ منهما

стр. 2944

أصحابُه، فكان بينهما (١) حربٌ بالجريد والأيدي والنِّعَال، فأنزلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ٢) وعن (٣) سعيد بن جبير: أنَّ الأوسَ (٤) والخزرجَ (٥) كان بينهما حرب في عهد رسول الله ﷺ (٦) بالسَّعف والنعال، فترلت فيهم هذه الآية (٧). قتادة: نزلتْ في رجلين اختصما في مالٍ، فجرّ قومُ المدّعِي المدّعَى عليه، فجاء قومُ المدّعَى عليه فمنعوه، فوقع بينهم قتالٌ بالأيدي والنعال (٨). وقيل: ابتداؤه من امرأةٍ من الأنصار، يقال لها: أمّ زيدٍ (٩) بغضت زوجَها، فأرادت أنْ تلحق بأهلها، فجعلها في غُرفةٍ له، وأمر أهلَه أنْ يحتفظوا بها، وخرج إلى حاجةٍ، فأرسلتْ إلى أهلها،

стр. 2945

فجاء ناسٌ من أهلها وأرادوا أنْ يذهبوا بها، فاقتتلوا بالنعال فلاطموه، ... فنزلت (١) ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ (٢). والقتالُ قد يكونُ بالسلاح وبما دونه. وعن ابن بحرٍ أنه قال (٣): " القتال لايكونُ بالنعال والأيدي، وإنما هذا في المنتظَر من ... الزمان! " (٤). والطائفة: الجماعة. وقيل: يقع على الواحد أيضاً. وقد سبق في النور (٥). وارتفاعُه بمضمر، دلَّ عليه ما بعده، أي: إن (٦) اقتتلت طائفتان. وجُمع ﴿اقْتَتَلُوا﴾ حملاً على المعنى. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾: أي: ادعوهما (٧) إلى كتاب الله تعالى، والرضى بما فيه لهما وعليهما. ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾: تعدى إحدى الطائفتين على الطائفة الأخرى فطلبت ما ليس بمستحَقٍّ. ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾: تتعدى (٨) في القتال. وقيل: بالعدول عن الصلح.

стр. 2946

﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾: ترجع. ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾: كتاب الله وسنة رسوله. وقيل: ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾: ما أَمر به. ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾: رجعتْ عن البغي إلى أمر الله. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾: في ترك الهوى والميل. وقيل: بالعدل بكتاب الله. وَأَقْسِطُوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾: أي: اقسطوا أيها الناس، فلا تقتلوا بتمانع الحق. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: العادلين في القول والفعل. القفال: " ﴿وَأَقْسِطُوا﴾: خطابٌ للمصلحين، والمعنى: خذوا بالصفح والعفو والفضل بينكم، من قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] " (١). وفي الآية جواز قتال الباغي بالسلاح، وأن الباغيَ مؤمنٌ (٢). وعن علي ﵁: " إخوانُنَا بغوا علينا " (٣). وقيل: الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة، فسمَّاهم الله مؤمنين قبلَ بغيها، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ﴾، [المائدة: ٥٤]، وليس (٤) بمؤمن حالةَ الارتداد. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾: متواخون على الإيمان، والإيمان أشرف أنسابهم، وقد قطع الله الولايةَ بينهم وبين مَن خالفهم في الدِّين من أنسابهم.

стр. 2947

﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾: فأنتم أيضاً إخوَةٌ لهما، فتكونوا (١) قد قضيتُم حَقَّ المظلوم بإيصال حقه إليه، وحقَّ الظالم بإزالة الإثم عنه. وثُنِّيَ لأن أقلَّ مَن يقعُ بينهم القتالُ اثنان، وقيل: التثنية قد يقعُ موقعَ الجمع، كقولهم (٢): (لبيك وسعديك)، (ولا يَدَيْ لك) (٣). وقيل: بين رئيسي الفريقين؛ لأنهما إذا اصطلحا اصطلح الفريقان. وقيل: بين كلّ مسلمَين. وقرئ: ﴿بَيْنَ إِخْوَتِكُمْ﴾ (٤)، و: ﴿بَيْنَ إِخْوَانِكُمْ﴾ (٥). والأكثر في النَسَب الإخوة والإخاء، وفي الصداقة الإخوان، وتقع كلُّ واحدٍ منهما موقعَ الآخَر (٦). ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾: جمهورُ المفسرين على أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شمّاس، وذلك أنه كان في أُذنه وَقرٌ، وكان إذا (٧) أتى رسولَ اللهِ ﷺ ، أوسعَ له (٨) حتى يجلسَ إلى جنبه ﷺ فيسمعَ ما يقوله، فجاء يوماً وقد أخذ الناسُ مجالسَهم، فجعل (٩)

стр. 2948

يتخطّى رقابَ الناس، ويقول: تفسَّحوا، تفسّحوا (١)، فقال له (٢) رجل: أصبتَ مجلساً فاجلس، فجلس ثابت مغضَباً، ثم قال للرجل: يافلانُ بنَ فلانة، فذكر (٣) أُمَّاً له يعيَّر بها في الجاهلية، فنكَّسَ الرجلُ استحياءً، فأنزل الله هذه الآية (٤). وقيل: نزلت في كَعْب بن مالك (٥)، قال لعبد الله: يا أعرابي، فقال (٦) له عبد الله: يا يهودي (٧). وقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحجرات (٨) واستهزؤا بالفقراء (٩) (١٠) ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾. ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾: نزلت في عائشة ﵂ وقد عابت أمَّ سلمة بالقِصَر. وقيل: أنها ربطت حقويها بثوب أبيض، وسدلت طرفيها خلفها، وكانت تجره، فقالت عائشة لحفصة ﵂ (١١): انظري ما تجرُّ خلفَها، كأنه (١٢) لسان كلب (١٣).

стр. 2949

قال أنس ﵁: " نزلت في نساء النبي ﷺ ، عَيَّرْنَ أمَّ سَلَمَةَ بالقِصَر " (١). ابنُ عباس ﵄: أن صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيّ بن أخْطَب (٢) أتت رسول الله ﷺ فقالت: إنَّ النساء تعيرنني، فيقلن لي (٣): يا يهوديةَ بنتَ يهوديَّين، فقال لها رسول الله ﷺ : ((هلا قلتِ: إنَّ أبي موسى، وعمِّي هارون (٤)، وزوجي محمد ﷺ ))، فأنزل الله هذه الآية (٥). والمعنى: لا يستهزئ قومٌ بقومٍ. والسُّخْرة: الاستهزاء، وقيل: عيبٌ واحتقارٌ. والسُّخْرة تقع بما لا يمكنُ للمسخور منه دفعُه، كالقِصَرِ، والذَّمامة (٦)، والفقر، وقد يكونُ بما يمكنه دفعُه كالرجل يتزيّا بغير زيّه من لباسٍ وغيره، وقد يكونُ الاستهزاءُ من الدُّهاة بأهل السلامة. وجملة ذلك: أنهم نُهوا عن الازدراء بالضعفاء والفقراء (٧). والقوم اسمٌ مختصٌّ بالرجال دون النساء، من القيام على الشئ وتعاون البعض للبعض. وأنشدوا (٨): وما أدري (٩) وسوف أخالُ أدري ... أقومٌ آلُ حصنٍ أم نساءُ (١٠)

стр. 2950

وقيل: القوم جمعٌ، واحده رجلٌ، كالنساء جمعٌ، واحده امرأةٌ. وهذا مزيّفٌ (١). ﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾: أي: عسى أنْ يكونَ المسخورُ منه خيراً عند الله من الساخر. وقيل: عسى أنْ يزولَ فقرُه ويصيرَ أغنى من الساخر، ويزول ذمامتُه (٢) وقُبحُه منه إليه مما الله قادر على إزالته. ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: لا تعيبوا ولا تطعنوا أهلَ دينكم. وقيل: لا يلمز بعضُكم بعضاً. واللمزُ العيب والإشارة. ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾: النبزُ: القذف باللّقب المكروه، والنَبَزُ: بالفتح الاسم، والتنابز بين القوم، ولا يستعمل إلاّ في القبيح. واللقب يُستعمل في الحسن والقبيح، وهو اسمٌ أو وصفٌ يبقى على الإنسان فيجرى مجرى اسم العلم (٣). ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾: فيه تأويلان: أحدهما: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ﴾ اسمُ الفسق، وهو: أنْ يقولَ له: يا فاسقُ، يا سارقُ، يا زاني، يذكره باسم ذنبه بعد إيمانه وتوبتِه، وكذلك: يا يهودي، يا نصراني، يا خنزير، يا قرد. والثاني: أنَّ مَن أقدم على ما نُهيَ عنه من السخرة، واللمز، والنبز باللقب، فهو فاسق. ومعنى ﴿بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾: بدلاً عن الإيمان. وقيل: بعد دخوله في الإيمان. وقيل: ﴿بَعْدَ﴾ بمعنى مع.

стр. 2951

﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾: أي: عمَّا نُهي عنه. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾: معنى اجتنبوا كونوا منه في جانب، أي: ناحية. والظن على أربعة أوجه: مأمورٌ به، ومحظورٌ، ومندوبٌ إليه، ومباحٌ: أمَّا المأمور به فحُسن الظن بالله، قال رسول الله ﷺ : ((لا يموتنَّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظَّنّ بالله)) (١)، وكذلك حسن الظن (٢) بالمؤمنين [من قوله: ((إنَّ حسنَ الظن من الإيمان)) (٣)، وقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]. والمحظور: ظن السَّوء بالله وبالمؤمنين] (٤)، وهو قوله: ﴿إِن بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، أي -: الظَّنّ السوء. مقاتل: " هو أنْ يتكلمّ بما ظنَّه، فإنْ لم يتكلم به فلا إثم عليه (٥) " (٦). وأمَّا المندوب إليه: فالظن بمن ظاهره الفسق، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((احترسوا من الناس بسوء الظن)) (٧)، وقال ﷺ : ((الحزم سوء الظن)) (٨)، والحزم مندوب إليه.

стр. 2952

وأمَّا المباح: فكالظن في الصلاة والصوم والقِبلة، أُمِرَ صاحبه بالتحرِّي فيها، والبناء على غلبة الظن (١)، ولهذا الانقسام قال: ﴿كَثِيرَةٍ مِنَ الظَّنِّ﴾، ولم يقل: اجتنبوا الظنَّ مطلقاً. ثم قال: ﴿إِن بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾: ويحتمل أنَّ المعنى: احترزوا من الكثير ليقع التحرُّزُ عن البعض (٢). ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾: ولا تتّبعوا (٣) عثرات المؤمن. وقيل: هو البحث عما خفيَ حتى يظهر. وقرى بالحاء، شاذاً (٤). فقيل (٥): بالجيم البحث لغيرك، وبالحاء البحث لنفسك، وكلاهما منهيٌّ عنه (٦) (٧). ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: الغيبة ذكر الغائب (٨) بظهر الغيب (٩). أبو هريرة ﵁ قال (١٠): سئل رسولُ الله ﷺ عن الغِيبة، فقال: ((هو أنْ تقول (١١) لأخيك ما فيه، إنْ كنت صادقاً فقد (١٢) اغتبته، وإنْ كنت كاذباً فقد بهته)) (١٣).

стр. 2953

وقيل: الغِيبةُ: أنْ تقولَ فيه وهو غائب ما لو قلتَ في وجهه لكرهه. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾: هذا مثلٌ. والمعنى: كما تكرهون أكلَ لحمِه ميتاً فاجتنبوا ذكرَه بالسوء غائباً (١). وقيل: كما تكرهون أكلَ لحمِه ميتاً فاكرهوا ذكرَه بالسوء حياً. وقيل: كما تكرهون أكلَ لحمِه ميتاً، فإنه معصية الله (٢) فاتركوا غِيبته فإنه معصيةً لله. وإنما مثَّله بالأكل؛ لأنَّ العربَ تقول لمَن ذُكر بالسوء: إنَّ الناسَ يأكلون فلاناً ويمضغونه، فعبَّر عن إرادة ذكره بالفم بالأكل (٣). وقيل: لأنَّ الميتَ لا يشعرُ بما يُؤكَل منه ولا يحسُّ به، كذلك الغائبُ لا يشعرُ به ... ولا يحسُّ. قوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾: أي: بل عافته نفوسُكم فكرهتموه. وقيل: كرهتم أكلَ لحمِه طبعاً، فاكرهوا اغتيابَه؛ فإنَّه (٤) مثلُ أكله (٥). ابن عيسى: " كرهتم أكلَ لحمِه ميتاً فأكرهوا غِيبِته عَقْلاً؛ لأنَّ داعي العقل أولى بالاتباع من داعي الطبع، لأن داعيَ الطبع أعمىً جاهل، وداعي العقل بصير عالم، وكِلاهما في صفة الناصح " (٦) (٧). وقيل: كرهتم أنْ تُغْتابوا، فلا تغتابوا غيركم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فيما ينهاكم عنه وتوبوا إليه عما قد سلف. ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾.

стр. 2954

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾: نزلت في ثابت بن قيس حين قال: فلان ابن فلانة، فقال رسول الله ﷺ : ((مَنِ الذاكرُ فلانة))؟! فقام ثابت، فقال: أنا يا رسول الله، فقال: ((انظر في وجوه القوم))، فنظر، فقال: ((ما رأيتَ يا ثابت))؟ قال: رأيت أبيضَ وأسودَ وأحمرَ، قال: فإنك لا تفضُلهم إلا بالتقوى والدِّين، فأنزل الله هذه الآية (١). مقاتل: " لما كان يومُ فتح مكة، أمر رسولُ الله ﷺ بلالاً حتى أذَّن على ظهر الكعبة، فقال: عَتَّاب بنُ أَسِيد (٢): الحمد الله الذي قبض أبي حتى لم يرَ هذا اليومَ ". وقال الحارثُ بنُ هشام (٣): أما وجد محمدٌ غيرَ هذا الغرابِ الأسودَ مؤذِّناً. وقال سهيلُ بنُ عمرو: إنْ يرد الله شيئاً يغيره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً، إني (٤) أخاف أنْ يخبر به ربُّ السَّماء. فأتى جبريلُ ﵇، وأخبره بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا، فاقرُّوا، فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ، وزجرهم عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ﴾ (٥) آدم ﴿وَأُنْثَى﴾ حوَّاء ﵉، أي: كلكم بنو أبٍ واحدٍ، وأمٍّ واحدةٍ. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾: [أي لم تُصَدَّقوا بقلوبكم] (٦) ليعرف بعضُكم بعضا أشدَّ مما كان يعرفه لو كان بنو آدم مع كثرتهم نوعاً واحداً، ولم يختلفوا بالسَّوَدان والبِيضان، والعرب والعجم. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾: فالتمسُوا منها الشرف والفضل. والشعوبُ: جمع شَعب بالفتح، والقبائل: جمع قبيلة. وذكر القفَّال عن الزبير بن بكّارٍ (٧)، قال: " العرب على ستِّ طبقات: شَعبٌ، ثم قبيلةٌ، ثم عِمارةٌ، ثم بطنٌ، ثم فخذٌ، ثم فصيلةٌ " (٨) (٩). وعن غيره أنها (١٠) خمسٌ، وكلها مأخوذة من بَدَنِ (١١) الإنسان. وقيل: الشعوب: عرب اليمن وقحطان (١٢) (١٣)، والقبائلُ: ربيعة (١٤) ومُضرَ وسائرُ عدنان (١٥).

стр. 2955

وقيل: الشعوبُ: بطون العجم، والقبائلُ: بطون العرب (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾: بهم ﴿خَبِيرٌ (١٣)﴾: بفعلهم. ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا﴾: في سبب النزول: أنها نزلت في أعرابٍ من بني أَسَد بن خزيمة، قدموا على رسول الله ﷺ في سنةٍ جدبةٍ، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السِّرّ، وأفسدوا طريقَ المدينة بالعَذِرات وأغلوا أسعارَها، وكانوا يقولون لرسول الله ﷺ : أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك (٢) بنو فلان، فأعطنا من الصَّدَقة، وجعلوا يمنُّون عليه، فأنزل الله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا﴾ (٣): أي: إيماناً بِشرائطه فأَطلع الله نبيَّه على غيبهم، فقال: ﴿قُلْ﴾: لهم لَمْ ﴿تُؤْمِنُوا﴾: أي: لم تصدِّقوا ... بقلوبكم (٤). ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: أي: خضعنا وانقدنا خوفاً من القتل، وإرادة الدخول في جملة أهل الملة، وذلك استسلام؛ لأنَّ (أَسَلَمَ) يأتي على وجهين: أحدهما: شرعي، وهو: بمعنى الإيمان سواء.

стр. 2956

والثاني: لغويٌّ، بمعنى: استسلم وانقاد ودخل في السَّلم، وهو الذي أثبته لهؤلاء الأعراب مع نفي الإيمان عنهم (١). ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: ولم يدخل الإيمانُ في قلوبكم، فهو بمعنى: لَمْ (٢). وقيل: ﴿لَمَّا﴾: على أصله؛ لأنَّ فيها عِدَة. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: بترك النفاق وباعتقاد الإيمان بالقلوب. ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم الحسنة (٣) (٤). ﴿شَيْئًا﴾: بل يؤتيكم (٥) ثواباً مضاعفاً. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: يستر الذنوب (٦). ﴿رَحِيمٌ (١٤)﴾: بهدايتهم للتوبة. أي: فلستم أنتم إذاً بمؤمنين ولا مسلمين، إنما أنتم مستسلمون؛ لأن الوصفَ بالإيمان عامٌّ لجميع أهل الكتب كاليهود والنصارى، والإسلامُ وصفٌ خاصٌّ لأُمة محمدٍ ﷺ ، وهو كالاسم العَلَم لهم (٧). ومعنى: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾: قيل: لا ينقصكم. ألِتَ يألِتُ ألتاً: إذا نقص. وقيل: لا يُغلِظ عليكم.

стр. 2957

ومعنى: ﴿لا يَألِتكم﴾: قيل: لا ينقصكم كالأول. وقيل: لا يصرفكم. قال: وليلةٍ ذاتِ ندىً سَرَيتُ ... ولم يلتني عن هواها ليتُ (١) أي: لم يصرفني (٢). قطرب (٣): " ولته يلته "، بمعنى: صرفه عن وجهه " (٤). فيكونُ ﴿يَلِتْكُمْ﴾: على وزن يَعِدْكُمْ، وعلى الوجه الأول على وزن يَبِعْكُم، ويَكِلْكُم. ثُمَّ وصف المؤمنين المُحَقِّين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي: آمنوا بإخلاصٍ من عقائدهم، ثم حَقَّقوا بأفعالهم، وهو قوله: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: طاعته والجهاد. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾: في إيمانهم لاجتماع (٥) الإقرار باللّسان، والتصديق بالقلب، ثم بالعمل الصالح.

стр. 2958

﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ (١): في بعض التفاسير: أنَّه لمَّا نزلت الآيةُ الأولى جاءت هؤلاء الأعراب، وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون، فنزلت: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ (٢)، استفهام توبيخ، أي: كيف تُعلمونه بدينكم؟! ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾: لا يخفى عليه خافيةٌ. و" عَلِمَ ": يأتي بمعنى (أعلم)، وهو الذي في الآية (٣). وعلَّم في الأصل: إفادةُ العلم على التدريج والمعالجة الشديدة (٤)، وقيل: التعليم: تعريضُ مَن لا يعلم بإفهام المعنى لأنْ يعلم. والباء في ﴿بِدِينِكُمْ﴾ للسبب. ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾: سبب نزوله ما سبق. الزَّجَّاج في جماعةٍ: نزلتْ في قومٍ من المؤمنين منُّوا بإيمانهم على رسول الله ﷺ ، وتقديره: يَمُنُّون عليك بإسلامهم (٥). ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾: أي: بإسلامكم. ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾: أي: المِنّةُ لله عليكم. ﴿أَنْ هَدَاكُمْ﴾: بأنْ هداكم؛ وقيل: لأنْ هداكم، وقيل: هو نصبٌ. ﴿لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾: في إيمانكم، أي: فلستم صادقين، ولو كنتم مؤمنين صادقين، لكانت المنةُ لله، لا لكم. قال بعضُ المفسرين: وهذا دليلٌ على أن الإيمانَ والإسلامَ واحدٌ، ولو كانا غَيْرينِ ما كان للكلام وجهٌ (٦). المنُّ: يُذْكرُ، ويراد به (٧): التحمُّدُ بالنِّعمة، وهو مذمومٌ من العباد. ويُذْكرُ: ويُرادُ به (٨) الإنعامُ، وعليه وصفَ الله بأنَّه (٩) منَّانٌ (١٠). وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾: أي: أنعم عليكم. وقيل: ﴿بَلِ اللَّهُ﴾: أحقُّ بالتحمُّد بالنعمة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما غاب فيهما عنكم. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٨)﴾: هم (١١)، و ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أنتم. وفي الآية ذِكْرُ الغَيبة والحضور، فحسُنَ الوجهان (١٢). والله أعلم.

стр. 2959

سورة ق (١) " خمس وأربعون آية " (٢) (٣) مكيةٌ (٤). ابنُ عباس وقتادة: مكيةٌ إلاّ آية، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ. . .﴾ (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ ﴿ق﴾: قيل: هو اسمٌ من أسماء الله تعالى. وقيل هو (٦): اسم القرآن.

стр. 2960

وقيل: اسمُ السورة، وقيل: اسمُ جبلٍ من زَبرْجَدٍ أخضرَ، محيطٍ بالأرض، خُضرةُ (١) السماء منه (٢). وقيل: حرفٌ من اسمه : قادر، قاهر، قابض، قدُّوس، قويّ، قيّوم، اقتصر عليه، كما قال: قلتُ لها قِفي فقالت قاف (٣) لا تحسبي أنّا نسِينا الإيجاف (٤) وقيل: معناه: قُضيَ الأمرُ، كما قيل في ﴿حم﴾: حُمَّ ما هو كائنٌ. وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة، والعملِ بما أُمرتَ، حكاه الماورديّ (٥). والأحسن أنْ يُقال: هو من الحروف المقطَّعة لسكون آخره على ما سِيقَ أمثالُه. ﴿وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (١)﴾: الشريف العظيم الشأن. أقسم اللهُ - تعالى- به لبيانه أحكامَ الدنيا والآخرة. واختُلف في جواب القسم: فقيل: مضمَرٌ، تقديره: لتُبعثُنَّ.

стр. 2961

وقيل: ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾، أي: لقد. وقيل: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾؛ لتضمُّن ﴿بَلْ﴾ معنى النفي. وقيل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾. وقيل: مضمَرٌ، تقديره: أن محمداً ﷺ رسولُ الله، ودلَّ عليه قوله: ﴿جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ﴾. وقيل: مقدَّمٌ، فيمَن جعل معنى ﴿ق﴾: قضى. ويحتمل: أن جوابَه ما يستدعيه ﴿بَلْ﴾، وهو ما آمنوا بل عجبوا (١). والضمير (٢) يعود إلى الكافرين في قوله (٣): ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ﴾ وإنْ كان متأخِّراً، إلاّ أنه يجري مجرى ما يُفسِّره ما بعده. وقيل: هو بمنزلة قولك: جاءني زيدٌ، وقال الفاسقُ كذا. يعني به زيداً. ﴿أَنْ جَاءَهُمْ﴾: لأنْ جاءهم، ﴿مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾: يعني محمداً ﷺ . ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾: ذُكر بالفاء لاتّصال الثاني، وهو: ﴿شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ بالأول، وهو: ﴿عَجِبُوا﴾، وليس في ﴿ص﴾ كذلك، فلذلك قال: ﴿وَلَدٌ الْكَافِرُونَ﴾ بالواو (٤).

стр. 2962

قوله (١): ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾: قيل: إشارة إلى اختيار الله تعالى محمداً ﷺ للرسالة والإنذار. وقيل: إشارة إلى البعث بعدَ الموت، ولفظ ﴿مُنْذِرٌ﴾ دلَّ عليه، وقيل: ما بعده يدلُّ (٢) عليه. ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾: استفهام إنكارٍ واستبعادٍ، والعاملُ فيه مضمَرٌ، تقديرُه: أنُبعثُ؟ أنرجِعُ إذا متنا وكنا تراباً؟! (٣) ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾: من الصدق، لا يكونُ، وليس المرادُ بُعْدَ الزمان. وقيل: معنى: ﴿بَعِيدٌ﴾ محالٌ. ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: تأكلُ الأرضُ بعد موتهم من أجسادهم لحمَها وعظمَها، ودمَها وشعرَها، ويصيرُ جزءاً من الأرض (٤). ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ أي ومع هذا في السماء كتابٌ كُتب فيه ذلك وحُفظ. ومعنى حفظِه: أنه مُثبَتٌ فيه، فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، وقيل: بمعنى مفعول، وهو اللّوحُ ... المحفوظ (٥). وقيل: يَحفظُ عددَهم وأسماءَهم. وقيل: يُريدُ به (٦) كتابَ الحفَظَةِ، أي: يحفظُ أقوالَهم وأفعالَهم، ثم يُجازي عليه.

стр. 2963

وقيل: الكتابُ عبارةٌ عن العلم والإحصاء، حكاه القفّال، وأنشد بيتَ أبي تمام (١) إذا شئتَ أنْ تُحصِي فواضلَ كفِّه ... فكنْ كاتباً أو فاتّخذْ لك كاتبا (٢) وعن الحسن: "هذا وعدٌ من الله لنبيه بنُصرته، وإظهار دينه على سائر الأديان، فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ بأنْ يُقتلوا، أو يموتوا، أو ينتقلوا عن دينهم (٣)، ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ فيه نصرُك عليهم، فلا يضيقنَّ صدرُك " (٤). ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾: بمحمدٍ ﷺ والقرآن (٥). ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾: مختلِطٍ ملتبِسٍ، أي: في حقِّ محمدٍ ﷺ ، فمرّةً يقولون: هو شاعرٌ، ومرةً: كاهنٌ، ومرةً: مجنونٌ. وقيل: مختلطٌ في حقِّ البعث، فمرةً يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]، ومرةً: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ [فصلت: ٥٠]، ومرةً: ﴿مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢]. وقيل: مريجٌ متناقضٌ بإنكارهم القدرةَ (٦) على الإعادة، مع إقرارِهم بالقدرة على الابتداء.

стр. 2964

و ﴿مَرِيجٍ﴾: فعيلٌ بمعنى مفعولٌ من (مَرِجَ): إذا اضطرب، قال (١): مرِج الدين فأعددتُ له ... [مُشرفَ الحارِكِ محبوكَ الكَتَد] (٢) (٣) وقيل: فعيلٌ مِن مَرَجَ (٤) بمعنى مفعولٌ، من قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩]: أرسلَهما وخلاّهما (٥) (٦). ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾: ثم دلّهم على قدرته على البعث، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾. ﴿فَوْقَهُمْ﴾: أي: ثابتاً مُطلاًّ فوقَهم، فهو حالٌ للسماء. ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾: أي: بالنجوم والشمس والقمر. ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾: فيه أقوال: أحدُها: من خللِ وفُتوقٍ وصُدوعٍ وشُقوقٍ (٧).

стр. 2965

والثاني: ﴿مِنْ فُرُوجٍ﴾ يُمكنُ السلوكُ فيه، وأما الملائكةُ فيَنزِلون من السماء ويَعرُجون إلى الباب، ثم يُطبَقُ البابُ (١). وقيل: معناه: السماءُ خلْلٌ واحدٌ، ليست أقطاعاً ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ كأبنية الناس قال (٢) القفّالُ: " قال بعضُ الناس: إنَّ في هذه حجةً على استدارة السماءِ وإحاطتِها بالأرض من جميع (٣) جهاتها؛ لأنه أخبر أنه لا فروجَ فيها ". وقال في موضعٍ آخَرَ: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]، ولو كانتْ مبسوطةً غيرَ متّصلة الأجزاء (٤) لم يكنْ كذلك " (٥). ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: بسطناها من تحتهم (٦) إلى ما لا يعلمون (٧) من غايتها. وقيل: إلى مسيرة كذا سنة. وقال (٨) بعضُهم: هذا دليلٌ على أن الأرضَ مبسوطةٌ، وليستْ على شكل الكُرَة. وقال بعضُهم: أرادَ بالمدِّ التطويلَ، والمُدَوَّرُ والكُرَةُ لها طولٌ وعَرْضٌ وعُمقٌ (٩). ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا﴾: في الأرض على وجهها ﴿رَوَاسِيَ﴾: جبالاً ثوابت. ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾: في الأرض، ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾: أي: صنف. ﴿بَهِيجٍ (٧)﴾: حسَن، والبَهِجُ (١٠): الحسنُ المنظَر.

стр. 2966

وقيل: حسَنٌ له رُواءٌ عند الرؤية. وقيل: ﴿بَهِيجٍ﴾: سارٌّ، من البهجة. والمرادُ بـ ﴿زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ النباتُ، عند الجمهور (١). وقيل: أنواع الحيوان. وبهجتُها: حُسْنُ صورتِها. ولفظ: (أنبت) كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]: والنباتُ (٢) مذكورٌ بعد هذه الآية (٣). ويحتمل أنْ يعودَ الضميرُ (٤) إلى ﴿رَوَاسِيَ﴾. والزُّوجُ البهيجُ: الذهبُ والفضّةُ وسائر الفِلِزَّات (٥). ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾: ليُبصِّرهم ويجعلَهم ذوي بصائرَ، وليتذكروا بذلك. والمنيبُ: الراجع إلى الله، والإنابةُ: الرجوع. وقيل: المقبِل، والإنابةُ: الإقبال. ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾: من جانب السَّماء، وقيل: من السَّحاب، وقيل: من سماء الملائكة. ﴿مَاءً﴾: مطراً، ﴿مُبَارَكًا﴾: يلبثُ في أجزاء الأرض، فينبُع طولَ السنة. وقيل: ﴿مُبَارَكًا﴾ للخلق، فيه بركاتٌ ومنافعُ.

стр. 2967

﴿فَأَنْبَتْنَا﴾: فأخرجنا (١) من الأرض، ﴿بِهِ﴾: بذلك الماء. ﴿جَنَّاتٍ﴾: أي (٢): الأشجار، والفواكه، والثمار. ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾: أي: وحبَّاً يُحصَدُ (٣)، كالبرّ والشعير، وسائر الحبوب التي تُحصَد (٤). و ﴿حَبَّ الْحَصِيدِ﴾: عند بعض النحاة من إضافة الشيءِ إلى صفته. وعند بعضهم: الحصيد وصفٌ للقصب، أو للسنبلة (٥) التي فيها الحبُّ، وذلك يُحصَدُ لا الحبُّ (٦). ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾: طِوالاً عجيبةَ الخَلْق. وقيل: ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ أي: حوامل، من قولهم: أبسقت الشاةُ: إذا حملتْ، فيكونُ من باب (أفعَلَ)، فهو فاعلٌ (٧). وقد سبق في الحِجْر. ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾: منضودٌ بعضُه إلى بعضٍ، وهو ما دام في كُفُرَّاه (٨)، فإذا خرج فليس بنضيدٍ (٩).

стр. 2968

وقيل: طلعها ثمرُها، لقوله (١): ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، فيكونُ المعنى (٢): ثمارُها في حُلوقها ورؤوسِها، لا كسائر الأشجار متفرِّقٌ ثمارُها. أبو عبيدة (٣): " نخلُ الجنةِ نضيدٌ ما بين أصله وفرعه (٤)، كلَّما نُزعت (٥) رُطبةٌ عادت ألينَ من الزُّبد وأحلى من العسل " (٦). ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾: أي: عطاءً دارَّاً عليهم. ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾: بذلك الماء. ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾: قد جفَّ نباتُها وتهشّم، فأنبتنا فيها، فاهتزّتْ بالنبات وحَييتْ. ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾: من قبورهم يومَ البعث، بعد أنْ كنتم أمواتاً. وعن ابن عباسٍ ﵄: " يُنزِلُ اللهُ تعالى من السماء مطراً كنُطف الرجال، فيَنبتُ عليه اللحمُ والعظامُ والأجسامُ، فترجِعُ (٧) كلُّ روحٍ إلى جسدها " (٨).

стр. 2969

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣)﴾ يُريد: قوم لوطٍ (١)، وسمّاهم إخوانَه؛ لأن بينهم نسباً قريباً. وَأَصْحَابُ ﴿الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُطِعِ﴾. سبق في الدخان (٢). ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: أي: كلُّ قومٍ كذّبوا رسولَهم. وقيل: كلُّ قومٍ كذّبوا الرسلَ جميعاً؛ لأن مَن كذّب رسولاً واحداً فقد كذّب جميعَهم في الحكم. ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾: أي: فوجب ما كنتُ توعّدتُهم (٣) به على ألسنة رسلي من العقاب. وقيل: فصار حقّاً عندهم لما عاينوه بعدَ (٤) أنْ كانوا يتوهّمونه غيرَ حقٍّ، لكنه لم ينفعْهم. ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾: أفعجزنا عن الخلْق الأول وجهلنا وجهَ الأمر فيه حين أنشأناه فنعجزُ عن الخلق الثاني (٥)؟! استفهامُ إنكارٍ. والخلْق الأول: الإبداء، وهم مقرُّون بقُدرة الله تعالى عليه. والخلْق الثاني (٦): الإعادة. الحسن: " الخلْق الأول آدم ﵇ " (٧). وقيل: معناه ﴿أَفَعَيِينَا﴾ عن إهلاك مَن قبلَهم، فنعيا (٨) عن إهلاكهم. ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾: لبَّس الشيطانُ عليهم بشُبهِهِ (٩).

стр. 2970

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾: أي: ما يخطُر بباله لم يفعلْه بعدُ. والوسوسة: حديث النفس في خفاءٍ (١). ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾: أي: نحن أعلمُ بضميره، ممَّن كان في القرب منه بمنزلة حبل الوريد، وهو العِرْق الذي بين الحلقوم والعِلباوين (٢). وقيل: هو حبل العاتق (٣). وقيل: ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾: نياط (٤) القلب. وقيل: معناه نحن أعلمُ بما تُوسوسُ به نفسُه من حبل وريده بذلك، هو عرقٌ متّصلٌ بالقلب. وهما: وريدان عن اليمين والشمال، وسُمّيَ وريداً؛ لأنه ينصبُّ إليه ما يردُ من الرأس (٥)، والإضافةُ من باب مسجد الجامع. وقُربُ الله سبحانه بالعلم، وقيل: بالقدرة (٦). ﴿إِثْمٌ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾: أي: يتلقّى الملَكان الموكّلان قولَه وعملَه (٧). والتلقّي: الأخذُ، والقَبولُ، والتلقُّفُ، والتلقُّن (٨) واحدٌ (٩)، كقوله: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ﴾، ... [البقرة: ٣٧]. وقيل: التلقّي للشيءِ: أخذُه عن قائله (١٠). ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾: أي: أحدهما عن يمينه يكتبُ حسناتِه، والآخَرُ عن شِماله يكتبُ سيئاتِه. ﴿قَعِيدٌ (١٧)﴾: قاعدٌ جالسٌ (١١) وقيل: ﴿قَعِيدٌ﴾: رصَدٌ. ووُحِّدَ لأنَّ التقديرَ: عن اليمين قعيدٌ، وعن الشمال قعيدٌ، فاستغنى بذكر أحدِهما عن الآخَر (١٢). وقيل: فعيلٌ قد يقع موقعَ الجمع، فكذلك (١٣) يقعُ موقعَ التثنية، كقوله:

стр. 2971

﴿ ... وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، [التحريم: ٤]، وقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، ... [النور: ٦١]. وقيل: ﴿قَعِيدٌ﴾: بمعنى مقاعِد، كجليس وشرِيبٍ، وهو يقتضي اثنين. مَا ﴿يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾: ما يتكلم به، وما يرمي به من فيهِ (١). ﴿إِلَّا لَدَيْهِ﴾: عنده. قيل: يعود إلى الإنسان. وقيل: إلى القول الملفوظ (٢). ﴿رَقِيبٌ﴾: حافظ (٣). ﴿عَتِيدٌ (١٨)﴾: ثابت لازم. وقيل: العتيد: المعَدّ لِلُزوم الأمر (٤). والله وكَّلَّ بكلِّ مكلَّفٍ أربعةَ أملاكٍ، ملكَين بالليل، وملَكين بالنهار، يُحصِيان عليه كلَّ شيءٍ (٥). ابن عباس ﵄: " لا يكتبان إلاّ الخيرَ والشرَّ " (٦).

стр. 2972

الحسنُ: "عجبتُ لابن آدمَ، ملَكاه على نابيه، لسانُه قلمٌ لهما، ورِيقُه مدادٌ لهما، كيف يتكلّمُ فيما يعنيه وما لا يَعنيه (١) "؟! (٢) ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ شدَّتُه وغلَبتُه على فهم الإنسان، كشدَّة النَّوم والشراب (٣). ﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: ببيان ما يصيرُ إليه الإنسانُ بعدَ موته من جنةٍ أو نارٍ (٤). وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾: بأمر الله وحكمه الذي عمَّ به جميعَ الأحياء. وقيل: ﴿الْحَقِّ﴾: هاهنا هو الله تعالى (٥)، ولعلَّ هذا القائلَ أرادَ بعلم الحقّ واليقين الذي لا يبقى معه شكٌّ ولا ارتيابٌ (٦) (٧). وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾: الموعود المحقوق. وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾: قسمٌ. وفيه بُعدٌ (٨). ﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى الموت، وقيل: إلى الحقِّ. ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾: تميلُ وتروع وتكره (٩). وهذا (١٠) من قول الملَك، وقيل: من قول الله.

стр. 2973

وكأنَّ في الآية زيادة، والمعنى: فاستعدَّ له. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾: يعني نفخةَ البعث. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾: أي: يتحقّق فيه الوعيد. ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ أي: تجيءُ كلُّ نفسٍ في هذا اليوم ومعها سائقٌ يسوقُها إلى موقف الحساب، ولا مفرَّ له، وشاهدٌ يشهدُ عليه (١)، فلا إنكارَ ... له (٢). قيل (٣): السائق: كاتبُ سيئاتِه، والشهيدُ: كاتبُ حسناته. وقيل: السائقُ: الملَكُ، والشهيدُ: جوارحُه. وقيل: السَّائق (٤): عملُه، وقيل: الشهيدُ نفسُه. وقيل: السائقُ قرينُه من الشياطين، والشهيدُ: الملَكُ (٥). ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾: القولُ مضمَرٌ، والخطابُ للكفار عند بعضهم. والغفلةُ هو الإنكار، وقيل: هو عامٌّ، والغفلةُ: الاشتغال. ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾: فرفعنا وأزلنا عنكَ الحجابَ. قال بعضُهم: يُريدُ يومَ الوِلادةِ من الأمِّ. وقيل: بالنشْر من القبر. وقيل: وقتَ العرض في القيامة (٦).

стр. 2974

﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾: فعلمُكَ اليومَ نافذٌ (١)، وقيل: بصرُه عينه، وقيل: البصر الحديد: لسانُ الميزان (٢). قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾: خطابٌ للنبيّ ﷺ ، أي: كنتَ قبلَ الوحي في غفلةٍ من هذا العلم، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ بما أوحينا إليكَ، ... ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ فعلمُكَ ثاقبٌ نافذٌ، وهذا كقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ " [الشورى: ٥٢] (٣). ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾: الجمهورُ على أنه الملَك (٤). وقيل: قرينه من الشياطين (٥)، وقيل: قرينه من الإنس. وحكي عن (٦) محمد بن جرير: أنَّ القرينَ واحدٌ، والمرادُ به اثنان، كالأسماء الموحَّدة التي تقعُ على الواحد والاثنين والجمع " (٧).

стр. 2975

وقد سبق مثلُ هذا في ﴿قَعِيدٌ﴾، فيكونُ القرينُ الملَكين الحافظَين. ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾: أي: هذا ما كنت أكتبه، فهو (١) حاضرٌ عندي. فإنْ كان العبدُ من أهل الإيمان والجنة أُحضر كتابُ حسناته؛ لأن سيئاتِه قد كُفِّرت (٢)، وإنْ كان من أهل الكفر والنار أُحضر كتابُ سيئاتِه؛ لأن حسناتِه حبِطت لكفره. وعلى التأويل الآخَر يقولُ قرينُه من الشيطان الإنسيّ: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، يعني: ما يحضرُ به من العذاب الذي أعدَّه الله لهما. وعلى التأويلِ الثالثِ: يقولُ الإنسيُّ للشيطان: لم أجدْ ممّا وعدتني به في الدنيا إلاّ هذا العذابَ الحاضرَ عندي، والوجه هو الأولُ. والعتيدُ: المعَدُّ الحاضرُ (٣)، وهو صفةٌ لـ ﴿مَا﴾ إذا جعلتَه نكرةً، أو خبرٌ بعد خبر، أو بدلٌ (٤) من الخبر. ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ﴾: أي: يُقالُ: ﴿أَلْقِيَا﴾. وقيل: يقولُ اللهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾. وفي المخاطَبُ به أقوالٌ: أحدُها: أنهما (٥) السائقُ والشهيدُ، فيمَن جعلهما الملَكين؛ لأنهما معه إلى أنْ يدخلَ الجنةَ أو النار. والثاني: أنهما ملَكان من خزَنة النار.

стр. 2976

وقيل: خِطابٌ لمالكٍ خازن النار، وثُنِّيَ على عادة العرب في خِطاب الواحد خطابَ الاثنين، قال الشاعر (١): فإنْ تزجُراني يا ابنَ عفانَ انزجرْ ... وإنْ تدَعاني أحمِ عِرْضاً مُمَنَّعا (٢) ومثلُه: فقلتُ لصاحبي لا تحبِسانا ... بنزعِ أُصوله واجتزَّ شِيحا (٣) وله أمثالٌ. وقد سبق. وقيل: الألف في ﴿أَلْقِيَا﴾ بدلٌ من نون التأكيد المخفَّفة، أُجريَ في الوصل مجرى الوقف. وقيل: أراد: ألقِ ألقِ، فلمْ يُمكنْ تثنيةُ الفعل، فثنى الضمير. وعلى هذه الأقوال الثلاثة حُمل: قِفا نبك. . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . (٤) ويحتملُ أنه خِطابٌ للقرين فيمَن جعله بمعنى التثنية (٥). على ما سبق. ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾: كُلَّ (٦) كافر، مبالغٌ في كفره. ﴿عَنِيدٍ (٢٤)﴾: عادل عن الصواب، تقول: عَنِدَ عنه: مَالَ عنه. ﴿وعَدَدَ﴾: بمعنى: عانِد، أي: مائل.

стр. 2977

وقيل: ﴿عَدَدَ﴾: بمعنى مُعاند. وله وجهان: أحدهما: يعرفُ الحقَّ فيجحدُه. والثاني: لا يعرفُ خطأَ ما هو عليه (١). ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾: الزكاة المفروضة، وقيل: كلُّ حقٍّ أوجبه الله تعالى. و (الخير): المال، وقيل: (الخير) الإسلام (٢). والمرادُ به: الوليدُ بنُ المغيرة، وكان يمنع بنيه ولُحمتَه من الإسلام (٣). ﴿مُعْتَدٍ﴾: يظلمُ الناسَ بلسانه ويدِه. وقيل: يأتي الأمورَ القبيحةَ (٤). ﴿مُرِيبٍ (٢٥)﴾: الداخلُ في الرَّيب. وقيل: هو الذي يأتي (٥) الرِّيبةَ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾ الأول أمرٌ بالإلقاء في النار، والثاني بالإلقاء (٦) في العذاب الشديد، وقيل: التكرار للتأكيد. ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾: يعني الشيطانَ المقيَّضَ له (٧).

стр. 2978

وهذا حجةُ مَن ذهب في الآية الأولى إلى أنه الشيطان. والمعنى: أنه إذا أُلقيَ في النار ادَّعى على قرينه من الشياطين، فيقولُ قرينُه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾: كما زعم. ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾: وصَحِبتُه على طُغيانه وضلاله، وقيل: ولكنْ كان طاغياً باختياره. الفرّاء: " ﴿فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ من الرَّشاد والحقِّ " (١). وقيل: ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ متقادِمٍ بعيد المدّة عن وقت صُحبتي. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى (٢) ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾: بإحالة بعضِكم الذنبَ على البعض، فكلٌّ منكم مستحقٌّ للعذاب. ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾: بهذا العذاب على ألسنة رُسلي، فلا عذرَ لأحدٍ عندي. ابنُ عباس ﵄: " الوعيد: الرسول " (٣). وقيل: القرآن، وقيل: الأمر والنهي. ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾: هو إخلادُ الكفّار في النار (٤). وقيل: لا يُحرَّفُ ولا يُزادُ ولا يَنقُصُ. وقيل: هو قولُه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، [هود: ١١٩].

стр. 2979

وقيل: هو قولُه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. . الآية، [الأنعام: ١٦٠]. وقيل: قولُه: ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾: من كلام الملَك؛ لأنَّ الكافرَ يقول: كان يعجلني عن التوبة، فيقول: ما أطغيتُه ولكن كان ضالاً (١). وقال بعضُ المفسرين في قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾: معناه (٢): ما يُكْذَبُ عندي؛ لعلمي بحقِّه من باطله (٣). وقيل: تبديلُه: أنْ يفعلَ بخلاف ما أَخبرْتُه. وقيل: هو كقوله: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥]. وقوله (٤): ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾. سبق (٥). ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾: ﴿يَوْمَ﴾: نُصب بقوله: ﴿ظَلَّام﴾ عند بعضِهم. وقيل: نُصب بقوله: ﴿يُبَدَّلُ﴾. وقيل: أنذرهم ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾، كقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]. وقيل: ظرفٌ لجميع ما تقدَّم. أي: ذلك يكونُ (٦) يومَ نقول نحن. وقُرئَ: بالياء (٧)، أي يقول الله لجهنمّ:

стр. 2980

﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ﴾ حمل جلُّ المفسرين القولَ على الحقيقة، كما سبق في قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، [فصلت: ١١]، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، [الإسراء: ٤٤]. وقال بعضُهم: الخطابُ والجوابُ لأهل جهنمَ. وقال بعضُهم: هذا مجازٌ، وتقديرُه: لو كان لها تمييزٌ لقالت (١): ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. ومثله قولُه (٢): امتلأَ الحوضُ وقال قَطني ... مهلاً (٣) رُويداً قد ملأت بطني (٤) وهذا كثير (٥). وقوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها امتلأت وصارت بحيث لا ينجع (٦) فيها إبرةٌ، تصديقاً لقول الله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٩]، وهذا سؤال توبيخٍ لمَن في
следующие страницы →