← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

وقيل: قالت: أتلد عجوزٌ ولها تسعٌ وتسعونَ سنةً؟! وكانتْ في شبابها عقيماً. وقيل: صكَّت وجهها حياءً من أثر الدم. والعجوز سُمِّيت بذلك لعجزها عمَّا تقوى عليه الشَّوابُّ. والعقيم: التي لم تلد، وأصله الامتناعُ والشدّةُ (١). ﴿قَالُوا كَذَلِكِ﴾: أي: قالت الملائكة. ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾: كذلك. وقيل: كذلك تلدين. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ﴾: في فعله. ﴿الْعَلِيمُ (٣٠)﴾: بعباده وتدبيره (٢). ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)﴾: أي: أُرسلتم لأمر جليلٍ وشأنٍ عظيمٍ فما ذلك (٣)؟. ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾: أي: لإهلاكهم، وهم قوم لوط ﵇، وقيل (٤): ومدينتهم سَدُوم (٥) (٦). ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾: قيل: على الشُّذَّان منهم.

стр. 3012

وقيل: عليهم وعلى الشُّذَّان منهم؛ لقوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾، [هود: ٨٢]. مِنْ ﴿طِينٍ﴾: أي: آجُرٍّ (١)، فإنَّه طينٌ طُبخ فصار حجارةً (٢). وقيل: حجارة الأرض كلُّها كانت طيناً صارتْ حجارةً بتأثيِر الشمس على مرِّ الدُّهُور (٣). ﴿مُسَوَّمَةً﴾: فيها قولان: أحدهما: مُعَلَّمة بنقطةٍ سوداءَ في الأبيض وبيضاءَ في الأسود. الزجّاج: " جُعل في كلِّ حجرٍ اسمُ من أُهلك به ". (٤) وقيل: كانت حجارةً حمراءَ عليها الخواتيمُ. والسَّومةُ والسِّيماءُ: العلامةُ. والثاني: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: مرسلةً غيرَ محظورةٍ، من قولهم: سامت الماشية (٥). ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: في مُلكه وسلطانه (٦). ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾: للكافرين المجاوزين الحدّ فيه. ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا﴾: في قرى قوم لوط. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾: يعني لوطاً ومن آمن به. ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾: أي: غير أهل بيتٍ، وصفهم بالإيمان والإسلام جميعاً، وهما واحدٌ لئلا يتكرَّرَ لفظُ المؤمنين (٧). ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً﴾: أي: في إهلاك قومها وقلبها آيةً؛ فإنه لا يقدر عليه إلا الله القادر على ما يشاء (٨). وقيل: هي تلك الأحجار (٩) وغيرها مما يدلّ على سخط الله عليهم. ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾: أي: جعلناها عبرةً لمن بعدهم. ﴿وَفِي مُوسَى﴾: أي: وفي إنجاء موسى وإغراق فرعون. وقيل: هو: عطفٌ على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ﴾ ﴿وَفِي مُوسَى﴾. وقيل: تركنا فيها وفي موسى (١٠). ﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾: بِحُجَّةٍ (١١) ظاهرة، وهي: اليد والعصا إلى سائر معجزاته. ﴿فَتَوَلَّى﴾: فرعون (١٢): أعرض عن الإيمان. ﴿بِرُكْنِهِ﴾: بجموعه وجنوده.

стр. 3013

وقيل: بجانبه وجميع بدنه، وهو (١) كنايةٌ عن المبالغة في الأعراض. وقيل: بقوّته. وقيل: بميله عن الحقّ. والرُّكن: ما رَكَنَ إليه الإنسان من مالٍ وجندٍ وقوّةٍ (٢). ﴿وَقَالَ﴾: فرعون (٣): مُوسَى: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ : فأغرقناهم في البحر. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)﴾: أي: بما يلام عليه (٤) (٥). ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾: هي التي لا رحمةَ فيها ولا منفعةَ ولا تُلقح ولا تُنبت، وهي الدَّبور (٦) من قوله ﷺ : ((نصرت بالصِّبا وأُهلكت عادٌ ... بالدَّبور)) (٧). وقيل: هي الجنوب. ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (٤٢): كالشَّيء البالي الذي أتت عليه الأيامُ والليالي. وقيل: الرَّميم: الرَّماد. وقيل: التُّراب المدقوق. وقيل: العظمُ البالي. وقيل: الهشيم من النبَّات. وقيل: مارمَّته الماشيةُ بمرَّمتها، وهي الشَّفة (٨). والمعنى: ما تتركُ (٩) من شيء هبّتْ عليه من أنفُسِهم وأنعامِهم وأموالهم إلاّ أهلكته (١٠). ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾: قَومُ صَالِح. ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)﴾ (١١): إلى آخر أعماركم إن آمنتم. وقيل: إذا قيل لهم حين عقروا النَّاقةَ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [سورة هود: ٦٥]. ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: فجاوزوا الحدَّ بالخروج عن أمرِ ربّهم (١٢). وقيل: فطغوا بردِّهم أمرَ ربّهم، فأتاهم العُتُوُّ عن هذه الجهة. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: العذاب بعد الثلاثة، وكلُّ عذابٍ مهلكٍ صاعقةٌ. وقيل: الموتُ (١٣). وقُرئ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ (١٤)، وهي صوت الصاعقة. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾: إلى العذاب.

стр. 3014

﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾: أي: ما قاموا لها ولا طلبوا مَن ينصرهم. وقيل: ما استطاعوا من أنْ يُقيموا به فيدفعوه عن أنفسهم. ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)﴾: ممتنعين من العذاب. وقيل: معناه لم يمكنْهم مقابلتنا بالعذاب؛ لأنّ معنى الانتصار المقابلة (١). ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾: مَن جرّه عطفه على ما قبله من عادٍ وثمودَ، ومَن نصبه عطفه على المحلّ (٢). وقيل: عطفه على ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾، أي: أهلكناهم وأهلكنا قوم نوحٍ. وقيل: واذكر لهم قوم نوحٍ. وقيل: عطف على قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾؛ لأنّ المعنى أغرقناهم وأغرقنا قومَ نوح (٣). ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: قبل هؤلاء المذكورين. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)﴾: كافرين عاصين. ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾: بقوة. والأَيدُ والآدُ: القوة (٤).

стр. 3015

﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾: أي: أوسعنا السَّماء. وقيل: جعلنا بينها وبين الأرض سعةً. الحسن: " نُوسِّعُ (١) بالمطر " (٢). وقيل: إنا لذو سَعَةٍ لخلقنا. وقيل: نحن في سَعةٍ مما نُريد، ولا يَضيق (٣) عنَّا شيءٌ نريده. وقيل: قادرون. وقيل: أغنياء. وقيل: علماء (٤). ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾: بسطناها ومهَّدناها لتستقرُّوا عليها ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾ (٥). ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾: يريد الحيوان ذكراً وأنثى. وقيل: التلقيح للنخل، والتسميد للزرع، ولكلّ ضَرْبٍ من النبات تدبير يقومُ مقامَ التزويج الذّي بين الحيوان. وقيل: أراد نوعين، كالليل والنَّهار، والشمس والقمر، والإنس والجنّ، والسَّماء والأرض، فكذلك (٦) أنواع الثمار والنبات. والمعنى: استأثر الله بالوحدانية (٧)، وجعل لكلِّ ما خلقه مِثلاً أو مُقابلاً (٨).

стр. 3016

﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾: فتعلمون (١) أنَّ الله وِترٌ وليس بشَفع، ولا كمثله شيء. ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾: أي: بادروا إلى الإيمان بالله والطاعة له. وقيل: فرّوا من الشيطان إلى الرَّحمن، ومن العذاب إلى الثواب (٢). عثمان بن عفان ﵁: " ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: اُخرجوا إلى مكة " (٣). ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ﴾: من العذاب، ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: منذرٌ. وقيل: ﴿نَذِيرٌ﴾: عالم، من قولهم: (نَذَر)، إذا علم (٤). ويحتمل: أن قوله: ﴿مِنْهُ﴾ صفة لـ ﴿نَذِيرٌ﴾، لا صلة تقدم عليه. والمعنى: أي (٥) نذيرٌ من عند الله وكذلك الذي بعده. ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ أي (٦): من الإشراك.

стр. 3017

والتكرار للتأكيد، والإطالة في الوعيد أبلغ. وقيل: الأول متَّّصل بالمعصية، والثاني بالشرك، وإذا اختلفا لا يكون تكراراً (١). ﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كقول قومك لك: ساحرٌ أو مجنون. ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: قبل قومك. ﴿مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾: أي: رمَوا الأنبياء من فرْط جهلهم بأمرين بينهما تضادّ؛ لأنَّ الساحرَ لا يكون إلاّ فَطِناً لبيباً (٢)، والمجنون بالضدِّ من ذلك. ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾: أي: كان بعضَهم أوصى بعضَاً بهذا المقال. بَلْ ﴿هُمْ قَوْمٌ﴾: أي: قومكم. ويجوز أنْ يعودَ إلى الكلّ. ﴿طَاغُونَ (٥٣)﴾ (٣): متجاوزون الحدَّ في العصيان، أي: لم يتواصَوا ولكن اتّفقوا فيما أوجب ذلك، وهو الطغيان (٤) والعصيان. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾: الضحاك: " التولِّي عنهم (٥) منسوخٌ بالإقبال عليهم بالموعظة، وهو قوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ " (٦) [المائدة: ٦٧]. وقيل: تولّ عنهم حتى نأمرَك بالقتال.

стр. 3018

وقيل: هذا وعيدٌ للكفار، كقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾، [القلم: ٤٤]. فَمَا ﴿أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾: لا لومَ عليك من الله وقد بلَّّغت الرسالةَ. ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾: بأنْ يزيدَ في علم المؤمنين وإن لم يتذكرْ (١) بها الكافرون. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: أي: ليوحدوني، يريد المؤمنين منهم، ومَن سواهم فهم الذين قال فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، [الأعراف: ١٧٩] (٢). وقيل (٣): إلاّ لآمرهم بالعبادة وأدعوهم إلى الطاعة. وقيل: ليعبدوه طوعاً لا كرهاً، وليس كالنار تُحرق طبعاً والثلج يُبرّد (٤) طبعاً. ابن عبّاس ﵄: إلاّ ليُذعنوا لي بالعبوديّة " (٥). ابنُ عيسى: " إلاّ ليعبدوني هم وغيرهم " (٦). وقيل: إلاّ ليعرفوني. ويحتمل: ما خلقت الجنَّ والإنسَ إلاّ ليكونوا عباداً لي. ومثله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].

стр. 3019

﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ أي: ما خلقتُهم ليرْزُقوا شيئاً من مخلوقاتي، ولا أنْ يرزقوا أنفسَهم، ولا أنْ يرزقوني ويطعموني؛ فإن الله هو الرَّزاق، بل خلقتُهم لعبادتي (١). وقيل: ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾: جُعلٍ وأَجرٍ على الإيمان. وقيل: أنْ يطعموا عبادي، فحُذف المضاف. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ الرَّزَّاق (٢): المبالغُ فيه غير المرزوق، النفَّاعُ لغيره لا ينفعه شيء (٣). ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾: ذوا الاقتدار الشَّديد، أي: غالبٌ لا يُغلبُ، وقاهرٌ لا يُقهر، وقادرٌ لا يَعجز. والقوة في أصل اللغة: الطاقة، من الحبل، فإذا انضاف إليه طاقاتٌ فهو الحبلُ المتين، ثمَّ استُعير لكلّ أيدٍ وشدَّة. وقيل: معنى ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾: أنَّ القوةَ (٤) التي يتقوى بها (٥) جميعُ خلقه له (٦). و ﴿الْمَتِينُ﴾: بالرَّفع، إجماعٌ، وهو: وصفٌ لـ ﴿ذُو﴾. وقرئ (٧) في الشَّواذِّ بالجرّ، حملاً على القوة، وذلك يستدعى المتنية (٨).

стр. 3020

﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ أي: لكفار قومكم حظاً ونصيباً (١) من العذاب مثلُ ما كان للأمم (٢) قبلَهم (٣). مجاهد: " سيلاً " (٤). قتادة: "عذاباً " (٥). الحسن: "دولةً " (٦). الكسائيّ: " حظَّاً " (٧). وأصل الذَّنوب: الدَّلوُ العظيم، قال: لنا ذَنوبُ ولكم ذَنوبٌ ... وإنْ أبيتمُ فلنا القليبُ (٨) (٩) الزجّاج: " الذَّنوب: النصيب، والذَّنوب الدلو " (١٠)، ولا يُسمّى ذَنَوباً إلاّ إذا كانت ملأى (١١).

стр. 3021

وقيل: إذا انحدر فهو دلو، وإذا ارتفع فهو ذَنوبٌ وسِجْل؛ لأنها في الانحدار فارغةٌ وفي الارتفاع ملأى (١). وقيل: معناه: عذاباً بعدَ عذابٍ، كالدَّلو يتبعُ الدَّلوَ. ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾: هذا جوابٌ للنضر وأصحابه حين استعجلوا العذابَ (٢)، فلحقهم يومَ بدرٍ (٣). ﴿فَوَيْلٌ﴾: شدّة عذاب، وقيل: وادٍ في جهنَّم (٤). وقد سبق. ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾: يعني من عذاب يوم القيامة. وقيل: يوم بدر (٥). والله أعلم بالصواب (٦)

стр. 3022

سورة الطُّور (١) تسعٌ وأربعون آية (٢) (٣)، مكيةُ (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالطُّورِ (١)﴾: هو الجبل بالسُّريانية (٥). وقيل: الطُّور: الجبل عليه الشجر. والمُرادُ بالطُّور ها هنا: طورُ سينين، وهو الجبل الذي بِمَدْيَن (٦) كلَّم الله - تعالى - عليه موسى ﵇. وقيل: عامٌّ في الجبال كلِّها. وقيل: وربِّ الطُّور (٧). وحكى الماورديّ: " الطُّوْر ما طرى على قلوب الخائفين " (٨). وهو ضعيف ركيك. ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾: مكتوبٌ. والسَّطر: ترتيب الحروف على جهة الطُّول (٩).

стр. 3023

وقيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: الكتاب المسطور: هو آخر سطر في اللوح المحفوظ، وهو (١): ((سبقت رحمتي غضبي)) (٢)، ((مَن أتاني بشهادة أن لا إله (٣) إلا الله أدخلته الجنةَ)) (٤). وقيل: القرآن. وقيل: كتاب الحفظة. وقيل: التوراة فيها نعت محمد ﷺ ، وذكر الإنجيل بعده (٥) (٦). ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾: قيل: هي (٧) الرَّق المعهود، والكاغد المعروف يكتب فيه القرآن والتوراة والإنجيل. وقيل: الرَّقُّ أحسن ما يُكتب فيه. وقيل: هو ما كُتب عليه وفيه اللّوح المحفوظ، وكتاب الحفَظَة. وسُمِّيَ رَقَّاً؛ لِرِقَّة حواشيه.

стр. 3024

وعن ابن عباسٍ ﵄: " الرَّقُّ المنشورُ ما بين المشرق إلى المغرب " (١). وقيل: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾: قلب المؤمن (٢)، من قوله : ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾، [المجادلة: ٢٢] (٣) (٤). ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾: جاء مرفوعاً: ((أنه بيت في السماء حِيالَ الكعبة لو خرَّ خرَّ عليها، يدخله كلَّ يوم سبعونَ ألف مَلَكٍ، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة)) (٥). وقيل: اسمه الضُّرَاحُ (٦). وقيل: كان في الدنيا فرُفع يومَ الطوفان. الحسن وابن بحر: " البيت المعمور": الكعبة " (٧). والمعمور: المأهول. وقيل: من القصد. وقيل: من العِمارة (٨).

стр. 3025

سَهْل بن عبد الله (١): " البيت المعمور ": هو (٢) قلب المؤمن، وعمارته الإخلاص " (٣). ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾: السَّماء. وقيل: العرش (٤). ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾: قيل: هو بحر الدنيا. وقيل: هو جهنم. وقيل: بحر تحت العرش. وقيل: المَسْجُور المملوء ماءً. وقيل: الموقَد ناراً، من سَجَّرت التنور، وعنه ﷺ : ((﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾: نارٌ في نار)) (٥). وقيل: المَسْجُور المختلط من السجير، وهو: الخليط. وقيل: المرسَل (٦). وقيل: المَسْجُور اليابس. الأصمعي (٧) عن أبي عمرو بن العلاء (٨) عن ذي الرُّمَّة (٩) عن ابن عباس: " المسجور: الفارغ، " (١٠) قال (١١): وليس لذي الرُّمَّة حديث غير هذا.

стр. 3026

وقيل: المَسْجُور: المحبوس (١) (٢). ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾: أي: الذي أوعد به الكفارَ والعصاةَ. ﴿لَوَاقِعٌ (٧)﴾: بهم يوم القيامة. ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾: لا يدفعه دافعٌ، ولا يمنعه مانعٌ. ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾: ﴿يَوْمَ﴾ (٣) ظرف ﴿لَوَاقِعٌ﴾. ومعنى: ﴿تَمُورُ﴾:

стр. 3027

قيل: تنشق وتموج وتدور وتجري وتضطرب وتكفّأ وتنقلب. هذا كلُّه من عبارات المفسرين (١). ابن عيسى: المورُ: تردُّد الشيء في المجيء والذهاب، كما يتردَّد الدخان ثم يضمحل، وذلك عند انقطاعها، وتغير نظامها " (٢). أبو زيد (٣): لا نعلم ما المَوْرُ " (٤). ﴿السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾ ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾: أي: تسير عن وجه الأرض فتصير هباءً منثوراً (٥) منبثّاً. ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾: هذا تأكيد في الوعيد، والفاء لمعنى: الجزاء، أي: إذا وقع الجزاء (٦) والعذاب فويلٌ لهم. الأخفش: " لأنَّ ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾ محمولٌ على معنى (إذا) " (٧). والكوفيون يجيزون حملَ جميعِ الأوقات المستقبلية، على معنى: (إذا) (٨). ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)﴾: أي: في إنكارهم البعث، وتكذيبهم محمد ﷺ وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يلعبون من غير بيانٍ وحجةٍ. وقيل: في أسباب الدنيا يلعبون من غير فكرٍ في ثوابٍ وعقابٍ. وقيل: معناه: يسرعون إلى المعاصي.

стр. 3028

والخوضُ: التخبُّط في الباطل (١). ويقال: خاض في الخير أيضاً. وقيل: تشاغلهم (٢) بكفرهم لعبٌ، عاقبته العذاب. ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾: يُدْفَعون إليها بعنفٍ وجفاءٍ (٣)، فيقال: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾: أي: في الدنيا. ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾: أي: أكان الوعيدُ بهذا العذاب والإخبار سحراً، كما زعمتم في الدنيا؟! ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾: أم كنتم لا تبصرون. وقيل: عنفوا بمثل ما كانوا ينسبون النبيَّ ﷺ إليه (٤) من السِّحر، وتسكُّير (٥) البصر، والأخذ بالأعين، فقيل لهم: أتمويهٌ هذا وحيلةٌ، أم غُطِّيَ على أبصاركم فلا تُبصرون. ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي: أنتم لازمون لها حالتيكم من الجزع والاستغاثة، والتصَبُّر وتركُ الجزع. وهو خبر في صيغة أمر، تقديره: الجزع وترك الجزع سواءٌ، فهو خبر مبتدأ محذوف. ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾: أي: هذا جزاء أعمالكم. وقيل: ﴿إِنَّمَا﴾ بمعنى (ما)، أي: ما جُوزيتم إلا جزاءَ أعمالكم. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)﴾. ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾: معجبين ناعمين فرحين.

стр. 3029

وقيل: متقابلين بالحديث، الذي يسرُّ ويؤنس، مأخوذٌ من الفَكاهة. وقيل: ذوو فاكهة، كلابنٍ وتامرٍ (١). والفاكهة: كل طعام من ثمار يُتناولُ (٢) للذة لا للغذاء (٣). ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨)﴾: دفع عنهم ربهم عذابَ النار. ويقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾: لا داءٍ ولا غائلةٍ فيه، ولا تنغيصٍ للذّاته. و ﴿هَنِيئًا﴾: مصدر، أي: هنئتم هنيئاً. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)﴾. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ﴾: جمع سرير. ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾: موصولٌ بعضُهما ببعضٍ. وقيل: موصولةٌ (٤) بالذَّهب والفضِّة (٥). والصفُّ: مدُّ الشيءِ على الوِلاء (٦). وقيل: تقديره: متكئين على نمارقَ مصفوفةٍ على سررٍ: فحذف؛ لأن الاتِّكاءَ يدلُّ على التكأة (٧).

стр. 3030

﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾: قرناهم، والمعنى: جعلنا ذُكرانَ أهلِ الجنة أزواجاً للحور العِين، ومعنى الباء: أنهم صاروا بسببهن أزواجاً. وقيل: زوجت به لغة (١). والحور: جمع حوراء، ولا يُقال للمذكر أحور (٢). وذهب بعضُهم إلى أن الحورَ نساءُ المؤمنين في الدنيا. وهذا خلاف الآية، وإن قال: صرن في الحسن مثلَهن وفوقَهن. فهذا قريب (٣). ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾: الذُّرية تستعمل (٤) في الأولاد والآباء، والآية تحتملهما، وهي جمع في المعنى (٥). ومَن جمع، فلأنها واحدةٌ في اللفظ. وقوله: ﴿بِإِيمَانٍ﴾: حال، فجاز أنْ يكونَ حالاً من الفاعلين، وجازَ أنْ يكونَ حالاً من المفعولين، وجاز أنْ يكونَ منهما جميعاً. ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: والمعنى: إذا دخل الأبُ الجنةَ، أُلحق به (٦) ذريتُه حيث هو في الجنة، وإنْ لم يكن للذرية (٧) من العمل ما يستحق ذلك (٨)، تكرمة من الله للأب. وكذلك إذا دخل الابنُ الجنةَ أُلحق به أبوه وأمُه (٩).

стр. 3031

الضحّاك: " يُريد الضِّعافَ والأطفالَ الذين لم يبلُغوا الإيمانَ، يُلحقون بالآباء (١) لإيمان الآباء " (٢). وقيل: أراد بالذُّرية النساءَ، أي (٣): يُردُّ إليهم نساءُ الدنيا مع الحُور. وذهب جماعةٌ من المفسرين إلى أن ثوابَ الذرية على قدر عمل الذريّة؛ لأنَّ الثوابَ على قدر الأعمال، لكن يجمعُ الله بينهم في الجنة، فتقَرُّ عيونُ الآباء بالأبناء، والأبناء بالآباء (٤). والأول قول الجمهور، وقد جاء مرفوعاً (٥). ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: يُلحقُ الثاني بالأول من غير أن يُنقص من عمل الأول شيءٌ. وعلى القول الثاني، معناه: ما نقصنا أحداً من أجر عمله شيئاً (٦). وفيه خمس لغات: أَلِتَ، يَألِتُ، وعلى الضد: أَلِتَ، يَألَتُ، وأَلاتَ يُلِيْتُ، ولاتَ يَلِيْتُ، وحُكى: وَلَتَ يَلِتُ. وقد سبق في الحجرات (٧). فمن قرأ: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ فله ثلاثة أوجه: أحدها: من أَلِتَ. والثاني: من أَلاتَ.

стр. 3032

والثالث: من وَلَتَ، قلبت همزة. وفيه ضعفٌ. ومن قرأ: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ بالكسر: فمن (أَلِتَ) لا غير (١). وقُرئ في الشاذّ (٢): ﴿لِتْنَاهُم﴾ (٣) من لاتَ يَليتُ. وقرأ الأعمشُ: ﴿ما لَتْناهم﴾ بفتح اللام (٤)، وكلهم على أن ذلك غيرُ جائزٍ، وله وجهان من القياس: أحدهما: أنه لَيَّنَ الهمزةَ، فقرُبت من الساكن، فحُذف لالتقاء الساكنين. والثاني: أنه أجريَ مجرى ليس، تقول: لستُ، ولَسْنا. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾: أي: لا يُظلمُ أحدٌ فيما يُجزى من الأعمال. وقيل: هذا يعودُ إلى الكفار. والرَّهين: المرهون المأخوذُ على أمرٍ يُؤدَّى عنه. وقيل: ﴿رَهِينٌ﴾: بمعنى: راهن، وهو المقيمُ، أي: كلُّ إنسانٍ مقيمٍ في جزاءِ ما قدَّم (٥) (٦). ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾: أي: ذلك دائمٌ لهم لا ينقطعُ. ﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾: يختارون. ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾: يتناولونها ويأخذُ بعضُهم من بعضٍ بحرصٍ وشهوةٍ.

стр. 3033

﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾: اللَّغو: الساقط من الكلام، تقول: لغا فلانٌ فهو لاغٍ، ولاغيةٌ للمبالغة، ولا يُقال: لغت الكلمةُ ولا الكلمةُ لا غيةٌ (١). وقوله: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾، [الغاشية: ١١]، أي: ناطقاً بسوء. ويقال: لغا الدِّيك: إذا صاح. قال: . . . . . . . . . ... قبلَ الصباح وقبلَ لغوِ الدِّيكِ (٢) وقيل: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾: أي: لا كذبٌ ولا باطلٌ. ﴿وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾: لا إثمَ في شُربها كما في الدنيا. وقيل: " لا تأثيم ": لا يُنسب شاربها إلى الإثم (٣). ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾: أي: ﴿يَطُوفُ﴾ بالكأس والفاكهة ﴿غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ﴾ من بياضهم وصفاء لونهم ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ مصون مستور عن الشمس والغبار (٤). وقيل: هم أولادُهم الذين سبقوهم أقرَّ اللهُ بهم أعينَهم (٥). الحسن: " أولاد المشركين ذكورُهم غِلمانُ أهل الجنة، وإناثهم هن الحُورُ العِينُ، وأولادُ المؤمنين مع آبائهم على هيئتهم التي كانوا عليها " (٦).

стр. 3034

﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾: أي: يسألُ بعضُهم بعضاً عن سبب نيلهم الجنةَ (١). ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾: موقنين بوعده ووعيده، خائفين من عصيانه. وقال ابنُ جرير: " إن هذا التساؤلَ عند البعث من القبور " (٢). ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: تفضّل علينا بالمغفرة والرحمة. وقيل: بالهداية في الدنيا والتوفيق. ﴿وَوَقَانَا﴾: دفع عنا. ﴿عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ قيل: السَّموم من أسماء جهنم. وقيل: السَّموم: وَهَجُ النار. الضحاك: " حَرُّ السَّموم في الدنيا، أي: العذاب فيها " (٣). وقيل: شدّةُ البرد أيضاً، قال: اليومُ يومٌ (٤) باردٌ سَمومُهُ ... مَن جَزِع اليومَ فلا أَلومُهُ (٥) (٦). وفي البيت وجهٌ آخرُ، وهو: أن الباردَ بمعنى: الثابت (٧). ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾: أن يتفضل علينا بالمغفرة.

стр. 3035

﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾: البارُّ. وقيل: البرُّ الصادق في وعده. وقيل: اللطيف (١). ﴿الرَّحِيمُ (٢٨)﴾: بالمؤمنين. ﴿فَذَكِّرْ﴾: أي: بالقرآن. ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾: برحمة ربك. وقيل: برسالة ربك (٢). ﴿بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾: كما زعموا، والتقدير: ما أنت بكاهنٍ ولا مجنونٍ بنعمة ربك، وهو اعتراضٌ بين اسم (ما) وخبره. وقيل: بين قولهم: كاهنٌ ومجنون تضادٌّ، كما سبق (٣). وقيل (٤): سمَّوه مجنوناً على أنه يطلبَ ما لا يليق به. ويقال: سمَّوه مجنوناً؛ لأنَّه كان عندهم يقفُ على أخبار السَّماء، وذلك عندهم بتعليم الجن إيِّاهم، وكذلك الشعراءُ عندهم يقولون (٥) الشِّعر بمعاونة الجن إياهم، وقالوا: لكلّ شاعرٍ مُعينٌ من الجنّ، فيكون معنى ﴿مَجْنُونٍ﴾: معه جنيٌّ، وعلى هذا قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾ (٦) [الدخان: ١٤]. ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾:

стр. 3036

﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (١): حوادثَ الدهور (٢). و" المنون " عند الأصمعي: الدهر (٣). وعند غيره الموت، وكلاهما يقطع العمر وينقصه (٤). ابنُ عيسى: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾: علل الموت (٥). وفي بعض التفاسير: قال قائلون من المجتمعين في دار الندوة: تربّصوا بمحمدٍ ﷺ الموتَ يكفِكُموه، كما كفاكم شاعرَ بني فلان، وشاعرَ بني فلان (٦). الفراء: " تربصوا (٧) إلى ريب المنون، فحذف الجارّ " (٨). وفي هذه الآيات إلزامات، وهي خمسةَ عشرَ، قبلته عقولهم إنْ لم يُكابروا. و ﴿أَمْ﴾ في هذه الآيات للاستفهام، بمعنى (بل) والألف، ومعنى أكثرها الإنكارُ، ومعنى بعضها الإثباتُ (٩). ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)﴾: أمر تهديدٍ (١٠)، والمعنى: ما يرجونه في محمدٍ لا يكونُ، وما ينتظره فيكم يقعُ عن قريبٍ.

стр. 3037

الزجّاج: كان أبو جهلٍ فيمَن قالوا: ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ بِهِ، فأهلكهم الله جميعاً قبلَ رسول الله ﷺ " (١). وقيل: الذي تهدّدهم به نالهم يومَ بدر (٢). وقيل: منسوخٌ بآية القتال (٣). ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ﴾: عقولهم ﴿بِهَذَا﴾ الحِلم العقل (٤). وقيل: الحلم أشرف من العقل، ويوصَفُ الله تعالى بالحِلم ولا يُوصف بالعقل، وقد يُنفى الحِلمُ عمَّن يُوصَفُ بالعقل. وقيل: الحِلم الإمهالُ الذي تدعوا إليه (٥) الحكمة. وفي بعض التفاسير: كانت قريش تدعى (٦) في الجاهلية الحُلومَ، ويصفهم الناس بالحِلم؛ لأنَّ اللهَ وصفهم بالحِلم وأثبته لهم (٧). ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)﴾: مجاوزون الحدَّ (٨) في الكفر. والمعنى: لم يأمرهم عقولهم؛ لأنَّ في الطغيان مخالفةَ العقل. ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾: تقوَّله (٩) محمدٌ من تِلقاءِ نفسه. ﴿بَلْ﴾: ردٌّ عليهم، أي: ليس الأمرُ كما زعموا.

стр. 3038

﴿لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾: لعتوِّهم (١) وحسدهم. ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾: أي: إنْ كنتم صادقين في أنَّ محمداً ﷺ تقوَّله (٢) من تِلقاءِ (٣) نفسِه، فليأتوا بكلامٍ مثلِه، فإنه بلسانهم، وهم فصحاء زمانهم. ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾: أي: لغير شيء عبثاً، لا يُؤمرون ولا يُنهون. ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾: للأشياء (٤)، فلهم الأمر والنهي. وقيل: أم خُلقوا من غير أبٍ وأُمٍ، فهم جُهَّال (٥) لا يعقلون الأمرَ والنهي، ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾: فلا يأتمرون؟! وقيل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ﴾ خالقٍ، ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أنفسَهم (٦). ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: هو عطف على قوله: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾:، والمعنى: أَخلقوا أنفسَهم، أم خلقوا السماواتِ والأرضَ. ﴿بَلْ﴾: أي (٧): لم يخلقوا شيئاً منها. ﴿لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾: أي: لا يتدبرون في الآيات فيعلموا خالقَهم وخالقَ السماواتِ والأرضِ وسائرِ المخلوقات.

стр. 3039

وقيل: بل لا يوقنون وعدَ الله (١) فهانت عليهم المعاصي. ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾: قيل: خزائن العلم، فيعلموا أنْ لا بعثَ ولا حسابَ. وقيل: خزائن الرزق، فلا يحتاجون إلى مَن يرزقهم (٢). ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾: المسيطر: الجبَّار المسلِّط، تقول: تسيطر: إذا تغلّب على الشيء (٣). ابنُ عيسى: " هو مجري السطوِ على غيره بما يُلْزِمُهُ قهراً " (٤). وقيل: هم الأرباب. ابنُ بحرٍ: " هم الملائكة " (٥)، أي: يكتبون لأنفسهم ما يريدون (٦). ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾: مرتقى، وقيل: ما يُتوصَّل به إلى عوالي الأشياء (٧). ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾: أي: عَليه. وقيل: في السماء. والمعنى: ليس معهم كتاب (٨)، فهل لهم سُلَّمٌ هو سببٌ إلى بلوغ السماء واستماع ما يدَّعون أنه حق. الزَجَّاج: ألهم كجبريلُ (٩) ﵇ الذي يأتي النبَّي ﷺ بالوحي ويُنْبئُ عن الله ما كان وما يكون؟! " (١٠).

стр. 3040

وقيل: إن ادَّعوا أنهم يستمعون من الملائكة ما يستغنون به عن الأنبياء ﵈: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾: بحجة ظاهرة (١) على صدق دعواه. وقيل: معناه: أم يستمعونَ الوحيَ من السماءِ فقد وَثِقُوا (٢) بما هم عليه، وردُّوا ما سواه. ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)﴾: فيه تسفيه لأحلامهم واختاروا حيث اختاروا لله ما يأنفون هم (٣) عنه. ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾: جُعْلاً على تبليغ الرسالة. ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾: من أداءِ ذلك ﴿مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾ المَغْرَمُ: إلزام الغُرْم، والغُرْمُ: المطالبة بإلحاحٍ (٤). ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)﴾: ابنُ عباسٍ ﵄: ... ﴿الْغَيْبُ﴾: اللوح المحفوظ ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)﴾ منه ويخبرون الناس " (٥). وقيل: يعلمون متى يموت محمد ﷺ . ويحتمل: أم عندهم الوحي فهم يكتبون ما يوحى إليهم. ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾: سوءاً بك. ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾: يريد: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، فكانوا هم المكيدون ببدر (٦) (٧).

стр. 3041

وقيل: معناه: أم يظنون أنهم يُخفون علينا سرائرَهم. ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾: يمنعهم من عذاب الله. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾: أي: لو أُجيبت دعوتُهم فيما اقترحوا بقولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، [الشعراء: ١٨٧]، لما آمنوا، بل قالوا: هذا سحابٌ تراكَمَ بعضُها على بعضٍ. ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾: أي: لا ينفع إنذارُ هؤلاء، فذرهم حتى يلاقوا يومَ القيامة. وقيل: يومَ (١) الموت، وقيل: عندَ النفخة الأولى (٢). وقُرِئَ ﴿يُصْعَقُونَ﴾، صَعِقَ وصُعِقَ جائزان، كسَعِدَ وسُعِدَ (٣). وقيل: هو من أصعقه الله، أي: أماته. وقيل: ﴿يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾: يهلكون بصاعقة. ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا يدفع مكرُهم عنهم عذابَ الله (٤). ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦)﴾: يُمنعون من عذاب الله.

стр. 3042

﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾: يريد عذابَ القبر. وهذا قول جمهور المفسرين (١) (٢). وقيل: عذاب الجوع الذي ابتُلوا به. وقيل: مصائب الدنيا. وقيل: ما أصابهم يوم بدر. وقيل: ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾: إشارة على الصَّعق. وقيل: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: هم أصحاب الصغائر. وقيل: أصحاب الحدود، لأن الحدودَ تخفِّفُ (٣) عنهم العذابَ (٤). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾: أنه يأتيهم ذلك. ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: لبلائه فيما ابتلاك به من قومك. وقيل: ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: لقضائه فيما حمّلك من رسالته. وقيل: لما حكم من تأخير عذابهم. ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾: بمرأى منا (٥)، وقيل: بعلمنا.

стр. 3043

وقيل: بحراستنا وحفظنا، والكلُّ واحدٌ، والمعنى: إنك مراعىً محفوظٌ محروسٌ، لا يصِلون إليك بمكروه (١). ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾: من النوم، يعني: صلاة الصبح. وقيل: حين تقوم من القيلولة، فيكون صلاةَ الظهر. وقيل: حين تقوم إلى الصلاة، فيكون التسبيحُ: سبحانك اللهم وبحمدك ... إلى آخره. وقيل (٢): هو الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً. وقيل: هو سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود. وقيل: فسبح حين تقوم من مجلسك (٣). روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ إنه قال: ((مَن جلسَ في مجلسٍ كثُر فيه لَغَطُه، فقال حين قام: سبحانك اللهم، وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك، غُفر الله ما كان في مجلسه ذلك)) (٤). ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يريد: صلاةَ الليل. وقيل: صلاتي المغرب والعشاء الآخرة (٥). وقيل: هو التسبيح بالليل (٦) إذا انتبه من نومه (٧).

стр. 3044

﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾: استتارها عن العيون. والجمهور، على أنه ركعتا الفجر (١)، وجاء مرفوعاً: ((أنهما خيرٌ من الدنيا جميعاً)) (٢). وقيل: هما صلاة فرض الصبح (٣). واستدل بعضُهم بهذا على أن الإسفارَ (٤) بصلاة الصبح أفضل (٥)، وكذلك قراءةُ من قرأ: ... ﴿وَإِدْبَارَ﴾ بالفتح (٦)، وهو: عن يعقوب؛ لأنَّ النجومَ لا أَدبارَ لها ولا إِدبارَ، وإنما ذلك بالاستتار عن العيون. والله أعلم (٧).

стр. 3045

سورة النَّجْم (١) "اثنان وستون آية " (٢) (٣) مكيةٌ (٤). ابن عباس وقتادة ": مكيةٌ، إلاّ آية، وهي: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ فإنها مدنيةٌ " (٥). وعن ابن مسعودٍ: " أنها أول سورةٍ أعلنها رسولُ الله ﷺ بمكةَ " (٦). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾: الظاهر في الآية أن الألفَ واللامَ للجنس. والمراد به: النجومُ كلُّها (٧). وهويُّها: سقوطُها وانتشارُها يومَ القيامة. وقيل: هويُّها غروبُها. وقيل: هويُّها أنَّها لا تفتُر طالعةً وغاربةً. وقيل: هويُّها انقضاضُها رُجوماً للشياطين. وقال بعضُهم: هويُّها طلوعُها (٨).

стр. 3046

وحكى الأزهريّ: " هوى سقط وغرب، هَوِيَّا بالفتح، وهويَ إذا علا وصعد هُوِيَّا بالضم. وأنشد: . . . . . . . . . . . . . . . . . ... والدَّلوُ في إصعادها عجلى الهُويّ (١) (٢) ". وذهب جماعةٌ إلى أنه الثريا، والعرب تسمَّى الثريّا النجمَ. مطلقاً، وهي سبعة: ستّةٌ منها ظاهرةٌ، وواحدٌ خفيٌّ يُجرَّبُ بها البصر (٣). قال: ساجع (٤) العرب: إذا طلع النجم عشاءً ... . . . ابتغى الراعي كساء إذا طلع النجم غديَّه ... طلب الراعي شُكَيَّه (٥) (٦). ﴿إِذَا هَوَى﴾ غاب مع الصبح، وقيل: ﴿هَوَى﴾: ارتفع وطلع (٧). وروي أن النبيَّ ﷺ قال ": إذا طلع النجم ارتفعت العاهات " (٨).

стр. 3047

السدّيُّ: " هو الزهرة " (١). وعن علي ﵁: " أنه زُحَل " (٢). وعن جماعة أنه نجوم القرآن؛ لأنَّ القرآنَ نزل نجماً نجماً في عشرين سنةً. ومعنى: ﴿هَوَى﴾: نزل (٣) (٤). وقيل: النجم: محمد ﷺ ، سمّاه نجماً كما سمّاه سِرَاجاً، ﴿إِذَا هَوَى﴾: نزل من السَّماء ليلةَ المعارج. وعلى التأويل الآخر: عرج إلى السماء وصعد (٥). وقيل: ﴿النَّارِ﴾ النبات، ﴿إِذَا هَوَى﴾: سقط على الأرض، فإن النجمَ ليس له ساق، وعلى التأويل الآخر: طال ونمى (٦). ويحتمل من التأويل: المصلِّي إذا سجد، والغازي إذا قُتل شهيداً، والعالم إذا مات، فإنَّ هؤلاء نجوم الأرض والأخبارُ ناطقة بها (٧). وقيل: تقديره: وربّ النجم، وهو: قسم بالإجماع (٨).

стр. 3048

وما ذكره الماورديّ أنه رجومٌ للشياطين، وأنَّه على هذا التأويل خبر وليس بقسم (١)، فسهوٌ منه. وجاء في الأخبار: أنَّه لمَّا نزل: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، قال عتبةُ بنُ أبي لهب (٢): كفرتُ بربّ النجم، وطلّق ابنةَ النبي ﷺ ، فدعا رسولُ ﷺ فقال: اللهمّ سلِّط عليه كلباً من كلابك، فخرج في تجارةٍ إلى الشام، فقال: أبو لهبٍ احفظوه، فإني أخاف عليه دعوةَ محمدٍ، فنزلوا منزلاً، فأشرف عليهم راهبٌ من دَيرٍ (٣)، وقال: هذه أرضٌ مسبِعةٌ (٤)، فقال: أبو لهبٍ لأصحابه: أعينونا هذه الليلة، فجمعوا أحمالَهم وفرشوا لعُتبةَ في أعلاها، وناموا حولَه، فجاء أسدٌ، فضرب الله على أصمختهم، ثمَّ ثنى ذنبَه فوثب وضرب عتبةَ بيده ضربة كسرت صُلْبَه ولم يأكل منه " (٥).

стр. 3049

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾: جواب القسم، وهو: محمد رسول الله أفضل صاحب وأكرمه وأجله وأعظمه ﷺ صلاةً لا يَنقطع أمدُها ولا يُحصَى عددُها. وذلك أن قريشاً قالوا: ضلَّ محمدٌ عن دين آبائه وغوى، ثمَّ تقوَّل على الله وافترى، فأنزل الله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾. ﴿وَمَا غَوَى (٢)﴾: أي: ﴿مَا ضَلَّ﴾، بل اهتدى، ﴿وَمَا غَوَى﴾: بل رشد. وقيل: معنى: ﴿مَا غَوَى﴾: ما خاب سعيُه (١). ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾: أي: لم يأتكم بالقرآن من تِلقاء نفسه وبهواه ومراده. و﴿عَنْ﴾ بمعنى الباء، وقد يتعاقبان كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه (٢). والهوى: ميل القلب إلى خلاف الصواب (٣). ﴿إِنْ هُوَ﴾: ما القرآن (٤). وقيل: ما الذّي ينطق به. ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾: يوحيه الله إليه. وقيل: يوحيه جبريل. ﴿عَلَّمَهُ﴾: علّم محمداً. ﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾: هو جبريل عند الجمهور (٥).

стр. 3050

والقُوى: جمع القوة، وهي في الأصل الطاقةُ، من الحبل يُضممُّ إلى أخرى، وجبريل من بين الملائكة موصوفٌ بالقوة (١). ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: قوّة. وأصلها: إمرارُ الفتل حتى يستحكم. وقيل: المِرّة صحةُ الجسم والسلامة من الآفات (٢). ابن عباس: "ذو منظرٍ حسنٍ " (٣). ابنُ الأنباريّ: "ذو عقل " (٤). وقيل: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾: أخبارٌ عن قوّته في أمر الله، ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: أخبارٌ عن قوة جسمه. وقيل: ﴿مِرَّةٍ﴾ فِعْلةٍ، من المرور، أي: ذو مرة في الجوّ في صُعوده وانحداره. ﴿فَاسْتَوَى (٦)﴾: قيل معناه: استولى بفرْط قوته على ما جُعل إليه من الأمر (٥). وقيل: ﴿فَاسْتَوَى﴾: على صورته التي خلقها الله عليها. وقيل: استوى: اعتدل واقفاً بعد أنْ كان مسرعاً (٦).
следующие страницы →