← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

وحكى الأزهريّ: " هوى سقط وغرب، هَوِيَّا بالفتح، وهويَ إذا علا وصعد هُوِيَّا بالضم. وأنشد: . . . . . . . . . . . . . . . . . ... والدَّلوُ في إصعادها عجلى الهُويّ (١) (٢) ". وذهب جماعةٌ إلى أنه الثريا، والعرب تسمَّى الثريّا النجمَ. مطلقاً، وهي سبعة: ستّةٌ منها ظاهرةٌ، وواحدٌ خفيٌّ يُجرَّبُ بها البصر (٣). قال: ساجع (٤) العرب: إذا طلع النجم عشاءً ... . . . ابتغى الراعي كساء إذا طلع النجم غديَّه ... طلب الراعي شُكَيَّه (٥) (٦). ﴿إِذَا هَوَى﴾ غاب مع الصبح، وقيل: ﴿هَوَى﴾: ارتفع وطلع (٧). وروي أن النبيَّ ﷺ قال ": إذا طلع النجم ارتفعت العاهات " (٨).

стр. 3047

السدّيُّ: " هو الزهرة " (١). وعن علي ﵁: " أنه زُحَل " (٢). وعن جماعة أنه نجوم القرآن؛ لأنَّ القرآنَ نزل نجماً نجماً في عشرين سنةً. ومعنى: ﴿هَوَى﴾: نزل (٣) (٤). وقيل: النجم: محمد ﷺ ، سمّاه نجماً كما سمّاه سِرَاجاً، ﴿إِذَا هَوَى﴾: نزل من السَّماء ليلةَ المعارج. وعلى التأويل الآخر: عرج إلى السماء وصعد (٥). وقيل: ﴿النَّارِ﴾ النبات، ﴿إِذَا هَوَى﴾: سقط على الأرض، فإن النجمَ ليس له ساق، وعلى التأويل الآخر: طال ونمى (٦). ويحتمل من التأويل: المصلِّي إذا سجد، والغازي إذا قُتل شهيداً، والعالم إذا مات، فإنَّ هؤلاء نجوم الأرض والأخبارُ ناطقة بها (٧). وقيل: تقديره: وربّ النجم، وهو: قسم بالإجماع (٨).

стр. 3048

وما ذكره الماورديّ أنه رجومٌ للشياطين، وأنَّه على هذا التأويل خبر وليس بقسم (١)، فسهوٌ منه. وجاء في الأخبار: أنَّه لمَّا نزل: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، قال عتبةُ بنُ أبي لهب (٢): كفرتُ بربّ النجم، وطلّق ابنةَ النبي ﷺ ، فدعا رسولُ ﷺ فقال: اللهمّ سلِّط عليه كلباً من كلابك، فخرج في تجارةٍ إلى الشام، فقال: أبو لهبٍ احفظوه، فإني أخاف عليه دعوةَ محمدٍ، فنزلوا منزلاً، فأشرف عليهم راهبٌ من دَيرٍ (٣)، وقال: هذه أرضٌ مسبِعةٌ (٤)، فقال: أبو لهبٍ لأصحابه: أعينونا هذه الليلة، فجمعوا أحمالَهم وفرشوا لعُتبةَ في أعلاها، وناموا حولَه، فجاء أسدٌ، فضرب الله على أصمختهم، ثمَّ ثنى ذنبَه فوثب وضرب عتبةَ بيده ضربة كسرت صُلْبَه ولم يأكل منه " (٥).

стр. 3049

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾: جواب القسم، وهو: محمد رسول الله أفضل صاحب وأكرمه وأجله وأعظمه ﷺ صلاةً لا يَنقطع أمدُها ولا يُحصَى عددُها. وذلك أن قريشاً قالوا: ضلَّ محمدٌ عن دين آبائه وغوى، ثمَّ تقوَّل على الله وافترى، فأنزل الله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾. ﴿وَمَا غَوَى (٢)﴾: أي: ﴿مَا ضَلَّ﴾، بل اهتدى، ﴿وَمَا غَوَى﴾: بل رشد. وقيل: معنى: ﴿مَا غَوَى﴾: ما خاب سعيُه (١). ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾: أي: لم يأتكم بالقرآن من تِلقاء نفسه وبهواه ومراده. و﴿عَنْ﴾ بمعنى الباء، وقد يتعاقبان كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه (٢). والهوى: ميل القلب إلى خلاف الصواب (٣). ﴿إِنْ هُوَ﴾: ما القرآن (٤). وقيل: ما الذّي ينطق به. ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾: يوحيه الله إليه. وقيل: يوحيه جبريل. ﴿عَلَّمَهُ﴾: علّم محمداً. ﴿شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾: هو جبريل عند الجمهور (٥).

стр. 3050

والقُوى: جمع القوة، وهي في الأصل الطاقةُ، من الحبل يُضممُّ إلى أخرى، وجبريل من بين الملائكة موصوفٌ بالقوة (١). ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: قوّة. وأصلها: إمرارُ الفتل حتى يستحكم. وقيل: المِرّة صحةُ الجسم والسلامة من الآفات (٢). ابن عباس: "ذو منظرٍ حسنٍ " (٣). ابنُ الأنباريّ: "ذو عقل " (٤). وقيل: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾: أخبارٌ عن قوّته في أمر الله، ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: أخبارٌ عن قوة جسمه. وقيل: ﴿مِرَّةٍ﴾ فِعْلةٍ، من المرور، أي: ذو مرة في الجوّ في صُعوده وانحداره. ﴿فَاسْتَوَى (٦)﴾: قيل معناه: استولى بفرْط قوته على ما جُعل إليه من الأمر (٥). وقيل: ﴿فَاسْتَوَى﴾: على صورته التي خلقها الله عليها. وقيل: استوى: اعتدل واقفاً بعد أنْ كان مسرعاً (٦).

стр. 3051

﴿وَهُوَ﴾: جبريل. ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾: قيل: قِبَلَ مطلِعِ الشمس. وقيل: ناحية من السماء (١). ﴿ثُمَّ دَنَا﴾: جبريل من محمد ﷺ (٢) ﴿فَتَدَلَّى (٨)﴾: زاد في القُرب. وقيل: ثم تدلى من الأفق الأعلى، فدنا من محمدٍ ﷺ . والتدلِّي: الامتداد إلى جهة السُّفل (٣). وقيل: هو التعلق فيما بين علو وسفل. وقيل: هو من الدلو، أي: نزل قليلاً قليلاً واسترسل من علو إلى سفل. وقيل: ثم دنا جبريل من محمدٍ فتدلى نكّس رأسَه إليه (٤). وقيل: دنا جبريل من محل القُربة. وقيل: التدلِّي من الدلال، قُلبت لامُه ياءً (٥). ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: الضمير في " كان " يعود إلى جبريل (٦). و ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: نُصب على الظرف، كما تقول: هو مني معقِدَ الإزار ومناطَ الثريا.

стр. 3052

وقيل: الضمير في ﴿كَانَ﴾: للمسافة، أي: كانت المسافةُ بينهما قاب قوسين، فيكون نصباً على الظرف، أو بـ ﴿كَانَ﴾ (١). واختلفوا في ﴿قَابَ﴾: قال المبرد: " القاب، والقِيد، والقَدُّ، أو القدر (٢): واحدٌ، والقوسان هما قوسان ... عربيتان، وكانوا يذرعون الأشياءَ ويُقدرونَ بقُسِيِّهم " (٣). وقال مجاهد: " كان منه حيث الوترُ من كبد القوس " (٤). وقيل: من مِقبضِها إلى طرفها (٥). وذهب قومٌ من المفسرين إلى أن القوسين الذراعان، ويحتمل على هذا التأويل أنْ يجعل ... ﴿قَدَمَ قَوْسَيْنِ﴾: عبارة عن المعانقة؛ لأنَّ المعانقةَ تقعُ [بين] (٦) الذراعين. والمعنى: دنا جبريل من محمدٍ ﷺ متعانقاً، ويكون قولُه: أَوْ ﴿أَدْنَى﴾: عبارةً عن مجاوزة إحدى اليدين الأخرى (٧). وذُكر أيضاً أن القوسين عبارةٌ عن الشِّبرين. وقوله: أَوْ ﴿أَدْنَى (٩)﴾: قيل: بل أدنى. وقيل: وأدنى، وهو عند النحاة للإبهام على المخاطَبين، أي: لو رأى واحدٌ منكم ذلك لقال: ﴿قَدَمَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، وأفاد ﴿أَوْ﴾ تحقيقَ الخبر عن القُرب (٨).

стр. 3053

﴿فَأَوْحَى﴾: جبريلُ ﵇. ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾: محمدٍ ﷺ . والهاء يعود إلى الله لا غير، وإنْ لم يتقدم ذكرُ الله سبحانه صريحاً فقد تقدم ضمناً (١). مَا ﴿أَوْحَى (١٠)﴾: جبريل. وقيل: ما أوحى الله إلى جبريل (٢). وأبهم مَا ﴿أَوْحَى﴾ تعظيماً لشأن ذلك. وقيل أوحى الله إليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ٦] إلى آخر السورة (٣). وقيل: أوحى إليه أن الجنةَ محرمةٌ على الأنبياء حتى تدخلَها أنت، وعلى الأمم حتى تدخلَها أمتك (٤). وذهب بعض المفسرين في هذه الآيات إلى تأويل آخر، فقالوا ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾: هو الله، وهذا كقوله: ﴿هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الطور: ٥٨] (٥). وزاد بعضهم فقال: ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ ﴿فَاسْتَوَى﴾ من فعل الله، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] (٦).

стр. 3054

وقال: والأفق الأعلى فوقَ السماوات السبع، يعنى: العرش، ثم دنا من محمدٍ فتدلى (١). و ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: عبارةٌ عن قُرب المنزلة والمكانة، لا عن المنزل والمكان (٢). وعلى الوجه الذي ذكرتُ عبارةُ: عن قربٍ ليس وراءه قرب، تعالى الله عن المنزل والمكان والاجتماع والافتراق. فأوحى إلى عبده محمدٍ ما أوحى وتكلم معه ما تكلّم وأمره ما أمر. وذَهَبَ بعضهم في الآية إلى تأويل آخر، فقال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: محمد ﷺ ، ﴿فَاسْتَوَى﴾: قام ما به جنونٌ [!!]، وكان صعِقَ لمَّا رأى جبريلَ في صورته، ﴿وَهُوَ﴾: أي: محمد ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾، ﴿ثُمَّ دَنَا﴾: محمد ﴿فَتَدَلَّى﴾: من العرش ومحلِّ القُربة، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى﴾ اللهُ ﴿إِلَى﴾: محمد ﴿مَا أَوْحَى﴾ (٣). وذَهَبَ الفرَّاءُ في قوله: ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾: أي: " فاستوى جبريل ومحمد - عليهما الصَّلاة والسَّلام -، أي: صار كلُّ واحدٍ مساوياً للآخر، فعطف على ضمير المرفوع المتَّصل من غير حائل " (٤). وهذا غير جائز من البصريين، وقد جاء في الشِعر (٥). والله أعلم.

стр. 3055

﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾: قيل: ما كذب الفؤاد ما رأى الفؤاد. وقيل: ما كذّب الفؤاد ما رأى محمد بعينه (١). وذكر الثعلبيُّ ما كذّب الفؤاد ما رأى القلب، قال: "والفؤاد وعاء القلب" (٢). وفي هذا القول بعدٌ. ثم اختلفوا في المرئيّ: فذهب ابنُ مسعود ﵁ في جماعةٍ - إلى أنه جبريل، رآه على صورته التي خلقه الله عليها، وإلى هذا ذهبت عائشة ﵂ وعن أبيها - (٣). وذهب ابن عباس ﵄ في جماعة إلى أنه الرَّبّ سبحانه، رآه بعين رأسه (٤). وذهب جماعة إلى إنه رآه بقلبه (٥). مرفوعاً أنه سئل ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: ((رأيته بفؤادي ولم أره بعيني)) (٦)، وروى أبو العالية قال: سئل ﷺ هل رأيتَ ربك؟ فقال: ((رأيت نوراً، ورأيت وراءَ النور حجاباً، ورأيت وراءَ الحجاب نوراً، لم أر غير ذلك)) (٧).

стр. 3056

وعن الحسن: " أنه رآه في المنام، وأنه لم يعرج بجسمه إلى السَّماء وإنما عرج بروحه وجسمه نائم بمكة " (١). ويحتمل: أن ما رأى هو: الذي فسره الله فقال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، ولهذا قال: ﴿مَا رَأَى﴾، ولم يقل من رأى (٢). والله أعلم. قُرئ ﴿كَذَبَ﴾ بالتخفيف والتشديد (٣): فمن خفّف فتقديره ما كذب الفؤادُ محمداً حديثَ ما رأى، فحُذف المضافُ؛ لأن كذب يتعدى إلى مفعولين، ومن شرط المفعول الثاني أنْ يكونَ مسموعاً وفي الآية مرئي، والوجه إضمار الحديث. وقيل: ما كذب الفؤاد فيما رأى، ولا بد من إضمار الحديث أيضاً. ومن شدَّد، فالمعنى حقّق الرؤيةَ ولم يجعلها شبهةً وتخيّلاً. وقيل: ما كذب الفؤاد ما أدّاه إليه جبريل، بل رآه صدقاً غير كذبٍ ولا ظنّ (٤). ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾: وقرئ: ﴿أَفَتَمْرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ (٥): أي: تجحدونه وتدفعونه، يقال مرآه حقَّه إذا جحده. وأصل المِرَى: من مَريت النَّاقةَ: إذا استخرجتَ لَبَنَهَا بعلاج.

стр. 3057

ووجه تمارونه تجادلونه من المراء، وهو: الجدال بالباطل، ولفظ ﴿عَلَى﴾ يقوِّي هذا الوجه (١). ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾: الخلاف فيه كالخلاف في الأول. ابن عبّاس ﵄: " رأى الرَّبّ سبحانه مرَّتين " (٢). ابن مسعود ﵁: " رأى جبريلَ على صورته مرّتين: مرّةً عند سِدْرَةِ المنتهى، ومرّةً بأجْيَاد (٣)، وقد سَدَّ الأُفقَ، له ستمائة جناح " (٤). ومعنى ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾: مرّةً أخرى (٥). وتقديره: رآه نازلاً ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ وكان أحدُ النزولين الدنّو، والآخَرُ التدلِّي. ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾: الجمهور: على أنها شجرة النَّبِق (٦) (٧). وروى أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في صفة ليلة المعراج: ((ورُفعتْ لي سدرةٌ، منتهاها في السماء السابعة، نَبِقُها مثلُ قِلالِ (٨) هَجَرَ (٩))) (١٠).

стр. 3058

وسمّيت سدرةَ المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها علمُ الخلائق وأعمالهم، وإليها ينتهي مَن فوقَها ويصعد إليها مَن تحتها (١). وعن ابن مسعود ﵁: قال: لمَّا أُسري برسول الله ﷺ إلى سِدرة المنتهى، وهي في السماء السّابعة، وإليها ينتهي ما يَعرُجُ من أرواح العباد فيقبض منها، وإليها ينتهي ما أُهبط من فوقها فيقبض منها (٢). وقال ابنُ بحرٍ في تفسيره: هي الشجرة التي يقول الله فيها: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وأوّل قوله: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾: أي: نالوا الجنةَ من البيعة التي جرت عندها، ولمّا بلغ إلى قوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ خلط كلامه (٣). وهذا تأويلٌ بعيدٌ غيرُ مرضيّ. ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾: مصدر، تقديره جَنَّة الرجوع. ابن عبّاس: " جَنَّة المأوى عن يمين العرش، فيها أرواح الشهداء " (٤). وقيل: هي التي كان فيها آدم. وقيل: هي الجنَّة التي وعد المتقون (٥).

стр. 3059

﴿ ... إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ أي: رآه ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ (١). عن بعضهم: يغشاها الملائكةُ (٢)، وعن بعضهم: يغشاها فَراشٌ من ذهب (٣). وقيل: جرادٌ من ذهب (٤). وقيل: "ملائكةٌ مثل الغربان حين يقعن على الشَّجر " (٥). وقيل: يغشاها النُّور (٦). وعن ابن عبّاس ﵄ " يغشاها الرَّبُّ سبحانه " (٧)، وأراد ابن عبّاس: بذلك نور الرَّبّ سبحانه (٨). وعن عائشة ﵂: " يغشاها لؤلؤٌ وياقوتٌ وزَبَرْجَدٌ " (٩) (١٠).

стр. 3060

وإبهامه يدلُّ على عظم قدره (١). ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾: ما مال يميناً وشمالاً، ولا جواز الحدّ قُدَّاماً. وقيل: ﴿مَا زَاغَ﴾: ما قصّر عن النظر إلى ما أُمر به، ﴿وَمَا طَغَى﴾: ولا جاوز ما لم يُؤمرْ بالنظر إليه. وقيل: ما زاد وما نقص (٢). ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾: هي ما رأى ليلةَ المعراج ويطول تعدادها. ولا يدخل في هذه الآية رؤيةُ الله تعالى؛ لأنَّ آياتِ الله غيرُ الله (٣). و ﴿الْكُبْرَى﴾: يجوزُ أنْ يكونَ المفعولَ، أي: لقد رأى الكبرى من آيات ربه، فيكون ﴿مِنْ﴾ للتبعيض. ويجوز أنْ يكونَ صفةً للآيات، ومحلها جرٌّ، والمفعولُ محذوفٌ، أي: آيات من آيات ربه الكبرى، ويجوز أنْ يكونَ ﴿مِنْ﴾ زيادة، و ﴿آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: مفعول. وزيادة من الإثبات قليل (٤). ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾: ذهب بعض المفَسِّرين إلى أنها أسماءُ أصنامٍ (٥) كانت في الكعبة تعبدها العربُ (٦).

стр. 3061

وقيل: ﴿اللَّاتَ﴾ بيت بنخلةَ كانت قريش تعبده (١). و ﴿وَالْعُزَّى﴾ بيت بالطائف تعبده ثقيف (٢). قتادة: بيت ببطن نخلة، ﴿وَمَنَاةَ﴾: بيت يعبده بنو كعبٍ (٣) " (٤). قتادة: " ﴿اللَّاتَ﴾ صنم بالطائف " (٥). وقيل: كان رجلاً يلتُّ السويقَ (٦) للحاجِّ، فلمَّا مات عبدوه (٧) (٨). قال الكلبيّ: اسمه صَرِمَة بن غَنْم ". (٩) (١٠)

стр. 3062

وقيل: اسمه عامر بن الظَّرِب (١) (٢). قال مجاهد: " ﴿الْعُزَّى﴾ شجرةٌ لغطفان (٣) يعبدونها، فبعث النبيُّ ﷺ خالدَ بنَ الوليد فقطعها وجعل يضربها بالفأس، ويقول: يا عُزَّ كفرانكَ لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك فخرجت منها شيطانه ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها فقتلها فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك فقال: ((تلك العزّى لن تُعبدَ أبداً)) " (٤). الضحاك: " هي صنمٌ لغطفان، وضعها لهم سعدُ بنُ ظالم الغَطَفانيّ" (٥) (٦). وقيل: حجرٌ أبيضُ (٧).

стр. 3063

وأمَّا ﴿وَمَنَاةَ﴾ فكانت لخزاعة (١) (٢). وفي اشتقاق ﴿اللَّاتَ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: أنها من لتَّ السويق، فخفّف، بدليل من قرأ: ﴿اللَّاتَّ﴾ بالتشديد (٣). والثاني: من لويتُ على الشيءِ إذا عكفتَ عليه وعطفتَ إليه، وكانوا يعكفون على أصنامهم، والهاءُ فيه للتأنيث (٤). والثالث: أنهم أدخلوا الهاءَ على الله، وهذا لا يصحُّ. أو يقال: فصار في الوقف اللهه، فاجتمع هاءان، فحذف الأول (٥). وروى الكسائيّ أنه كان يقف عليها بالهاء، وترقيق اللام (٦). وأمَّا ﴿الْعُزَّى﴾: فمشتقّة من العزّة في مقابلة العزيز (٧). ﴿وَمَنَاةَ﴾: قرئَ بالمدّ والقصر (٨)، واشتقاقها من مناة يمينه إذا قطعه.

стр. 3064

قيل: كانوا يذبحون عندها القرابين ومنه؛ لأنَّ هناك تذبح المناسك (١). وقوله: ﴿الثَّالِثَةَ﴾ تأكيد كـ ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقيل: تقديره ومناة الأخرى الثالثة، فقدّم وأخّر لفواصل الآي. وذهب بعضهم إلى أنَّ التقديرَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾ الأولى ﴿وَالْعُزَّى﴾ الأخرى، و ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ﴾، فحذف الأولى استغناء عنها وأخرَّ ﴿الْأُخْرَى﴾ الآية (٢). وما رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ جرى على لفظه: "تلك الغرانيق العُلى (٣) منها الشفاعة تُرتجى" (٤). فقد أنكره بعضُ المفسرين وقالوا: هذا من روايات الملحدة (٥).

стр. 3065

وقال بعضهم: كان ذلك من تلاوة الشيطان في أثناء قراءة النبيِّ ﷺ . وقد سبق في الحجّ (١). مجاهد: " كان قرآناً فنُسخ " (٢) على تقدير الاستفهام، والمعنى: تلك الغرانيق العلى بزعمكم أَمِنها الشَّفاعة تُرتجى وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً " والله أعلم. ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾: وذلك أنهم قالوا: إنها بنات الله، كما قالوا: الملائكة بنات الله (٣). وقيل: كانوا يقولون: قد استوطنتها جنّياتٌ، هنَّ بناتُ الله، من قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]. وقيل: زعموا أنهم اتخذوها على هياكل الملائكة، فلهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾. ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾: ناقصة منقوصة. وقيل: عوجاء مخالفة.

стр. 3066

واشتقاقها من الضِّيز، وهو: الجَور في االقضية. ووزنها عند النحاة فُعلى بالضمّ؛ لأنَّ فِعلى بالكسر لا يأتي وصفاً، ثم كُسر الفاءُ ليصحَّ الياءُ، كما فعل في بِيض، ومثله رجل كِيصى: يأكل وحده، ومِشَّية حِيكى (١). وقرأ ابن كثير: ﴿ضِئزَى﴾ بالهمز (٢). وهما لغتان. قال أبو علي " وهي على قراءته مصدرٌ كالذكرى" (٣). ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾: أي: ما هذه التي تصفون الأصنامَ والملائكةَ والجنَّ بها من أنها بنات الله، وأنها تستحقُّ العبادةَ، وأنها تشفع لكم، إلاّ أسماءً وضعتموها أنتم وآباؤكم. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أي: ما أذن لكم فيه، ولا أمركم به، ولا أنزل عليكم حجّةً توجب ذلك. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾: أي: ظنوا ظناً باطلاً فاتّبعوه وسكنت إليه نفوسُهم. وَلَقَدْ ﴿جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾: الرَّسول والكتاب فتركوه ولم يعملوا به (٤). ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾: أم هي المنقطعة (٥)، والتقدير: أللإنسان يعنى: الكافر ما تمنى من الشفاعة.

стр. 3067

﴿فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾: لا يملك أحدٌ غيرَه فيهما نفعاً ولا ضرّا. ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾: لا يرجى شفاعة الملائكة المقرّبين، فكيف يرجى شفاعة الأوثان. ابن جرير وابن زيد: " معنى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾: اشتهى محمدٌ النبوةَ والرسالةَ فأعطاه الله إيّاها ﴿فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى﴾: يعطى مَن يشاء " (١). وقيل: معناه ليس للكافر ما تمنى ﴿فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى﴾: يُعطي مَن أطاعه. وقيل: أَم هي المتصلة، وتقديره: ألكم الذكر وله الأنثى، أم للإنسان ما تمنى من البنين فلله الآخرة والأولى، أي: هو أجل وأعظم، فإن له الآخرة والأولى. ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾: كم للتكثير، ولهذا جَمع شفاعتهم، والمعنى كثير من الملائكة في السماوات ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ (٢). ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾: وله وجهان: أحدهما: لمن يشاء من الشافعين. والثاني: لمن يشاءُ من المشفوع له. وكذلك قوله: ﴿وَيَرْضَى﴾: أي: عن الشافع، والثاني يرضى عن المشفوع له. وهذا أظهر لقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] (٣). والمعنى: عبدوا الملائكة بزعمهم ليقربونهم إلى الله، وهم لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى.

стр. 3068

﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾: يعنى قولهم: الملائكة بنات الله. ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾: أي: بما يقولون من معرفة. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: وهو: تقليد الآباء (١). ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾: لا يقوم مقامه. والحقُّ العلم هاهنا (٢). وقيل: الحقّ هو: الله . والمعنى: لا يدفع من عذاب الله شيئاً (٣). ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى﴾: فاصفح عمَّن أعرض. عَنْ ﴿ذِكْرِنَا﴾: القرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾: أي: لم يَسْعَ إلاّ لها. ﴿ذَلِكَ﴾: أي: اختيارهم الدنيا والرِّضى بها. ﴿مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: منتهى علمهم، وهو: قليلٌ حقيرٌ. وقيل: هو إشارةٌ إلى تسمية الملائكة إناثاً. وقيل: علموا ما يحتاجون إليه في معاشهم، ونبذوا الآخرة وراء ظهورهم (٤).

стр. 3069

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: دينه. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾: أصاب، هذا متعلق بقوله: ﴿فَأَعْرِضْ﴾. والمعنى: كلهم إليَّ فإني مجازي محسنِهم ومسيئهم. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ﴾: اللام متصل بالمعنى، أي: ملكهم ليجزي، واللاّم في ﴿لِلَّهِ﴾ دلّ على ملكهم. وقيل: خلقها ﴿لِيَجْزِيَ﴾. وقيل: اللام لام العاقبة، وهو: متّصل بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ. . .﴾ الآية، أي: كان عاقبةُ ذلك أنْ نجازيهم على أعمالهم (١). ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾: أي: بمثل عملهم. وَيَجْزِيَ ﴿الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾: بالأحسن من الأعمال. وقيل: بالجنَّة. ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ قيل: محل ﴿الَّذِينَ﴾ نصب على الصفة لـ ﴿الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾. وقيل: هم ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ (٢). ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾: قُرئَ بالجمع؛ لأنَّ الكبائرَ كثيرٌ. وقُرئَ بالواحد (٣)؛ لأنَّ فعيلاً قد يقع موقعَ الجمع، نحو: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤].

стр. 3070

واختلفوا في الكبائر: فقيل: الكبائر الشرك. ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾: المعاصي. وقيل: كبائر الإثم: ما له حدٌّ في الدنيا، والفواحش الزنا خاصَّة (١). وهذه الآية مثلُ ما في سورة النساء: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية [النساء: ٣١]. وقوله: إِلَّا ﴿اللَّمَمَ﴾: بمنزلة قوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، ومنها الصغائر، وذلك مغفور بشرط اجتناب الكبائر. وقيل: اللّمم: ما كان منهم في الجاهليّة، وغُفر لهم ذلك بالإسلام. وقيل: إلاّ أن يُلمَّ بالذنب ثم يتوب. ابنُ عبّاس ﵄: كان رسولُ الله ﷺ يقول: إنْ تغفر اللهم تغفرْ جمّاً. . . ... . . . وأيُّ عبدٍ لك لا ألمّا (٢)؟ وقيل: هو: كالنظر واللمسة وغيرهما ما لم يكن وطئاً، فقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ : ((العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يُصدِّق ذلك أو يكذبُ) (٣) (٤).

стр. 3071

وقيل: هو أن يقرب منه فلا يقع فيه. وقيل: النظرة الأولى، فإنْ عاد فليس بِلَمَم. وقيل: هو: ما ألمَّ على القلب. وقيل: هو: ما لا حدَّ عليه في الدنيا، ولم يُوجب اللهُ عليه العذابَ في الأُخرى. وقيل: اللّممُ النكاح (١). قيل: نزلت في نبهان التمّار (٢) (٣). وقد مضى في سورة آل عمران (٤). وقيل: ﴿إِلَّا﴾: بمعنى الواو، أي: واللمم. وهذا ضعيف (٥). وفي الاستثناء قولان: أحدهما: أنه متّصل، والآخر: أنه منفصل (٦). والإلمام: الإتيان على الشيء من غير إقامةٍ عليه (٧). ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ : يسع جميعَ ذنوب العباد ولا يَضيقُ عنها. ابنُ عبّاس: "واسعُ المغفرة لمن فعل ذلك ثمَّ تاب " (٨). ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: ابتدأكم منها، يريد آدم (٩). ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾: جمع جنين، وهو: الولد ما دام في البطن. ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: أي: علم ضعفَكم وميلَكم إلى اللّمم (١٠). وقيل: إلمامكم، بذلك فلم يأخذْكم به. وقيل: هو: متّصلٌ بما بعده ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾: ﴿هُودًا أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ﴾. ومعنى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾: أي: بما ليس فيها. وقيل: بما فيها؛ ليكون أقربَ إلى الإخلاص وأبعدَ من الرياء. وقيل: معناه لا تعملوا بالمعاصي، فتقولوا: نحن عاملون بالطاعة! وقيل: لا يمدحْ بعضكم بعضاً (١١). ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾: وبمن لم يتقِ منكم. وفي سبب النزول: كانت اليهودُ تقول إذا هلك لهم صبيّ: هو صِدِّيق، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فقال: ((كذبت اليهودُ، ما من نسمةٍ يخلقه الله في بطن أمة، إلاّ هو: شقيٌّ أو سعيدٌ، ... فأنزل الله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ... ﴾ الآية)) (١٢).

стр. 3072

﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤)﴾: مجاهد وابن زيد وابن عبّاس في رواية عطاء ومقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتّبع رسولَ الله ﷺ فعيّره بعضُ الكافرين، وقال له: أتركتَ دينَ الأشياخ، وضلّلتهم، وزعمت أنهم في النار؟! قال: إني خشِيتُ عذابَ النار، فضمن له إنْ هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أنه يتحمّل عنه عذابَ الله، ففعل، وأعطى الذي عاتبه بعضَ ما كان ضمن له، ثمّ بخل ومنعه، فأنزل الله هذه الآيات (١). قال الضحاك: قدم أعرابي على قَعود له، وهو: ينادي بأعلى صوته: من يشتري حسناتي بصاعٍ من تمرٍ؟ فقال: أبو خَيْثَمة (٢) - وكان رجلاً صالحاً راغباً في الخيرات -: أنا أشتري حسناتِك بوسقٍ من تمر. فنزلت هذه الآية (٣). وقيل: نزلت في النضر بن الحارث (٤). وقيل: في المنافقين، كانوا يُخرجون القليلَ من أموالهم رياءً. وعن ابن عبّاس والكلبيّ والسدّي وابن شَريك (٥): أنها نزلت في رجل من أكابر الصحابة ﵃ (٦).

стр. 3073

فتحاشيت عن ذكر ذلك، وقد عيّنه الثعلبيّ، ثمَّ فسر الآية فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾: أعرض يومَ أحد (١). وكم بين هذا وذاك؟! وما أقبحَ اتباعَ الهوى؟! (٢) ومعنى ﴿أَهْدَى﴾: قطع العطاءَ. وأصله من قول العرب: أكدى الحافر، أي: بلغَ الكديةَ، وهي حجر صُلْب، لا يعمل فيه المِعْولُ، فيترك الحفرَ، وصار مثلاً لكلّ مَن منع خيرَه (٣). ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥)﴾: أنَّ صاحبَه يتحمّل عنه. وقيل: يراه شاهداً. ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾: لم يخبِّر. ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾: أي: التوراة. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾: ما أُنزل عليه. ﴿الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾: أي: وفّى بما عاهد اللهَ على القيام به. والتوفيةُ: بلوغ آخر ما لزمه (٤). وقيل: وفَّى بالكلمات العشر (٥). وقيل: وفّى بذبح ولده، والصَّبر على نار نمروذ، وعلى الاختتان. وقيل: وفّى بتبليغ الرسالة.

стр. 3074

وقيل: عهد أنْ لا يسألَ أحداً شيئاً، فوفّى حين أتاه جبريلُ يومَ أُلقيَ في النَّار، فقال: له ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليكَ فلا، فأثنى الله عليه، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (١). والقول الأول مشتمل على هذه كلها (٢). وعن النّبي ﷺ : ((أنه وفّى عملَ يومه بأربع ركعات، أوّلَ النّهار)) (٣)، يعني: صلاةَ الضحى. ثمَّ بيّن ما في صحف موسى وإبراهيم فقال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾: فهو بدل من ﴿مَا﴾. ومحله جرٌّ.

стр. 3075

وذُكر في التفاسير: أنه كان قبلَ إبراهيم يُقتل الأبُ بالابن، والأخُ بالأخ، والرجلُ بزوجه، والعبدُ بسيّده، حتى جاء إبراهيمُ ﵇ فأوحي إليه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يؤخذْ أحدٌ بذنبِ غيره (١). ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾: أي: وكان في صحف موسى وإبراهيم أنْ ليس للإنسان إلاّ ثواب ما عمل من خيرٍ أو شرٍّ، وما عمل غيره فليس له ولا عليه (٢). ابنُ عبّاس ﵄: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾: منسوخ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، [الطور: ٢١] (٣). وقد سبق (٤). ومن يُصَّدَّقُ عنه أو يُصامُ له أو يُحجُّ عنه فذلك لاحقٌ به وإنْ لم يأمر. وذهب بعضهم: إلى أنه لا ينفعُه إلاّ أنْ يكونَ له فيه سعيٌ (٥).

стр. 3076

ولا تناقض بين قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) وبين قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾، [العنكبوت: ١٣]؛ لأنَّ ذلك لسنَّة سَنُّوها. وقيل: لا تزر طوعاً، بل يحمل كرهاً. ﴿وأَنْ﴾: في الآيتين مخفّفة من المثقّلة، واسمها مضمر معها (٢). ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾: أي: يريه اللهُ جزاءَ سعيه. ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾: الجنَّة أو النار. في ﴿يَجْزِيَ﴾ الضمير المرفوع، والهاء يعودُ إلى السِّعي، والجزاء نُصب على المصدر (٣). ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾: المصير والمعاد. وقيل: بلوغ النهاية. وقيل: يصير إلى حيثُ لا ينفذ فيه حكمٌ إلاّ حكمُ الله (٤).

стр. 3077

وقيل: معناه إذا انتهى الكلامُ إلى الله فأمسكوا، ومَن تعاطى ذلك هلك (١). ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾: أضحك أهلَ الجنَّة وأبكى أهلَ النار. وقيل: سرَّ وأحزنَ. وقيل: أنعم بما يُوجب الضحكَ، وابتلى بما يُوجب البكاءَ (٢). ابنُ بحرٍ: وأنه خلق القوتين اللتين منهما ينبعث الضحكُ والبكاءُ، والإنسان لا يعلم ما تلك القوى " (٣) (٤). والضحكُ والبكاء أمران خصّ الله بهما الإنسانَ من بين الحيوان، وما نُسب إلى القرد من الضحك، وإلى الإبل من البكاء عند الحنين فدعوى لا حقيقةَ لها (٥). ابنُ عيسى: " الضحك: تفتُّحُ أسرارِ الوجه عن سرور عجب في القلب، والبكاءُ: جريان الدمع على الخدِّ عن غمٍّ في القلب " (٦).

стр. 3078

وما جاء في الخبر: ((إن الله يضحك إلى عبده .. )) (١)، معناه: يرضى عنه (٢). وقيل: اضحك الأرضَ بالنبات، وأبكى السماءَ بالمطر، وهذا استعارة وتشبيه لا حقيقةَ لها (٣). ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤)﴾: الإحياء والإماتة بيد الله سبحانه لا يقدر عليهما غيرُ الله. والقتل: نقض البِنية التي تصحُّ معها الحياةُ ويفعله غيرُ الله (٤)، والتخنيق (٥) ضرب من القتل؛ لأنَّ من تمام البِنية التنفّس فإذا حِيل بينه وبين الهواء فقد نُقِضَتِ البُنية (٦). والمعنى: أمات في الدنيا وأحيا. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: خلق الموت والحياة. وقيل: خلق أسباب الموت والحياة. وقيل: أنام وأيقظ. وقيل: أمات بالجهل، وأحيا بالعلم. وقيل: بالمعصية والطاعة.

стр. 3079

وقيل: أجدب وأخصب (١). ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾: أي: كلّ ذكر وأنثى مخلوق من نطفة تمنى سوى آدم وحواء وعيسى. والنطفة: الماء القليل، وصار يستعمل لماء الفحل. والمني: الفعيل من المنى، وهو التقدير. والإمناء: صبُّ المنِيِّ في الرَّحم. فمعنى: ﴿تُمْنَى﴾: تَصَب في الرَّحم. وقيل: ﴿تُمْنَى﴾: يقدّر منها الولد؛ إذ ليس كل منيٍّ يصير ولداً (٢). ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾: الإحياء بعد الموت، تقول: أنشأته نشأةً ونشاءةً، كقوله: أنبته نباتاً (٣) (٤). وذكر بلفظ (على) إيجاباً منه سبحانه على نفسه إعادةَ الخلق للجزاء ثواباً وعاقباً (٥). ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨)﴾: أي: ﴿أَغْنَى﴾: بالذهب والفضّة صنوفَ الأموال، ﴿وَأَقْنَى﴾: بالنعم خاصّة، وهي القُنية. وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: بما أعطى في الحال، ﴿وَأَقْنَى﴾: جعل له أصل مال في الاستقبال من قولهم: اقتنى مالاً اتخذه للإقامة. وقيل ﴿أَغْنَى﴾: أخدم.

стр. 3080

وقيل ﴿أَغْنَى﴾: أرضى. وقيل: أفقر، كقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] (١). وقيل: أقنع (٢). ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)﴾: هي الشِّعرى العُبور، يسمَّى مرزم الجوزاء، وهما شعريان: الغميصاء (٣) والعَبُور، والعُبُورُ أشدّهما ضياءً (٤). وخُصَّت بالذكر؛ لأنَّ أبا كبشةَ (٥) أحد أجداد رسول الله ﷺ من قِبَل أمّه قال: لا أرى شمساً ولا قمراً ولا نجماً يقطع السماء عرْضاً غيرُها فليس شيء مثلها. فعبدها وعبدتها خزاعة، فخالفوا قريشاً في عبادة الأوثان، وكانت قريش تُسمّي محمداً ﷺ ابنَ أبي كبشة (٦). والمعنى: أن الشِّعرى مربوبٌ فاعبدوا ربَّه (٧).

стр. 3081

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾: " أنَّ " في هذه الآيات كلها محل جرّ، بدلاً من: ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾. اختلفوا في ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: فذهب بعضهم إلى أنَّ الأولى بمنزلة القرون الأولى. الحسن: " ﴿الْأُولَى﴾: أي: قبلكم " (١). وقيل: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: هي عاد إرَم، ولمّا أُهلكوا بقيتْ منهم بقيَّةٌ، يقال لهم: بنو لقيم، وكانوا بمكة عند أخوالهم العمالقة، وهم أولاد عِمْلِيق بن لاوذ بن سام، فلم يصبهم يومئذٍ العذاب، وبقوا بعدهم زماناً فسُمُّوا: عاداً الأخرى (٢). وقيل: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: قومُ ثمود، والثاني ثمود؛ لأنَّهم من نَسْلهم. وقيل: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: أهلكوا بالريح، والثانية قوم هود (٣). ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾: عطف على (عاد). ولا ينتصب بقوله: ﴿فَمَا أَبْقَى﴾؛ لأنَّ ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله، ومفعول ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ عادٌ وثمود جميعاً (٤).

стр. 3082

﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود. ﴿إِنَّهُمْ﴾: إن قومَ نوحٍ. ﴿كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢)﴾: من عاد وثمود؛ لأنَّ نوحاً دعاهم ألْفَ سنة إلاّ خمسين عاماً، فـ ﴿مَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (١)، [هود: ٤٠]. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾: يريد قريةَ قومِ لوط، واسمها (سَدوم). إئتفكت بأهلها، أي: انقلبت (٢). وأبو الليث ﵀ فسَّرها بالمكذِّبة، من الإفك (٣). وفيه بعدٌ. ﴿أَهْوَى﴾: أهواها جبريل، أي: رفعها ثمَّ قلبها. وقيل: أهواها، جعلها تهوي. وقيل: قلبها في موضعها، فهوت خسْفاً (٤). وقيل: ألفُ ﴿أَهْوَى﴾: للتفضيل، أي: أكثر ممن تقدّم ذكرهم عملاً بالهوى، حكاه الماورديّ (٥). وهذا القائل حمله على قوله: ﴿أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾: وذلك للتفضيل لا غير.

стр. 3083

ويكون ﴿الْمُؤْتَفِكَةَ﴾: نصباً بـ ﴿أَهْلَكَ﴾، و ﴿أَهْوَى﴾: في محل نصبٍ بخبر كان، أي: والمؤتفكة كانوا أهوى، والمراد: أهل المؤتفكة. ويجوز أنْ يكونَ ﴿أَيْدِي﴾ حالاً (١). ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾: أصابها. وقيل: ألبسها. وقيل: عمّها. وأبهم؛ ليكون أوقع في القلوب. وقيل: هو العذاب، وقيل: الحجارة (٢). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾: تشك أيها المخاطَب بما أولاك من النِّعم أو بما كفاك من النِّقم. وقيل: بأيِّ نعم ربك الدّالةِ على وحدانيّته تشكُّ (٣). وقيل: لم يُعذِّب أمَّةَ محمدٍ ﷺ بواحدةٍ من هذه النقم، فهي نعمة عليهم. ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾: يعنى: محمداً ﷺ . ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾: أي: من جنس النذر الأولى، والمعنى: يُنذر بما أَنذروا به. وقيل: هذا الكتاب نذير من جنس الكتب المتقدّمة. وقيل: ما تقدّم من ذكر العذاب نذير من جنس النّذر الأولى (٤). والنذيرُ يأتي بمعنى المنذِر، وبمعنى المنذَر به. وقيل: ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾: في اللّوح المحفوظ. ﴿أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (٥٧)﴾: دنت القيامةُ (٥).

стр. 3084

﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾: لا يكشفُ وقتَها، ولا يزيل غطاءَها أحدٌ دونَ الله، فإنه لم يطّلعْ على وقتها ملَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ. وقيل: إذا وقعت شدائدُ القيامة، وعذابها لا يكشفها أحدٌ دون الله فإنه يكشفها عن ... المؤمنين (١) (٢). والهاء في ﴿كَاشِفَةٌ﴾: قيل: للمبالغة، وقيل: نفسٌ كاشفةٌ، وقيل: مصدرٌ كالطاغية والكاذبة (٣). ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾: يعني القرآن. ﴿تَعْجَبُونَ (٥٩)﴾ أي: ﴿تَعْجَبُونَ﴾ أن محمداً أتاكم نبياً يتلو عليكم كتاباً، كقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ الآية، [يونس: ٢] (٤). ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾: استهزاءً. ﴿وَلَا تَبْكُونَ (٦٠)﴾: تحزُّناً أنْ ينالَكم مثلُ ما نال مَن تقدَّم ذكرُهم. ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾: غافلون، لاهون، لاعبون، مستكبرون (٥). مجاهد: " كانوا يمرُّون بالنبيِّ ﷺ غِضاباً، مُبرطِمين، والبرطمةُ: الإعراض (٦) " (٧). ابن عباس وعكرمة: " السُّمودُ الغِناء، وكانوا إذا سمعوا القرآنَ عارضوه بالغناء ليَشغلوا الناسَ عن استماعه" (٨).

стр. 3085

الكلبيُّ: "مقيمون " (١). ورويَ أن علياً ﵁ خرج إلى الصَّلاة فرأى الناسَ قياماً، فقال: " ما لي أراكم سامدين"؟! (٢) وكانوا يكرهون أنْ يقوموا للصلاة قبلَ الإمام. ﴿فَاسْجُدُوا! وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾: أي: صلّوا لله ووحّدوه. وقيل: هي سجدة التلاوة (٣). "ولما قرأ رسولُ الله ﷺ السورةَ سجد وسجد معه المؤمنون، والمشركون، والجنُّ " (٤). ... والله أعلم.
следующие страницы →