← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾: " أنَّ " في هذه الآيات كلها محل جرّ، بدلاً من: ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾. اختلفوا في ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: فذهب بعضهم إلى أنَّ الأولى بمنزلة القرون الأولى. الحسن: " ﴿الْأُولَى﴾: أي: قبلكم " (١). وقيل: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: هي عاد إرَم، ولمّا أُهلكوا بقيتْ منهم بقيَّةٌ، يقال لهم: بنو لقيم، وكانوا بمكة عند أخوالهم العمالقة، وهم أولاد عِمْلِيق بن لاوذ بن سام، فلم يصبهم يومئذٍ العذاب، وبقوا بعدهم زماناً فسُمُّوا: عاداً الأخرى (٢). وقيل: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: قومُ ثمود، والثاني ثمود؛ لأنَّهم من نَسْلهم. وقيل: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: أهلكوا بالريح، والثانية قوم هود (٣). ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾: عطف على (عاد). ولا ينتصب بقوله: ﴿فَمَا أَبْقَى﴾؛ لأنَّ ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله، ومفعول ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ عادٌ وثمود جميعاً (٤).

стр. 3082

﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود. ﴿إِنَّهُمْ﴾: إن قومَ نوحٍ. ﴿كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢)﴾: من عاد وثمود؛ لأنَّ نوحاً دعاهم ألْفَ سنة إلاّ خمسين عاماً، فـ ﴿مَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (١)، [هود: ٤٠]. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾: يريد قريةَ قومِ لوط، واسمها (سَدوم). إئتفكت بأهلها، أي: انقلبت (٢). وأبو الليث ﵀ فسَّرها بالمكذِّبة، من الإفك (٣). وفيه بعدٌ. ﴿أَهْوَى﴾: أهواها جبريل، أي: رفعها ثمَّ قلبها. وقيل: أهواها، جعلها تهوي. وقيل: قلبها في موضعها، فهوت خسْفاً (٤). وقيل: ألفُ ﴿أَهْوَى﴾: للتفضيل، أي: أكثر ممن تقدّم ذكرهم عملاً بالهوى، حكاه الماورديّ (٥). وهذا القائل حمله على قوله: ﴿أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾: وذلك للتفضيل لا غير.

стр. 3083

ويكون ﴿الْمُؤْتَفِكَةَ﴾: نصباً بـ ﴿أَهْلَكَ﴾، و ﴿أَهْوَى﴾: في محل نصبٍ بخبر كان، أي: والمؤتفكة كانوا أهوى، والمراد: أهل المؤتفكة. ويجوز أنْ يكونَ ﴿أَيْدِي﴾ حالاً (١). ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾: أصابها. وقيل: ألبسها. وقيل: عمّها. وأبهم؛ ليكون أوقع في القلوب. وقيل: هو العذاب، وقيل: الحجارة (٢). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾: تشك أيها المخاطَب بما أولاك من النِّعم أو بما كفاك من النِّقم. وقيل: بأيِّ نعم ربك الدّالةِ على وحدانيّته تشكُّ (٣). وقيل: لم يُعذِّب أمَّةَ محمدٍ ﷺ بواحدةٍ من هذه النقم، فهي نعمة عليهم. ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾: يعنى: محمداً ﷺ . ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾: أي: من جنس النذر الأولى، والمعنى: يُنذر بما أَنذروا به. وقيل: هذا الكتاب نذير من جنس الكتب المتقدّمة. وقيل: ما تقدّم من ذكر العذاب نذير من جنس النّذر الأولى (٤). والنذيرُ يأتي بمعنى المنذِر، وبمعنى المنذَر به. وقيل: ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾: في اللّوح المحفوظ. ﴿أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (٥٧)﴾: دنت القيامةُ (٥).

стр. 3084

﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾: لا يكشفُ وقتَها، ولا يزيل غطاءَها أحدٌ دونَ الله، فإنه لم يطّلعْ على وقتها ملَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ. وقيل: إذا وقعت شدائدُ القيامة، وعذابها لا يكشفها أحدٌ دون الله فإنه يكشفها عن ... المؤمنين (١) (٢). والهاء في ﴿كَاشِفَةٌ﴾: قيل: للمبالغة، وقيل: نفسٌ كاشفةٌ، وقيل: مصدرٌ كالطاغية والكاذبة (٣). ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾: يعني القرآن. ﴿تَعْجَبُونَ (٥٩)﴾ أي: ﴿تَعْجَبُونَ﴾ أن محمداً أتاكم نبياً يتلو عليكم كتاباً، كقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ الآية، [يونس: ٢] (٤). ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾: استهزاءً. ﴿وَلَا تَبْكُونَ (٦٠)﴾: تحزُّناً أنْ ينالَكم مثلُ ما نال مَن تقدَّم ذكرُهم. ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾: غافلون، لاهون، لاعبون، مستكبرون (٥). مجاهد: " كانوا يمرُّون بالنبيِّ ﷺ غِضاباً، مُبرطِمين، والبرطمةُ: الإعراض (٦) " (٧). ابن عباس وعكرمة: " السُّمودُ الغِناء، وكانوا إذا سمعوا القرآنَ عارضوه بالغناء ليَشغلوا الناسَ عن استماعه" (٨).

стр. 3085

الكلبيُّ: "مقيمون " (١). ورويَ أن علياً ﵁ خرج إلى الصَّلاة فرأى الناسَ قياماً، فقال: " ما لي أراكم سامدين"؟! (٢) وكانوا يكرهون أنْ يقوموا للصلاة قبلَ الإمام. ﴿فَاسْجُدُوا! وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾: أي: صلّوا لله ووحّدوه. وقيل: هي سجدة التلاوة (٣). "ولما قرأ رسولُ الله ﷺ السورةَ سجد وسجد معه المؤمنون، والمشركون، والجنُّ " (٤). ... والله أعلم.

стр. 3086

سورة القمر (١) خمسٌ وخمسون آيةً (٢) (٣)، مكيةٌ (٤). وعن ابن عباس ﵄: أنها مدنيةٌ (٥). وعن مقاتلٍ: أنها مكيةٌ، إلاّ ثلاث آيات من قوله: سَيُهْزَمُ ﴿الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ (٦). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾:

стр. 3087

في سبب النزول عن ابن مسعودٍ ﵁، قال: انشق القمرُ على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريشٌ: هذا سحرُ ابنِ أَبِي كَبْشَةَ، فأرسلوا السُّفَّار (١)، فسألوهم، فقالوا: نعم، قد ... رأيناه، فأنزل الله هذه الآياتِ (٢). وفي التفسير سألَ أهلُ مكة النبيَ ﷺ : آيةً، فانشق القمر بمكة مرتين (٣). ابن عباس ﵄: " انشق شِقتين حتى رآه الناس، وقالت اليهود: سُحر القمرُ " (٤). وعلى هذا جلُّ المفسرين (٥)، ورواه البخاري (٦) ومسلم (٧) (٨) ﵏ في صحيحيهما (٩).

стр. 3088

وذهب قومٌ إلى أن هذا مما يكون في القيامة، كقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، [الانشقاق: ١]، منهم: الحسن، فقال: " لو انشق ما بقيَ أحدٌ إلا رآه؛ لأنه آيةٌ، والناس في الآياتِ سواءٌ " (١). ومنهم عليُّ بنُ عطاءٍ (٢)، قال: " سينشقُّ القمر " (٣). وذهب ابنُ بحرٍ إلى أن انشقاقَ القمرِ عبارةٌ عن وضوح أمرِ النبيِّ ﷺ ، وصحة الإسلام، قال: وهذا كقولهم للشيء المعروف المشهور: (ابن جلا)، وهو (٤) القمر " (٥). وهذان القولان خلافُ الإجماع، وخلافُ النصّ أيضاً، فإن قولَه سبحانه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾، لا يمكن حملُه على القيامة بإجماعٍ (٦). وقُرئ: ﴿اقتربت الساعةُ وقد انشقَّ القمرُ﴾ (٧).

стр. 3089

وقيل: تقديره: انشقَّ القمرُ فاقتربت الساعةُ. ومعنى: ﴿اقْتَرَبَتِ﴾: دنت دنواً قريباً؛ لأن في (اقترب) من المبالغة ما ليس في قَرُبَ، وكذلك اقتدر؛ لأن أصلَ (افتعل) طلبُ إعداد الشيء بالمبالغة فيه (١). و ﴿السَّاعَةُ﴾: القيامة (٢). ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: وكان ليلةَ بدرٍ (٣). قال أنسٌ ﵁: فصار فِلقتين حتى رأينا جبلَ حِراءٍ (٤) بينهما (٥)، وقال لنا رسول الله ﷺ : ((اشهدوا)) (٦). ﴿وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً﴾: تُوجب العلمَ اليقينَ (٧). ﴿يُعْرِضُوا﴾ عن الإيمان بها، كما أعرضوا عن انشقاق القمر. وقيل: إنه عامٌّ (٨).

стр. 3090

﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾: محكَمٌ شديدٌ صاحبُه حاذِقٌ، من (المِرَّة)، تقول: أمْرَرْتُهُ فاستمرَّ: أحكمتُه فاستحكم. وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: باطلٌ ذاهبٌ، من المرور. وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: يُشبه بعضُه بعضاً، من قولهم: مطَّرِدٌ مستمرٌّ. وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: دائمٌ استمر من الأرض إلى السماء حتى سَحَرَ القمر (١). ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: ما مالت إليهم طباعُهم دونَ الحقّ الواضح، وهما عطف على ﴿يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا﴾، ويجوز أنْ يكونَ استئنافاً. ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)﴾: أي: كلٌّ منتهٍ إلى غايةٍ، لأن الشيءَ إذا انتهى إلى غايته استقرَّ وثبت. وقيل: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ في الآخرة. وقيل: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ خيره وشره لأهله. وقيل: معناه: المقدورُ كائنٌ لا محالةَ (٢). ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾: جاء أهلَ مكة في القرآن ﴿مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾: أخبارِ الأمم السالفة (٣). ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)﴾: ازدجارٌ عن الكفر والمعاصي، تقول: زجرتُه وازدجرتُه: إذا نهيتَه. وتاءُ الافتعال مع الزاي والذال تصير دالاً (٤). ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾: بدلٌ من ﴿فِيهِ﴾. وقيل: هو ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾، أي: القرآن حكمةٌ تامّة في الزجر. وقيل: ﴿بَالِغَةٌ﴾: لا خللَ فيها ولا فسادَ. وقيل: ﴿بَالِغَةٌ﴾: من الله إليكم (٥). ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾: يجوز أنْ يكونَ نفياً، ويجوز أنْ يكونَ استفهاماً. ومحله نصبٌ بـ ﴿تُغْنِ﴾ (٦). و ﴿النُّذُرُ﴾: جمع: نذير، وهو الرسل (٧). وقيل: النذير المنذَر منه. وقيل: النذر مصدرٌ بمعنى الإنذار. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: فقد أدّيت الرسالةَ، ودعني وإياهم، وهذا تهديدٌ. وقيل: تولَّ عنهم: إلى أنْ تؤمرَ بالقتال، وتمَّ الكلام (٨). ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: قيل هو: إسرافيل ﵇ (٩). ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)﴾: قُرئ: بالضم والسكون (١٠). والأصل بالضم، (وفُعْلٌ) في الوصف قليلٌ، حكى سيبويه ناقة أُجْدٌ (١١). والمعنى: فظيعٌ هائلٌ، لم يروا مثلَه فينكرونه استعظاماً له. واختلفوا في عامل: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: فقيل: اذكر، فيكون مفعولاً به لا ظرفاً. وقيل: العامل فيه ﴿يَخْرُجُونَ﴾. وقيل: تقديره فتولى عنهم إلى يوم يدع، [فحُذف الجارُّ. وقيل: فتولى عنهم يوم يدع الداعي] (١٢)، ولا تشفعْ لهم (١٣)، كما تولَّوا عنك في ... الدنيا. وقيل: انشق القمر يوم يدع الداعي، وهذا على قول من قال: سينشق (١٤). ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾: ذليلةٌ خاضعة عند رؤية العذاب. وأضاف إلى البصر؛ لأن ذلةَ الذليل وعزةَ العزيز تتبين (١٥) في نظره (١٦). ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: من القبور، جمع جَدَثٍ وجَدَفٍ، فإذا جمعتَ قلتَ أجداث، بالثاء لا غير (١٧). ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾: في كثرتهم وتفرُّقهم في كلِّ جهةٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾: مسرعين قِبَلَه لانقيادهم وذلهم، ولئلا يجدوا ملجأً. وقيل: ناظرين لا يُقلعون أبصارَهم. وقيل: يُسرعون بنظرهم قِبَلَ داعيهم.

стр. 3091

وقيل: مادِّي أعناقِهم نحوَه. وقيل: قابضين ما بين أعينهم. وقيل: مائلين آذانِهم إلى القول الداعي. حكاهما الماورديّ (١) (٢). ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾: صعبٌ شديدٌ، مثله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر: ٩ - ١٠]. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾: أي: قبلَ قومك. ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾: نوحاً. والمعنى: كذبت قومُ نوحٍ (٣) بآياتنا، فكذّبوا رسلنا (٤) لأجل ذلك، فعطف بالفاء؛ لأنَّ الثَّاني ظهر من الأوَّل. ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾: أي: هو: مجنون. ﴿وَازْدُجِرَ (٩)﴾: زُجر عن أداء الرِّسالة بالشّتم، وهُدِّد بالقتل (٥). مجاهد: " استُطير جنوناً " (٦). ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي﴾: بأنّي (٧). ﴿مَغْلُوبٌ﴾: لا يمكنني مقاومتُهم إلاّ بنصرك.

стр. 3092

﴿فَانْتَصِرْ (١٠)﴾: فانتقم لي منهم. ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾: ففتحت رتاجها (١). ابن عيسى: " فتحُ أبوابها إجراؤُه من السماء؛ كجريانه (٢) إذا فُتح عنه بابٌ كان مانعاً له " (٣). وعن علي ﵁: " فتُحت السَّماء من المجرَّة، وهي شرْج السَّماء " (٤). ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾: منصبٍّ انصباباً شديداً، كما يسيل من أفواه القِرب. وقيل: متدفِّقٍ سريعِ الانصباب. وقيل: بماءٍ سائلٍ خارجٍ عن طريق (٥) المعتاد، لم ينقطعْ أربعين ليلةً ولم يكن قَطَراتٍ (٦). ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾: فشققنا الأرضَ عن الماء عيوناً تنبع منها، فصارت الأرضُ كلُّها كالعيون. والعين: ما يفورُ (٧) عن الأرض مستديراً كاستدارة عين الحيوان (٨). وهي نصبٌ على التمييز. ويجوز: وفجّرنا في الأرض عيوناً، فيكونُ مفعولاً به. و ﴿الْأَرْضَ﴾: نصبٌ على الظرف بعد حذف الجارّ. وقيل: بعيون، فحذف الجارّ.

стр. 3093

وقيل: ﴿عُيُونًا﴾: نصبٌ على الحال (١). ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ﴾: يعني ماء الأرض وماء السماء، فسدَّ اسمُ الجنس مسدَّ التثنية؛ لأنَّه النهاية ها هنا (٢) (٣). وقُرئ في الشواذّ بالتثنية، وهو ﴿ماءآن على أمر﴾ " (٤) (٥). ﴿قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾: قدّره الله وقضاه لإهلاك الكفّار. وقيل: قُدِر في اللوح المحفوظ. وقيل: قُدر ماءُ الأرض على مقادر ماء السماء. وقيل: على ما قدّره الله تعالى لا زيادة ولا نقصاناً. وقيل: على أمرٍ قد (٦) عرف الله تعالى (٧) مقدارَه ومبلغَه (٨). ﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾: يعني نوحاً ﵇، ومَن آمن معه. ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾: وهي الخشبات العريضة. ﴿وَدُسُرٍ﴾: هي المسامر والشرط التي يشدُّ بها (٩) ألواحُ السفينة، واحدها (دِسَارٌ). قال المفسرون: هذه عبارةٌ وحكايةٌ عن السفينة.

стр. 3094

ويحتمل: على سفينةٍ ذاتِ ألواحٍ كثيرةٍ ودُسُرٍ كثيرةٍ، أي: عظيمةٍ. ابن عبّاس ﵄: ﴿وَدُسُرٍ﴾ كَلْكَلُ السَّفينة وصدرها " (١). مجاهد: "عوارضها " (٢). الضحَّاك: " طرفاها " (٣). ويحتمل أنَّه مصدر، كالشغْل بمعنى الدسر، وهو: الدفع، أي: على ذات ألواح ودسر، أي: تدْسر الماء، من قوله ﷺ في العنبر (٤): ((إنَّ ذلك شيءٌ دسره البحر)) (٥)، أي: دفعه ورماه (٦). ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾: بمرأىً منّا وحفظٍ (٧)، والباءُ للحال، أي: محفوظة منّا (٨). وقيل: بأعين ملائكتنا الحفظة، فحُذف المضاف. وقيل: بأعين المياه التي فجّرنا الأرض عيوناً (٩)، فيكون الباء للظرف (١٠). مقاتل: " بوحينا " (١١). وقيل: "بإذننا " (١٢).

стр. 3095

﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾: ﴿مَنْ﴾: كناية عن نوح ﵇، وتقديره: كُفِرَ ... بِه (١). قال الكسائي: "كفرته وكفرت به لغتان " (٢). مجاهد: "كناية عن الله تعالى" (٣). ابن عبّاس: "انتصر لنفسه " (٤). الفراء: " جزاءً لكفرهم " (٥). و ﴿مَنْ﴾ بمعنى (ما) المصدر (٦). وقرئ في الشَّواذّ: ﴿جزاءً لمن كان كَفَرَ﴾ بفتحتين (٧). وَلَقَدْ ﴿تَرَكْنَاهَا آَيَةً﴾: يعني سفينة نوح، وكانت باقية حتّى رآها أوائلُ هذه ... الأمَّة (٨). وقيل: تركنا حديثَها. وقيل: تركنا أمثالَها من السّفن. وقيل: تركنا تلك الفعلةَ وتلك العقوبةَ (٩).

стр. 3096

﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾: متّعظٍ يتعظُ ويعتبرُ. وقيل: معناها (١) هل من طالبِ خيرٍ فيُعان عليه؟. وأصله: (اذدكر)، افتعل من الذِّكر، كما سبق، فأدغم الذّال في الدّال فصار دالاً (٢). ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾: استفهامُ تعظيمٍ لما مضى وتخويف لمن [لم] (٣) يؤمن بمحمد ﷺ . والنذر: اسمٌ من الإنذار. وقيل: جمع نذير، أي: فكيف كان حالُ نذري. وكُرّرَ (٤)؛ لأنّ كلَّ واحدٍ وقع مع قصّةٍ أخرى، فلم يكن تكراراً في المعنى (٥). ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ﴾: هوناه وسّهلنا قراءَته وتلاوتَه، ولولا ذلك ما أطاق العبادُ أنْ يتكلّموا بكلام الله تعالى. وقيل: يسَّرناه للحفظ حتى يحفظَه الصبيّ والكبيرُ والعربيّ والعجميّ والأمي والبليغُ، وسائر كتب الله - تعالى - يقرؤونها نظراً ولا يحفظُها عن آخرها أحدٌ حفظاً. وقيل: يسَّرنا استنباطَ (٦) معانيه وسهّلنا علمَ ما فيه (٧). ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾: يتذكر ما فيه، وهل من طالب علمٍ فيُعان عليه؟! وهذا حثٌّ على الذكر؛ لأنّه طريقُ العلم.

стр. 3097

ثمّ ختم قصَّةَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ ولوطٍ به؛ لما في كلِّ واحدٍ منها (١) من التخويف (٢) والتحذير وبدائع ما حلّ بهم، فيتعظُّ به تالي القرآن وحافظه ومن يستنبط معانيه ويعظ غيرَه به. والله أعلم (٣). ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾: سبق في سورة النّجم (٤). ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨)﴾: ألم يكن مبيراً مهلكاً؟! ألم يكن حقَّاً صدقاً؟! ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾: باردةً ذاتَ هبوبٍ. المبّرد: " ﴿صَرْصَرًا﴾: شديد الصوت، قال الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . ... كما صرصر العصفورُ في الرطب الثَّعْد (٥) (٦) " (٧). ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾: مشؤومٍ دائمِ الشؤم. وقيل: نحس بارد، قال الشاعر: وليلة (٨) نحسٍ يصطلي القوسَ ربُّها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبّل (٩) (١٠) ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾: دائم على مرور ساعاته. وقيل: استمر عليهم سبع ليال وثمانية أيَّام.

стр. 3098

وقيل: استمر بهم العذاب إلى نار جهنّم. وقيل: ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾: شديدٍ ماضٍ على الصغير والكبير، لم يبق منهم أحداً، وكان يوم الأربعاء آخر الشّهر (١). ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾: تقلعهم وترمي بهم على رؤوسهم، فتدق (٢) رقابَهم (٣). وقيل: كانوا استتروا عن الرِّيح بحفرٍ حفروها فتغطّوا فيها، فنزعتهمُ الريح من تلك الحفر وصرعتهم موتى (٤). ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾: هذا واقع موقع الحال. ابن عباس ﵄: " أصولُ نخلٍ " (٥). وقيل: أوراك نخلٍ، جمع عجز؛ لأنَّ الريحَ كانت تُبِينُ رؤوسَهم عن أجسادِهم، فتبقى (٦) بلا رأسٍ (٧). ﴿مُنْقَعِرٍ﴾: منقلع (٨) من أصله؛ لأنَّ قعرَ الشيء أصلُه، تقول: قعرته فانقعر ولم يقل منقعرة؛ لأنَّ الجمعَ إذا لم يكن بين واحده وجمعه إلاّ هاءُ التأنيث جاز تذكيره وتأنيثه، ... [كنخلٍ ونخلةٍ، وتمرٍ وتمرةٍ، ومثلها] (٩) (١٠). قال مقاتل: " كان طولُ الواحد منهم اثني عشر ذراعاً " (١١).

стр. 3099

وقيل: أربعون، وقيل: ستّون، وقيل: ثمانون. وذكر في القصّة أنّ سبعةً منهم قاموا مصطفِّين على باب الشِّعب، ليردوا الريح عمّن في الشِّعب من العيال، فجعلت تجحفهم (١) رجلاً رجلاً حتى هلكوا. وذكر الثعلبيّ أسماءهم، وأنشد أبياتاً، فيها ... : والذي سدّ مهبَّ الـ ريح أيَّامَ البليَّات (٢). وعن النبي ﷺ أنَّه قال: ((انتزعت الريحُ النَّاسَ من قبورهم)) (٣). وذكر أن قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾: أراد به (٤) تشبيهَ الحفر التي حفروها بأصول نخلٍ قد هلك ما كان قائماً منها، وبقي موضعُها منقعراً. وهذا بعيد؛ لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾، ولم يقل كأنَّها (٥). ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١)﴾: أعاد في قصّة عادٍ مرتين، فقيل الأول: في الدنيا، والثَّاني في العقبى، كما قال في هذه القصّة: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى﴾، [فصلت: ١٦]. وقيل: الأوَّل لتحذيرهم قبلَ هلاكهم، والثَّاني لتحذير غيرهم بهم بعدَ هلاكهم (٦). ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣)﴾: كذبوا صالحاً. والنذرُ (٧) جمع نذير.

стр. 3100

وقيل: المواعظ والكتب السَّابقة. وقيل: العذاب (١). ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾: أَنَتَّبِعُ آدمياً مثلَنا ونُطيع واحداً من جملتنا ليس له فضلٌ علينا?. ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾: ذهب بعضهم إلى أن السُّعُرَ الجنونُ، تقول العرب: ناقةٌ مسعورةٌ: إذا كان بها (٢) جنونٌ (٣). وقيل: ﴿سَفَرٍ﴾: عذابٍ، جمع سعير. الفرَّاء: "في عَناءٍ وعذابٍ " (٤). وقيل: بُعدٍ من الحقّ (٥). وذكر ابن بحر له (٦) وجهين آخرين: أحدهما: في احتراقٍ، كما يقال: هلكنا واحترقنا. عند شدّة الحال وعظم البليّة. والثّاني: أنهم كانوا وُعدوا على الكفر بالنبي الذي جاءهم الضلال والنَّار، فقالوا: إن أتّبعنا رجلاً منا صرنا إلى الضّلال والنَّار (٧). ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ : أي: الكتاب والوحي (٨) (٩). ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ﴾: فيما يدّعيه.

стр. 3101

﴿أَشِرٌ (٢٥)﴾: عظيم الكذب، وقيل: بَطرٌ فَرِحٌ، يريد أنْ يتعظَّم علينا. وقيل: الأَشِرُ الذي لا يبالي ما يقول. وقيل: متعدٍّ إلى منزلةٍ لا يستحقُّها (١). سَيَعْلَمُونَ ﴿غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾: أي: إذا لحقهم العذاب (٢) يوم القيامة علموا أنَّهم الكاذبون لا صالح. وسمّاه غداً للتقريب وشدّة الوعيد (٣). وقيل: ﴿غَدًا﴾: يريد به يومَ العذاب في الدنيا. ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾: ابن عبّاس ﵄: سألوا صالحاً ﵇ أنْ يُخرج لهم ناقةً حمراءَ عشراء من صخرة، ثمَّ تضع حملَها، ثمَّ ترد ماءَهم فتشربه، ثمَّ تغدوا عليهم بمثله لبناً، فأجاب الله صالحاً ﵇ إلى ذلك، فقال: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ (٤). أي: ننشئها، فعبّر عنه بالإرسال؛ لأنَّ المعنى نوجِّهها. وأصله من أرسلت الشيءَ: إذا أزلت عنه ما يحبِسُه عن الانبعاث. ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾: امتحاناً واختباراً لهم أيؤمنون أم لا. ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾: فانتظر (٥) ما هم صانعون. ﴿وَاصْطَبِرْ (٢٧)﴾: على ما يصيبك من أذاهم.

стр. 3102

﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾: يومٌ لها ويومٌ لهم، وجُمع جمعَ السَّلامة تغليباً للعقلاء (١). ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾: تحضرون شِرْبَكم: نصيبكم من الماء، وتحضر هي شربَها، لا يزاحم البَعضُ البَعضَ. مجاهد: "إذا غابت حضرتم الماء، وإذا حضرت الماءَ حضرتم اللبن" (٢)، فالشِّرب (٣) على هذا: الحظّ من الماء واللّبن. ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾: هو: قُدار بنُ سالف (٤). وقيل: كانا اثنين: قُدار ومِصدَع (٥)، يقال لقُدار: أحمرَ ثمود وأُحيمرَ ثمود. قال الزجاج: " وربما غلط بعضُ العرب فيجعله أحمر عاد " (٦)، ويحتمل أن ذلك لما سبق أنْ ثمودَ عند بعضهم عادٌ الأخرى. ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾: جاء في القصص: أن عدةً منهم - وفيهم قدار - تواطؤوا على عقرها، وكمنوا لها بين جبلين في مرورها، ثم هاب الآخَرون عن الإقدام، فتعاطى قدار هذا الفعل، من قولهم: فلان يتعاطى هذا الأمر: إذا تكلّف تناولَه. وقيل: ﴿فَتَعَاطَى﴾: تناولها بيده فعقرها.

стр. 3103

وقيل: ارتفع على أطراف أصابعه ثمَّ عقرها (١)، كما تعطوا الشَّاة إذا لم تنل الغصنَ فرفعت يديها (٢). ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠)﴾. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: أسمعهم الله (٣) صيحةً فأهلكهم بها في الحال. وقيل: صاح بهم جبريل ﵇ فماتوا عن آخرهم (٤). وقيل: كان صوت الفَصِيل (٥) (٦). ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾: أي: صاروا بعدَ نضارتهم (٧) وحُسنهم كهشيم الشجر. هشيم: بمعنى مهشوم، أي: مكسور، وهو ما يبس من الورق. ابن عبّاس: " العظم المحترق " (٨). سعيد بن جبير: " هو التراب يتناثر من الحائط " (٩). ابن زيد: " هو الشَّوْكُ (١٠) يُحظرَ به حولَ المواشي " (١١). مجاهد: " هو ما يُكسر من خشب الخيمة " (١٢).

стр. 3104

والمحتظَر المكان الذي يُحتظر، والمحتظِر (١) المبتني حظيرةً على غنمه أو بستانه، والمحتظِر صاحب الحظيرة (٢). وقيل: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، الهشيم: ما يعدّ المحتظر من الحشيش لماشيته في الشتاء ووقت إعواز المرعى (٣). ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣)﴾. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾: حجارةً. وقيل: ﴿حَاصِبًا﴾: رامياً بالحصباء، وهو السَّحاب. والحصباء: الحصى الصغار. وقيل: ﴿حَاصِبًا﴾: ريحاً فيها حصباء (٤). ﴿إِلَّا آَلَ لُوطٍ﴾: ابنتيه ومَن آمن معه. ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾: من الإسحار. والباء للحال، أي: مسحرين، كما تقول: جاء بالغداة، أي: غادياً.

стр. 3105

ويجوز أنْ يكونَ الباءُ الذي ينوب عن (في) ظرف المكان، تقول: شربت ببغداد، أي: فيها (١). ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾: أي: الإنعام، فهي مفعول، والمعنى: فعلنا ذلك بهم لشكرهم. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)﴾: أي: من آمن بالله لم نعذّبْه مع المشركين. ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ﴾: لوط. ﴿بَطْشَتَنَا﴾: شدّةَ أخذِنا وانتقامِنا. ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦)﴾: كذّبوهم بما قالوا. وقيل: شكّوا بالإنذار. وقيل: جادلوا لوطاً في الرسل الذين أتوه (٢) في صورة الأضياف ليمكِّنهم منهم (٣). ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾: أي: قصدوا الفجورَ بأضياف لوطٍ. ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾: مسح جبريلُ ﵇ بجناحه (٤) أعينَهم فصاروا عُمياً لا يقدّرون على الخروج (٥) (٦). الضّحاك: " أُخفوا عن أبصارهم حتّى لم يروهم مع بقاء أعينهم " (٧). ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧)﴾: أي: وقلنا لهم (٨).

стр. 3106

وقيل: أمرٌ بمعنى الخبر، أي: فأذقناهم. ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨)﴾: نزل بهم فلم يُقلعْ عنهم. وقيل: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾: حقٌّ. وقيل: مستديمٌ إلى نار جهنمَ (١). وقيل: العذاب الأول: رمي الحجارة، وذلك لم يستقرَّ، والعذابُ الآخَرُ الخسفُ، فبقي إلى يوم القيامة. ويحتملُ: أن العذابَ الأولَ ذهابُ البصر، والثاني الخسف (٢). ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩)﴾: كُرِّر (٣)؛ لأن الثاني قام مَقامَ قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾. ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾: فرعون (٤) وخاصّته وأتباعه (٥). والنذر: موسى وهارون، وقيل: ما كان معه من الآيات (٦). ﴿كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ يجوز أنْ يكونَ الضميرُ لفرعونَ وآله، وعليه الجمهور. ويجوزُ أنْ يكونَ الكلامُ تمَّ على قوله: ﴿النُّذُرُ﴾، ثم قال: ﴿كَذَّبُوا﴾، فيكونُ إخباراً عن جميع مَن تقدَّم ذكرُهم، ولهذا لم يأتٍ بواو العطف (٧).

стр. 3107

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ﴾: غالبٍ لا يُغلب (١). ﴿مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾: قادرٍ بالكمال، وقيل: أهلكهم بعزّته وقدرته. ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾: هؤلاء يا معشرَ العرب (٢). ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾: أي: من أولئك الكفار، فلا يلحقهم ما لحق مَن تقدَّمهم؟! استفهام إنكارٍ، أي: ليسوا بخيرٍ منهم. ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣)﴾: ألهم براءةٌ من العذاب في الكتب أنه لا يصيبُهم ما أصاب مَن قبلَهم؟! ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾: ننتصرُ من أعدائنا، فنحن يدٌ واحدةٌ على مَن خالفنا وعادانا. وقيل: معناه: إنّا مجتمعون متوافقون متناصرون ينصرُ بعضُنا بعضاً. ووحّد منتصراً، حملاً على لفظ ﴿جَمِيعٌ﴾، كما يُحمَل على لفظ (كلّ) (٣). ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾: في بعض التفاسير: نزلت في أبي جهلٍ، كان له فرسٌ كُميتٌ، يعلفُه كلَّ يومٍ فَرْقاً من ذرةٍ، ويحلفُ باللاّت والعُزى ليقتلنَّ عليه محمداً، فأنزلَ الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ (٤)، أي: جمعُ أهل مكةَ في الحرب، ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: سيُصرفون (٥) منهزمين، يعني: يومَ بدرٍ (٦) (٧).

стр. 3108

وهذه علامةٌ من علامات النبوّة (١). وعن عمرَ (٢) ﵁ أنه قال: " لمّا نزلت هذه الآيةُ كنتُ لا أعلمُ ما هي، فلمّا كان يومُ بدرٍ رأيتُ رسولَ الله ﷺ يلبس الدِّرعَ ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ " (٣). ﴿الدُّبُرَ﴾: اسم للجنس؛ ولهذا لم يُجمعْ، وقيل: يولّي كلُّ واحدٍ الدبر (٤). ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: موعدُ عذابهم. ﴿وَالسَّاعَةُ﴾: أي: عذابُ يومِ القيامة. ﴿أَدْهَى﴾: أشدُّ من عذاب السيف، وقيل: من عذاب الدنيا. والداهيةُ: الأمرُ الشديدُ الذي لا يُهتدَى لدوائه (٥). وقيل: أخبث، وقيل: أعظم (٦). ﴿وَأَمَرُّ (٤٦)﴾: أي: أمرُّ مذاقاً من عذاب الدنيا. وقيل: ﴿أَمَرَ﴾: أشدُّ، من المِرَّة (٧). ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ﴾: عن الحقّ، يعني (٨): في الدنيا.

стр. 3109

﴿وَسُعُرٍ (٤٧)﴾: في عذاب النار في الآخرة. وقيل: ﴿فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾: جنونٌ، جوابٌ لقولهم: ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾ (١). ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ﴾: يُجرُّون في النار ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾. ويُقالُ لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾: إصابةَ جهنمَ إياكم بالعذاب. وسَقَر من أسماء جهنمَ (٢). إِنَّا ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾: أي: كلُّ ما خلقناه مقدَّرٌ ومكتوبٌ في اللّوح المحفوظ قبلَ وقوعه. وقيل: كلُّ ما خلقناه جعلناه على مقدارٍ نعلمُه، كقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾، [الرعد: ٨]. وقيل: هذا يعودُ إلى العذاب، و ﴿بِقَدَرٍ﴾: أي: بقدر أعمالكم تُعذَّبون (٣). ابنُ بحرٍ: " أي: كلًّ شيءٍ خلقناه فهو على قدْر (٤) ما أردناه، لا زائداً ولا ناقصاً " (٥). وفي سبب النزول: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءت قريشٌ يختصمون في القَدَر، فأنزلَ الله هذه الآيةَ (٦). وعن أبي أُمامةَ الباهليّ ﵁ مسلسلاً (٧) يقول: أشهدُ بالله، لسمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ في هذه الآية: ((إنها نزلت في القدريّة (٨))) (٩).

стр. 3110

وعن النبيِّ ﷺ مرفوعاً: أن هذه الآيةَ نزلت في أُناسٍ من آخر هذه الأمةِ يُكذِّبون ... بقدر الله " (١). وتقديرُ الآية: إنّا (٢) خلقنا كلَّ شيءٍ بقَدَرٍ (٣). و ﴿كُلَّ﴾: منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ، دلَّ عليه ما بعدَه. وقيل: بدلٌ من اسم إن بدلَ الاشتمال. ولم يُقرأ بالرفع؛ لأن الرفعَ يحتمل وجوهاً كلُّها مرغوبٌ عنها في حقّ الله تعالى (٤). ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾: أي: إذا أردنا خلقَ شيءٍ قلنا مرةً واحدةً: كن فيكون، لا مراجعةَ فيها.

стр. 3111

وقيل: إذا أردنا خلقَ شيءٍ خلقناه (١) بمرةٍ واحدةٍ وإرادةٍ واحدةٍ بلا معاناةٍ ولا مُعالجةٍ. ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾: على قدْر ما يَلمحُ أحدُكم ببصره. وقيل: المرادُ بأمرنا القيامة، كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ ... [النحل: ٧٧] (٢). ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾: أمثالَكم من الأمم المتقدّمة. وقيل: أتباعَكم في محاربة رسولِ الله ﷺ . ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)﴾: متّعِظٍ. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾: أي: أولئك الكفّار. ﴿فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾: قيل: في كتب الحَفَظَة، وقيل: كان مكتوباً في اللّوح المحفوظ، وقيل: إنْ فعلوه [فهل من مدَّكرٍ؟] (٣) (٤). ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾: من الذنوب والطاعات. ﴿مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾: مكتوبٌ في اللّوح المحفوظ (٥). وقيل: في كتب الحفظَة. وأعاد الذكر؛ لأن الأولَ خاصٌّ وهذا عامٌّ. وقيل: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ من الأرزاق والآجال، والموت والحياة، وغير ذلك مكتوبٌ (٦).

стр. 3112

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾: أي في (١) أنهار، فوحّد الآية. وقيل: في نَهَرٍ: ضياءٍ ونورٍ، وقيل: في سَعةٍ من العيش (٢). ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: في غاية الرِّضا. وقيل: حقٌّ لا لغوٌ فيه ولا تأثيمٌ (٣). وقيل: في مقعدٍ صَدَقَ اللهُ وعدَه أولياءَه فيه. فاكتفى بالمصدر. والمَقعدُ: موضعُ القُعود، وكذلك القعود (٤). ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾: أي: عند الله المالك القادر، الذي لا يُعجزه شيءٌ. والمعنى: في كنَفِه وضيافته (٥). وقيل: في علم الله صائرون إلى ذلك (٦). جعلنا اللهُ من المتّقين الفائزين برحمته.

стр. 3113

سورة الرَّحْمن (١) ثمانٌ وسبعون آية (٢) (٣) مكيةٌ (٤). ابن عباسٍ وقتادة: إلاّ آية منها نزلت في المدينة، وهي: يَسْأَلُهُ ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، الآية (٥). وعن ابن مسعودٍ ومقاتل: مدنيةٌ (٦). وجاء عن بعضهم التوقُّفُ فيها (٧). وعن النبيّ ﷺ : ((لكلّ شيءٍ عَروسٌ، وعَروسُ القرآنِ سورة (٨) الرحمنُ)) (٩).

стр. 3114

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ (١)﴾: هو الله ، اسمٌ لا يستطيع النَّاسُ أنْ ينتحلوه (١). نزلت حين قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، [الفرقان: ٦٠] (٢). سعيد بن جبير: " هو مجموع ثلاث سور الرحمن " (٣)، وهذا كأنه أخذ قولَ ابن عبّاس ﵄ " حيث قال: ﴿الر﴾ ﴿حم﴾ ﴿ن﴾ هو ﴿الرَّحْمَنُ﴾ " (٤)، ثمَّ عكسه، فقال: الرحمن مجموع ثلاث سور، وبين القولين بونٌ (٥). ﴿عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢)﴾: هذا ردٌّ على مَن قال: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، [النحل: ١٠٣]، و ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾، [ص: ٧] (٦). أي: الرحمنُ علَّم القرآنَ محمداً ليعلّمه أمتَه. وقيل: مكَّنهم من تعلُّمه بأنْ أنزله عربياً. وقيل: من رحمته تعليم القرآن (٧). والتعليم: تبيين ما يصير به المرءُ عالماً. والإعلامُ: إيجادُ ما يصير به عالماً (٨).

стр. 3115

وقيل: معناه جعله آيةً يُعتبر بها (١). ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾: قيل: الإنسان عامٌّ، والبيان الكلام. وقيل: التمييز والنطق. وقيل: الإنسان آدم، علّمه الأسماء، وقيل: جميع اللغات. وقيل: الإنسان محمد ﷺ ، والبيان القرآن، فيه بيان ما كان وما يكون. وقيل: الإنسان عامٌّ، والبيان الكتابة والخط بالقلم. وقيل: ما يقول وما يُقال له. وقيل: الخير والشّر وما يأتي ويذر (٢). ولم يأت بحرف العطف؛ لجواز أنْ يكونَ خبراً بعد خبر؛ ولأنَّ ما فيها من العائد قام مقامَ العاطفة، أو لأنَّ كلَّ واحدٍ منها كلامٌ مستأنفٌ (٣). ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾: أي: يجريان بحسابٍ ومنازلَ، فالشمس تقطع بروجَ السماء في ثلاثمائة وخمس وستين يوماً، والقمر يقطعها في ثمانية وعشرين يوماً. وقيل: ذاتُ كلّ واحدٍ منها حساب، فالشمس سعتها ستّة آلافٍ وأربعمائة فرسخ في مثلها، وسعةُ القمرِ ألفُ فرسخٍ في ألفِ فرسخٍ. والله أعلم. وقيل: لهما أجلٌ وحسابٌ، فإذا انتهيا إليه هلكا.

стр. 3116

وقيل: يُعرَف من جريهما الحساب، كقوله: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾، [الإسراء: ١٢]. والحُسبان: مصدر حَسِبَ. وقيل: جمع حساب، كشِهاب وشُهبان (١). وخبر المبتدأ مضمر، أي: يجريان بحساب. وقيل: الجارُّ خبره، كما تقول: فلانٌ بِخيرٍ، أي: له خيرٌ (٢). ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾: قيل النّجم ها هنا: ما لا ساقَ له من النبات لاقترانه بالشّجر (٣). وقيل: النّجم هو كوكب السَّماء (٤). واشتقاق النّجمين من نَجَمَ: إذا طلع. وسجودُهما: حملُ غيرهما على السّجود. وقيل: سجودهما دلالتُهما على التوحيد. وقيل: سجودهما بظلالهما (٥).

стр. 3117

وقيل: هما يسجدان، ولا يقف (١) على سجودهما، كما قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، [الإسراء: ٤٤] (٢). وَالسَّمَاءَ ﴿رَفَعَهَا﴾: أي: رفعها على الأرض. وقيل: معناه خلقها رفيعةً (٣). ونَصَبَ السماءَ، وحقُّها من الأعراب الرَّفعُ؛ لأنَّ الجملةَ التي قبلَها جملةٌ اسميّةٌ، لكن خبرَ المبتدأ الأول جملةٌ فعليةٌ فجاز النّصبُ لذلك (٤). ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾: يريد الميزان المعهود، له لسان وعمود وكِفّتان (٥). وقيل: أنزل الله تعالى الميزان زمنَ نوح ﵇. وقيل: ألهم النَّاسَ كيفيةَ اتخاذ الميزان، كما تقول: وضع لنا مثالاً نعمل عليه (٦). وقيل: الميزان عبارةٌ عن العدل (٧). وقيل: الميزان القرآن. حكاه الثّعلبي (٨). ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾: لأنْ لا تطغوا، أي: لأنْ لا تُجاوزوا الحدَّ والإنصافَ فيما لكم وعليكم. وقيل: لئلا تتخذوا إحدى كِفَّتَية أرجحَ من الأخرى، فتستوفوا بالأخفّ وتوفُّوا ... بالأرجح (٩).

стр. 3118

وقيل: (أنْ) هي المفسِّرة، و (لا) للنهي (١). ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾: أي: لسان الميزان (٢). ﴿بِالْقِسْطِ﴾: وقيل: الإقامة باليد، والقِسط بالقلب (٣). ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾: ولا تُنقِصوه. وخَسِرَ وأخسَر لغتان. وقيل: الميزان ميزان القيامة، فلا تُخسِروا ميزانَ أعمالِكم. وقيل: الميزان العقل، فلا تخسروه، بأنْ يكونَ معطَّلاً غيرَ متَّبعٍ. وصرّح بالميزان ولم يضمرْ؛ ليكون قائماً بنفسه غيرَ محتاجٍ إلى الأول. وقيل: لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما غيرُ الآخَر. وقيل: لأنها نزلت متفرّقةً في أزمنةٍ مختلفةٍ فاقتضى الإظهارَ (٤). ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾: بسطها، وقيل: خلقها (٥). والأحسن خلقها موضوعةً. والأنام: الإنس. وقيل: الإنس والجنّ، وهما المخاطَبان فيما بعد. وقيل: الأنام كلُّ ذي رُوح (٦). وليس على الترتيب من هذا التركيب غيره (٧). وجاء الأنِيم أيضاً بمعناه (٨).

стр. 3119

وقيل: هو مقلوب نأم: إذا صوّت (١). ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾: نَكَّر؛ لكثرتها وعمومها. ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١)﴾: ذات الأحمال، والكمّ الكُفْري. وقد سبق (٢). ﴿وَالْحَبُّ﴾: هو الحنطة والشّعير والذّرة، وغير ذلك. ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾: العصف التّبن، وقيل: ورق الزرع إذا كُسر، تقول: عصفتُه: إذا دققتَه وفركتَه. ويُسمى العصف والعصيفة. وقيل: العصف: أولُ ما يبدو من الزرع. وقيل: العصف بقْل الزرع، والعرب تقول: خرجنا نَعْتَصِفُ الزرعَ: إذا قطعوا منه شيئاً قبلَ أنْ يُدرك. وقيل: العصفُ النّباتُ الأخضرُ الذي منه الرَّيحان. وقيل: العصفُ ما يؤكَلُ من الحبّ والثّمر وغيرهما. قال: إذا جمادى منَعَتْ قطرَها. . . ... زار جنابي عَطَنٌ مُعصفُ (٣) (٤) أي: يعطي ما يؤكل (٥). ﴿وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾: هو المشموم المشهور (٦)، وقيل: الرّيحان الرِّزق، تقول العرب: خرجت أطلب ريحان الله، أي: رِزْقَه (٧). وقيل: الذي في الآية الرِّزق (٨). وتقدير الآية: والحبّ ذو علف الأنعام وطعام الأنام. ووزن ريحان عند الحذَّاق (فيعلان)، على وزن يوحان، قُلب وأُدغم ثمّ خُفّف. وقيل: (فعلان)، قلب واوه ياءً، من غير موجِب. وهو اسم، وقيل: مصدر (٩). الرّفع بالعطف على ﴿الْحَجُّ﴾، والجرّ على ﴿الْعَصْفِ﴾. والنّصب بالعطف على ﴿الْحَجُّ﴾ بعد أن نصبه عطفاً على (وضع)؛ لأنَّه بمعنى خلق (١٠). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾: الآلاءُ: النَّعماء، وقيل: القدرة. وقد سبق (١١). والخطاب للإنس والجنّ، وقد تقدّما في قوله: ﴿لِلْأَنَامِ﴾.

стр. 3120

وقيل: خطابٌ للثقلين في قوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ ، وإنْ تأخّرَ لفظاً. وقيل: لمّا تقدّم ذكرُ أحدِهما وقرُب ذكرُ الآخَر جاز أنْ يُذكرَ بلفظ التثنية. قال: ولا أدري إذا يمّمت أرضاً ... أُريد الخيرَ أيَّهما يَليني أألخيرُ الذّي أنا ابتغِيته ... أَمِ الشرُّ الذّي لا يأتليني (١) أي: لا يُقصِّر عنّي. ويحتمل: أنه ذكرَهما في قوله: خَلَقَ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ . وقيل: خاطب الواحدَ بلفظ التثنية، والمرادُ به الإنسُ، كقوله: فإنْ تزجُراني يا بنَ عفّانَ انزجِرْ. . . ... وإنْ تَدَعَاني أحمِ أنفاً ممنَّعا (٢) (٣) وفي تكرار هذه الآية في سورةٍ واحدةٍ أقوالٌ: أحدها: أنَّه تكرارٌ للتأكيد، والعربُ كما تختار الإيجازَ في مواضع، تختار الإطنابَ في مواضع، منها الخُطبُ والمقاماتُ والمواعظُ. قال مهلهلُ بنُ ربيعة (٤) يَرثي أخاه كُليباً: على أنْ ليس عدلاً من كُليبٍ. . . ... . . . إذا طُرد اليتيمُ عن الجزورِ
следующие страницы →