← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وقيل: يُعرَف من جريهما الحساب، كقوله: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾، [الإسراء: ١٢]. والحُسبان: مصدر حَسِبَ. وقيل: جمع حساب، كشِهاب وشُهبان (١). وخبر المبتدأ مضمر، أي: يجريان بحساب. وقيل: الجارُّ خبره، كما تقول: فلانٌ بِخيرٍ، أي: له خيرٌ (٢). ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾: قيل النّجم ها هنا: ما لا ساقَ له من النبات لاقترانه بالشّجر (٣). وقيل: النّجم هو كوكب السَّماء (٤). واشتقاق النّجمين من نَجَمَ: إذا طلع. وسجودُهما: حملُ غيرهما على السّجود. وقيل: سجودهما دلالتُهما على التوحيد. وقيل: سجودهما بظلالهما (٥).

стр. 3117

وقيل: هما يسجدان، ولا يقف (١) على سجودهما، كما قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، [الإسراء: ٤٤] (٢). وَالسَّمَاءَ ﴿رَفَعَهَا﴾: أي: رفعها على الأرض. وقيل: معناه خلقها رفيعةً (٣). ونَصَبَ السماءَ، وحقُّها من الأعراب الرَّفعُ؛ لأنَّ الجملةَ التي قبلَها جملةٌ اسميّةٌ، لكن خبرَ المبتدأ الأول جملةٌ فعليةٌ فجاز النّصبُ لذلك (٤). ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾: يريد الميزان المعهود، له لسان وعمود وكِفّتان (٥). وقيل: أنزل الله تعالى الميزان زمنَ نوح ﵇. وقيل: ألهم النَّاسَ كيفيةَ اتخاذ الميزان، كما تقول: وضع لنا مثالاً نعمل عليه (٦). وقيل: الميزان عبارةٌ عن العدل (٧). وقيل: الميزان القرآن. حكاه الثّعلبي (٨). ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾: لأنْ لا تطغوا، أي: لأنْ لا تُجاوزوا الحدَّ والإنصافَ فيما لكم وعليكم. وقيل: لئلا تتخذوا إحدى كِفَّتَية أرجحَ من الأخرى، فتستوفوا بالأخفّ وتوفُّوا ... بالأرجح (٩).

стр. 3118

وقيل: (أنْ) هي المفسِّرة، و (لا) للنهي (١). ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾: أي: لسان الميزان (٢). ﴿بِالْقِسْطِ﴾: وقيل: الإقامة باليد، والقِسط بالقلب (٣). ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾: ولا تُنقِصوه. وخَسِرَ وأخسَر لغتان. وقيل: الميزان ميزان القيامة، فلا تُخسِروا ميزانَ أعمالِكم. وقيل: الميزان العقل، فلا تخسروه، بأنْ يكونَ معطَّلاً غيرَ متَّبعٍ. وصرّح بالميزان ولم يضمرْ؛ ليكون قائماً بنفسه غيرَ محتاجٍ إلى الأول. وقيل: لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما غيرُ الآخَر. وقيل: لأنها نزلت متفرّقةً في أزمنةٍ مختلفةٍ فاقتضى الإظهارَ (٤). ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾: بسطها، وقيل: خلقها (٥). والأحسن خلقها موضوعةً. والأنام: الإنس. وقيل: الإنس والجنّ، وهما المخاطَبان فيما بعد. وقيل: الأنام كلُّ ذي رُوح (٦). وليس على الترتيب من هذا التركيب غيره (٧). وجاء الأنِيم أيضاً بمعناه (٨).

стр. 3119

وقيل: هو مقلوب نأم: إذا صوّت (١). ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾: نَكَّر؛ لكثرتها وعمومها. ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١)﴾: ذات الأحمال، والكمّ الكُفْري. وقد سبق (٢). ﴿وَالْحَبُّ﴾: هو الحنطة والشّعير والذّرة، وغير ذلك. ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾: العصف التّبن، وقيل: ورق الزرع إذا كُسر، تقول: عصفتُه: إذا دققتَه وفركتَه. ويُسمى العصف والعصيفة. وقيل: العصف: أولُ ما يبدو من الزرع. وقيل: العصف بقْل الزرع، والعرب تقول: خرجنا نَعْتَصِفُ الزرعَ: إذا قطعوا منه شيئاً قبلَ أنْ يُدرك. وقيل: العصفُ النّباتُ الأخضرُ الذي منه الرَّيحان. وقيل: العصفُ ما يؤكَلُ من الحبّ والثّمر وغيرهما. قال: إذا جمادى منَعَتْ قطرَها. . . ... زار جنابي عَطَنٌ مُعصفُ (٣) (٤) أي: يعطي ما يؤكل (٥). ﴿وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾: هو المشموم المشهور (٦)، وقيل: الرّيحان الرِّزق، تقول العرب: خرجت أطلب ريحان الله، أي: رِزْقَه (٧). وقيل: الذي في الآية الرِّزق (٨). وتقدير الآية: والحبّ ذو علف الأنعام وطعام الأنام. ووزن ريحان عند الحذَّاق (فيعلان)، على وزن يوحان، قُلب وأُدغم ثمّ خُفّف. وقيل: (فعلان)، قلب واوه ياءً، من غير موجِب. وهو اسم، وقيل: مصدر (٩). الرّفع بالعطف على ﴿الْحَجُّ﴾، والجرّ على ﴿الْعَصْفِ﴾. والنّصب بالعطف على ﴿الْحَجُّ﴾ بعد أن نصبه عطفاً على (وضع)؛ لأنَّه بمعنى خلق (١٠). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾: الآلاءُ: النَّعماء، وقيل: القدرة. وقد سبق (١١). والخطاب للإنس والجنّ، وقد تقدّما في قوله: ﴿لِلْأَنَامِ﴾.

стр. 3120

وقيل: خطابٌ للثقلين في قوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ ، وإنْ تأخّرَ لفظاً. وقيل: لمّا تقدّم ذكرُ أحدِهما وقرُب ذكرُ الآخَر جاز أنْ يُذكرَ بلفظ التثنية. قال: ولا أدري إذا يمّمت أرضاً ... أُريد الخيرَ أيَّهما يَليني أألخيرُ الذّي أنا ابتغِيته ... أَمِ الشرُّ الذّي لا يأتليني (١) أي: لا يُقصِّر عنّي. ويحتمل: أنه ذكرَهما في قوله: خَلَقَ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ . وقيل: خاطب الواحدَ بلفظ التثنية، والمرادُ به الإنسُ، كقوله: فإنْ تزجُراني يا بنَ عفّانَ انزجِرْ. . . ... وإنْ تَدَعَاني أحمِ أنفاً ممنَّعا (٢) (٣) وفي تكرار هذه الآية في سورةٍ واحدةٍ أقوالٌ: أحدها: أنَّه تكرارٌ للتأكيد، والعربُ كما تختار الإيجازَ في مواضع، تختار الإطنابَ في مواضع، منها الخُطبُ والمقاماتُ والمواعظُ. قال مهلهلُ بنُ ربيعة (٤) يَرثي أخاه كُليباً: على أنْ ليس عدلاً من كُليبٍ. . . ... . . . إذا طُرد اليتيمُ عن الجزورِ

стр. 3121

على أنْ ليس عدلاً من كُليب ... إذا ما ضِير جيرانُ المجيرِ على أنْ ليس عدلاً من كُليبٍ ... إذا خرجت مخبّأتُ الخُدورِ (١) ومثله: كم نعمةٍ كانت لكم ... كمْ كمْ وكم (٢) والثاني: أن كلَّ واحدٍ منها غيرُ الأول، فأعاد لتقرير النِّعمة بعد النِّعمة. والثّالث: أن كلَّ واحدةٍ منها اقتضت من التقرير بها مثل ما اقتضته الأول، فلم يكن تكراراً (٣). وجاء في الخبر: أن النّبيَّ ﷺ قرأ سورةَ الرحمن، ثمّ قال: ((مالي أراكم سكوتاً؟ لَلجنُّ كانوا أحسنَ منكم ردّاً، ما قرأتُ عليهم هذه الآية من مرَّة: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، إلا قالوا: ولا بشيءٍ من نعمة ربّنا نُكذّب، فلك الحمد)) (٤). وما في السورة من ذكر الشّدائد والنَّار والعذاب فالنّعمة فيها من وجهين: أحدهما: في صرفها من المؤمنين إلى الكفّار، وتلك نعمةٌ عظيمة، تقتضي شكراً عظيماً. والثاني: أنَّ في التّخويف منها والتّنبيه عليها نعمة عظيمة؛ لأنَّ اجتهادَ الإنسان رهبة ممّا يؤمّله أكثرُ من اجتهاده رغبة فيما ينعّمه (٥).

стр. 3122

وكرّر هذه الآية في السورة إحدى وثلاثين مرة، ثمانية منها ذكرها عقيب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثمَّ سبعة منها عقيب آيات فيها ذكر النّار وشدائدها، على عدد أبواب جهنّم، وبعد هذه السّبعة ثمانية فيها وصف الجنّات وأهلها على أبواب الجنّة، وثمانية أخرى بعدها للجنّتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الّثمانيةَ الأولى، وعمل بموجبها استحقَّ كلتا الثمانيتين من الله، ووقاه من السّبعة السّابقة. والله أعلم (١). خَلَقَ ﴿الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾: يعني آدم (٢). خلقه من تراب؛ لقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، [آل عمران: ٥٩]. ثمَّ صار طيناً؛ لقوله: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾، [الصافات: ١١]. ثمَّ صار حمأً؛ لقوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ... ، [الحجر: ٢٦]. ثمَّ صار صَلصالاً؛ لقوله: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ (٣). ﴿كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾: والصَّلصال: الطين إذا يبس وصار كالخزف، فإنَّ الفخّارَ هو الطّين الذي قد طُبخ في النَّار، والصَّلصالُ مشتق من صلَّ اللحمُ: إذا انتن. وقيل: له صوتٌ، من صلصلة الحديد (٤). ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾: أبا الجنّ، وقيل: هو إبليس (٥). ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾: المارج: لهب النار. وقيل: خالص النَّار. وقيل: شعب النَّار. وقيل: اللهب الذي له حُمرة وصُفرة وخُضرة، مشتقٌ من مَرَجَ إذا اضطرب. وقيل: من مَرَج إذا أُرسل. والنَّار: هي التي بين الخلق. وقيل: من النار التي لا تكونُ فيها الصواعق. الكلبي: " نار دون السَّماء، كالكِلّة الرَّقيقة (٦) " (٧). وقيل: من نار الجحيم (٨). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦)﴾. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾: أحد المشرقين هو الذي تطلع منه الشمسُ في أطول يوم من السنة، والثاني الذي تطلع منه في أقصر يوم، بينهما مائةٌ وثمانون (٩) مشرقاً، وكذلك الكلام في المغربين (١٠). وقيل: أحد المشرقين الشمس، والثاني القمر، وكذلك المغربان. وقيل: أحد المشرقين الفجر، والثاني والشمس. وقيل: أحد المغربين الشمس، والثاني الشفق. حكاه الماوردي (١١). ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨)﴾: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩)﴾: أي: أرسل، من مَرَجْتُ الدّابة: إذا أرسلتها للرعي. وقيل: خَلَط، من قوله: ﴿أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾، [ق: ٥] (١٢). والبحران عند بعضهم: بحر فارس والروم، يلتقيان في معظم البحر. وقيل: تحت الأرض (١٣). ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾: حاجز، وهو: جزيرة العرب، وقيل: عرض الأرض (١٤). ﴿لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾: لا يبغي أحدُهما على الآخر، فيُغرق الخلق (١٥). والبغي: الخروج إلى فساد (١٦). ابن عبّاس: " بحر في السماء وبحر في الأرض يلتقيان كلَّ سنة، ومنه المطر، بينهما حاجز يمنع بحرَ السماء من النزول وبحرَ الأرض من الصعود " (١٧). وذهب جماعة إلى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ الماء الملح والعذب، ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ في بعض البحار، ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ من لطف الله ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾: لا يغلب أحدهما الآخر إلى جنسه (١٨). ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣)﴾: ابن عبّاس ﵄: " من ماء بحر السَّماء وبحر الأرض؛ لأنَّ ماءَ السَّماء إذا وقع في صَدَف البحر انعقد اللؤلؤ وكان خارجاً منهما " (١٩). وقيل: يخرج من الأُجاج والعذب جميعاً (٢٠). وقيل: من اجتماع الملح مع الأجاج (٢١). وذهب أكثرهم إلى أنَّهما يخرجان من الأُجاج، ولا يخرجان من الفرات (٢٢). وحمل قوله: ﴿مِنْهُمَا﴾ على وجهين: أحدهما: أن الشيءَ قد يُنسب إلى اثنين وهو لواحدٍ، كقوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، [الكهف: ٦١]. وقد سبق (٢٣). والثاني: من أحدهما، فحُذف المضاف (٢٤). قوله: ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾: قيل: الكبير منه، والمرجان الصغير (٢٥). وقيل: المرجان الكبير، واللؤلؤ عامّ للجنس (٢٦).

стр. 3123

قال ابن مسعود: "هو الخرّز الأحمر "، كالقضبان (١) يقال له (٢): البُسَّذُ (٣) " (٤). وقيل: المرجان الجوهر المختلط (٥). وفيه بعدٌ. وما حكاه الثَّعلبي عن بعض المفسّرين: أنَّ اللؤلؤَ والمرجانَ الحسنُ والحسينُ ... ﵄، فقد حمل هذا القائل قوله سبحانه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ على علي وفاطمة ﵄، والبرزخ على محمد ﷺ (٦)، فتأويلٌ مزيفٌ عند ... المحقّقين (٧). ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾: لله إجراءُ السّفن، جمع جارية. ﴿الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ﴾: بالفتح: المحدَثات. وقيل: المخلوقات. وقيل: المرفوعات الشُّرُع. وقيل: أُنْشِأنَ وأُجرينَ. و ﴿المنشِآت﴾ - بالكسر (٨) - السَّيْرَ، أي: أُنشِأن (٩)، فحُذف المفعول. وقيل: ﴿كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾: مفعولُها، على تقدير: أمواجاً كالأعلام، وعلى ... الوجه (١٠) الأول ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾: صفة لـ ﴿الْجَوَارِ﴾.

стр. 3124

و ﴿الْأَعْلَامِ﴾: الجبال، وقيل: القصور. المبرّد: " المنشَآت بالفتح ما رُفع شراعها، وبالكسر الباديات " (١). وقيل: بالكسر مجاز، كما يقول: مرض زيدٌ وانكسر الكوزُ، والفعل في الحقيقة لغيرهما (٢). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾: أجمع المفسرون على أن الهاءَ يعود إلى الأرض، قالوا: وهو كقولهم: ليس عليها أكرمُ من فلانٍ، يعنون على الأرض، وإنْ لم يتقدم لها ذكرٌ. [ولعلّهم يعنون لم يتقدّم لها ذكرٌ في الآية] (٣)، وأمَّا في السَّورة فقد تقدم في قوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ (٤). والمعنى: يُفني اللهُ جميعَ الحيوان الذي على وجه الأرض. وقيل: يريد الإنسَ والجنَّ خاصّةً؛ لقوله: ﴿مَنْ عَلَيْهَا﴾ (٥). والقول هو الأول؛ لأنَّ غيرَ العاقل تبعٌ لهم في الجموع (٦). ويحتمل الضميرَ في الآية - والله أعلم - أنه يعود إلى الأرض والسماوات، كقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ... ﴾، [الزخرف: ٩]، فيكون المعنى: يُفني اللهُ كلَّ شيءٍ ويبقى وجهه وحدَه، كقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، [القصص: ٨٨].

стр. 3125

ولما ذهب إليه المحقّقون وهو: أن الموت ليس بإفناءٍ؛ لأنَّ جسمَ الميت باقٍ، وإنمَّا الإفناءُ أنْ يعدَمه حتى يصيرَ بالفناء في حكم ما لم يُوجدْ، ثمَّ يُعيده ويُرجعه ثانياً على الصِّفة التي كان عليها في الوجود الأول، وفَناءُ بعضِ الأجسام فَناءٌ لسائرها. قالوا: والنعمة في الفناء التسويةُ بينهم، حتى لا يكون لأحدٍ منهم فضلٌ في الحياة. ويحتمل: أن النعمةَ في الإفناء هو ما يبتني عليه من الإعادة؛ ليصل المؤمنون إلى ما وُعدوا به من النّعيم الدائم السَّرمد. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾: الوجه ها هنا صلةٌ، كما تقول: هذا وجه الأمر، وعين الشَّيء. وقيل: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾: ما يبتغى (١) به الله (٢). ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾: ذو العَظَمة. ﴿وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾: الإعظام بالإحسان، وقيل: الجلال التنزيه، من قولهم: هو أجلّ عن هذا (٣). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨)﴾. ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يسأله أهلُ الأرض الرزقَ والمغفرةَ، وأهلُ السَّماء القوةَ والمغفرةَ. وقيل: يسألون الرزقَ والمغفرةَ للمؤمنين، كما سبق (٤). ﴿كُنَّا يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾: ظرف للسؤال، وقيل: ظرف لشأن، أي: شأن يقع كلّ يوم (٥). واليوم ها هنا عبارةٌ عن الوقت (٦). وقد أكثروا في تفسير الشأن، والأَولى ما جاء مرفوعاً عن ﷺ أنه قال: ((شأنه أن يغفرَ ذنباً ويدفعَ كرباً ويرفعُ قوماً ويضعُ آخرين (٧))) (٨). وقيل: شأنه سبحانه سَوْق المقادير إلى المواقيت. وقيل: بَعْثُ الرسل وشَرْعُ الشرائع (٩). وذهب بعض المفسرين إلى أن ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ ظرفٌ للسؤال، وهو صلةٌ. و ﴿فِي شَأْنٍ﴾ متعلق بالسَّائلين، أي: شأن يحدث لهم ويتجدّد (١٠). وعلى هذا التأويل يجوز أنْ يكونَ ﴿هُوَ﴾ كناية عن السؤال، و ﴿فِي شَأْنٍ﴾ خبره، أي: سؤالهم كلّ يوم في شأن يبدو لهم ويظهر. والله أعلم. ابن بحر: الدهر كلّه عند الله يومان: مدّةُ الدنيا يومٌ، وهو في الدنيا: في الأمر والنَّهى وتدبير العالم، والآخَرُ: يومُ القيمة، وهو في الآخرة في الجزاء والحساب والثّواب والعقاب" (١١). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾: هذا تهديد ووعيد بالجزاء والحساب بالإجماع؛ إذْ ليس له سبحانه شُغلٌ يكون له فَراغٌ، وهذا كما تقول لمن تهدّده: سأَفرُغ لك، قال جَرِير (١٢): الآن وقد فَرَغتُ إلى نُمَير ... وهذا حين كنتُ لهم عذابا (١٣) (١٤) وقيل: معناه سينتهي الأمد (١٥)، ويصل إليكم الوعد والمتوعَّد. وقيل: معناه سنقصدكم بعد تركٍ وإمهالٍ (١٦). وقيل: الفراغ للفعل (١٧): التوفّرُ عليه دون غيره (١٨). ﴿أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾: هما الإنس والجن، سُمِّيا الثقلين لثقلهما على الأرض. وقيل: لعقلهم ورزانتهم وقدْرهم. وقيل: إنَّهما مُثْقلان بالذنوب. وقيل: مُثْقلان بالتكليف (١٩). ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾: أي: إنْ قدرتم أنْ تخرجوا من جوانب الأرض سابقين الله معجزين له فاخرجوا، أو هذا كقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، [العنكبوت: ٢٢]. خاطبهم به في الدنيا، ثمَّ قال: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾: لا تخرجون من سلطاني إلا بحجة، والمعنى حيث خرجتم إليه فثمَّ سلطاني، فيكون الباء للظرف، كما تقول: اجتزتُ بقرية كذا. وقيل: لن تجتازوا أرضاً إلا لقيكم سلطانُ الموت، فيكونُ كما تقول: اجتزت به. وقيل: الباء بمعنى (إلى)، أي: إلى سلطان. وقيل: لا تجتازون موضعاً إلا شاهدتم سلطانَ الله وحجّتَه الدالة على الوحدانية. وقيل: يخاطبهم به في القيامة إذا نزلت الملائكة وصفُّوا حولَ الإنس والجنّ، والمعنى: يقال لكم عند الفراغ: يَا مَعْشَرَ ﴿الْجِنِّ وَالْإِنْسِ .. ﴾ الآية. ومعنى ﴿لَا تَنْفُذُونَ﴾: لا تجوزون. ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾: بإيمانٍ وطاعةٍ. وقيل: إذا أَتوا بالحجّة، وهي الإيمان والطّاعة، أُمر بهم إلى الجنَّة فيخرجون من أقطارهما؛ لأنَّ الجنَّة خارجة من أقطارهما. وقيل: فانفذوا أمر تعجيز (٢٠). وعن ابن عبّاس: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا، لا تعلمون ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾: إلا بالبيّنة من الله " (٢١).

стр. 3126

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾. ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾: الشُّواظ: اللهب الذي لا دخانَ معه (١). وقيل: الشواظ: نار تتأجّج. وقيل: اللهب الأخضر. وقيل: خلط من النار والدخان (٢). ﴿وَنُحَاسٌ﴾: هو الدُّخان (٣). ابن عبّاس: " الصُّفْر المذابُ، يصبُّ على رؤوس أهل النار" (٤). الرَّفع بالعطف على "الشّواظ"، والجرّ بالعطف على "نار". وقيل: عطف على "شواظ" وجرٌّ بالمتابعة والجوار (٥). الحسن وابن زيد: " لا ندري ما النُّحاس في الآية " (٦). وقيل: الشواظ طائفة من العذاب، والنُّحاس نحسٌ لأعمالكم (٧) (٨). ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾: لا تقدران على الامتناع مما يُعمل بكما وتكرهانه. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾. ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾: انفكّ بعض من بعض لقيام السَّاعة. ﴿فَكَانَتْ﴾: فصارت ﴿وَرْدَةً﴾: قيل: كلون الورد المشموم. ابن عبّاس: " يصير كلون الفرس الورد " (٩). وقيل: كلون الفرس الوردة؛ لأنَّه يتلون في الفصول الأربعة، فشبّة تلوُّنَها بتلوّن الوردة من الخيل (١٠). قوله: ﴿كَالدِّهَانِ﴾: قيل: جمع دُهن، أي: تحمرُّ احمرارَ الورد، ثمَّ تذوب ذَوَبانَ الدّهن. وقيل: كالدهان المختلفة، يُصبُّ بعضُها على بعض. وحمل هذا القائل المهل على الدّردي. وقيل: الدهان الأديم الأحمر، أي: تحمّرُ السماءُ فتصير كالنِّطع المتَّخَذ من الأديم، وحمل قوله: كالمهل على الفلزّ المذاب. وقيل: السماء الدنيا من الحديد، ولهذا تذوب، ولو كان غير الجوهر لاحترق. وقيل: أصل لون السماء الحمرة، لكنها من بُعدها وكثرةِ الحوائل تُرى زرقاء (١١). وفي بعض التفاسير: كانت كشعاعِ دهنٍ في شمس. والوردة قرص الشمس. وقيل: الدهان الشيء الزَّلِق. ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨)﴾. ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: أي: فيومَ تنشقُّ السَّماء. ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾: وقال في سورة أخرى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، [الحجر: ٩٢]، ولا تناقضَ؛ لأنَّ التقديرَ: لا يُسألُ سؤالَ استعلامٍ؛ لأنهم يُعرَفون بسيماهم، لكن يُسألون سؤالَ توبيخٍ وتقريعٍ (١٢). ابن عبّاس: " في القيامة مواقفُ، يُسألون في بعضها ويُختم على أفواههم في بعضها " (١٣). والأول ظاهر؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، [آل عمران: ١٠٦]. ولقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾، [طه: ١٠٢]. والضمير مقدَّمٌ في اللفظ، والتقدير: لا يُسأل إنس ولا جان عن ذنبه. وقيل: إضمار (عن) غير مذكور، والذَّنب يدلّ عليه، أي: لا يسأل عن ذنب المذنب إنس ولا جان. والمعنى: لا يؤخذ أحدٌ بذنب غيره (١٤). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠)﴾. ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾: هو ما تقدّم من سواد الوجوه (١٥) وزُرقة العيون وما (١٦) يعلوهم من الكآبة والحزن. ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي﴾: مرّةً، كقوله: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾، [العلق: ١٥]. ﴿وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾: مرّة؛ لقوله: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، [القمر: ٤٨]. وقيل: يُجمع بين النواصي والأقدام (١٧). نعوذ بالله من النَّار وعقابها. والسِّيماء: العلامة.

стр. 3127

والنَّاصية: شعر مقدَّم الرَّأس، سمّيت ناصيةً لاتصاله به، وأصل الكلمة الاتصال (١). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢)﴾. ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣)﴾: أي: يقال لهم وهم فيها: هذه جهنَّم التي كان المشركون يُنكرونها ويُكذبون بها، توبيخاً لهم وزيادةً في تعذيبهم. وقيل: هو استئناف كلام، أي: هذه يا محمدُ صفةُ جهنّمَ التي يُكذب بها المجرمون، أي: المشركون. ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا﴾: بين النَّار. ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ﴾: ماءٍ حارٍّ بلغ النهاية في الحرارة، يُصبُّ عليهم مرّةً ويُسقون منه أُخرى، قوله: ﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾، [غافر: ٧١ - ٧٢]. ومعنى: ﴿آَنٍ (٤٤)﴾: بلغ النِّهاية في الحرارة. وقيل: معنى ﴿آَنٍ﴾: آن شُربُه. وقيل: ﴿آَنٍ﴾: حاضر. والمعنى: لا مخلصَ لهم من النَّار (٢). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾. ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾: أي: خاف فأدى الفرائض. وقيل: خاف فترك المعاصي. والمقام: المصدر، أو المكان، فإنْ جعلته المصدرَ فالفعلُ للخائف، وأضاف إلى الله إضافةَ مُلكٍ، كما تقول مسجدُ الله. ويحتمل: مقامَ حسابِ ربّه مصدراً ومكاناً (٣).

стр. 3128

ذهب جماعة إلى أنها نزلت في أبي بكر ﵁ شرب لبناً فقيل له إنه من غير حلٍّ فاستقاء (١). قوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾: قيل: جنَّة للإنس، وجنّة للجنّ. وقيل: جنَّة عدنٍ، وجنَّة نعيم. وقيل: جنَّة هو فيها، وجنَّة فيها أزواجه وخدمه. وقيل: جنَّة في قصره، وجنَّة خارج قصره يذهب إليها تنزّهاً (٢). الفَّراء: " إنما هي جنَّة واحدة، فَثُنِّيَ على عادة العرب في إجراء الواحدِ مجري التّثنية، وأنشد: ومهمهين فَدْفدين مَرَّتين ... قطعته بالسَّمت لا بالسَّمْتين (٣) " (٤). وقول الفراء ضعيف؛ لقوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ (٥). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾. ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾: قيل: ألوان وأنواع من الأشجار والثمار وغيرها، جمع فنٍّ. وقيل: أغصان، جمع فَنَنٍ (٦).

стр. 3129

وقيل: ذواتا فِناء واسعة. حكاه الماوردي (١). وهو بعيد. وجاء: (شجرة فَنْواء)، يريد: كثيرة الأفنان (٢). الأخفش: " ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾: ذواتا أشجار " (٣). عكرمة: " ﴿أَفْنَانٍ﴾: أطراف الأغصان، وأنشد: ما هاج شوقك من هدير (٤) حمامة ... تدعو على فَنَنِ الغصون (٥) حَماماً تدعو أبا فرخين صادف ضارياً ... ذا مخلبين من الصقور قِطاما (٦) " (٧). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩)﴾. ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾: في الجنَّتين عينان من الماء تجريان إلى حيث يشاء الله. ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١)﴾. ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾: أي: من جميع أجناسهما صنفان رطب ويابس، كالرُّطب والتمر، والعنب والزبيب. ابن عبّاس ﵄: " ما في الدنيا ثمرةٌ حلوٌ ولا مرٌّ إلاّ وهى في الجنَّة حتى الحنظل (٨) " (٩). ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾: جالسين جلوسَ راحةٍ ودَعَةٍ. عَلَى ﴿فُرُشٍ﴾: جمع فراش، وهو: ما استُمهد للجلوس والنوم. ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾: جمع بطانة، والإستبرق: الديباج الثخين الغليظ بكثرة الإِبْرِيْسَم. ولم يذكر الظِّهارة لعلم الناس بفضل الظِّهارة على البِطانة (١٠). ابن عبّاس- ﵄ "وصف لكم البطائن، وظواهرها لا يعلمها إلاّ الله" (١١). قال الفراء: " أراد بالبطائن الظهائر، كما تقول: باطن السَّماء، تريد: ظاهرها " (١٢). ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤)﴾: قريبٌ لا يردُّه بُعدٌ ولا شوكٌ. وقيل: دانٍ لمن أراد تناولَه قائماً أو قاعداً بيده أو بفيه (١٣). والجنا: اسمٌ بمعنى المجنيّ. ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥)﴾. ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: جمعٌ بعد التثنية؛ لأنَّ المرادَ في قصور الجنَّتين. وقيل: يعودُ إلى الجِنان؛ لأنَّه ذكر ثنتين، وعن قريبٍ يذكر أُخريين. وقيل: يعود إلى الفُرُش. وهو الوجه (١٤). ومعنى ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: حَبسن الطَّرفَ على أزواجهنّ من غيرهم.

стр. 3130

والطَّرف: النظر بطرف العين، وهو الجفن. ولم يُجمع في الآية؛ لأنَّ المرادَ به المصدرُ (١). ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾: لم يمسهنَّ ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾: قيل ما أدماهنَّ بالجماع أحدٌ. والطَّمث: المجامعة بالتَّدمية (٢)، والضّمُ فيه لغةٌ (٣). وقوله: ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾: أي: حورٌ للإنس لم يطمثهن إنس، وحورٌ للجنّ لم يطمثهن جنٌّ. وهذا دليل أنَّ الجنّ يجامع (٤). وقيل: لم يجامع حورَ الإنسِ الجنُّ، فقد روي: " أنَّ الرَّجل إذا لم يذكر اسمَ الله عند الجماع شاركه في جماعه الشيطانُ يجامعُ امرأتَه معه " (٥). الحسن: يقول هنّ المؤمنات، لم يمسُّهنَّ قبلَ أزواجهن في الجنَّة أحدٌ بعد خلق الله إياهنّ الخلقَ الثاني " (٦). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧)﴾. ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ﴾ حمرةً وصفاءً، ... ﴿وَالْمَرْجَانُ﴾: بياضاً وضياء (٧). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩)﴾. ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾: أي: ذلك جزاء المؤمنين، أحسَنوا في الدنيا فأحسَن الله إليهم في العُقبى. ابن عبّاس ﵄: " هل جزاء لا اله إلا الله إلا الجنَّةُ ونعيمُها " (٨) (٩). ابن عبّاس أيضاً وابن عمر ﵃، قالا: قال رسول ﷺ : ((يقول الله ما جزاء مَن أنعمت عليه لمعرفتي وتوحيدي إلا أنْ أسكنَه جنتي وحظيرةَ قدسي برحمتي)) (١٠). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾. ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾: أي: دون الجنّتين اللتين تقدّمتا جنتان أُخريان. ومعنى ﴿دُونِهِمَا﴾: قيل: في الدرجة. وقيل: في المكان، أقرب منهما إلى قصره (١١). وقيل: معنى ﴿دُونِهِمَا﴾: معهما، فيكونُ لكلّ مؤمن أربعُ جِنانٍ في الجهات الأربع: بين يديه ومن خلفه ويمينه وشماله. وقيل: أربعُ جِنانٍ على التوالي، ليتضاعف لكَ السّرورُ بالتنقُّل من جنَّةٍ إلى جنَّةٍ. المبرّد: جنتان علييان سفليان، فالعلييان: جنَّة عدن وجنَّة النعيم، والسُّفليان: جنَّة الفردوس وجنَّة المأوى (١٢). وقيل: الأوليان جنتان في القصر، والأُخريان جنتان خارجَ القصر. وقيل: الأوليان للرجال والولدان، والأُخريان للنساء والحور العين (١٣). الحسن: الأوليان للسابقين إلى الأنبياء بالإيمان، والجنتان دونهما للأتباع " (١٤).

стр. 3131

وقيل: المراد بالتثنية ها هنا الجمع، كقولك: لبّيكَ وسعديكَ، وحنانيكَ، وما جاء مثنّى والمراد به الجمع والدوام، والمعنى: لهم الجنانُ متصلةُ بعضُهما ببعضٍ. ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣)﴾. ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾: أي: مرتويتان ناعمتان. وقيل: خضراوان، تضرب خضرتُهما إلى السَّواد. والدُّهمة: السواد، أي: الغالبُ على هاتين الجنتين النباتُ والرياحينُ المنبسطةُ على وجه الأرض، وفي الأُوليين الأشجار والفواكه (١). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥)﴾. ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾: النَّضخ: دون الجري. وقيل: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾: فوّارتان بالماء (٢). وقيل: جاريتان. وقيل: مملوءتان لا ينقطعان (٣) (٤). أنس ﵁: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾: " بالمسك والعنبر" (٥). الحسن: " بالخير والبركة " (٦). سعيد بن جبير: " بأنواع الفاكهة " (٧) (٨).

стр. 3132

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧)﴾. ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾: هذه دون الأولى؛ لأنَّه ذكر في الأُولى من كلّ فاكهةٍ. والنخل والرُّمان عند بعض الفقهاء ليسا من الفاكهة؛ لأنَّ المعطوفَ غيرُ المعطوف عليه، قال: ولو حلف لا يأكلُ الفاكهةَ، ثم أكل تمراً ورمّاناً لا يحنث. وعند بعضهم هما من الفاكهة، وأُفردا بالذكر لفضلهما عند العرب، ومثله: ... ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾، [البقرة: ٩٨] (١). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩)﴾. ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾: في الجنان الأربع. وقيل: يعود إلى الخيام المذكورة بعدُ. والخيرات: جمع خيرة، والأصل خيِّرة بالتشديد، فخُفّف كهين وهيّن، ولين وليِّن. وقيل: ﴿خَيْرَاتٌ﴾، أي: عذارى، حسانُ الوجوه. وقيل: جنات فيهن محاسن من فعل الخير وحُسن الخُلق. وذُكر أن الفعلَ من الأول حَسُن وجهُه بالضّم، ومن الثاني حَسِن بالكسر. والجمهور على أنَّهنّ الحور العين، أنشأهنّ الله للمؤمنين. وقيل: هنَّ نساء المؤمنين. وقيل: هنَّ النساء المؤمنات الخيرات الصَّالحات (٢). ﴿فَبِأَيِّآَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١)﴾. ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾: محبوسات في الحِجال. وقيل: مقصوراتُ الطَّرْف على أزواجهنَّ. وقيل: مخدَّرات. وقيل: مبيَّضات، من قصارة الثوب، وهو تبييضُه. وفيه بُعدٌ (٣) (٤). وفي الخيام ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّها البيوت. الثاني: لأهل الجنَّة خيامٌ خارجَ القصور كهيئة البدو. والثالث: هي الخيام في الدرّ، فيهن الحور العين (٥). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣)﴾. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤)﴾: كُرّر لأنَّهنَّ غير الأُوليات (٦). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥)﴾. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾: وسائدَ ونمارقَ، الواحد رفرفةٌ، أي: كما اتَّكؤوا في الأُوليين ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ كما اتَّكؤوا في الأُوليين ﴿عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾. وقيل: الرَّفرف رياض الجنان، واحدها رفرفةٌ، من رفَّ النّبتُ يرِفُّ: إذا صار غضّاً نضِراً.

стр. 3133

وقيل: الرَّفرف: المجالس. وقيل: فضول المحابس. والرَّفرف هو فضل الثياب. وقيل: ذيول الخيام يتكئون عليها (١). والرَّفرف في كتاب العين: " كِسر الخِباء، وما يخاط (٢) في أسفل السُّرادِق " (٣). ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾: بُسُطٍ، وقيل: ديباجٍ. وقيل: طنافسٍ (٤) ثِخانٍ. وقيل: العبقريُّ صفةٌ لكلِّ ما بُولِغَ (٥) في وصفه، ومنه قوله ﷺ في عمرّ ﵁: ((لم أرَ عبقرياً يَفرِي فَرْيَه)) (٦) أي: يعمل عملَه (٧). وأصل عَبْقَرَ: بلدٌ كان يوشَى (٨) فيه البُسُط وغيرُها، فنُسب إليه. وقيل: عَبْقَرُ: اسم أرض يسكنها الجنُّ، ينسب إليهما خيارُ كلّ شيء (٩). وجُمع ﴿خُضْرٍ﴾: حملاً على الجنس (١٠). ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧)﴾. ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾: تعالى صفته عن صفات المخلوقين. وقيل: تبارك ربّك، والاسم صلةٌ، كقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾، [الفرقان: ١]. ﴿ذِي الْجَلَالِ﴾: ذي العظمة. والجلالُ لا يُستعمل إلا لله سبحانه (١١). وقُرئ: ﴿ذِو الْجَلَالِ﴾؛ حملاً على الاسم (١٢). ﴿وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾: يكرم أولياءَه بالإِنعام عليهم والإحسان.

стр. 3134

سورة الواقعة (١) " سِتٌ وستون آية " (٢) (٣) مكيةٌ (٤). ابن عباس وقتادة: " إلاّ آيةً، نزلت في المدينة، وهي: وَتَجْعَلُونَ ﴿رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ " (٥). وقيل: إلاّ قولَه: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (٤٠)﴾، وقولَه: ... ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾ (٦) (٧). وروى جماعةٌ من المفسرين: أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ دخل على ابنِ مسعودٍ ﵄ في مرضه الذي مات فيه، فقال له (٨): ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، قال: ما تشتهي؟ قال: رحمةَ ربي (٩)، قال: أفلا ندعو الطبيبَ؟ قال: الطبيبُ أمرضني، قال: ألا نأمر بعطائكَ؟ قال: لا حاجةَ لي فيه، فقال: ندفعه (١٠) إلى بناتكَ، قال: لا حاجةَ لهن فيه، قد أمرتُهنَّ

стр. 3135

أنْ يقرأنَ سورةَ الواقعة؛ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: ((مَن قرأ سورةَ الواقعة كلَّ ليلةٍ لم تُصبْه (١) فاقةٌ أبداً)) (٢) (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾: تقديره: أذكر ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾. وقيل: ﴿إِذَا﴾ شرط، جوابُه محذوفٌ، دلّ عليه: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾، أي: ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ خفضت ورفعت. قال سيبوبه: " ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ مكتفىً به عن الجواب " (٤). الفرَّاء في جماعة: " ﴿وَكُنْتُمْ﴾ جوابه، والواو (٥) زيادة " (٦). وقيل: هو: جواب قولهم (٧): ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾، [النازعات: ٤٢]. وقيل: ﴿إِذَا﴾ مبتدأ خبره إِذَا ﴿رُجَّتِ الْأَرْضُ﴾، أي: وقت هذا وقت ذاك (٨). ويحتمل: أنَّ العاملَ فيه ﴿وَقَعَتِ﴾؛ لأنَّ ﴿إِذَا﴾ شرط، وإنما يمتنع ما بعده عن العمل فيه إذا كان مضافاً إلى الفعل، نحو: آتيكَ إذا أحمرَّ البُسْرُ (٩) (١٠).

стр. 3136

﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾: أي: كذبٌ، والمعنى: لا كَذِبَ في وقوعها، فيكون اللام بمعنى (في). والوقوع ظهور بالحدوث. وقيل: ليس لها مردٌّ. وقيل: لا رجوعَ فيها ولا مثنويّةَ. وقيل: ليس لأجل وقعتها كاذبة. والمعنى: مَن أَخبر عنها صَدق. والتاء لتأنيث النَّفس أو للمبالغة. وقيل: قصّته كاذبة. وقيل: ليس الخبرُ عن وقوعها كذباً (١). ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾: أي: هي تخفض أعداءَ الله في النَّار وإنْ كانوا أعزّةً في ... الدنيا، وترفع أولياءَ الله إلى الجنَّة وإنْ كانوا أذلاءَ في الدنيا. وقيل: تُخفض فيسمعها القريبُ، وتُرفع فيسمعها البعيدُ، فالقريبُ والبعيدُ فيها سواء. وقيل: خفضت فأماتت الخلقَ كلَّهم، ورفعتْ فأحيت الخلقَ كلَّهم. حكاه أقضى ... القضاة (٢). وقُرئ بالنَّصب على الحال الدائم (٣).

стр. 3137

﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾ ﴿إِذَا﴾: قيل: بدلٌ من الأول. وقيل: خبر عن الأوَّل. كما سبق. وقيل: العامل فيه ﴿وَقَعَتِ﴾ (١). ومعنى: (٢) ﴿رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾: حرّكت الأرض تحريكاً شديداً لقيام السَّاعة. والرَّجُّ: حركةٌ شديدةٌ لها صوت. وقيل: يُرجُّ ما فيها كما يرجُّ الغِربال (٣) (٤). ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾: أي: سيرت سيراً. والبَسُّ: السوقُ. وقيل: كسرت كسراً بليغاً. والبسّ: اللتُّ، كما يُبس السَّويقُ. وقيل: البسُّ: الطحنُ. وقيل: البسُّ: الفتُّ. وكلٌّ قريبٌ. وقيل: سالت سيلاً. وقيل: هُدَّت هدَّاً. وقيل: قُطعت قَطعاً وقُلعت قَلعاً (٥).

стр. 3138

﴿فَكَانَتْ﴾: أي (١): الجبال ﴿هَبَاءً﴾: غباراً، كما يرى في الكُوَّة (٢) مع الشمس. وقيل: هي نفس الهواء أُدرك بالبصر. وقد سبق (٣). ﴿مُنْبَثًّا (٦)﴾: متفرقاً أجزاؤه في الجهات منتشراً. ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا﴾: أصنافاً (٤) ﴿ثَلَاثَةً (٧)﴾: قيل: في كلِّ صنفٍ مستكثِرٍ ومقصِّرٍ، فكان زوجاً. وقيل: في كلّ صنفٍ رجالٌ ونساءٌ، فكان زوجاً (٥). وجاء مرفوعاً: "أنهم أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسَّابقون " (٦). وقوله (٧): فَأَصْحَابُ ﴿الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩)﴾: هذا: تعظيم للمذكور، وكذلك أمثالها في القرآن، يجرى مجرى التعجيب من أمرهم (٨). و ﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾: من اليمين، أي: الذين يأخذون كتبَهم بأيمانهم.

стр. 3139

وقيل: يدخلون الجنَّةَ، وهي على يمين العرش. وقيل: كانوا على يمين آدم صلوات الله عليه يومَ أخذ الميثاق. وقيل: هو من اليُمن، أي: هم: الميامين على أنفسهم، وهؤلاء أصحاب الحسنات (١). و ﴿أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾: العرب تسمّى الشِّمال الشُّؤمي، والمعنى: يؤتَون كتبَهم بشمالهم ويدخلون النَّار، وهي على يسار العرش، وكانوا على يسار آدم ﵇. وقيل: هم: المشائيم على أنفسهم. وهؤلاء أصحاب السيئات (٢). و ﴿أَصْحَابُ﴾: رفع بالابتداء، ﴿مَا أَصْحَابُ﴾: جملة من مبتدأ وخبرٍ، وخبر هي خبر المبتدأ الأوَّل، والصريح قام مقامَ (٣) الضمير العائد. وأجمع أهلُ الأعراب أن ﴿مَا﴾ رفع بالابتداء، و ﴿أَصْحَابُ﴾ رفع بالخبر، وكذلك: ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾، [الحاقة: ٢]، و ﴿مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾، [القارعة: ٢]. ويحتمل: أن ﴿مَا﴾ رفع بالخبر، وما بعده رفع بالابتداء، فإن ﴿مَا﴾ نكرة، وتقديره: أيُّ شيءٍ، وهي بالخبر أولى، لكن قدّم للاستفهام، كما قدّم الخبر تقديماً لازماً في أين زيد؟ ومتى القيام؟ وكيف بكر؟ للاستفهام، وهذا ظاهر (٤). ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾: قيل هم: الذين سبقوا إلى الإيمان في جميع الأديان. وقيل: هم: الأنبياء - صلوات الله عليهم -. وقيل: هم: الذين سبقوا إلى الطاعات. ابن عبّاس: " هم خِربيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجَّار صاحب أنطاكية (٥)، وأبو بكر وعلي ﵄ " (٦).

стр. 3140

وقيل: هم: المذكورون في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾، [التوبة: ١٠٠]. وقيل: هم أهل القرآن، وهم: المتوَّجون يوم القيامة (١). ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾: المكرَمون المبجَّلون. وقيل: المقرَّبون من رحمة الله وجزيل ثوابه. ﴿والسَّابِقُونَ﴾ رفع بالابتداء ﴿السَّابِقُونَ﴾ خبره. والتقدير: ﴿السَّابِقُونَ﴾ إلى الإيمان والطّاعة ﴿السَّابِقُونَ﴾ إلى الجنَّة والرضوان. وقيل: الأوّل رفع بالابتداء، والثَّاني تأكيدٌ له ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾: خبره، كما تقول: زيدٌ زَيدٌ قائمٌ. وقيل: ﴿السَّابِقُونَ﴾ الأوَّل رفع بالخبر، والتقدير: هم أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسَّابقون، ثمَّ ابتدأ فقال: ﴿السَّابِقُونَ﴾، فهو رفع بالابتداء، ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ خبره. هذا جملة كلام النحاة. ويحتمل: أن تقديرَ الآية: والسَّابقون ما السَّابقون، فحُذف (ما)؛ لأنَّ الأُوليين تدّلان عليه، فيكون الكلامُ في الثلاثة على نَسَقٍ واحدٍ. والله أعلم. وقيل: إن (ما) في الأوليين زيادة. ومعنى الميمنتين والمشأمتين مختلف (٢).

стр. 3141

﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (١٤)﴾: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن سابقي سائر الأمم الذين آمنوا بأنبيائهم أكثرُ من سابقي أمة محمد؛ لكثرة الأنبياء، وهذا لا ينقض قولَه ﷺ : ((إن أمتي يَكثُرون سائرَ الأمم)) (١)؛ لأنَّه ﷺ قال: (أمتي)، ولم يقل سابقو أمتي. والثَّاني: أن ﴿ثُلَّةٌ﴾ في معنى قليل من النَّاس؛ لأنَّ اشتقاقَه من الثَّل، وهو القطع". قاله الزجاج (٢). والثالث: أن الثُّلةَ الشَّطر، وهو النَّصف. عن الضّحاك (٣). أبو عبيد: "الثلّة: البقية " (٤). وقيل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (١٤)﴾: كلاهما من أمَّة محمد ﷺ ، وقد جاء مرفوعاً أنَّه قال: ((كلتا الثلتين أمتي)) (٥). وروى أيضاً أنَّه قال: ((أهل الجنَّة مائة وعشرون صفَّاً، ثمانون صفَّاً منهما أمّتي، ومنها الفائزون الأخيار)) (٦) (٧).

стр. 3142

وفي سبب النزول: أنَّه لمّا نزل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (١٤)﴾، بكى عمر ﵁ وقال: يا نبيَّ الله، آمنَّا بك وصدّقناك ما ينجو منّا قليلٌ، فأنزل الله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (٤٠)﴾، فدعا عمر ﵁، وقال: يا ابنَ الخطاب قد أنزل الله كما قلتَ "، فجعل ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين (١). قوله: عَلَى ﴿سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾: مرمولةٍ بالذّهب، مشتبكةٍ بالدرِّ والياقوت، مضفورةٍ منسوجة السطوح، وذلك ألينُ للجالس عليها. وقيل: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾: جُعل كلُّ سريرٍ بجنب سريرٍ (٢). ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾: أي: يتَّكئون على تلك السُّرر ويتوانسون بالتقابل حالةَ الزيارة. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾: يخدمُهم وينقلبُ إليهم. ﴿وِلْدَانٌ﴾: غِلمان، جمعُ وليدٍ، وخِدمةُ الغلمان أمتعُ من خدمة الكبار، وهم ولدانٌ أنشأهم اللهُ تعالى لخدمة أهل الجنة (٣). الحسن: " هم الأطفال، لم يستوجبوا النارَ ولا الدرجات (٤)، مشتق من الولادة" (٥). ﴿مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾: باقون لا يموتون، وقيل: يبقَون على غُلومتهم لا تتغير نضارتُهم.

стр. 3143

وقيل: مقرَّطون مزيَّنون، من الخلدة وهي القُرط. وقيل: لا ينصرفون عنهم (١). ﴿بِأَكْوَابٍ﴾: جمع كوب، وهو الإناء لا عُروةَ لها ولا خرطوم (٢) (٣). ﴿وَأَبَارِيقَ﴾: جمع (٤) إبريق، وهو الإناء له عُروةٌ وخرطومٌ، مشتق من البريق (٥). وقيل: معرَّب آب ريز. ﴿وَكَأْسٍ﴾: قدحٍ مملوءٍ. ﴿مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾: من خمرٍ. واختُلف في وزن معيّن، وقد سبق (٦). الكوبُ للماء وغيره، والإبريقُ لغَسل الأيدي، والكأسُ لشرب الخمر (٧). ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾: تُطرِبهم ولا تُؤذيهم بصداعٍ. وقيل: لا يتفرّقون عنها، تقول (٨): صَدَعتُهم فانصدعوا. وقيل: لا يُمنَعون عنها (٩). ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ (١٠): لا ينزف عقولهم.

стр. 3144

وقيل: لا يتقيئون. وقيل: لا يبولون، يقال لكلّ ما استُقضى عليه حتى يذهبَ كلُّه: نزف وأنزف. ابن عبّاس ﵄: " في الخمر أربعُ خصالٍ: السُّكْرُ، والصُّداعُ، والقيءُ، والبولُ، والله نزّه خمرَ الجنَّة عنها كلَّها " (١). وقرئ: ﴿يُنْزِفُونَ﴾ بالكسر (٢)، وفُسِّر: لا ينفد شرابهم، تقول: أنزف القوم: إذا أفنى شرابهم. وقيل: أنزف: سَكِر، قال الشاعر (٣): لعَمْري لئن أنزفتُمُ أو صحوتم ... [لبئس الندامى أنتم آل أبجرا] (٤) (٥) (٦). ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)﴾: يختارون، أي: كلُّها خِيارٌ. وقيل: التخيُّر لذلك: إرادته وشهوته. وَلَحْمِ ﴿طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾: أي: يجدون لذّةً وشهوةً في أكله من غير قَرَمٍ (٧). قوله: ﴿مِمَّا﴾: يحتمل جنس الطَّير كالدَّجاج والقَبَجُ (٨)، وغير ذلك.

стр. 3145

ويحتمل: اتخاذ الألوان، كالمطبوخ والمشويّ. ويحتمل: أجزاء الطير، فقد جاء مرفوعاً: ((طير الجنَّة مثل البُخْتِ (١))) (٢). ﴿وَحُورٌ﴾: جمع حوراء، من الحَوَر، وهو شدّة بياض العين في سوادها. مجاهد: " تحار في حسنها العينُ " (٣). وفيه ضعفٌ. ﴿عِينٌ (٢٢)﴾: جمع عيناء، وهي (٤) الواسعة العين. ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾: في الصفاء والنقاء. ﴿الْمَكْنُونِ﴾: المصون عمّا يضرُّ به. وقيل: ﴿الْمَكْنُونِ﴾: في الصَّدف. أنس ﵁ عن النبي ﷺ : ((إنَّ اللهَ خلقَ الحورَ العِيَنَ من الزَّعفران (٥))) (٦). قُرِئ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بالرَّفع، والخفض (٧).

стр. 3146

أبو علي في ((الحجة)): " الرَفع محمول على المعنى، أي: لهم أكوابٌ وحورٌ عينٌ، قال: ويجوز أنْ يُحْمَل على ﴿سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾، أي: على سُرُرٍ موضونة حُورٌ عِين. قال: ويجوز أنْ يكونَ عطفاً على الضمير ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أو ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾، ولم يؤكَّد لطول الكلام. قال: وَوَجْهُ الجر: أنْ يُحمل على قوله: فِي ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، وفي حور عين، أي: في مقارنة حور عين. قال: وحمله على الباء في ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ ممكنٌ، إلاّ أنّ الأخفشَ قال: في هذا بعضُ الوَحشة " (١). الفرّاء: "الجرُّ على الجِوار، وإنْ لم يكن يَحسُنُ في آخره ما حَسُن في أوّله. وأنشد: علفتُها تِبناً وماءً بارداً (٢). . . . . . . . . . . . . . (٣). . . . . . . . . . . . . . . ... وزجَّجنَ الحواجبَ والعُيونا (٤) (٥). ويحتمل: أنْ يرتفعَ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بالعطف على ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾. ولا أدري لم سكت عنه أبو علي.

стр. 3147

ولا يمتنع الجرُّ من العطف على ﴿بِأَكْوَابٍ﴾، كما لم يمتنع منه الفاكهة واللحم، ويكون الطائفُ بالحور العين مَن اختَصَّ بخدمتهنّ كالخَصِىّ والمجبوب في المعهود. والله أعلم. جَزَاءً ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾: جزاءً للسَّابقين على أعمالهم. ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾: في الجنَّة. ﴿لَغْوًا﴾: باطلاً. وقيل: يميناً كاذباً. وقيل: صِياحاً وصَخَباً وعَبثاً. ﴿وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥)﴾: أي: لا يقال لهم: أثمتم وأسأتم. وقيل: لا يأثمونَ إثماً، فيكونُ كقولك: أكلتُ خبزاً ولبناً؛ لأنَّ التأثيمَ لا يسمع. ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾: إلاّ قولاً ذا سلامةٍ. والاستثناء منقطعٌ، أي: لكن قيلاً سلاماً يسمعون. وقيل: إلا سلامٌ عليكم، من قوله: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾، [يونس: ١٠]. وفي نصب سلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنْ يكونَ صفةً للقِيل، كما ذكرت. والثَّاني: أن ينتصب بالقول، أي: إلا أنْ يقولوا سلاماً. والثالث: على المصدر، وتقديره: إلا أنْ يقولوا سلّمك الله سلاماً، كقوله: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾، [نوح: ١٧] (١). وقيل: إلاّ قولاً سارّاً وكلاماً حسناً. وقيل: إلَاّ قِيلا هنيئاً مريئاً. حكاه الماورديّ (٢). ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾: التقدير ها هنا: ما لأصحاب اليمين (٣) على التعجيب (٤) ممَّا لهم. وفي سبب النزول: قال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى وَجٍّ، وهو وادٍ مُخصبٍ بالطائف، فأعجبهم سِدرُه، وقالوا: يا ليتَ لنا مثلُ هذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٥). ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾: السِّدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له. وقيل: المخضود الذي قُطع شوكُه. وقيل: المخضودُ السَّريعُ الانثناء (٦). ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ قيل: شجر أم غيلان، وله نورٌ، رائحته طيّبة (٧) جدّاً. وقيل: الموز، وثمره يكون منضوداً بعضُه فوقَ بعضٍ (٨). وعن علي ﵁ أنَّه قُرئ عنده وَطَلْحٍ ﴿مَنْضُودٍ﴾، فقال: ما بال الطّلح؟! إنَّما هو الطَّلع، فقال القارئ: أفلا نحوّلها؟ فقال أمير المؤمنين علي ﵁: " إن القرآن لا يُهاجَ اليوم ولا يحوَّل (٩) " (١٠). ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾: دائم لا تنسخه الشمسُ (١١).

стр. 3148

مقاتل: " هو ظلُّ العرش " (١). ويحتمل: أنَّه عبارةٌ عن الحفظ، تقول: فلانٌ في ظلِّ فلانٍ، أي: في كنفه؛ لأنه لا شمسَ هناك. ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾: جارٍ، وقيل: مصبوبٍ سائلٍ. وقيل: لا يتعبونَ فيه، بل ينسكبُ لهم كما يُحبّون. وقيل: يَجري في غير أُخدودٍ. وقيل: يُسكب على الخمر فيُشرب ممزوجاً (٢). ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢)﴾: أي: كثيرة الأجناس والأنواع. ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ﴾: بالزمن، ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾: بالثَّمن. وقيل: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ﴾: كلّما قُطِعَ نَبَتَ آخرُ مكانَه، ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾: لا محظورةَ بالجدار. وقيل: ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾: بشوكٍ، أو بُعدِ متناوَلٍ (٣). ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾: رفيعة القدر. وقيل: طويلة في الهواء، طولها مسيرة خمسمائة عامٍ بعضُها فوقَ بعضٍ (٤). وقيل: هي النِّساء بلغة خَثْعَم (٥)، واحدها فَريش، يقال (٦): استفرشت المرأةُ إذا طلبتْ فحلاً (٧).

стр. 3149

وقيل: كناية عن النساء، كما قال ﷺ : ((الولد للفراش)) (١) (٢). ومعنى ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾: رفيعة القدر (٣). ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾: قيل: يعود الضميرُ إلى الحور. واستبعده المحقّقون، وقالوا: إنَّها في قصَّةٍ وهذه في أخرى، بل يعود إلى الفُرش، فإنَّها النساء أو كناية عن النساء، كما سبق، وتقول: أفترشها كناية عن الوطء. وقيل: الفُرُش محلّ النساء، فدّلت عن النساء (٤). ومعنى " ﴿أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾: خلقهن الله ابتداءً لأوليائه، لسن ممَّن وقعتْ عليهنَّ الولادةُ (٥). الضَّحاك: " هنَّ المؤمنات من النِّساء " (٦). الحسن: " هنَّ عجائزُكم الغُمص الرُّمص (٧)، صيّرهن الله كما تسمعون" (٨). قال مجاهد: قال رسول الله ﷺ في امرأةٍ كانت (٩) عند عائشةَ من بني عامرٍ، وكانت عجوزاً: ((إن الجنَّةَ لا يدخلُها (١٠) العُجْزُ))، فولَّت تبكي، فقال ﷺ : ((أخبروها أنَّها يومئذٍ ليست بعجوز، إن الله يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ الآية)) " (١١). ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾: عذاري (١٢) لا يأتيها الرجلُ إلاّ وجدها بِكراً. ﴿عُرُبًا﴾: جمع عَروب. ابن عبَّاس ﵄ في جماعة (١٣): " هي العواشق للأزواج " (١٤) (١٥). قال ابن عبّاس- ﵄: " تقول (١٦) للنَّاقة إذا أرادت فحْلاً: هي عربة" (١٧). الزّجاج: " غَنِجةٌ متحبِّبةٌ لزوجها " (١٨). أبو عبيدة: " الحسنة التبعُّل " (١٩). وقيل: هي الخَفِرَة المبتذلة لزوجها. وقيل: هي: اللَّعوب بزوجها أُنساً به (٢٠). بعض التفاسير: مرفوعاً: ((﴿عُرُبًا﴾: كلامهنّ عربيّ)) (٢١). ﴿أَتْرَابًا (٣٧)﴾: جمع تِربٍ، أي: مستوياتٍ على سنٍّ واحدٍ. قيل: ثلاثة وثلاثون سنة. وقيل: هنَّ اللواتي نشأن معاً، مأخوذ من لعب الصّبيان بالتراب. وقيل: جُعلن أشكالاً (٢٢) لأزواجهنّ في الجسم والمقدار (٢٣). ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾: قيل: هنَّ ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. وقيل: أنشأناهنَّ ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. وعن بعض القُرَّاء الوقف على " أتراباً "، ثمَّ قال الله: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (٤٠)﴾. وقيل: تقديره أصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين .. (٢٤). وَأَصْحَابُ ﴿الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾: المشأمة والشِّمال واحدٌ (٢٥). ﴿فِي سَمُومٍ﴾: وهي الريح الحارّة تدخل في المسامّ (٢٦). ﴿وَحَمِيمٍ (٤٢)﴾: وهي (٢٧) الماء الحارُّ في النهاية. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾: وهو دخّانٌ شديدُ السواد من الحُمَمَة. ويحموم (يفعول) منه.

стр. 3150

قابل بهذا الظّل ظلَّ أصحاب الميمنة. وقيل: اليحمومُ هو النَّار السوداء (١). ابن كيسان: " اليحموم من أسماء النَّار " (٢). وقيل: يحموم جبل في النَّار يستغيث إلى ظلّه أهل النَّار. وقيل: في نارٍ لا ضوء لها (٣). الزّجاج: في نار يعذّبون، كقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾، [الزمر: ١٦] " (٤). ﴿لَا بَارِدٍ﴾: كسائر الظلال ﴿وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾: على صاحبه. وقيل: لا بارد المدخل ولا كريم المخرج. والعرب إذا بالغت في ذمّ الشيء نفت (٥) عنه الكرم (٦). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: يعني في الدنيا. ﴿مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾: متنعّمين، فمنعهم ذلك عن الانزجار وشغلهم عن الاعتبار. وقيل: وصفهم بالتُّرفة؛ لأنَّ عذابَ المترَف أشدُّ ألماً. وقيل: ﴿مُتْرَفِينَ﴾: فيما حرّم الله عليهم (٧). السُّدِّي: " ﴿مُتْرَفِينَ﴾: مشركين " (٨). ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾: يداومون. والإصرار الإقامةُ على الشيء، بخلاف التّوبة (٩). ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾: أي: الشرك. والحنث: نقض العهد المؤكَّد باليمين. وقيل: على الكذب. وقيل: على الذنب العظيم. وقيل: اليمين الغموس، هو قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، [النحل: ٣٨] (١٠)، يقوّيه ما بعده. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَخْذًا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)﴾: تقديره: أنبعث إذا مِتنا، وهو العامل في الظرف، وجاز حذفُه؛ لأنَّ قولَه: ﴿مَبْعُوثُونَ﴾ يدلّ عليه، ولا يعمل فيه ﴿مَبْعُوثُونَ﴾؛ لمكان (إنّ)، ولمكان الاستفهام، وكلُّ واحدٍ منهما يمنعُ أنْ يعملَ ما بعده فيما قبله (١١). ﴿أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)﴾: أي: لانُبعثُ نحن ولا آباؤنا. من حرّك الواوَ جعله عطفاً واستفهاماً، ومن سكّنه جعله عطفاً (١٢). ﴿قُلْ إِن الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ أي: يُحشرون إلى مكان الحساب أو زمان الحساب في يومٍ معلومٍ عند الله.

стр. 3151

وقيل: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ في القبر ﴿إِلَى مِيقَاتِ﴾ المحشر. وروي عن بعض القرَّاء الوقفُ على قوله: ﴿قُلْ إِن الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ﴾ كأنه خرج مخرج الجواب، ثمَّ ابتدأ، فقال: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾، أي: لهم مجموعون. وهذا الوقف حَسَنٌ من حيث المعنى، وإنْ كان فيه بعضُ تعسّف (١). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)﴾. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا﴾: من الشَّجر ﴿الْبُطُونَ (٥٣)﴾؛ لأنَّ اللهَ تعالى يسلط عليهم جوعاً شديداً فيملئون بطونَهم بأكلها رجاءَ زوال الجوع، فإذا امتلئوا منه وجدوا عطشاً شديداً، فيُعرض عليهم الحميم فيشربون شرب الإبل أصابتها (٢) علّةُ الهيام، وهو داءٌ يأخذ الإبل من العطش، فلا تزال تشرب حتى تَهلك (٣)، وهو قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي (٤) على الزَّقوم، أو على الأكل، أو على الشَّجر، فذكَّر للجنس. ﴿مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)﴾ ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾: الفتح والضَّم لغتان (٥).

стр. 3152

قيل (١): ﴿الْهِيمِ﴾: الرَّمل (٢). وقيل: هي: الإبل الضَّوالّ؛ لأنَّها تهيمُ في الأرض القفر فلا تجد ماءً (٣)، فإذا وجدته فلا شيءَ أكثر منها شراباً (٤). ﴿هَذَا﴾: أي: الطعام والشراب. ﴿نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾: ما أُعدَّ لضيافتهم يومَ الجزاء. ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾: فهلاّ تُصدِّقون بالبعث والحساب. وقيل: فهلاّ تُصدِّقون بأنّا خلقناكم. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾: تُريقون من المني. ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾: تجعلونه بشراً سويّاً. ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾: فتذكَّروا بالإبداء الإعادةَ (٥). ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾: قضينا عليكم الفناءَ في الدنيا. وقيل: بيّنا وقتَه وزمانَه، فلا يزيدُ ولا يَنقصُ، ولا يتقدّم ولا يتأخر. وقيل: سوّينا بينكم الموتَ، بين المطيع والعاصي، وبين أهل السماء وأهل (٦) الأرض (٧). ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)﴾: لا يسبقنا أحدٌ فيهرب من الموت، أو يؤخر وقته أو يقدّمه.

стр. 3153

وقيل: لا يسبقنا أحدٌ إلى إماتتكم قبل الوقت (١) (٢). ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾: لِنبدّل أمثالَكم، و ﴿عَلَى﴾ بمعنى اللام، وهو متّصل [بقوله نَحْنُ ﴿قَدَّرْنَا﴾ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أو حال، وقيل: السَّبق بمعنى الغَلبة و ﴿عَلَى﴾ مُتَّصل] (٣) بالغَلَبة، أي: وما نحن بمغلوبين على أنْ نستبدلَ أمثالَكم في الدنيا، فنخلق فيها بدلَكم غيرَكم. والتقدير: نبدّلكم بأمثالكم، فحُذف المفعولُ الأولُ وحذف الجارُّ من المفعول الثَّاني. ويحتمل: أنّ المثلَ زيادةٌ، والتقدير: نبدّلَكم. وتبديلُهم: نقلُهم من صورةٍ إلى صورةٍ، أو حالٍ إلى حالٍ، أو من الحيوان إلى الجماد. ويحتمل أيضاً: أنَّ المثلَ ها هنا الشخصُ، من قولهم: مَثُل بين يديه (٤). ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾: نخترعَكم في صورٍ لا تعلمونها. ومعنى الآية: نحن قادرون على إحيائكم وإنشائكم ثانياً، وإنْ كنتم لا تعلمون النشأةَ الثَّانيةَ (٥). ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾: نطفةً، ثمَّ علقةً، إلى تمام الخِلقة. ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾: أن مَن قدر على شيءٍ مرّةً لم يَعجَزْ عنه ثانيةً. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾: تُثيرون الأرضَ وتُلقون فيها البذرَ. ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾: تُنبتونه ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾: المنبتون (٦).

стр. 3154

والحرث: فعلُ العبد، والزرع: فعل الله وحده، ولهذا قال النبي ﷺ : ((لا يقولنّ أحدُكم زرعتُ ولكن حرثتُ)) (١). وقد يسمى الحارث زارعاً على أنَّه فعلَ أسبابَ الزَّرع والإنبات. ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾: هشيماً متكسراً قبل إدراكه وأوانه بآفةٍ تُصيبه. فَظَلْتُمْ ﴿تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾: دمتم بعد أنْ صار حُطاماً تعجبون. وقيل: تندمون. وقيل: تحزنون. وأصل التفكّه: التنقل بصنوف (٢) الفاكهة، ويستعمل أيضاً في التفكّه بالحديث، ومنه الفُكاهة، وهي المزاح. والمعنى: فظلتم تتحدّثون (٣) ممَّ كان؟، وما موجبه؟ وأشباه هذا. يقوّيه قولُ من قال: تقديره: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ بقولكم: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. وقيل: معنى ﴿تَفَكَّهُونَ﴾: تتنعمون، فيه تقديم وتأخير، وتقديره: أَمْ ﴿نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾: تتنعمون بذلك ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾. وفيه بعد؛ لأنَّ ما بعدَه يبقى كلاماً غير مفيد (٤).

стр. 3155

ومعنى: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾: أصابنا غُرمٌ في أموالنا. والغُرم: ذهابُ المال (١) بغيرِ عوضٍ (٢). قتادة: " ﴿مُغْرَمُوْنَ﴾: مُعذّبون " (٣) من الغَرام، وهو العذاب (٤). مجاهد: "مُولَعٌ بنا " (٥). ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾: حُرمنا ومُنعنا رزقَنا. وقيل: محدودون لا مجدودون (٦). قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾: قيل: هي (٧) من رؤية العين ﴿مَا تَحْرُثُونَ﴾: مفعوله. وقيل: من رؤية القلب. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾: في موضع المفعول الثَّاني. وقيل: معناه: نُنبته، فلا مفعولَ له إذاً. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)﴾: يعني العذْب.
следующие страницы →