← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وقيل: خِطابٌ لمالكٍ خازن النار، وثُنِّيَ على عادة العرب في خِطاب الواحد خطابَ الاثنين، قال الشاعر (١): فإنْ تزجُراني يا ابنَ عفانَ انزجرْ ... وإنْ تدَعاني أحمِ عِرْضاً مُمَنَّعا (٢) ومثلُه: فقلتُ لصاحبي لا تحبِسانا ... بنزعِ أُصوله واجتزَّ شِيحا (٣) وله أمثالٌ. وقد سبق. وقيل: الألف في ﴿أَلْقِيَا﴾ بدلٌ من نون التأكيد المخفَّفة، أُجريَ في الوصل مجرى الوقف. وقيل: أراد: ألقِ ألقِ، فلمْ يُمكنْ تثنيةُ الفعل، فثنى الضمير. وعلى هذه الأقوال الثلاثة حُمل: قِفا نبك. . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . (٤) ويحتملُ أنه خِطابٌ للقرين فيمَن جعله بمعنى التثنية (٥). على ما سبق. ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾: كُلَّ (٦) كافر، مبالغٌ في كفره. ﴿عَنِيدٍ (٢٤)﴾: عادل عن الصواب، تقول: عَنِدَ عنه: مَالَ عنه. ﴿وعَدَدَ﴾: بمعنى: عانِد، أي: مائل.

стр. 2977

وقيل: ﴿عَدَدَ﴾: بمعنى مُعاند. وله وجهان: أحدهما: يعرفُ الحقَّ فيجحدُه. والثاني: لا يعرفُ خطأَ ما هو عليه (١). ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾: الزكاة المفروضة، وقيل: كلُّ حقٍّ أوجبه الله تعالى. و (الخير): المال، وقيل: (الخير) الإسلام (٢). والمرادُ به: الوليدُ بنُ المغيرة، وكان يمنع بنيه ولُحمتَه من الإسلام (٣). ﴿مُعْتَدٍ﴾: يظلمُ الناسَ بلسانه ويدِه. وقيل: يأتي الأمورَ القبيحةَ (٤). ﴿مُرِيبٍ (٢٥)﴾: الداخلُ في الرَّيب. وقيل: هو الذي يأتي (٥) الرِّيبةَ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾ الأول أمرٌ بالإلقاء في النار، والثاني بالإلقاء (٦) في العذاب الشديد، وقيل: التكرار للتأكيد. ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾: يعني الشيطانَ المقيَّضَ له (٧).

стр. 2978

وهذا حجةُ مَن ذهب في الآية الأولى إلى أنه الشيطان. والمعنى: أنه إذا أُلقيَ في النار ادَّعى على قرينه من الشياطين، فيقولُ قرينُه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾: كما زعم. ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾: وصَحِبتُه على طُغيانه وضلاله، وقيل: ولكنْ كان طاغياً باختياره. الفرّاء: " ﴿فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ من الرَّشاد والحقِّ " (١). وقيل: ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ متقادِمٍ بعيد المدّة عن وقت صُحبتي. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى (٢) ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾: بإحالة بعضِكم الذنبَ على البعض، فكلٌّ منكم مستحقٌّ للعذاب. ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾: بهذا العذاب على ألسنة رُسلي، فلا عذرَ لأحدٍ عندي. ابنُ عباس ﵄: " الوعيد: الرسول " (٣). وقيل: القرآن، وقيل: الأمر والنهي. ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾: هو إخلادُ الكفّار في النار (٤). وقيل: لا يُحرَّفُ ولا يُزادُ ولا يَنقُصُ. وقيل: هو قولُه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، [هود: ١١٩].

стр. 2979

وقيل: هو قولُه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. . الآية، [الأنعام: ١٦٠]. وقيل: قولُه: ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾: من كلام الملَك؛ لأنَّ الكافرَ يقول: كان يعجلني عن التوبة، فيقول: ما أطغيتُه ولكن كان ضالاً (١). وقال بعضُ المفسرين في قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾: معناه (٢): ما يُكْذَبُ عندي؛ لعلمي بحقِّه من باطله (٣). وقيل: تبديلُه: أنْ يفعلَ بخلاف ما أَخبرْتُه. وقيل: هو كقوله: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥]. وقوله (٤): ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾. سبق (٥). ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾: ﴿يَوْمَ﴾: نُصب بقوله: ﴿ظَلَّام﴾ عند بعضِهم. وقيل: نُصب بقوله: ﴿يُبَدَّلُ﴾. وقيل: أنذرهم ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾، كقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]. وقيل: ظرفٌ لجميع ما تقدَّم. أي: ذلك يكونُ (٦) يومَ نقول نحن. وقُرئَ: بالياء (٧)، أي يقول الله لجهنمّ:

стр. 2980

﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ﴾ حمل جلُّ المفسرين القولَ على الحقيقة، كما سبق في قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، [فصلت: ١١]، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، [الإسراء: ٤٤]. وقال بعضُهم: الخطابُ والجوابُ لأهل جهنمَ. وقال بعضُهم: هذا مجازٌ، وتقديرُه: لو كان لها تمييزٌ لقالت (١): ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. ومثله قولُه (٢): امتلأَ الحوضُ وقال قَطني ... مهلاً (٣) رُويداً قد ملأت بطني (٤) وهذا كثير (٥). وقوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها امتلأت وصارت بحيث لا ينجع (٦) فيها إبرةٌ، تصديقاً لقول الله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٩]، وهذا سؤال توبيخٍ لمَن في

стр. 2981

النار، وزيادة في مكروههم. والمعنى: لم يبقَ في موضعٍ زيادةٌ، ومثله قوله ﷺ : ((هل ترك لنا عقيلٌ (١) من دارٍ؟!)) (٢). أي: لم يترك؛ لأنه باع دُورَ المهاجرين بعدَ هجرتهم إلى مكةَ (٣) (٤). والثاني: أنها تزيدُ، وأن هذا قبلَ دخولِ جميعِهم فيها. والثالث: أن قولَها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾: طلبٌ لأن يُزادَ في سعتها؛ لتزيدَهم (٥) انتفاخاً (٦)، وقد جاء (٧) في الأخبار ((غِلَظُ جلدِ الكافر في النار سبعون ذِراعاً بذِراع الجبّار)) (٨).

стр. 2982

وأما ما ذكره المفسِّرون وجاء في الخبر من قوله ﷺ : ((لن تمتلئ النارُ حتى يضعَ الجبّارُ قدمَه فيها (١)، فتقول: قطْ، قطْ، قد امتلأتُ)) (٢)، فذهب بعضُهم إلى أن الجبارَ هو (٣) الكافرُ من قوله: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾، [إبراهيم: ١٥]. وروى بعضُهم: ((حتى يضعَ الرحمنُ قدمَه فيها)) (٤)، فذهب بعضُ العلماء إلى أن القَدَمَ هم الذين أعدَّهم للنار وخلقَهم لها، ومثلُه قولُه: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾، [يونس: ٢]. وروى بعضُهم: ((حتى يضعَ رجلَه فيها)) (٥)، والرجلُ: الجماعةُ المعدَّة لها أيضاً. قال الشاعر (٦): فمرَّ بنا رِجلٌ من الناس وانزوى ... إليهم من الحيِّ اليمانينَ (٧) أرجُلُ (٨) ورِجْلٌ من الجراد، معروفٌ (٩).

стр. 2983

وأنكر بعضُ المفسّرين الخبرَ أصلاً، وقال: إنَّ هذا كلام المجسِّمة (١)، ثم قال: ولا أدري كيف قولُهم في قدمه (٢)، أيتركُها في جهنمَ بحالها أم يخرجها؟! فإنْ تركها وجب أنْ تكونَ (٣) مخلَّدةً في النار مع أهل النار، وإنْ أخرجها عادت جهنمُ غيرَ مملوءةً. وهذا اعتراضٌ على المجسِّمة مسكتٌ. وروى الثعلبي: (قِدمُه) بكسر القاف، وفسَّره بأنهم قومٌ خلقهم الله تعالى قبلَ آدمَ ﵇، يُقال لهم: (القِدَمُ)، رؤوسُهم كرؤوس الكلاب والذئاب، وسائرُ أعضائهم كأعضاء بني آدمَ ﵇، فعصوا ربَّهم فأهلكهم، يملأُ اللهُ بهم جهنم " (٤). وهذا ضعيفٌ في الرواية، ركيكٌ. والاعتراضُ على هذا وعلى المجسِّمة من وجهٍ أحسن من الأول، هو أنْ يُقال: إنَّ اللهَ سبحانه عيَّن وبيَّن، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، [هود: ١١٩]، فإذا ملأها ممّا ذهب إليه الثعلبيّ، أو ممّا ذهب إليه المجسِّمةُ لا يكونُ إنجازاً وبراً، بل يكونُ خُلْفاً. والله أعلم (٥). ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾ أي: قُرِّبت وأُدنيت (٦). والإزلافُ: التقريبُ في الخير، قيل: هذا قبلَ الدخول، يرونها من قُربٍ إلى أنْ يدخلونها بعدَ الحساب، ومثلُه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، [الشعراء: ٩٠ - ٩١].

стр. 2984

وقيل: بعدَ الدخول، أي: قُرِّبتْ (١) لهم مواضعُهم فيها، فلا يطلُبون منها بعداً. وقيل: قُرِّبتْ للمتقين لتُقرِّبَهم قُربَ ظَفَرٍ ودخولٍ (٢). ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: أي: قريب، فلم يبعُد (٣)، وقيل: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: في الزمان والمكان، وذِكْرُ البعيد حملاً على الزمان أو المكان. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢)﴾: أي يُقال للمتّقين وقد أُزلفت الجنة: ﴿هَذَا﴾ الذي ﴿تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. وقيل: خاطبهم في الدنيا فقال: ﴿هَذَا﴾ الذي وُعدتم ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. وهذا أظهر. و ﴿هَذَا﴾ في الآية مبتدأٌ، ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ صفته، [﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ خبرُه. ومعنى:] (٤) ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾: راجع من المعصية إلى الطاعة. وقيل: توَّاب، كلّما أذنب ذنباً تاب. ابنُ عباس ﵄: " مسبِّحٍ " (٥). ﴿حَفِيظٍ﴾: يحفظُ ذنوبَه حتى يتوبَ منها، وقيل: الحفيظُ لما يَسمعُ من كلامِ الله وسنة رسوله، وقيل: يحفظُ كلَّ ما قرّبه إلى ربه، وقيل: يذكرُ ذنبَه إذا خلا؛ فيستغفرُ اللهَ منه، وقيل: الحفيظُ: المُطيع، وقيل: يحفظُ نفسَه فلا يشرعُ في معصيةٍ. وقيل: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾: هو الرجلُ يكونُ في المجلس فإذا أرادَ أنْ يقومَ قال: اللهمّ اغفرْ لي ما أصبتُ في مجلسي هذا. ومعنى ﴿حَفِيظٍ﴾: حافظ، وقيل: محافظ (٦). ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾: مَن أخلص لله في السرِّ والعلانية. وقيل: مَن آمن بالبعث والجزاء، وذلك غيبٌ. وقيل: خشي عذابَ الله بالغيب من حيثُ لا يشعر به الناس. ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾: مُقبل إلى الله بطاعته، راجع إليه بعمله. ﴿مَنْ خَشِيَ﴾: [يجوزُ أنْ يكونَ خفضاً على البدل، و] (٧) يجوزُ أنْ يكونَ خبراً، أي: هم مَن خشي، ويجوزُ أنْ يكونَ مبتدأً، والخبر: يُقال لهم: ادخلوها. وقيل: ضُمَّ بالنداء، تقديره: يا (٨) مَن خشيَ الرحمنَ ادخلوها، فلا يحتاجُ إلى إضمار القول. والباء في ﴿بِالْغَيْبِ﴾: للحال، وقيل: بظهر الغيبط. ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾: بسريرةٍ مُرضيةٍ، وعقيدةٍ صحيحة. ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾: أي: سالمين ناجين من كلّ مكروهٍ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾: إما في الجنة، وإما في النار. والتقدير: ادخلوها خالدين ذلك يوم الخلود. ﴿لَهَمَّتْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾: هو كقوله: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ... [الزخرف: ٧١]. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾: بالواحد عشراً. وقيل: المزيد التزوُّج بالحور العين. والجمهور على أنَّ المزيدَ رؤيةُ الله سبحانه (٩). الزجّاج: " إن السحابَ يمرُّ بأهل الجنة فيُمطِرهم الحورَ، فيقول الحورُ: نحن الذي قال الله تعالى: وَلَدَيْنَا ﴿مَزِيدٌ﴾ " (١٠). ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾: قبلَ قومك. ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: من القرون الذين (١١) كذّبوا رسلَهم. ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ﴾: من قومك. ﴿بَطْشًا﴾: قوةً، وأقوى أبداناً، وأشدّ سطوةً على الناس. ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)﴾: طوّفوا وفتّشوا وساروا وسلكوا (١٢). قال امرؤ القيس (١٣):

стр. 2985

لقد نقّبتُ في الآفاق حتى ... رضِيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ (١) فلم يجدوا من الموت محيصاً، أي: موضعاً يهربون إليه. وقيل: المنقِّبون (٢) هم الذي كذّبوا الرسل، تقول: نقّبوا في البلاد يطلبون محيصاً من عذابهم، فلم يجدوه. وقيل: فنقّب مشركو قريشٍ، وساروا في بلاد أولئك القوم، وشاهدوا آثارَ ما حلّ بهم من حيثُ لم يجدوا منه محيصاً. والمعنى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] (٣). وقيل: معناه: هل كان لهم من محيص. والنقْبُ: الخرْقُ والدخولُ (٤) في الشيءٍ، والنَّقْبُ الطريق أيضاً. والمعنى: ساروا في طرقها (٥). وقيل: (نَقَّبُوا في البلاد): أكثروا السيرَ فيها، حتى نقبت دوابُّهم، أي: صارت في خُفها نُقوبٌ. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما ذُكر في هذا السورة ﴿لَذِكْرَى﴾: تذكيراً وعِظةً. ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾: أي: عقل، والقلبُ يُذكرُ والمرادُ به (٦) العقل (٧).

стр. 2986

وقيل: القلب محلُّ التَّدبر (١)، كما قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، [محمد: ٢٤]، فيكونُ المعنى: لمَن استعمل قلبَه في التدبير والنظر. قال الشاعر (٢): . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وأنكِ مهما تأمُري القلبَ يفعلِ (٣) وفي بعض التفاسير: ما بُني الإنسان إلاّ على قلبٍ، ولكن لمَن كان له قلبٌ حيٌّ (٤). ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾: أصغى إلى مواعظه وزواجره. وإلقاء السمع هو السَّمعُ إلى الشيءِ، قال: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾، [الشعراء: ٢٢٣]. ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾: من الشهادة التي هي الحضور، أي: حاضر القلب والفكر غير ساهٍ غافلٍ عمَّا يُقال ويُسمع. وقيل: ﴿شَهِيدٌ﴾: من الشَّهادة التي يثبتُ بها (٥) الحقوقُ. والمعنى: يتذكّر بالقرآن أحدُ الرجلين: إما رجلٌ له قلبٌ وعقلٌ، يعرف معجزتَه فيُؤمنُ به، وإما رجلٌ مستمعٌ مسترشدٌ.

стр. 2987

وقيل: ﴿مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾: هو المؤمن من العرب، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾: المؤمنُ من أهل الكتاب؛ لأنه شاهدٌ بأنَّ في الكتاب الأول نعتُ محمدٍ ﷺ ، وشاهدٌ أنَّ هذا الكتاب مصدِّقٌ للكتاب الأول. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: عن (١) عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ ﵄: أنَّ اليهودَ أتت النبيَّ ﷺ فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال: ((خلق اللهُ الأرضَ يومَ الأحد والاثنين، وخلق الجبالَ وما فيها من المنافع يومَ الثلاثاء، وخلق الشجرَ والنباتَ والماءَ يومَ الأربعاء، وخلق السماواتِ يومَ الخميس، وخلق النجومَ والشمسَ والقمرَ يومَ الجمعة))، فقالت اليهودُ: ثم ماذا يا محمدُ؟ قال: ثم استوى على العرش "، قالوا: قد أصبتَ، أو تمّمتَ، ثم استراحَ يومَ السبت (٢)! فغضب النبيُّ ﷺ غضباً شديداً، فنزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. . .﴾)) (٣). ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾. ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. المرادُ (٤) بقوله: هي: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: هي أيامٍ (٥) كأيام الدنيا. الضحّاك: "كلُّ يومٍ كألف سنةٍ ممّا تعدُّون " (٦). وقد سبق. في (٧) بعض التفاسير: وقوعُ العالَم على هذا الترتيب والتأليف، وأنْ يكونَ بعضُه سبباً لبعضٍ مستحيلٌ في نفسِه أنْ يُوقَعَ في أقلَّ ممّا أُوقعَ فيه، واللهُ سبحانه لا يُوصَفُ بالقُدرة على المستحيلاتِ (٨).

стр. 2988

قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾: أي: تعبٌ وإعياءٌ، خلافاً لليهود حيث قالوا: استراحَ يومَ السبت، فوضعَ إحدى رجليه على الأخرى في الجلوس (١). قيل (٢): لما سمّى اللهُ تعالى يومَ (٣) السبت يومَ الراحة ظنُّوه استراحَ فيه، وإنما أراحهم؛ إذْ جعله عيداً لهم. وأنكر اليهودُ التربيعَ في الجلوس، وزعموا أنه جلس تلك الجلسة يومَ السبت. ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: أي: على ما قالت اليهودُ. وقيل: فاصبرْ على أذى الكفّار، ولا تستعجلْ عذابَهم. قيل: منسوخٌ بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: نزّهه عن الجَلسة والإعياء والراحة والتربيع. والجمهور على أن المرادَ بالتسبيح هاهنا الصلواتُ الخمسُ، ((وكان النبيُّ ﷺ إذا حزبه أمرٌ فزِع إلى الصلاة)) (٤). قوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾: صلاة الفجر. ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾: صلاة الظهر والعصر. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: صلاةُ المغرب وصلاةُ العشاء الآخِرة. قتادة: " قبلَ غروبها: صلاةُ العصر " (٥). وقيل: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: صلاةُ صلاة العشاء الآخِرة. وقيل: فسبِّح اللهَ (٦) بالليل. ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾: قُرئ بالكسر والفتح: الكسر: مصدر (أدبر)، والفتحُ: جمع دُبُر، والمعنى واحدٌ؛ لأن انقضاءَ الشيء إنما يكونُ بآخره، وآخره إنما يكونُ بانقضائه (٧). والتقدير: وقت إدبار السجود. وفيه ثلاثة أقوالٍ: أحدُها: أنه التسبيح المعروف باللسان أعقابَ الصلوات. وقيل: هو النوافلُ بعدَ المفروضات بعد كلّ صلاةٍ مكتوبةٍ ركعتان. والظاهر يدلُّ على هذا، والأولى اتّباع الجمهور. وقيل: هي (٨) الركعتان بعدَ صلاة المغرب. ورُويَ عن النبيّ ﷺ أنه قال: ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: ركعتان بعدَ صلاة المغرب، ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]: ركعتان قبلَ صلاة الفجر)) (٩). ﴿وَاسْتَمِعْ﴾: السَّمعُ (١٠) إدراك المسموع، والاستماعُ: طلب إدراك المسموع بالإصغاء إليه. ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ أي: صفة: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾، فحُذف المضافُ، وهو مفعولٌ به، وليس بظرفٍ، وعُدِّيَ إليه الاستماعُ من غير (إلى)، واللاّم كقوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾، [الزمر: ١٨]. المفضَّلُ: " ﴿يَوْمَ يُنَادِ﴾ ظرفٌ للاستماع " (١١)، والمعنى: كأنكَ به، من صِدْق الوعد وقُرب الوقت " (١٢). والمنادِي: إسرافيلُ، والنِّداءُ نفخُه. وقيل: المنادِي: هو الله تعالى، وسُمِّيَ نداءً من حيث إنه جعله علَماً للخروج والحشر، وإنما يقعُ ذلك بالنِّداء، كأذان المؤذِّن، وعلاماتِ الرحيل في العساكر، وقيل: هو النِّداءُ حقيقةً. ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١)﴾: هو صخرةُ بيتِ المقدِس، وهي أقربُ الأرض من السماء بثمانية عشر ميلاً، وموضعها وسط الأرض، يقفُ عليها (١٣) ملَكٌ ويضعُ إصبعيه في أُذنيه، ويُنادي: أيتها العِظامُ النَّخِرةُ، والأوصالُ الباليةُ، واللُّحوم المتمزقة، والشُّعور المتفرِّقة، قومي إلى مُحاسبة رب العِزّة (١٤). وسُمِّيَ قريباً؛ لأنه يُسمعهم جميعاً، ولا يبعُدُ أحدٌ منه.

стр. 2989

وقيل: كلُّ أحدٍ يسمعه من تحت قدميه (١). وقيل: المنادي هو اللهُ تعالى، والمكان القريب هو الأُذُن (٢). ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾: بدلٌ من اليوم الأول. ﴿بِالْحَقِّ﴾: بما هو حقٌّ من الجزاء والثواب والعقاب. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾: من القبور. ويومُ الخروج عند أبي عبيدة من أسماء يوم القيامة (٣). وسُمِّيَ يومُ العيد يومَ الخروج أيضاً تشبيهاً به. ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾: أي نحي الخلقَ، ونُميتهم في الدنيا (٤). ﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾: بالبعث في الآخرة. ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾: تتصدّعُ الأرضُ، فتخرجُ الموتى من صُدوعها ﴿سِرَاعًا﴾: مُسرعين ذَلِكَ ﴿حَشْرٌ﴾: جمعُهم. ﴿عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾: هيِّنٌ، نقول له (٥): كنْ فيكونُ. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾: هذا تصبيرٌ للنبيِّ ﷺ ، يقول: نحنُ أعلمُ بما يقولُ المشركون من تكذيبِكَ، والافتراءِ على ربّكَ، ونحنُ لهم بالمرصاد. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾: بمسلَّطٍ تسيرُ (٦) فيهم بالجبريّة، حتى لا يُرضيكَ إلاّ عقوبتُهم.

стр. 2990

وقيل: ﴿بِجَبَّارٍ﴾: تجبرهم على الإسلام، إنما بُعثتَ مُذكِّراً. فيكونُ (أجبر) فهو جبّارٌ، كـ (أدرك) (١)، فهو درّاكٌ. وجاء أيضاً جبرتُه (٢) على كذا، فالجبّارُ صحيحٌ (٣). ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾: قال (٤) ابنُ عباسٍ ﵄: قال المؤمنون: لو ذكّرتنا يا رسولَ الله، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (٥)، فخصَّ الخائفين لانتفاعهم به. [والحمدُ لله حقَّ حمده] (٦).

стр. 2991

سورة الذَّاريات (١) (٢) ستون آية (٣) (٤)، مكية بالإجماع (٥) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾: أقسم الله تعالى بالذَّاريات لمنافعها. وقيل: تقديره: وربِّ الذَّاريات، وجلُّ المفسرين على أنَّ المرادَ بها الرِّياحُ (٦)، تقول: ذرت الرِّيح تذرو وتَذري، وأَذرت وتُذري. وذرواً: مصدر أفاد (٧) المبالغة في الكثرة. وقيل: ذرواً مفعول، والمراد به المذروّ. الكلبِي (٨): " أقسم بالذَّاريات وما ذرت " (٩)، وهو سهو منه. وقيل: الذَّاريات من ذرى الفَرَس وأذرى: إذا أسرع في السِّير.

стр. 2992

وذهب أقضى القضاة إلى أن الذَّارياتِ: النساءُ الولودات؛ لأنَّ في ترائبهنَّ ذَرْوَ الخلق، ... ولأنهنَّ يُذرين الأولادَ فصُرن ذاريات (١). ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾: الجمهور على أنها السَّحاب تحمل الماء (٢). وقيل: هي الرِّياح تحمل السَّحاب. وأقضى القضاة حملها على النساء الحوامل (٣). ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾: أكثرهم على أنها السفنُ تجري في البحر سهلاً (٤). وقيل: الشَّمس، والقمر، والنُّجوم. وقيل: الرِّياح. ابنُ عمر ﵄ "الرياح ثمانٌ (٥) أربعٌ منها عذابٌ، وأربع منها رحمة: أمَّا الرَّحمة: فالناشرات، والمبشرات، والذاريات والمرسَلات، وأمَّا العذاب: فالعاصف، والقاصف، والصَّرصر، والعقيم " (٦). وأراد ابنُ عمر ما في القرآن من ألفاظ الرِّياح.

стр. 2993

وأجمعت العرب على أن الرِّياحَ أربعٌ: الشِّمال، والدَّبور، والجَنوب، والصِّبا، ويقال لها: القبول (١). ومهبُّ الشمال: من بنات النَّعش (٢) إلى مغرب الشمس، ومهبُّ الدَّبور: من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل، ومهبُّ الجنوب: من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس، ومهبُّ الصِّبا: من مطلع الشمس إلى بنات النَّعش (٣). ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾: كلُّ المفَسِّرين على أنهم الملائكة يقسِّمون الأرزاق بين العباد (٤). وقيل: بين الحيوان على ما ينزله الله على أهل الأرض. وقيل: يقسم ما يوحي الله إليهم. وقيل: معنى يقسّم الملائكة أي: تأتي (٥) بأمور مُخْتَلِفَة: جَبْرَيلُ بالغِلْظة (٦)، وميكائيل بالرحمة، وعزرائيل (٧) بالموت، وإسرافيل بالنفخ (٨). وقال (٩) ابن بحر: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ (١٠): هي الرياح، أيضاً، أي: تصيب بمطرها على ما قدّره الله (١١) تعالى من زيادة ونقصان وإصابة وحرمان " (١٢).

стр. 2994

ويحتمل أن المرادَ بالكلِّ الملائكة؛ لإجماعهم على أنَّ المُقسِّمات أمراً: هم الملائكة، ... فيكون الكلُّ من جنسٍ واحدٍ؛ لأنَّه عطف بعضَها على بعضٍ بالفاء، وذلك يَقْتَضِى اتّصالاً وتعقيباً، فيصيرُ التقديرُ: أقسم بالملائكة التي تذروا الرياح فتحمل السحابَ فتجري بها وتقسمها في البلاد بين العباد (١). ولهذا المعنى حمل ابنُ بحرٍ الجميعَ على الرِّياح (٢). وسأل عبد الله بن الكوّاء عليّا ﵁ عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾، فقال: " الرِّياح، وعن ... ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾، فقال: السَّحاب، وعن ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾، فقال: السُّفن، وعن ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾، فقال: الملائكة " (٣). وهذا أولى الأقوال. والله أعلم (٤). ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾: لصدقٌ، وقع اسمُ الفاعل موقعَ المصدر (٥). وقيل: ﴿لَصَادِقٌ﴾: أي: ذو صدق. وقيل: تقديره لوعد صادق، فحذف المضاف وأُقيم المضافُ إليه مَقامه. ويحتمل: أن الوعدَ وُصف بالصدق للمبالغة، كما تقول شِعْرٌ شَاعرٌ، وسِرٌّ كاتمٌ. ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾: الجزاء على الأعمال.

стр. 2995

﴿لَوَاقِعٌ (٦)﴾: لكائن. مجاهد: " وإنّ الحسَابَ لوَاجبٌ " (١). ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾: هذا قسمٌ آخرُ. ابن عباس ﵄ " حُبْكُها: حسنُها واستواؤها " (٢). وقيل: الحبك الطرائق الحسنة، مثل ما يظهر على الماء من هبوب الريح وعلى الرمل، ومثله في الشَّعر والذرع (٣). وقيل: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات الزينة. وقيل: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: البنيان المتقن. وقيل: ذات الشدّة، تقول: حبَكتُ الشيء شددته. وقيل: حُبْك السَّماء ارتفاعٌ وانخفاضٌ في خَلْقها وليست بملساء. وقيل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾: السماء السابعة. وقيل: المراد بالسَّماء: السَّحاب، وبالحبك: ما يظهر على الرَّمل والماء. والحُبُكُ جمع حبيكةٍ، كطريقة وطُرُق. وقيل: جمع حِباك كجرابٍ وجرب، فيكون (٤) الحِباكُ الذي بمعنى الرِّباط وهو الحبل (٥).

стр. 2996

﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾: أي: مصدِّقٍ بالقرآن ومكذِّبٍ به (١). وقيل: هو قولهم: شِعرٌ وسِحرٌ (٢) وكهانة، وإنْ هو إلاّ قولُ محمدٍ ﷺ . وقيل: معنى ﴿قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾: محقٌّ ومبطلٌ. وقيل: مؤمنٌ وكافرٌ ومطيعٌ وعاصٍ. وقيل: في ﴿قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾: [في ثبوت القيامة من قوله سبحانه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ: ١ - ٣]. وقيل: إنكم في الحقّ لفي قول مخَّتلف] (٣)، ولا يصحُّ إلا واحدٌ فاطلبوا ذلك الواحد. ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾: أي: يُصرفُ عن الإيمان بالقرآن من صُرف عن جميع الخيرات (٤). وقيل: مَن خُدع عنه فقد خُدع. وقيل: يكذب عنه من كذب. ويحتمل: أن الأولَ من الأَفك - بالفتح - وهو الصرف، والثاني من الإِفك ... - بالكسر - (٥)، وهو الكذب. والمعنى أي: يُصرف عن الحقّ من كذّب ودُعي إلى الباطل (٦). ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾: الجمهور على أن معنى ﴿قُتِلَ﴾: لُعن؛ لأنَّ من لعنه اللهُ فقد قتله (٧).

стр. 2997

ابنُ عيسى أي: " قتلوا باللَّعن " (١). وقيل: هذا دعاءٌ عليهم. ويحتمل: أن هذا إخبارٌ بما يؤول إليه أمرُهم، إذا أذن الله لنبيه في القتال. وذُكر بلفظ الماضي تحقيقاً لذلك وقطعاً به. و ﴿الْخَرَّاصُونَ﴾: الكذَّابون الذين قالوا: محمدٌ شاعرٌ، وكاهنٌ، ومجنونٌ (٢). وقيل: هم المتكبرون. والخرَّاص: الذَّي الذي يقطع بالشيء تخميناً وتقديراً من دون علم، والخرْصُ: الكذب. وقيل: الخرْصُ الظَّن، والخرْص الحزْر في العدد والكيل (٣). ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾: غفلةٍ متناهيةٍ (٤). والغمرةُ فوقَ الغفلة، والسَّهوُ دون الغفلة (٥). والغمر في الأصل: الماء الذي يغمر كلَّ شيءٍ، أي: يستره (٦). ﴿سَاهُونَ (١١)﴾: لاهون. وقيل: في ضلالتهم (٧) متمادون. وقيل: في عمىً وشُبهةٍ متردّدون، والمعنى: هم في غاية الجهل ساهون عن الحقّ. ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)﴾: أي: يقولوا استهزاءً: متي اليوم الذي تُوعِّدنا فيه بوقوع الجزاء؟.

стр. 2998

و ﴿أَيَّانَ﴾: في معنى متى، وجاء مكسوراً شاذاً (١)، وأصله عند الكوفيين أيُّ آنٍ. ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾: هذا جواب من الله لهم، أي: يقع الجزاء يوم يُحرَقون بالنار. وقيل: يُنضجون. وقيل: يُعذبون (٢). وفتنتُ (٣) الشيءَ: أحرقت خبثه؛ ليظهر خلاصه، والكافر كلُّه خبيث (٤)، فيحرقُ كلُّه. و ﴿أَيَّانَ﴾: ظرف، وهو خبر المبتدأ، و ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾: المبتدأ، و ﴿يَوْمَ هُمْ﴾ جواب عن ﴿أَيَّانَ﴾؛ لأنَّ السؤالَ وقع عن وقت وقوع الجزاء، فهو ظرف. وقيل: ﴿أَيَّانَ﴾ في محل رفع؛ لانَّ المعنى: أيُّ يومٍ يومُ الجزاء (٥)، فيكون ﴿يَوْمَ هُمْ﴾ مبنياً على الفتح؛ لإضافته إلى الجملة ومثله (يومئذ)، ومحله رفعٌ، أي: ذلك اليوم ... ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (٦). ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾: أي: تقول (٧) لهم خزنة النار: ذوقوا عذابَكم وإحراقَكم بالنَّار. ﴿هَذَا﴾: أي: هذا العذاب. وقيل: هذا اليوم.

стр. 2999

﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾ بقولكم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ (١)، [يونس: ٤٨]، وقولكم (٢): ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾، [الأعراف: ٧٠]. ثم ذكر حالَ المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾: بَسَاتِينَ. ﴿وَعُيُونٍ (١٥)﴾: أنهار جارية. ﴿آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾: أي: أخذوا ثواب أعمالهم، ووصل ذلك إليهم. وقيل: معناه قابلين، وهو حالٌ مقدَّرٌ. وقيل: حالٌ ثابتٌ لهم في الدنيا، أي: عاملين بما أمرهم الله (٣). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: قبل دخول الجنة، يعني: في الدنيا. ﴿مُحْسِنِينَ (١٦)﴾: مؤمنين مطيعين. فهذا جزاء أعمالهم. ثم ذكر أحوالهم في الدنيا، فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾: أي: يُحيون أكثرَ الليل (٤). الحسن: " يمدّون الصلاةَ إلى السَّحَر، ثم يستغفرون " (٥). قتادة: " لا ينامون عن صلاة العشاء " (٦)، أي: هُجُوعهُم قليلٌ في جنب يقظَتهم لصلاة العشاء الآخِرة.

стр. 3000

وقيل: يُصلُّون بين المغرب والعشاء. وفي ﴿مَا﴾: ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّه صلة، أي: كانوا يهجعون قليلاً من الليل، فيكون ﴿يَهْجَعُونَ﴾ خبرَ ... كان، و ﴿قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ظرفٌ. والثاني: أنه للمصدر، أي: كانوا قليلاً من الليل هجوعُهم، فيرتفع الهجُوعُ بالبدل من واو الضمير (١). وقيل: يرتفع بـ"قليل". وهذا مع وصفه بقوله: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ ممتنع. والثالث: للنفي. وهذا القول لا يصحُّ في العربية؛ لمكان قوله: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ لأنك إنْ جعلته من صلة ﴿يَهْجَعُونَ﴾ لا يجوز؛ لأنَّ ما بعد (ما) النفي لا يتقدّم عليه، وإنْ جعلته من صلة قليلٍ امتنع؛ لأنه يصح أنْ يكونَ خبراً لكان، لفساده في المعنى، وهو أنَّه ليس إيَّاهم، ولا أن يكونوا ظرفاً للمضمرين، لأنهم جثث. والله أعلم (٢).

стр. 3001

﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾: قيل (١): يُصلُّون. وقيل: يستغفرون الله. ابن زيد: " السَّحَرُ: السُّدسُ الأخير من الليل " (٢). وسُمِّي سَحراً لاشتباهِه بين الضياء والظلمة " (٣) (٤). ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾: فيه قولان: أحدهما: الزَّكاة. والثاني: حقّ سوى الزَّكاة (٥)، تَصِلُ به رحماً، أو تَقري به ضيفاً، أو تحمل به كَلَّاً (٦). وَذَهَبَ (٧) بعضهم إلى أنه منسوخ بآية الزَّكاة (٨) (٩). والسَّائل: هو الذي يسأل الناسَ لحاجته وفاقته. وقيل: هو الذي يسأل المعونةَ بإظهار حاجته إليها واستحقاقه (١٠) لها (١١)، ويجب أنْ

стр. 3002

يُعطى من غيره تفتيش عن حاله؛ لقوله ﷺ : ((للسَّائل (١) حقٌّ وإنْ جاءَ على فرس)) (٢). والمحروم هو: الذي حُرم من الرزق ما يكفيه. وفيه أقوال: أحدها: أنَّه المصابُ ثمرُه، من قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، [القلم: (٢٧)]. وقيل: هو المحَارفُ الذي لا يكاد يكتسب، ولا سهمَ له (٣). وقيل: هو المتعففُ الذي لا يُظهر فاقتَه بالسؤال. وقيل: هو الذي لا ينمى له مالٌ. وقيل: هو أبو البنات. وقيل: هو المملوكُ يُنفق عليه سيده. وقيل: الكلب، وهو مرويٌّ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيز (٤) (٥). وقيل: مَن وجب عليك نفقتُه لفقره من ذوي نسبك، حكاه الماورديّ (٦).

стр. 3003

قال (١) الشعبيُّ: " أعياني أنْ أعلمَ ما المحروم؟ " (٢). وقيل: " بعث رسولُ الله ﷺ سريّةً فأصابوا وغنموا (٣)، فجاء قوم بعد أنْ فرغوا، فنزلت: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ " (٤) (٥). ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ﴾: دلالات. يُريد ما فيها من الجبال، والبحار، والأشجار، والنبات، وأنواع الطيور والحيوان. وقيل: يريد ما وقع فيها من العذاب بالأمم الخالية. وقيل: في (٦) سكون الأرض على غير عمدٍ دلالاتٍ: ﴿لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾: لمن طلب العلمَ بالدليل. ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: وفي أنفسكم آيات، وهي أقرب الأشياء إليكم، وآياتها تُربو على آيات السماوات، منها: استواءُ الخِلقة والمفاصل. وقيل: يأكل ويشرب من مدخل، ويخرجان من مخرجين. وقيل: تغيّره من حالٍ إلى حالٍ (٧).

стр. 3004

﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾: تنظرون نظرَ مَن يعتبر. وما روي عن بعضهم: أنَّ التقدير: أفلا تبصرون في أنفسكم، فقُدَّم. ضعيفٌ بعيدٌ؛ لأنَّ ما بعد ألف الاستفهام لا يتقدّم عليه (١). ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾: يريد المطرَ الذي هو سبب الرزق (٢). وقيل: السَّماء السَّحاب. وكان الحَسَنُ إذا نظر إلى السحاب، قال: " فيه والله رزقكم، ولكن تُحرمون بخطاياكم وأعمالكم " (٣). وقيل: السَّماء: المطر. وقيل: وفي السَّماء تقديرُ رزقكم من زيادةٍ ونقصانٍ. وقيل: ﴿فِي﴾: بمعنى (على)، وتقديره: وعلى ربّ السماء رزقكم وما توعدون. تقديره (٤): وفي السماء ما توعدون؛ لأنه: عطف على رزقكم. وقيل: تمَّ الكلام على قوله رزقكم، ثمَّ استأنف فقال: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾: وخبره قوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾: واختلف في قوله: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾: فقيل الجنة، وأنها في السماء السابعة. وقيل: ما توعدون من الجزاء. وقيل: ما توعدون من أمر الساعة.

стр. 3005

وقيل: ما توعدون من نزول الملائكة، من قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ (١) الآية، [الفرقان: ٢٥] (٢). والهاء في قوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾: قيل: يعود إلى الرزق. وقيل: إلى مَا ﴿تُوعَدُونَ﴾. وقيل: إلى جميع ما في السورة (٣). الحسن: بلغني أن رسولَ الله ﷺ قال: ((قاتل الله أقواماً أقسم الله لهم (٤)، ثُمَّ لم يُصَدِّقوه)) (٥). ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ ابن عباس ﵄: " إنَّه حقّ، كما أنَّ قولَ: (لا اله إلا الله) حقّ " (٦). وقيل: إنه حقٌّ كما أنَّ نطقَكم حقٌّ. وقيل: كما لا شك أنكم ناطقون، كذلك لاشكّ في وقوع ما توعدون. الزَّجَّاج: " شبَّه الله تحقّقَ ما أخبر عنه بتحقّق نطق الآدمي ووجوده " (٧). وفي بعض التفاسير: كما لا يدري أحدُكم من أين نطقُه؟، ومن أين يجتمع الكلامُ حرفاً حرفاً؟، كذلك يأتيه رزقه قوتاً قوتاً، ولا يدري من أين يأتيه؟ (٨).

стр. 3006

قُرئ ﴿مِثْلَ مَا﴾: بالرفع على أنَّه صفةٌ لقوله: ﴿لَحَقٌّ﴾. وقُرئ بالنَّصب (١). ومذهب سيبويه أنَّه مبنيٌّ على الفتح؛ لإضافته على مبنيّ، وهو: ﴿مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٢)، و (ما) زيادةٌ وصلةٌ (٣). ومذهب المازني: أنَّ (ما) مع (مثل) كشيءٍ واحدٍ. وأنشد: وتداعى منخراه بدمٍ. . . ... مثلَ ما أثمر حُمَّاضُ (٤) الجبل (٥) (٦) الجَرْميّ (٧): نصبه (٨) على الحال، وإن كان ذو الحال نكرة (٩).

стр. 3007

وأبو علي: جعله حالاً من الضمير في ﴿لَحَقٌّ﴾ (١). الفَرَّاء: " صفةٌ مصدرٍ محذوفٍ، أي: لحقٌّ حقَّاً " (٢). ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: أي: ما كان من شأنهم، والعرب تقول للمخاطَب إذا أُخبر (٣) عن خبرٍ ماضٍ: هلّ أتاك خبرُ كذا، وإنْ علم أنَّه لم يأته (٤). وقيل: ﴿هَلْ﴾ هاهنا بمعنى (قد)، أي: قد أتاك (٥). وقيل: الخطاب للنبيّ ﷺ ، والمراد به القومُ، أي: هل يمكنهم أنْ يقولوا: أتاك حديث إبراهيم من (٦) غير وحيٍ به إليك؟. قوله: ﴿الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾: أي: عند الله من قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾، [الأنبياء: ٢٦]. وقيل: أكرمهم (٧) بأنْ خدمهم بنفسه. وقيل: استحقوا أنْ يكرموا؛ لأنهم جاءوا من غير أنْ دعوا (٨). ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾: ظرف للحديث، ويجوز أنْ يكونَ ظرفاً للإكرام على القول الثاني والثالث، والواو ضمير للضيف، وجُمع؛ لأنهم كانوا أحدَ عشرَ، معهم جبريل ﵇. وقيل: كان جبريل، وميكائيل، وإسرافيل ﵈. وسمَّاهم أضيافاً؛ لأنهم جاؤوه (٩) مجيءَ الأضياف.

стр. 3008

وقيل: لأنَّه (١) عَاملهم معاملةَ الأضياف (٢). فَقَالُوا ﴿سَلَامًا﴾: أي: سلَّموا عليه سلاماً للتحية. ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾: أي: ردّ ﵈ بمثل ما سلَّموا. وقيل: بل زاد، كما أُمر في قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ﴾ مِنْهَا [النساء: ٨٦] وتلك الزيادة في الرفعيَّة؛ لأن مرتبةَ الرَّفع قبلَ النَّصب. وليس الموضعُ موضعَ بيانه. وقيل: أرادوا نحن سِلْمٌ لكَ غيرُ محاربين، لتسكن (٣) نفسُه، فأجابهم بمثل ذلك، فقال: سِلمٌ، أي: نحن سِلمٌ (٤) أيضاً (٥). وسلامٌ وسِلْمٌ (٦) لغتان (٧). ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾: غُرباء لا أعرفكم (٨). ابن عبّاس ﵄: " قال في نفسه؛ لأنّه ظنّ أنَّهم بنو آدم ولم يعرفْهم " (٩). وقيل: لم يكن السَّلامُ تحيتَهم، فلمَّا سلّموا عليه نَكِرَهم. وقيل: لأنَّهم دخلوا عليه بغير استئذان (١٠). ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾: أتاهم في خُفية من ضيفه؛ لئلا يعلموا بما يتكلّفه لهم.

стр. 3009

وقيل: (راغ): أسرع في خَفَاءٍ (١). ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾: مشويٍّ (٢). وكان أكثرَ مالِه ﵇: البقرُ، واختار السمينَ زيادةً في إكرامهم (٣). ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾: فوضعه بين أيديهم، فلم يأكلوا؛ لأنَّهم لا يأكلون ولا يشربون. ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾: فوقع في نفسه الخوفُ منهم. وقيل: معناه فأضمر في نفسه خيفةً منهم، حيث لم يأكلوا طعامه وظنَّ أنهم جاؤوه بشرٍّ يريدونه به. ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾: إنَّا رسلُ الله. وقيل: إنَّ جبريلَ مسح العجلَ بجناحه، فقام يدرجُ حتى لحقَ بأُمه، وكانت في الدار، فصدّقهم وأمن منهم (٤) (٥). ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ﴾: يعني إسحاق ﵇ بإجماع من المفسرين (٦)، إلا مجاهداً (٧) وحده ... فإنَّه (٨) قال: المبشَّر به في الآية إسماعيل ﵇ (٩). ﴿عَلِيمٍ (٢٨)﴾: يعلم إذا بلغ، والعليم: المبالِغ في العلم (١٠).

стр. 3010

وقيل: الفرق بين العليم والعالم كالسَّميع والسَّامع، فإن السَّامعَ لابدَّ له من مسموعٍ، والسَّميع هو: الذي إن صحّ مسموعٌ سمعه. ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾: أي: جعلتْ، وليس إقبالَ نُقلةٍ (١). وقيل: كانت بالبُعد فلمَّا سمعت الملائكةَ يبشِّرون إبراهيمَ ﵇ بالولد أقبلت إلى إبراهيم. فِي ﴿صَرَّةٍ﴾: قيل (٢): في رنَّة. وقيل: في صياح تقول: أَوَّه. وقيل: كانت تقول: أألِدُ؟!. وقيل: فِي ﴿صَرَّةٍ﴾: حياء؛ لأنها رأت أثرَ الحيض. وقيل: فِي ﴿صَرَّةٍ﴾: جماعة من النساء. قال: . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . في صرَّةٍ لم تزيّلِ (٣) وكانت في جماعة منهنّ (٤). ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾: ضربت جبهتها. وقيل: لَطمت وجهَها. والصَّك: الضرب باعتمادٍ شديدٍ، أي: جمعت أصابعَها فضربتْ جبهتَها أو وجهَها (٥) (٦). ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾: أي: أنا عجوز.

стр. 3011

وقيل: قالت: أتلد عجوزٌ ولها تسعٌ وتسعونَ سنةً؟! وكانتْ في شبابها عقيماً. وقيل: صكَّت وجهها حياءً من أثر الدم. والعجوز سُمِّيت بذلك لعجزها عمَّا تقوى عليه الشَّوابُّ. والعقيم: التي لم تلد، وأصله الامتناعُ والشدّةُ (١). ﴿قَالُوا كَذَلِكِ﴾: أي: قالت الملائكة. ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾: كذلك. وقيل: كذلك تلدين. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ﴾: في فعله. ﴿الْعَلِيمُ (٣٠)﴾: بعباده وتدبيره (٢). ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)﴾: أي: أُرسلتم لأمر جليلٍ وشأنٍ عظيمٍ فما ذلك (٣)؟. ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾: أي: لإهلاكهم، وهم قوم لوط ﵇، وقيل (٤): ومدينتهم سَدُوم (٥) (٦). ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾: قيل: على الشُّذَّان منهم.

стр. 3012

وقيل: عليهم وعلى الشُّذَّان منهم؛ لقوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾، [هود: ٨٢]. مِنْ ﴿طِينٍ﴾: أي: آجُرٍّ (١)، فإنَّه طينٌ طُبخ فصار حجارةً (٢). وقيل: حجارة الأرض كلُّها كانت طيناً صارتْ حجارةً بتأثيِر الشمس على مرِّ الدُّهُور (٣). ﴿مُسَوَّمَةً﴾: فيها قولان: أحدهما: مُعَلَّمة بنقطةٍ سوداءَ في الأبيض وبيضاءَ في الأسود. الزجّاج: " جُعل في كلِّ حجرٍ اسمُ من أُهلك به ". (٤) وقيل: كانت حجارةً حمراءَ عليها الخواتيمُ. والسَّومةُ والسِّيماءُ: العلامةُ. والثاني: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: مرسلةً غيرَ محظورةٍ، من قولهم: سامت الماشية (٥). ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: في مُلكه وسلطانه (٦). ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾: للكافرين المجاوزين الحدّ فيه. ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا﴾: في قرى قوم لوط. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾: يعني لوطاً ومن آمن به. ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾: أي: غير أهل بيتٍ، وصفهم بالإيمان والإسلام جميعاً، وهما واحدٌ لئلا يتكرَّرَ لفظُ المؤمنين (٧). ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً﴾: أي: في إهلاك قومها وقلبها آيةً؛ فإنه لا يقدر عليه إلا الله القادر على ما يشاء (٨). وقيل: هي تلك الأحجار (٩) وغيرها مما يدلّ على سخط الله عليهم. ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾: أي: جعلناها عبرةً لمن بعدهم. ﴿وَفِي مُوسَى﴾: أي: وفي إنجاء موسى وإغراق فرعون. وقيل: هو: عطفٌ على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ﴾ ﴿وَفِي مُوسَى﴾. وقيل: تركنا فيها وفي موسى (١٠). ﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾: بِحُجَّةٍ (١١) ظاهرة، وهي: اليد والعصا إلى سائر معجزاته. ﴿فَتَوَلَّى﴾: فرعون (١٢): أعرض عن الإيمان. ﴿بِرُكْنِهِ﴾: بجموعه وجنوده.

стр. 3013

وقيل: بجانبه وجميع بدنه، وهو (١) كنايةٌ عن المبالغة في الأعراض. وقيل: بقوّته. وقيل: بميله عن الحقّ. والرُّكن: ما رَكَنَ إليه الإنسان من مالٍ وجندٍ وقوّةٍ (٢). ﴿وَقَالَ﴾: فرعون (٣): مُوسَى: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ : فأغرقناهم في البحر. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)﴾: أي: بما يلام عليه (٤) (٥). ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾: هي التي لا رحمةَ فيها ولا منفعةَ ولا تُلقح ولا تُنبت، وهي الدَّبور (٦) من قوله ﷺ : ((نصرت بالصِّبا وأُهلكت عادٌ ... بالدَّبور)) (٧). وقيل: هي الجنوب. ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (٤٢): كالشَّيء البالي الذي أتت عليه الأيامُ والليالي. وقيل: الرَّميم: الرَّماد. وقيل: التُّراب المدقوق. وقيل: العظمُ البالي. وقيل: الهشيم من النبَّات. وقيل: مارمَّته الماشيةُ بمرَّمتها، وهي الشَّفة (٨). والمعنى: ما تتركُ (٩) من شيء هبّتْ عليه من أنفُسِهم وأنعامِهم وأموالهم إلاّ أهلكته (١٠). ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾: قَومُ صَالِح. ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)﴾ (١١): إلى آخر أعماركم إن آمنتم. وقيل: إذا قيل لهم حين عقروا النَّاقةَ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [سورة هود: ٦٥]. ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: فجاوزوا الحدَّ بالخروج عن أمرِ ربّهم (١٢). وقيل: فطغوا بردِّهم أمرَ ربّهم، فأتاهم العُتُوُّ عن هذه الجهة. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: العذاب بعد الثلاثة، وكلُّ عذابٍ مهلكٍ صاعقةٌ. وقيل: الموتُ (١٣). وقُرئ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ (١٤)، وهي صوت الصاعقة. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾: إلى العذاب.

стр. 3014

﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾: أي: ما قاموا لها ولا طلبوا مَن ينصرهم. وقيل: ما استطاعوا من أنْ يُقيموا به فيدفعوه عن أنفسهم. ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)﴾: ممتنعين من العذاب. وقيل: معناه لم يمكنْهم مقابلتنا بالعذاب؛ لأنّ معنى الانتصار المقابلة (١). ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾: مَن جرّه عطفه على ما قبله من عادٍ وثمودَ، ومَن نصبه عطفه على المحلّ (٢). وقيل: عطفه على ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾، أي: أهلكناهم وأهلكنا قوم نوحٍ. وقيل: واذكر لهم قوم نوحٍ. وقيل: عطف على قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾؛ لأنّ المعنى أغرقناهم وأغرقنا قومَ نوح (٣). ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: قبل هؤلاء المذكورين. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)﴾: كافرين عاصين. ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾: بقوة. والأَيدُ والآدُ: القوة (٤).

стр. 3015

﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾: أي: أوسعنا السَّماء. وقيل: جعلنا بينها وبين الأرض سعةً. الحسن: " نُوسِّعُ (١) بالمطر " (٢). وقيل: إنا لذو سَعَةٍ لخلقنا. وقيل: نحن في سَعةٍ مما نُريد، ولا يَضيق (٣) عنَّا شيءٌ نريده. وقيل: قادرون. وقيل: أغنياء. وقيل: علماء (٤). ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾: بسطناها ومهَّدناها لتستقرُّوا عليها ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾ (٥). ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾: يريد الحيوان ذكراً وأنثى. وقيل: التلقيح للنخل، والتسميد للزرع، ولكلّ ضَرْبٍ من النبات تدبير يقومُ مقامَ التزويج الذّي بين الحيوان. وقيل: أراد نوعين، كالليل والنَّهار، والشمس والقمر، والإنس والجنّ، والسَّماء والأرض، فكذلك (٦) أنواع الثمار والنبات. والمعنى: استأثر الله بالوحدانية (٧)، وجعل لكلِّ ما خلقه مِثلاً أو مُقابلاً (٨).
следующие страницы →