← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

وقيل: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ في القبر ﴿إِلَى مِيقَاتِ﴾ المحشر. وروي عن بعض القرَّاء الوقفُ على قوله: ﴿قُلْ إِن الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ﴾ كأنه خرج مخرج الجواب، ثمَّ ابتدأ، فقال: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾، أي: لهم مجموعون. وهذا الوقف حَسَنٌ من حيث المعنى، وإنْ كان فيه بعضُ تعسّف (١). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)﴾. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا﴾: من الشَّجر ﴿الْبُطُونَ (٥٣)﴾؛ لأنَّ اللهَ تعالى يسلط عليهم جوعاً شديداً فيملئون بطونَهم بأكلها رجاءَ زوال الجوع، فإذا امتلئوا منه وجدوا عطشاً شديداً، فيُعرض عليهم الحميم فيشربون شرب الإبل أصابتها (٢) علّةُ الهيام، وهو داءٌ يأخذ الإبل من العطش، فلا تزال تشرب حتى تَهلك (٣)، وهو قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي (٤) على الزَّقوم، أو على الأكل، أو على الشَّجر، فذكَّر للجنس. ﴿مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)﴾ ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾: الفتح والضَّم لغتان (٥).

стр. 3152

قيل (١): ﴿الْهِيمِ﴾: الرَّمل (٢). وقيل: هي: الإبل الضَّوالّ؛ لأنَّها تهيمُ في الأرض القفر فلا تجد ماءً (٣)، فإذا وجدته فلا شيءَ أكثر منها شراباً (٤). ﴿هَذَا﴾: أي: الطعام والشراب. ﴿نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾: ما أُعدَّ لضيافتهم يومَ الجزاء. ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾: فهلاّ تُصدِّقون بالبعث والحساب. وقيل: فهلاّ تُصدِّقون بأنّا خلقناكم. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾: تُريقون من المني. ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾: تجعلونه بشراً سويّاً. ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾: فتذكَّروا بالإبداء الإعادةَ (٥). ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾: قضينا عليكم الفناءَ في الدنيا. وقيل: بيّنا وقتَه وزمانَه، فلا يزيدُ ولا يَنقصُ، ولا يتقدّم ولا يتأخر. وقيل: سوّينا بينكم الموتَ، بين المطيع والعاصي، وبين أهل السماء وأهل (٦) الأرض (٧). ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)﴾: لا يسبقنا أحدٌ فيهرب من الموت، أو يؤخر وقته أو يقدّمه.

стр. 3153

وقيل: لا يسبقنا أحدٌ إلى إماتتكم قبل الوقت (١) (٢). ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾: لِنبدّل أمثالَكم، و ﴿عَلَى﴾ بمعنى اللام، وهو متّصل [بقوله نَحْنُ ﴿قَدَّرْنَا﴾ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أو حال، وقيل: السَّبق بمعنى الغَلبة و ﴿عَلَى﴾ مُتَّصل] (٣) بالغَلَبة، أي: وما نحن بمغلوبين على أنْ نستبدلَ أمثالَكم في الدنيا، فنخلق فيها بدلَكم غيرَكم. والتقدير: نبدّلكم بأمثالكم، فحُذف المفعولُ الأولُ وحذف الجارُّ من المفعول الثَّاني. ويحتمل: أنّ المثلَ زيادةٌ، والتقدير: نبدّلَكم. وتبديلُهم: نقلُهم من صورةٍ إلى صورةٍ، أو حالٍ إلى حالٍ، أو من الحيوان إلى الجماد. ويحتمل أيضاً: أنَّ المثلَ ها هنا الشخصُ، من قولهم: مَثُل بين يديه (٤). ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾: نخترعَكم في صورٍ لا تعلمونها. ومعنى الآية: نحن قادرون على إحيائكم وإنشائكم ثانياً، وإنْ كنتم لا تعلمون النشأةَ الثَّانيةَ (٥). ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾: نطفةً، ثمَّ علقةً، إلى تمام الخِلقة. ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾: أن مَن قدر على شيءٍ مرّةً لم يَعجَزْ عنه ثانيةً. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾: تُثيرون الأرضَ وتُلقون فيها البذرَ. ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾: تُنبتونه ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾: المنبتون (٦).

стр. 3154

والحرث: فعلُ العبد، والزرع: فعل الله وحده، ولهذا قال النبي ﷺ : ((لا يقولنّ أحدُكم زرعتُ ولكن حرثتُ)) (١). وقد يسمى الحارث زارعاً على أنَّه فعلَ أسبابَ الزَّرع والإنبات. ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾: هشيماً متكسراً قبل إدراكه وأوانه بآفةٍ تُصيبه. فَظَلْتُمْ ﴿تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾: دمتم بعد أنْ صار حُطاماً تعجبون. وقيل: تندمون. وقيل: تحزنون. وأصل التفكّه: التنقل بصنوف (٢) الفاكهة، ويستعمل أيضاً في التفكّه بالحديث، ومنه الفُكاهة، وهي المزاح. والمعنى: فظلتم تتحدّثون (٣) ممَّ كان؟، وما موجبه؟ وأشباه هذا. يقوّيه قولُ من قال: تقديره: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ بقولكم: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. وقيل: معنى ﴿تَفَكَّهُونَ﴾: تتنعمون، فيه تقديم وتأخير، وتقديره: أَمْ ﴿نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾: تتنعمون بذلك ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾. وفيه بعد؛ لأنَّ ما بعدَه يبقى كلاماً غير مفيد (٤).

стр. 3155

ومعنى: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾: أصابنا غُرمٌ في أموالنا. والغُرم: ذهابُ المال (١) بغيرِ عوضٍ (٢). قتادة: " ﴿مُغْرَمُوْنَ﴾: مُعذّبون " (٣) من الغَرام، وهو العذاب (٤). مجاهد: "مُولَعٌ بنا " (٥). ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾: حُرمنا ومُنعنا رزقَنا. وقيل: محدودون لا مجدودون (٦). قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾: قيل: هي (٧) من رؤية العين ﴿مَا تَحْرُثُونَ﴾: مفعوله. وقيل: من رؤية القلب. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾: في موضع المفعول الثَّاني. وقيل: معناه: نُنبته، فلا مفعولَ له إذاً. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)﴾: يعني العذْب.

стр. 3156

﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾: وهو السَّحاب. واحدها مُزنة (١). ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾: بقدرتنا. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾: مِلحاً. وقيل: مُرّاً. مشتقٌّ من الأَجيج، يُحرق الفمَ بمُلوحته ومَرارته (٢). ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾: تَقدحون. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾: وهي المَرْخُ والعَفَار، يُقدح بهما النَّار، ومنه: في كلّ شجر نار، واستمجد المَرْخُ والعَفَار (٣). وقيل: ﴿تُورُونَ﴾: من الشجر والحديد والحجر (٤). ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾: أصلَها (٥). ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾: الخالقون لها ابتداءً. ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا﴾: في الهاء ثلاثة أقوال: أحدها: يعود إلى خروج النَّار من الشجرة الخضراء. ﴿تَذْكِرَةً﴾: لقدرتنا. والثاني: جعلنا نارَ الدنيا تذكرةً لنار جهنم، قال النبي ﷺ : ((نارُكم هذه جزءٌ من سبعين جزءاً من حرِّ نارِ جهنَّمَ)) (٦). وقيل: تبصرةً للناس (٧) في الظلام. والثالث: جعلنا النعمَ التي تقدّمت تذكرةً لحقّ الله وما يجب من طاعته (٨). والأكثرون: على أنَّها تعود إلى النار، ولهذا لم يُذكر بعدها: لو نشاء لأطفيناها ... وأخمدناها، كما قال: في الأوليين؛ لأنَّها تذكرةً يذكر بها نارُ الآخرة (٩). قوله: ﴿وَمَتَاعًا﴾: متعةً يتمتّعون بها. ﴿لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾: لمن نزل بالقِواء، أي: المسافرين. وقيل: لمن نفذ زادهم، من قولهم: أقوت الدارُ: إذا خلتْ من ساكنيها. وقيل: للجائعين في إصلاح زادهم (١٠). وقيل: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾: لمن أصحابه أقوياء، تقول: أقوى الرجل: صارَ أصحابُه أقوياء، وكذلك أَضْعَفَ: صار أصحابُه ضُعفاء. وقيل: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾: أصحاب القوَّة، أي: يَستمتع بها الغنيُّ والفقيرُ (١١). بدأ بذكر خلق الإنسان، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾؛ لأنَّ النعمةَ فيه سابقةٌ على جميع النعم.

стр. 3157

ثمَّ بما فيه قِوامُ النَّاس، وهو الحبُّ، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾. ثمَّ بالماء الذّي يُعجن به ويشرب عليه، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)﴾ ثمَّ بالنار التي يُخبَز بها، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾. فصار مجموعُ الثلاثةِ طعاماً لا يَستغني عنه الجسدُ مادام حيّاً (١). ثمَّ قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾: نزه اللهَ عما لا يليقُ به (٢). وقيل: قلْ سبحان ربي العظيم، وجاء مرفوعاً: " أنَّه لمَّا نزل هذه الآية قال النبيُّ ﷺ : ... ((اجعلوها في ركوعكم، ولمَّا نزل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، [الأعلى: ١]، قال: اجعلوها في سجودكم)) (٣). ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: في ﴿لا﴾ أقوال: أحدها: أنَّه صلةٌ للكلام، وليس بنفي، كما في قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، [الحديد: ٢٩]، أي: ليعلم. وقيل: ردٌّ لكلامٍ سابقٍ، أي: ليس الأمرُ كذلك. وقيل: أصلُه لأُقْسِمُ، فأُشبع اللامُ فصارَ (لا)، وكذلك قرأه الحسن (٤). وقيل: إنَّه نفيٌ للقسم، أي: الكلامُ أوضحُ من أنْ يُحتاجَ معه إلى قسم. وقيل: إنه نفيٌ بالقسم، والمقصود بالقسم ثابت، كما يقول الرجل: لا أحلف، لقد كان كذا، يريد بذلك تحقيقَ الكلام، وهي مستعملةٌ في كلام العرب والعجم.

стр. 3158

وقول من قال: التقدير في هذه الأقسام: وربّ مواقع النجوم، وربّ الشمس، وربّ النجم، وربّ التين: عدولٌ عن الظاهر، ثمَّ لا يَطَّرد في الكلام، لا يقول: الرجل وأبي ما فعلت، ورأسك لقد فعلت، ومقصوده وربّ رأسك وربّ أبي، ولو ساغ هذا لم يُمنع عن الحلف بغير الله (١). وقوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾: قيل: المراد به المصدر، وجُمعَ لاختلاف أجناسه، ويقوّيه قراءةُ مَن قرأ بالتوحيد (٢). وقيل: المرادُ به المكان، وهي مغاربها ومطالعها ومجاريها في أفلاكها. وقيل: مواقع النجوم: منازلِ النجوم. وقيل: مواقع السَّماء، فهي قَسَمٌ بالسماء. وقيل: المراد به الزمان، وهو يوم القيامة يومَ انتثارها وانكدارها. وقيل: هي نجومُ القرآن وأوقاتُ نزولها. وقيل: نجوم القرآن هي المحكمات منه. ابن بحر: " المراد بها النجوم ذوات الأنواء، والنَّوء: سقوط نجم وطلوع رقيبه في البرج السابع منه، وكانت العرب تُراعى ذلك " (٣). ويحتمل: أنَّ النجومَ نجومُ الرجوم ورماتها؛ لأنَّها حدثت عند مولده وبعثته. ويحتمل أيضاً على [قول] (٤) مَن حمله على نجوم القرآن: أنه قَسَمٌ بمحمدٍ ﷺ ؛ لأنَّ قلبَه محلُّ وقوعه. والله أعلم (٥) (٦).

стр. 3159

﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾: هذا اعتراضٌ بين القَسَم والمقسَم عليه. والمعنى: القسمُ بمواقع النجوم قسمٌ عظيمُ القدرِ لو تعلمون. وهذا اعتراضٌ بين الصفة والموصوف في ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ (١): كثيرُ الخير عامُّ المنافع تُنال ببركته الدنيا والآخرة والرُّؤْيةُ والنعيمُ. وقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾: عند الله. وقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾: يُكرم حافظُه ويكرم قارئه. وقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾: يُكرمه المؤمنون والملائكة المقَّربون (٢). ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾: مصون محروس (٣).

стр. 3160

ابن عبّاس: "هو اللوح المحفوظ " (١). وقيل: "هو المصحف" (٢). ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾: لا يمس اللوحَ المحفوظَ إلاّ الملائكةُ. وقيل: لا يمس المصحفَ إلاّ المطهرون من الأحداث. واللفظ نفيٌ والمراد به نهيٌ. وقيل: لا يقرؤه إلاّ المطهرون من الجنابة (٣). وقيل: لا يمسّه إلاّ المطهرون: من الشرك. وقيل: معنى لا يمسّه: لا يطلبه إلاّ المؤمنون. وقيل: لا يمسُّ تأويلَه ولا يَفهم معانيه إلاّ المطهرون (٤). ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾: لا يفتريه ولا يتقوّلُه محمدٌ ﷺ . ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: يعني القرآن، وفيه ذكر حوادث الأمور. ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾: مُكذّبون. وقيل: كاذبون. وقيل: منافقون. وقيل: كافرون. وأدهن وداهن: أسرَّ خلافَ ما أظهر (٥). وقيل: تُلينون القولَ وتُساهلون، كالدهن. وقيل: مُعرِضون (٦).

стр. 3161

وقيل: ممالون ومعاونون (١). قيل: الإدِّهان ضدُّ الحزم. والمعنى: تتساهلون فيه وتستهينون (٢). ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾: الجمهور على أنَّ هذا ردٌّ على مَن يقول بالأنواء. والمعنى: تجعلون شُكْر رزقِكم تكذيَبكم، فحُذف المضاف (٣). وقيل: الرِّزق: الشُّكر. ذكره الزَّجَّاج (٤). وذهب بعضُهم إلى أن الرزقَ الحظّ (٥). والمعنى: تجعلون حظَّكم من الرِّزق التكذيبَ. عكرمة: " هو الاكتسابُ بالسِّحر " (٦). وقيل: هو: ما كانوا ينالونه من سفلتهم على تكذيبهم محمد ﷺ . حكاه الماوردي (٧). قال الشّعبي: " التكذيبُ على وجهين: تكذيبُ جَحْدٍ، وتكذيبُ تركِ الأمر " (٨). ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾: أي: الرُّوح (٩). ﴿الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾: ممر الطعام والشراب في الحلْق (١٠). ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)﴾: لا يمكنكم دفعُها.

стр. 3162

والجمهور على أن قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ خطابٌ لمن حضر الميّتَ تلك الساعة، أي: أنتم تنظرون إلى الميّت (١). وقيل: إلى سلطان الله وقدرته (٢). وقيل: وأنتم تنظرون أنْ يحلَّ بكم كما حلَّ به، وفي الخبر: ((لا يموتُ أحدٌ حتى يعلمَ أهو من أهل الجنَّة أم [من] (٣) أهل النَّار)) (٤). ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾: إلى ذلك الميّت. ﴿مِنْكُمْ﴾: يراه الله سبحانه من غير مسافة. وقيل: تدبيرنا ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾. وقيل: مَلَكُ الموت ورسلُنا ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ (٥). ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾: اللهَ وتدبيرَه، ومَلَكَ الموت ورسلَه. وقيل: معنى ﴿لَا تُبْصِرُونَ﴾: لا تعقلون ولا تعلمون. ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾: أي: هلاّ رددتم الأرواحَ والنفوس من حُلوقكم إلى أبدانكم إذا بلغت الحلقومَ إنْ كنتم صادقين أنَّكم غيرَ محاسبين مجزيين في القيامة. وقيل: إنْ كنتم غير مملوكين مقهورين مربوبين، فهلّا تمتنعون (٦) من الموت، فتردون (٧) الروحَ إلى النفس، فتبقون أحياءَ.

стр. 3163

الحسن: " معنى: ﴿مَدِينِينَ﴾: مبعوثين " (١). والتقدير: إنْ لم أكن (٢) قادراً على البعث لم أكن قادراً على النزع، فكما أن القبضَ إليَّ مع عجزكم، كذلك البعث إليَّ (٣). و ﴿لَوْلَا﴾: في الآيتين للتحضيض (٤) يستدعى فعلاً، وهو قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾، فاكتفى من ذكر الفعل على مرّة واحدة. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: شرطٌ دخل على شرطٍ، فيكون الثَّاني مقدَّماً في التقدير، أي: إن كنتم صادقين إن كنتم غير مملوكين مجزيّين فأرجعوا أرواحَكم إلى أبدانكم ممتنعين عن الموت (٥). والله أعلم. الزجاج: هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، [آل عمران: ١٦٨]، و: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾، [آل عمران: ١٥٦]، أي: لو كان الحياةُ والموتُ بأيديكم فادفعوا عن أنفسكم الموتَ " (٦). وزُيّف هذا القول؛ لأنَّ سورةَ الواقعة مكيّةٌ، وذلك القولُ كان من المنافقين بعدها بمدّةٍ. ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨)﴾: ختم السورةَ بذكر الفرق الثلاث (٧)، فقال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ المتوفَّى ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، أي: السَّابقين؛ لقوله أوَّلَ السورة: وَالسَّابِقُونَ ﴿السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾. وقيل: المقربون أهلُ جنَّة عدنٍ (٨). ﴿فَرَوْحٌ﴾: أي: فله ﴿رَوح وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾. الرَّوح: بالفتح الفَرَح، وبالضّم: الحياةُ الدائمةُ (٩). وقيل: الرَّوح: الهواء الذّي يُلِذّ النفسَ ويُزيل الهمَّ عنها (١٠). ﴿وَرَيْحَانٌ﴾: رزقٌ. وقيل: هو المشموم. وقيل: يَشمُّ عندَ الموت رَيحانةُ فيخرج بها روحُه. اللَّهم اجعلنا منهم. وقيل: ﴿رَيْحَانٌ﴾: رحمةٌ ومغفرةٌ ورزقٌ طيّبٌ هنيٌّ. الزّجاج: " الريحان ها هنا: التَّحية لأهل الجنَّة " (١١). وقيل (١٢): الرَّوحُ في القبر، والريحان في الجنَّة.

стр. 3164

وقيل: الرَّوح للقلب، والريحان للنفس، والجنَّة للبدن (١). ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾: " ابن عيسى: النعمةُ مضمونٌ بالشكر؛ لأنَّها فعلُ المنعَم من أنعم نعمةً، وليس كذلك النعيم؛ لأنَّه من نَعم نعيماً، كقولهم: انتفع انتفاعاً " (٢). والفاء في ﴿فَرَوْحٌ﴾: جواب ﴿أَمَّا﴾؛ لأنَّ معناه: مهما يكن من شيءٍ فله رَوح، و (أمَّا) لا يلي الفعل؛ لأنَّه ناب عن الفعل، وإنما يلي الأسماءَ والجملَ. وجواب الشرط محذوفٌ. وقيل: مقدّمٌ؛ لأنَّه لم يجزمْ. وقيل: الفاء تنوب عن الجوابين (٣). ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠)﴾: هم: أصحاب الميمنة. ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ أي: أنك ترى فيهم ما تحبُّ من السلامة. وقيل: سلامٌ عليك منهم؛ لأنَّهم معكَ في الجنَّة. واللام ناب عن (على). وقيل: هو صلواتُهم وتسليمُهم عليه في الدنيا. وقيل: فسلامٌ لك من العذاب، أي: أمانٌ لكَ أنْ لا يُعذَّبوا (٤). وقيل: تقديره: وأمَّا إنْ كان من أصحاب اليمين فمسلَّمٌ لك، ثمَّ استأنف، فقال: إنَّك أو أنت من أصحاب اليمين، فحذف إنك أو أنت. وقيل: هذا خطابٌ لكلّ مَن مات منهم، يقول لهم الملائكة يبشرونه عند قبض روحه: سلامٌ لك إنك من أصحاب اليمين.

стр. 3165

وقيل: يبشرونه في القبر. وقيل: عند الخروج من القبر (١). ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢)﴾: هم أصحاب المشأمة (٢). ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾: أي: فله رزق ممَّا أُعدّ له في النَّار. ﴿إِنَّ هَذَا﴾: الذي ذكرت لهؤلاء الفرق الثلاث. ﴿لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾: وقيل: كلّ ما ذكرن في هذه السورة فهو يقين حقّ اليقين، أي: الخبر الذي لا شكَّ فيه. وذهب بعضهم إلى أن هذا إضافةُ الشيءِ إلى نفسه. وامتنع عنه البصريُّون، وقالوا: التقدير حقَّ الأمرُ اليقينُ (٣). واليقين: علمٌ يحصلُ به ثَلَجُ الصدر، ويُسمى بَرْدَ اليقين. وقيل: هو علم يحصل بالدّليل. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾: اُذْكُره بأسمائه العلى وصفاته الحسنى. والله أعلم.

стр. 3166

سورة الحديد (١) تسع وعشرون آيةً (٢) (٣) مدنيةٌ، عند الأكثرين (٤). قال (٥): الكلبيّ: " مكية " (٦). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: بدأ سورةَ بني إسرائيل (٧) بلفظ المصدر، وبدأ سورةَ الحديد والحشر والصف بلفظ الماضي، والجمعة والتغابن بلفظ المستقبل، وسورة الأعلى بلفظ الأمر؛ استيعاباً لهذه الكلمة من جميع جهاتها، وهي أربع: المصدر، والماضي، والمستقبل، وأمر المخاطَب فحسب (٨). والتسبيح يأتي بمعنى الصلاة، والتنزيه، والتمجيد، والتبرئة (٩)، ورفع الصَّوت بالدُّعاء (١٠). فحمله ابن عبّاس: في الآية على الصلاة (١١)، فيكون ﴿مَا﴾ بمعنى ﴿مَن﴾.

стр. 3167

وكذلك إن (١) حُمل على رفع الصَّوت بالدُّعاء. وإنْ حملتَه على التنزيه والتمجيد، ففيه قولان: أحدهما: أن ذلك عامٌّ في جميع ما خلقه الله تعالى، يقوله قولاً إلا الكافر؛ لقوله (٢): ... ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ الآية، [الحج: ١٨]. والثَّاني: أن ذلك بالدلالة على التوحيد وحمل الغير على التسبيح، وذلك مطَّرد لا مُثنويةَ فيه. وقد سبق (٣). وجاء سبّحة، وسبّح اسمَه، وسبح باسمه، وسبح بحمده: فمعنى: (سبحه): نزهه ومجّده. ومعنى: (سبَّح لله)، و (سبّح الله)؛ لأجل استحقاقه التسبيحَ، أو صلى لله، كما فسّره ابن عبّاس ﵄، أو رفع صوتَه بالدعاء لله. ومعنى: (سبّح اسمَه): جعل صفتَه ذاتَ براءةٍ ممَّا لا يليق به. ومعنى: (سبّح باسمه): تلفّظ بما يدلُّ على براءته. ومعنى: (سبّح بحمده): سبّح اللهَ بأنْ حمده وأثنى عليه، وقال: الحمد لله. والله أعلم. وفي هذه السورة: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وكذلك آخر الحشر، وفي سائرها: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وهو القياس. ولكن في هذه السُّورة نَزّل المكانين منزلةَ مكانٍ واحدٍ. [وأما آخر الحشر فقد تقدّم ذكر ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤]، فنزلهما منزلةَ مكانٍ واحدٍ، وجعل الخلقَ فيهما خلقاً واحداً، موافقةً لما بعده؛ لأنَّ في هذه الآياتِ الخمسِ أربع

стр. 3168

مرَّات ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فلذلك نزّلهما منزلةَ خلقٍ واحدٍ (١)]، كأنه قال خالق الخلق وبارئهم. وليس كذلك سائر السُّور. والله أعلم (٢). ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: في أمره. ﴿الْحَكِيمُ (١)﴾: في قضائه. وقيل: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: في حجته وعذره إلى عباده. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: لا يملكهما غيره. وقيل: خزائنُ المطر والنبات وسائر الرزق. ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: أي: في الدُّنيا. وقيل: ﴿يُحْيِي﴾ في الآخرة، ﴿وَيُمِيتُ﴾ في الدنيا (٣). ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: من الإحياء والإماتة. ﴿قَدِيرٌ (٢)﴾: قادر بالكمال. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾: معنى ﴿الْأَوَّلُ﴾: عند الجمهور: أنَّه قبل كلّ شيء. ﴿وَالْآَخِرُ﴾: هو: الباقي على كلّ شيء (٤). وقيل: ﴿الْأَوَّلُ﴾: كان ولا شيء معه، و ﴿الْآَخَرُ﴾: يكون ولا شيء معه. وقال المحقّقون: لا يقال لله أوّلُ الأشياء ولا أوّلُ كلِّ شيءٍ؛ لأنها لا توافقه ولا هو مثلُها، و (أفعل) يضاف إلى ما هو منه (٥).

стр. 3169

و (أولُ) يأتي على ثلاثة أوجه: اسم منصرف، تقول: ما تركت له أوّلاً ولا آخرَ، أي: لا قديماً ولا حديثاً. ويأتي صفةً، ويلزمه: (مِن)، أو الألف واللام، أو الإضافة، كباب (أَفْعَل من)، وقد يحذف (مِن)، وهي مرادةٌ، كما يحذف من قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقوله: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، [الروم: ٢٧]. ويأتي ظرفاً، نحو: ما رأيته مذ عامِ أوّلَ. ويُبنى على الضمّ، كما يُبنى على الغايات. والذي جاء في حقّ الله هو الاسمُ لا الوصفُ. و ﴿الْأَوَّلُ﴾: اسمٌ لمفردٍ سابقٍ، ووزنه (أَفْعَلُ)، وفاءُ فعله وعينه واوان. وليس له في كلام العرب نظير، ولا يُعرف اشتقاقُه. وقول مَن قال: وزنه (فَوْعَلَ)، من آل يؤول، [أو (أَفْعَل) من آل] (١). مردودٌ عند النحاة (٢). ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾: قيل: للظاهر ثلاثة تأويلات: الغالب، من قوله سبحانه: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾، [الصف: ١٤]. والعالم، من قول الشاعر: ولقد ظهرتُ على أمورك بعدَ ما ... قد كان أمرُك عندنا مجهولاً (٣) والجلي الوجود، من ظهور الشيء جدّاً (٤). و ﴿الْبَاطِنُ﴾: قيل: هو العالم بما بَطَن.

стр. 3170

وقيل: ﴿الْبَاطِنُ﴾ عن إحساس خلقه (١). وقيل: معنى: ﴿الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾: أي: على أمره يكون، وبه تتم الأمور (٢). ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: من أمر الدنيا والآخرة والظاهر والباطن. ﴿عَلِيمٌ (٣)﴾. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ابن عبّاس ﵄: كلُّ يومٍ كألفِ سنةٍ مِمَّا تُعدون " (٣). الحسن: " ستّة أيّام من أيّام الدنيا، ولو أراد أنْ يجعلَها في طرفةِ عينٍ كان قادراً على ... ذلك " (٤). وقيل: إنما خلقها في ستّة أيام؛ ليُشاهد الملائكةُ حدوثَه شيئاً بعد شيءٍ. والمراد بـ ﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: مقدر ستة أيام. وقيل: كان خلقُه في أقلَّ من ذلك على الحدّ الذي هو مركَّب عليه مستحيلاً، لأنَّه يؤدي إلى الجمع بين أضداده (٥)، والله تعالى لا يوصَف بالقدرة على المستحيل (٦). ابن بحر: " جمع الله لنا في الأخبار عن مدّة خلق العالَم في ستة أيامٍ علمَ الحساب بتصيير الستةِ أصلاً له، إليها المرجعُ وعليها المدار " (٧). ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾: علمه محيطٌ بكم لا يخفى عليه شيءٌ. وقيل: قدرته معكم لا يُعجزه شيءٌ (٨). ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾: فيجازيكم على أعمالكم. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: كرّر؛ لأنَّ المرادَ بالأُولى حالةُ الدنيا، والمرادَ بالثانية الدَّارُ الآخرة، ولهذا ختم بقوله: وَإِلَى ﴿اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)﴾ (٩). ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾: سبق (١٠). ﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا﴾: في الزكاة والجهاد ووجوه البرّ (١١). ﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾: أي: جعلكم خلفاءَ في المال بالوراثة ممّن قبلَكم. وقيل: معناه جعلكم مملَّكين، وهو رزقه وعطيته. وقيل: استخلفكم بعد الذين كانوا قبلكم (١٢).

стр. 3171

وقيل: جَعَلَكُمْ ﴿مُسْتَخْلَفِينَ﴾ على القيام بأداء حقوقه. حكاه الماوردي (١). ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ﴾: أي: بالله ورسله. ﴿وَأَنْفَقُوا﴾: من ماله في الوجوه المندوب إليها. ﴿لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾: أيّ أيُّ عذرٍ لكم في حال ترككم الإيمان ودعاء الرسول إيَّاكم إلى الإيمان حاصلٌ موجودٌ. ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ قيل: هو من قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية، [الأعراف: ١٧٢] (٢). وقيل: هو ما نَصب من الأدلة، ووضع في الجِبِلّة من العقل، فنزّل ذلك منزلة العهد وأخذ الميثاق (٣). وقُرِئ: ﴿أُخِذَ﴾ بالضّم ﴿مِيْثَاقُكُم﴾: بالرَّفع، والمعنيان واحدٌ (٤). ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾: مقرّين بذلك. ﴿هُوَ الَّذِي﴾: أي: الله الذي ﴿يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ﴾: محمد ﷺ . ﴿آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: القرآن فيه نبأ الأوَّلين والآخرين.

стр. 3172

وقيل: ذات بيانٍ مستقلّةٍ بأنفسهما في الدلالة على ما جُعلت علامةً له ودلالةً عليه، بخلاف قول من قال: إنّ معنى القرآن لا يتبيّن من لفظه. ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾: أي: الله. وقيل: محمد ﷺ . وقيل: القرآن أيها المخاطبون ومن بلغه القرآن أو يبلغه. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: الكفر والضلال والباطل. وقيل: ظلمات الجهل. ﴿إِلَى النُّورِ﴾: نور الإيمان والهدى والحق. وقيل: نور العلم (١). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾: الرَّافة أشدّ الرحمة، ووزنه (يقظ)، ومَن أشبع فوزنه: صبور، شكور. ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا﴾: أيُّ شيءٍ لكم في ترك الإنفاق فِي ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقيل: أيُّ شيءٍ يمنعكم. فيكون ﴿لَا﴾ زيادة (٢). ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الواو للحال. والمعنى: تصير الأمور إلى الله بانقراض من في السماوات والأرض (٣). وقيل: مُلكُ السماوات والأرض (٤). ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾: أي: لا يستويان في الثواب والمنزلة، فإنَّ السَّابقينَ أعظمُ درجةً وأعلى رتبةً؛ لأنَّه على حسب الأحوال يتفاضل الأعمالُ. والفتح: فتح مكَّة (٥). وقيل: فتح الحديبية (٦). ﴿مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾: بعد الفتح. ﴿وَكُلًّا﴾: السَّابق واللاحق. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: الجنة. وقيل: قَبول الحسنات (٧). مَن نَصب ﴿كُلًّا﴾ جعله المفعولَ الأولَ لـ ﴿وَعَدَ﴾، و ﴿الْحُسْنَى﴾ المفعول الثاني. ومَن رفعه: فبالابتداء، وأضمر العائدَ، وهو المفعول، أي: كلٌّ وعده (٨). ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾: فيجازيكم بقدر أعمالكم. في سبب النزول: أن هذه الآيةَ نزلت في أبي بكر ﵁، وفي هذه الآية دليلٌ واضحٌ وبرهانٌ لائحٌ على فضل أبي بكر ﵁ وتقديمه؛ لأنَّه أوّل من أسلم (٩). وعن أمير المؤمنين علي ﵁ أنَّه قال: سبق رسول الله ﷺ وثنّى (١٠) أبو بكر وثلّث عمر ﵄، فلا أُوتى برجلٍ فضّلني على أبي بكرٍ وعمرَ إلاّ جلدته جلدَ المفتري، وطرح الشهادة " (١١). ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: استعار لفظ القرض التزاماً للجزاء. والقرض: هو الإنفاق في سبيل الله.

стр. 3173

وقيل: التطوع بالعبادات. وقيل: النّفقة على الأهل والأولاد. وقيل: جميع أعمال الخير. وقيل: هو قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر (١) (٢). ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾: يكتب بالواحد عشراً. وقيل: يضاعف ثوابَه أضعافاً مضاعفة. ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾: الجنَّة (٣). وقيل: يكرم على مَن ناله. وقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾ لأنه لم يُبتذَلْ في طلبه. وقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾ صاحبُه. وقيل: يخلفه الله في الدنيا (٤). قُرِئَ بالنصب والرَّفع (٥). وقد سبق (٦). ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ﴾: يمضي نورهم (٧). ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: وهو أعمالهم الصَّالحة. قتادة: "هو ضياء يكرَمون به في الآخرة يسعى بين أيديهم " (٨). ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: أي: النور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. عن ابن مسعود ﵁: " نورهم على قدر أعمالهم، يمرّون على الصراط، ومنهم مَن نُورِه مثلُ الجبل، ومنهم مَن نوره مثلُ النخلة، وأدناهم نوراً مَن نورُه في إبهامه يتّقدُ مرّةً ويطفأ أخرى " (٩). وقيل: يؤتَون كتبَهم بأيمانهم. وقيل: الباء بمعنى (في)، أي: في أيمانهم كتبُهم، ومنها نورهم. وقيل: الباء بمعنى (عن)، والتقدير: يسعى نورُهم بين أيديهم وعن إيمانهم. يريد: وعن (١٠) شمائلهم، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخَر. وقيل: بأيمانهم بسبب صدقاتهم التي أعطوها بأيمانهم؛ لأنَّ الغالبَ في إعطاء الصّداقات أنْ يكونَ بالأيمان. وقيل: يسعى ثوابُ أعمالهم (١١). ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾: يجوز أنْ يكونَ البشرى اسماً، أي: المبشَّرُ به جنّاتٌ. ويجوز أنْ يكونَ مصدراً، والتّقدير: بُشراكم اليومَ دخولُ جنّات، فحُذف المضاف (١٢). ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾. ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾: أي: يقولون لهم إذا رأوهم وهم في ضياء ونور والمنافقون خلفَهم في ظُلمةٍ لا يُبصرون مواقعَ أقدامهم. ﴿انْظُرُونَا﴾: انتظرونا. ومن قطع (١٣)، فمعناه أخِّرونا. وقيل: انتظرونا. ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾: نأخذ من نوركم قبساً: سراجاً أو شعلة. وقيل: معنى: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾: نمشي فيه معكم (١٤). ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾: أي: يقول لهم المؤمنون. وقيل: يقول لهم الملائكة: ارجعوا إلى الموضع الذي أَخذنا منه النورَ فاطلبوا منه النورَ (١٥). ابن بحرٍ: " هذا كما يقول للرجل إذا أراد منعه: وراءك أوسَعُ لك " (١٦). وقيل: هذا استهزاء بهم، جزاءً على استهزائهم في الدنيا. وقيل: ﴿وَرَاءَكُمْ﴾ ها هنا اسم من الأسماء التي سُمّيت الأفعالُ بها. والمعنى: ارجعوا، ارجعوا، وليس بظرفٍ؛ لأنَّ لفظ ﴿ارْجِعُوا﴾ يُنبئُ عن الوراء (١٧). وقيل: يُؤْيسهم (١٨) بذلك من وجود النور. ويحتمل: ارجعوا إلى الدنيا؛ فإن النورَ يُلتمَسُ هناك بالإيمان والإخلاص (١٩). ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾: وفي بعض التفاسير: فيرجعون إذا قيل لهم: ... ﴿ارْجِعُوا﴾، فيضرب بينهم بسور، والباء زيادة. وقيل: الضرب ها هنا ليس من ضَربتُ فلاناً، وإنما بمعنى: حِيل بينهم بسورٍ. ﴿لَهُ بَابٌ﴾: والسُّور هو الأَعراف، في قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾، [الأعراف: ٤٦]. وقيل: هو حائطٌ بين الجنة والنَّار سوى الأعراف (٢٠). وفي بعض التفاسير: " عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّه سورُ المسجدِ الشرقيّ " (٢١) يعني ببيت المقدس. ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾: وهو المسجد. ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾: يعني: وادي جهنم. غيره: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾: الجنَّة، وقيل: النور، ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾: يعني جهنّم، وقيل: الظلمة (٢٢).

стр. 3174

الكعبيّ: " هذا مَثَلٌ معروفٌ، يقول الرجل: بيني وبينكَ حجابٌ فما أسمعكَ ولا أراكَ، إذا أرادَ البراءةَ منه، قال: وقوله: لَهُ ﴿بَابٌ﴾: مثل قولك: بابٌ من العلم، وبابُ هذا الأمر كذا " (١). ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾: أي: في حكم الإسلام (٢). ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: بإبطانكم النفاق (٣). وقيل: رجعتم عمّا أعطيتم بألسنتكم. وقيل: استعملتموها في الفتنة. وقيل: بالمعاصي وبالشهوات (٤). ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾: بمحمد ﷺ والمؤمنين الهلاكَ. وقيل: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالتوبة. ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾: شككتم في التوحيد (٥). ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾: خدعتكم الدنيا. وقيل: اليوم وغداً. وقيل: الطمعُ فيما لا مَطمعَ فيه. وقيل: هو قولهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، [الأعراف: ١٦٩] (٦). ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: ظهور الإسلام.

стр. 3175

وقيل: الموت. وقيل: البعث والنشور (١). ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾: غرّكم الشيطان إذا طمعكم في بطلان الإسلام وأنْ لا بعثَ ولا حسابَ (٢). وقيل: ﴿الْغَرُورُ﴾ الدنيا (٣). وقيل: الباء في ﴿بِاللَّهِ﴾ للقَسَم تأكيداً للكلام. ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ﴾: أيها المنافقون. ﴿فِدْيَةٌ﴾: فداءٌ وعِوَضٌ ﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: من المشركين. ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾: مرجعُكم ومصيرُكم. ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾: جلُّ المفسرين: على أن المعنى: هي أولى بكم، وهذا تأويله من حيث المعنى. وأمَّا اللفظ فلا ينبئ عن التفصيل؛ لأنَّه (مفعل)، فيحتمل أن التقديرَ: المتضمّن لجزائكم والقائم بأمركم النَّار، ومنه المولى لابن العمّ. ويجوز أيضاً: أنْ يكونَ مصدراً مضافاً إلى المفعول، أي: النَّار تمسكم وتليكم (٤). ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾: النَّار. ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾: الكلبي ومقاتل: " نزلت في المنافقين " (٥).

стр. 3176

والمعنى: أما حان وقتُ الإخلاص، وقد ظهرت المعجزة والآيات. الزجاج: " نزلت في فريق من المؤمنين اُسْتُعْتِبوا التقصيرَ كان منهم " (١). وذهب بعضهم إلى أن المؤمنين قالوا: يا رسول الله لو قصصتَ علينا، فأنزل الله تعالى: ... ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، [يوسف: ٣]، وقالوا: لو حدّثتنا، فأنزل الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾، [الزمر: ٢٣]، وقالوا: لو ذكرتنا فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢). وقيل: " كثُر في أصحاب رسول الله ﷺ المزاحُ والضحكُ فأنزل الله هذه الآية " (٣). مقاتل بن حيّان: " نزلت في اليهود " (٤). الحسن: " نزلت في المؤمنين استبطأهم الله وهم أحبُّ الخلق إليه " (٥). ابن مسعود ﵁: " ما كان بين أنْ أسلمنا وبين أنْ عُوتبنا بهذه الآية إلاّ أربعُ سنين، فجعل بعضُنا ينظرُ إلى بعضٍ، ويقول: ما أحدثنا؟! " (٦). ابن عبّاس ﵄: " استبطأ قلوبَ المهاجرين على رأس ثلاثَ عشرةَ سنةً لنزول القرآن" (٧). قوله: ﴿يَأْنِ﴾: من أنيَ يأني أنياً وإناً، وآن يئين بمعناه (٨)، وقُرِئَ به في الشَّواذ (٩). ﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾: تخضعَ وتلينَ. ﴿لِذِكْرِي اللَّهِ﴾: القرآن. وقيل: خوف الله. ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾: القرآن. وقيل (١٠): الهدى والحلال والحرام. قُرِئَ بالتشديد، أي: نزّله الله، ﴿ومَا﴾: بمعنى الذي، ويجوز أنْ يكونَ للمصدر. وقُرِئَ بالتخفيف (١١)، ﴿ومَا﴾: بمعنى الذي، وفي ﴿نَزَلَ﴾ ضمير يعود إليه. ولا يجوز أنْ يكونَ للمصدر. ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾: يعني اليهود والنّصارى (١٢). يجوز أنْ يكونَ عطفاً على ﴿أَنْ﴾، فيكون نصباً. ويجوز أنْ يكونَ جزماً على النهي (١٣)، كقراءة يعقوب بالتاء (١٤). ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾: الوقت الممتدّ. وقيل: الدهر (١٥). وقيل: أمد الجزاء. وقيل: ما بينهم وبين نيّتهم (١٦). وقيل: طال عليهم إنجازُ ما وُعدوا وأُوعدوا فارتابوا (١٧). ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: شكّوا وركبوا المعاصي، وزال عنهم الخشوعُ واللينُ. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾: خارجون عن الإيمان وعن الطاعة، وهم الّّذين بقَوا على قساوة قلوبهم ولم يؤمنوا بمحمدٍ ﷺ ، أي: وقليلٌ منهم مؤمنون. ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾: أي: كما أحيا الأرضَ بعدَ موتها كذلك يحيي الموتى. وقيل: كما أحيا الأرضَ يُحيي الكافرَ بالإيمان. وقيل: كما أحيا الأرضَ يُليّن القلوبَ القاسيةَ لتتفكّروا في الآيات (١٨). ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾: قُرِئَ بتشديد الصاد والدال، فهو اسمُ الفاعل، من (تصدّق)، أدغمت التاء في الصاد. وقُرِئَ بتشديد الدَّال وحده، فهو اسم الفاعل من صدّق تصديقاً (١٩). والمعنى على الوجه الأول: إن الذين تصدّقوا وأقرضوا. وعلى الوجه الثاني: إن الذين صدّقوا اللهَ ورسولَه (٢٠). ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: أنفقوا في وجوه الخير قرضاً وتطوّعاً، وجاز عطفُ الفعل على الاسم؛ لأنَّ الأوّلَ فيه معنى الفعل. ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾: خبرُ ﴿إِنَّ﴾، ويجوز أنْ يكونَ ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اعتراضاً بين اسم ﴿إِنَّ﴾ وخبره.

стр. 3177

وزيّف العطفَ بعضُ النحاة، وقال: كيف يُعطَف على الصّلة، وقد حِيلَ بينهما ... ﴿الْمُصَّدِّقَاتِ﴾ وحمل على أن ﴿وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾: بمعنى مع المصدّقات (١)، وناب عن خبر ﴿إِنَّ﴾. ويحتمل أنْ يُقال: ﴿وَأَقْرَضُوا﴾ عائدٌ إلى المصدّقين والمصدّقات، فغُلِّب التذكيرُ، ولهذا قال عُقَيْبَه لهم: ﴿وَلَهُمْ﴾: بلفظ التذكير (٢). ﴿أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾: الجنَّة. ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾: المبالغون في الصدق. ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي: هم عدولُ الآخرة، كقوله: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، [الحج: ٧٨]. وذهب ابن عبّاس ﵄ في جماعة: إلى أن الكلام تمَّ على قوله: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾. رفع بالابتداء وهم الذين قتلوا في سبيل الله؛ لأن الشهيدَ إذا أُطلقَ تناول المقتولَ في سبيل الله (٣). وقيل: الشّهداء هم الأنبياء (٤). ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾: جزاءُ أعمالهم (٥). ﴿وَنُورُهُمْ﴾: الذي يسعى بين أيديهم يومَ القيامة (٦). ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾. ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: الأقربُ إلى الحيّ. ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: في الآية إضمارٌ، تقديره: متاعُ الحياة الدنيا وهذه الأشياء. وقيل: لذّةُ الحياة الدنيا ونعيمُها منقسمةٌ إلى هذه الأشياء. الحسن: "أهلُ الحياة الدنيا أهلُ لعب ولهو " (٧). وقيل: أكثر أهل الحياة الدنيا. فأخرجه مخرجَ الأعمّ. ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: أي: يزول سريعاً ويفنى. وقيل: يحبُّونها كما يُحَبّ اللعبُ واللَّهو (٨). ﴿وَزِينَةٌ﴾: هي ما يكون في الملابس والمراكب (٩) والمنازل. ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾: يفخر البعضُ على البعض. والتفاخرُ: ادِّعاءُ ما يُوجب الرئاسةَ (١٠). ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾: أي: مباهاةٌ بهما. والتكاثرُ: ادِّعاءُ الاستكثار من المنافع (١١). وقيل: اللعب ما رَغّب في الدنيا، واللَّهو ما ألهى عن الآخرة. وقيل: اللعبُ الاقتناء (١٢)، واللَّهو النساء (١٣).

стр. 3178

وقيل: " ﴿لَعِبٌ﴾: كلعب الصبيان، ﴿وَلَهْوٌ﴾: كلهو الشبَّان، ﴿وَزِينَةٌ﴾: كزينة النِّسوان، ﴿وَتَفَاخُرٌ﴾: كتفاخر الأقران، ﴿وَتَكَاثُرٌ﴾: كتكاثر السلطان "، حكاه الثَّعلبيّ (١). ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾: مطر. ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾: أي: الحرَّاث، ﴿نَبَاتُهُ﴾: ما ينبت بذلك الغيث، وهو قول الجمهور (٢). وقيل: هم الكفار المشركون؛ لأنَّهم أكثرُ إعجاباً بالدنيا وأشدُّ حرصاً عليها. وقيل: لأنَّ المؤمنَ يعرفُ موجبَه فلا يعجبه، والكافرُ لا يعرف الموجِبَ فيعجبه (٣). ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾: ييبس ذلك النباتُ. ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾: بعد خُضرته. وقيل: تهيج ريحٌ باردةٌ، أي: تهبُّ فتجعلُ الزرعَ مُصْفَرَّاً فتراه كذلك. وقيل: يسمع له بدخول الريح فيه صوت. ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾: متفتّتاً أي: فلا ينبغي للعاقل أنْ يتغيرَ بما هذا سبيلُه. والجمهور على أنّ الكلامَ تمَّ، ثمَّ استأنفَ فقال: ﴿وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: لِلْكُفَّار. ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾: أي: للمؤمنين، أي: إمّا هذا وإمّا ذاك.

стр. 3179

وقيل: وفي الآخرة عذاب شديد متّصلٌ بالأول، ومغفرة من الله مبتدأ ورضوان عطف عليه، والخبر محذوف، أي: خير من ذلك (١). ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: أي: ملاذُّها. ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾: سريعُ الفناء، سريعُ الانقضاء. ابن بحر: " ﴿الْغُرُورِ﴾ جمع غرّ الثوب، وهو طيُّه، أي: متاعٌ ينطوي وينقضي سريعاً " (٢). ﴿سَابِقُوا﴾: بادروا في السبْق واجتهدوا كلَّ الجهد. وسابق: طلب ذلك مع طلب غيره له (٣). ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: يعني إلى محمد ﷺ . وقيل: إلى التوبة. وقيل: إلى التكبيرة الأولى مع الإمام. وقيل: إلى الصَّف الأوَّل (٤). ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: عرضها كجميع السَّماوات والأرض مبسوطاتٍ، كلّ واحدةٍ إلى صاحبتها. وخصّ العرضَ بالذكر دونَ الطول؛ لأنَّ العادةَ جرت بأن العرضَ أقلُّ من الطولِ، فإذا كان العرضُ على هذا فما ظنك بالطول (٥). وقيل: العَرض ثمنُها وما يقابلها. وقد سبق في آل عمران (٦). ﴿أُعِدَّتْ﴾: الإعداد: وضعُ الشيء للحاجة إليه في المستأنف (٧). وهذا دليلٌ على أنَّها مخلوقةٌ، وهو المذهب. وذهب بعضُهم إلى أنَّها لم تخلقْ بعدُ. وذهب بعضُهم إلى أن الجنَّةَ في السماء الرَّابعة، والتي في إحدى السماوات لا يكون في عرض السماوات والأرض، قالوا: فالله يُفنيها ثمَّ يُعيدها في الآخرة، ويزيد في طولها وعرضها. وذهب بعضُهم إلى أن الجنَّةَ والنَّارَ خَلْقين مفرَدين من السَّماء والأرض (٨). ﴿لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾: أي: ذلك الجزاءُ تفضُّلٌ منه (٩). وقيل: التوفيقُ لذلك فضلُ الله. ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: من (١٠) المؤمنين. ابن عبّاس ﵄: " ﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى الدِّين يؤتيه من يشاء من عباده " (١١). ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾. ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾: أي: لم يُصيبْ ولا تُصيبُ مصيبةٌ. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: من الغلاء والقحط والجوائح. ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ ابن عبّاس ﵄: " في الدنيا والدين" (١٢). وقيل: الأمراض، والأوصاب (١٣) (١٤)، وضيق المعاش، وموت الأولاد. وقيل: إقامة الحدود (١٥). وقيل: في الأرض ظرفٌ لـ ﴿أَصَابَ﴾، وقيل: ظرف لـ ﴿مُصِيبَةٍ﴾. وقيل: صفة لـ ﴿مُصِيبَةٍ﴾، وهذا ضعيف؛ لمكان ﴿لَا﴾، أو يُقال: ﴿لَا﴾ زيادة (١٦). ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾: يعني: اللوح المحفوظ (١٧). ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾: نخلق المصيبة، وقيل: نخلق الأرض، وقيل: النَّفس (١٨). ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: أي: علم ما سيكون. وقيل: كتب ذلك في اللوح. ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾: سهلٌ هينٌ. ﴿لِكَيلَا تَأْسَوْا﴾: أي: كتب ﴿لِكَيلَا﴾ (١٩). وقيل: عرّفكم ذلك ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾: تحزنوا حزناً يؤدّي إلى ترك الشكر. ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾: من الدنيا وخصبها أو من العافية وصحَّتها. ﴿وَلَا تَفْرَحُوا﴾: فرحَ الخيلاء، أي: لا تأشَروا. ﴿بِمَا آَتَاكُمْ﴾: أعطاكم الله من الدنيا. وقُرِئَ: ﴿أَتَاكُمْ﴾:، أي: جاءكم من الله (٢٠). ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾: يستطيل (٢١) لنعمه. ﴿فَخُورٍ (٢٣)﴾: يعد ذلك احتقاراً للغير. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾: أي: يبخلون بالإنفاق المأمور في السورة، ويحضّون غيرَهم على البخل. وقيل: هم: اليهود بخلوا بتعريف النَّاس ما كان في التوراة من صفته ﷺ ويحثّون النَّاسَ على كتمانه. وقيل: الذين يبخلون بالعلم ويأمرون النَّاسَ أنْ لا يُعلِّموا أحداً شيئاً (٢٢). ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: يعرض عن الإنفاق. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾: أي: ﴿الْغَنِيُّ﴾ عن إنفاقهم، ﴿الْحَمِيدُ﴾: على أفعاله. وقُرِئ بغير ﴿هُوَ﴾ (٢٣)؛ لأنَّه كان فصلاً وعِماداً، فجاز حذفُه.

стр. 3180

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: أرسلنا الأنبياءَ بالمعجزات الدالّة على صدقهم. ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾: أي: مع الأنبياء الكتبَ التي تتضمّن مصالحَ دينهم ودنياهم. وقيل: الرسل ها هنا الملائكة؛ لقوله: ﴿عَنْهُمْ﴾؛ لأنَّ الأنبياءَ ينزل عليهم وإليهم. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنزل عينَ الميزان زمنَ نوح ﵇. وقيل: على آدم ﵇. والثَّاني: أنزل عليهم وضعه وعرَّفهم كيف يتّخذونه. والثالث: الميزان هو العدل، بدليل قوله: ﴿عَنْهُمْ﴾ بلفظ الجمع (١)، فإن الميزانَ الذي يتعامل عليه إنَّما أُنزل على واحدٍ منهم والأمر بالعدل مع جميع الأنبياء (٢). ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾: أي: بالعدل في معاملاتهم، إيفاءً واستيفاءً ولا يَظلم أحدٌ أحداً في ذلك (٣). ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾: جمهور المفسرين على أن آدمَ ﵇ هبط بالعَلاة (٤) والمطرقة والكلبتين (٥) (٦).

стр. 3181

وعن ابن عبّاس ﵄: " نزلت مع آدم ثلاثةُ أشياء: الحجر الأسود، وكان أشدُّ بياضاً من الثّلج، وعصا موسى، وكانت من آس الجنَّة (١) طولها عشرة أذرع، والحديد" (٢). وروي عن ابن عمر ﵄ النّبي ﷺ (٣) أنَّه قال: ((أنزل الله - تعالى - أربع (٤) بركاتٍ من السماء: الحديد، والنَّار والماء (٥) والملح)) (٦). وقيل: معنى أنزل خلق وأظهر كقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦]. وقيل: ﴿وَأَنْزَلَ﴾: هيأ، من النُّزل، تقول: أنزل الأمير لفلان نُزُلاً حسناً. وقيل: أنزل الماءَ فانعقد به جوهرُ الحديد، فأصله من الماء، وهو منزَلٌ (٧). والقول هو الأول؛ لأنَّه (٨) لولا ذلك لمّا تهيّأ استخراجُ شيءٍ من المعادن واتخاذ شيء من الآلات؛ لأنه لا يستغني في شيء من ذلك عن الحديد، والحديدُ لا يعمل إلاّ بالحديد (٩). ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي: يُتحصَّن به عن العدوّ باتّخاذ الدِّرع والمِغفَر، وغير ذلك منه. ويُقتل به العدوُّ باتّخاذ السيف والسِّنان والزُّجّ (١٠)، وغير ذلك منه. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: في الحرث والحصد وسائر الصناعات (١١). ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾: قيل: أنزل الحديدَ لينصرَ عبادُه ربَّهم ورسلَه وأولياءَه بهذا الحديد (١٢). الزَّجاج: ليعلمَ من يقاتلُ في سبيله (١٣). وقيل: أنزلَ الكُتبَ والميزانَ وأرسل الرسلَ ليختبرَ النَّاسَ بذلك فيعلمَ وقوعَ الفعلِ في نصرتهم. ويحتمل: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾: فعل ما فعل. ومعنى "يعلم الله " قد سبق (١٤). قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾: متعلّق بقوله: ﴿يَنْصُرُهُ﴾. قوله: ﴿وَرُسُلَهُ﴾ عطف على الهاء، ولا يجوز في العربية أنْ يكونَ عطفاً على ... ﴿مَنْ﴾ (١٥). ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾: أي: ﴿قَوِيٌّ﴾ على الامتناع، ﴿عَزِيزٌ﴾ عن الاعتراض عليه. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾: خُصّا بالذكر؛ لأنهما أبوان للأنبياء ... ﵈ (١٦) (١٧). ﴿وَجَعَلْنَاهُ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا﴾: أولادهما. ﴿النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾: أي: الكتب. فهو للجنس. ابن عبّاس ﵄: " الخطّ بالقلم " (١٨). ﴿فَمِنْهُمْ﴾: من الذريّة ﴿مُهْتَدٍ﴾: مَن اهتدى باتّباع الرسل. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾: خارجون عن الإيمان والطاعة. ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا﴾: أي: أرسلنا رسولاً بعدَ رسولٍ على إثر نوحٍ وإبراهيمَ ﵉ ومَن مضى من الأنبياء. ولا يعود الضميرُ إلى الذريّة؛ لأنَّ الذريّةَ باقيةٌ بعدُ (١٩). ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾: أتبعناهم جميعاً عيسى. ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾: قيل: جاءه دفعةً واحدةً (٢٠). ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾: ساروا سيرته (٢١) واتّبعوا منهاجَه. ﴿رَأْفَةً﴾: مودّةً ﴿وَرَحْمَةً﴾: شفقةً وعطفاً، أي: أمرناهم بالرَّحمة فيما بينهم (٢٢). وقيل: أُمروا بالصَّفح عن أذى النَّاس، وقيل لهم: مَن لطم خدكَ الأيمنَ فولّه خدكَ الأيسرَ، ومَن سلب رداءَك فأعطه قميصَك (٢٣).

стр. 3182

وصفوا بالرَّحمة خلافَ اليهود الذين وُصفوا بالقسوة. ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾: أي: ابتدعوا رهبانيّةً ابتدعوها، فهي منصوبةٌ بفعلٍ دلَّ عليه ما بعده (١). والرهبانيَّة: من الرَّهبة، ومعناها: البلوع في النُسك أعلى المبالغ مع الانقطاع عن النَّاس وملاذّ الدنيا. وقيل: هي التبتّل والخَلوة بالعبادة، ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، لم يؤمَروا بها (٢). الابتداعُ: أحداثُ شيءٍ على غيرِ مثالٍ سابقٍ (٣). ابن عبّاس- ﵄: "هم قومٌ رأوا المنكرَ فلم يقدروا على تغييره فساحوا (٤) في الأرض ولزموا البراري " (٥). قتادة: "رفضوا النساء واتّخذوا الصوامع " (٦). ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾: لم نأمرْهم بها ولم نوجبْها عليهم. ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾: أي: ما كتبناها عليهم ولم يفعلوها إلاّ ابتغاءَ مرضاة الله، فهو نصبٌ على أنها مفعولٌ له (٧). الزّجاج هو: "بدل من الهاء في قوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ " (٨)، فيكون مفعولاً به.

стр. 3183

الحسن: "تطوّعوا بابتداعها، ثمَّ كُتبت بعد ذلك عليهم " (١). وقيل: ذلك كالتطوع مَن التزمه لزمه، ولهذا ذمهم الله، فقال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾: أي: ما قاموا بها حقَّ القيام بها، بل قصّروا فيها (٢). وقيل: ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾: إذ بدّلوا دينهم. وقيل: إذ لم يؤمنوا بمحمد ﷺ ، فيكون المراد بهم مَن كان منهم في زمن النّبي ﷺ (٣). ﴿فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ﴾: ولم يبدّلوا دينهم. وقيل: آمنوا بمحمد ﷺ (٤). ﴿أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾: كافرون. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: الخطاب لأهل الكتاب. اتَّقُوا ﴿اللَّهَ﴾: ولا تشركوا به وَآَمِنُوا ﴿بِرَسُولِهِ﴾: محمد ﷺ (٥). يُؤْتِكُمْ ﴿كِفْلَيْنِ﴾: نصيبين مِنْ ﴿رَحْمَتِهِ﴾: كِفلاً بإيمانكم بنبيكم الأوَّل، وكفلاً بإيمانكم بمحمد ﷺ حين بُعث (٦). وقيل: الكِفلُ: الضعفُ. وقيل: الكفلُ: الأجرُ (٧).

стр. 3184

الزّجاج وغيره: " الكِفلُ في الأصل: الكساءُ الذي يجعله الرَّاكبُ حولَه إذا ارتدف ليحفظه عن السقوط " (١). الفراء: " يحصّنكم هذا الفعلُ من عذاب الله، كما يحصّن الكِفل مَن يتكفّل به من ... السقوط " (٢). ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: من قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد: (١٢)]. وقيل: ضياءً يومَ القيامة. ابن عبّاس ﵄: " النور القرآن " (٣). وقيل: النورُ: الهدى. وقيل: نوراً يمشون به في النَّاس يدعونهم به إلى الله. وقيل: تمشون به إلى الجنَّة (٤). ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾. ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾: أي: جعلنا لمؤمني أهل الكتاب كِفلين من الأجر ليعلم أهل الكتاب، وهم الذين لم يؤمنوا وحسدوا مَن آمن منهم ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: أي: لا ينالون رحمةً ولا جنَّةً (٥). ﴿ولَا﴾ صلةٌ عند الجمهور (٦)، وقرأ ابن مسعود ﵁: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ (٧). الفراء: " العربُ تزيد (لا) في كلّ كلامٍ دخل في آخره أو أوّله (٨) جحدٌ " (٩).

стр. 3185

وقيل: ﴿لَا﴾ الأخيرة زيادة، والتقدير: لئلاّ يعلم أهلُ الكتاب أنهم يقدرون على شيءٍ من فضل الله بغير إيمان محمد ﷺ ، فلمّا خفّف (أن) زيد ﴿لَا﴾؛ ليصير حائلاً بينه وبين الفعل. وقيل: كلاهما واقعان موقعهما، ولكن الضميرَ في ﴿يَقْدِرُونَ﴾ يعود على من آمن منهم (١). الزّجاج: " الآية خطابٌ لأصحاب النبيّ ﷺ ، أمرهم بالثبات على الإيمان" (٢). وقيل: يا أيها الذين آمَنوا بعيسى آمِنوا بمحمدٍ ﷺ ليعلم أهلُ التوراة (٣). قوله: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: عطف على اللام، أي: لئلاّ يعلم؛ ولأنَّ الفضل. وقيل: عطف على أنَّهم لا يقدرون. والمعنى: وأنَّ القرآنَ والأجرَ والنبوّةَ والرزقَ. (٤) ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾: يملكه (٥) دونهم ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: يعطيه من هو أهلٌ لذلك (٦). ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾: ذو الأفضال على مَن يشاء من عباده المؤمنين. والله أعلم.

стр. 3186

سورة المجادَلة (١) اثنتان وعشرون آية (٢) (٣) مدنيةٌ (٤). الكلبيُّ: " مدنيةٌ، إلاّ قولَه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾، فإنها نزلت بمكةَ " (٥). عطاء: " العشرُ الأُولُ منها مدنيٌّ، والباقي مكيٌّ " (٦). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾: المفسرون على أن هذه الآيةَ نزلت في خَولةَ، وقيل: خُويلةَ - بالتصغير -، وقيل: اسمُها جميلةُ بنتُ ثعلبةَ، وقيل: بنتُ خويلد، وقيل: ثعلبةُ وخُويلدُ: أحدُهما أبوها، والآخَرُ جدُّها (٧). وزوجُها أوسُ (٨) بنُ الصامت (٩)، أخو عبادةَ بنِ الصامت (١٠) (١١).

стр. 3187

وقيل: نزلت في سلمةَ بنِ صخرٍ (١) وامرأةٍ له (٢). والصَّحيح الأول. وكان أوسُ بنُ الصامت رجلاً فيه سُرعةٌ ولَمَمٌ، فغضب ذاتَ يومٍ عليها، وقال لها: "أنتِ عليَّ كظهر أُمي ". وكان ذلك أولَ ظهارٍ في الإسلام. وكان طلاقُ الجاهلية الظهارَ والإيلاءَ، ثم ندِمَ على ما قال، فقال لها: ما أظنكِ إلاّ حَرُمتِ عليَّ، قالت (٣): لا تقلْ ذلك وأتِ رسولَ الله ﷺ فسلْه، فقال: إني أجدني أستحيي منه أنْ أسأَلَه عن هذا، قالت: فدعْني أسأله، قال: سليه، فأتتِ النبيَّ ﷺ وعائشةُ ﵂ تغسِلُ رأسَه، فقالت: يا رسولَ الله، إن زوجي أوسَ بنَ الصامت تزوّجني وأنا شابَّةٌ (٤) غنيةٌ ذات مالٍ وأهلٍ، حتّى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، ونفضتُ (٥) له بطني، وتفرّق أهلي، وكبِرت سنّي، ظاهر مني، فقال النبيُّ ﷺ : ((حَرُمْتٍ عليه))، فقالت: أشكو إلى الله فقري وفاقتي، وضعفي ووَحْدتي، وصِبيةً صِغاراً، إنْ ضممتَّهم إليه ضاعوا، وإنْ ضمتُهم إليَّ جاعوا، فقال رسولُ الله: ((ما أراكِ إلاّ حَرُمتِ عليه))، فجعلت ترفعُ صوتَها وتقول: اللهم إني أشكو إليك، فأنزل الله - تعالى -: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ. .﴾، الآيات، فدعا أوسَ بنَ الصامت، فتلا عليه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ. .﴾، وحكمَ الظهار، وبيانَ الكفارة)) (٦). قالت عائشة ﵂: " تبارك الله وَسِعَ سمعُه كلَّ شيء، إني لأسمع كلامَ خولةَ ويخفى عليَّ بعضُه، وهي تحاور رسولَ الله ﷺ ، فما برحتْ حتى جاء جبريلُ بهذه الآيات " (٧)، فقال له (٨) رسولُ الله ﷺ : ((اعتق رقبة))، قال: مالي بذاك يدان، قال: ((فصم شهرين متتابعين))، قال: إمَّا أني إذا أخطأ أنْ آكل في اليوم مرتين كلّ بصري، قال: ((فأطعم ستّين مسكيناً))، قال: لا أجد إلاّ أنْ تُعينني منكَ بعونٍ وصلةٍ، فأعانه رسولُ الله ﷺ بخمسةَ عشرَ صاعاً حتى جمع الله له (٩)، وكانوا يرون أنَّ عنده مثلَها، وذلك لستين مسكيناً " (١٠). قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾: وفي بعض المصاحف: ﴿قد يسمع الله قول التي﴾ (١١) أي: المرأة التي (١٢).

стр. 3188

﴿تُجَادِلُكَ﴾: تخاصمُك ﴿فِي زَوْجِهَا﴾: في أمر زوجها، فحُذف المضافُ. ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾: تُظهر ما بها من المكروه. والاشتكاء: إظهارُ ما بالإنسان من المكروه (١). والشَّكوى: إظهارُ ما يصنعه غيره به (٢) (٣). ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾: مراجعتَكما (٤) الكلامَ، من حَارَ: إذا رجع (٥). وليس هذا [تكراراً (٦)]؛ لأنَّ الأوَّلَ لما حكته عن زوجها، والثاني لما كان يجري بينها (٧) وبين رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ الأولَ ماضٍ والثاني مستقبلٌ. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾: لكلامها ﴿بَصِيرٌ (١)﴾: بحالها. ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾: هذا فعلٌ مشتقٌّ من اسم نحو ما تقول: رأستُه، وبطنته، ورجلته، وكذلك (ظَاهَرَ)، أي: قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي (٨). وقيل: هو من الظَّهر الذي يذكر، والمراد به المركوبُ، أي: حرُمَ عليَّ ركوبك، كما حرُم عليَّ ركوبُ أمي (٩). وقيل: هو من الظَّهَرِ، الذي هو العلوّ والغلَبة، من قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ ... [الصف: ١٤]، أي: عُلُوِّي عليكِ حرامٌ، كعُلُوِّي على أمي (١٠).

стр. 3189

وهذان الوجهان أولى من الأول؛ ليدخلَ فيه البطنُ، والفخِذُ، والفرجُ، وغيرُها (١). وفيه لغاتٌ: ﴿ظَاهَرَ﴾، و ﴿تَظَاهَرَ﴾، و ﴿تَظَهَّرَ﴾، و ﴿اظَّاهَرَ﴾، و ﴿اظَّهَرَ﴾، وبكلٍّ ... قُرئ (٢). قوله (٣): ﴿مِنْكُمْ﴾: أي: حكمُ الظهار بين المسلمين دون غيرهم (٤). ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: زوجاتهم ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾: أي: لم يجعل الأزواجَ كالأمهات في شيءٍ من الأحكام (٥). ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: ما أُمهاتُهم ﴿إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾: خرجوا من بطونهن. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ﴾: بالظِّهار. ﴿مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ﴾: لا يُعرفُ ﴿وَزُورًا﴾: كذباً (٦). ﴿وَإِلَى اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾: لما مضى ﴿غَفُورٌ (٢)﴾: لمن تاب (٧). ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: بيّن في الآية الأولى ما أن ذلك من قائليه منكرٌ وزورٌ، وبيّن في الثانية حكمَ مَن قال ذلك، ولم يقل منكم في هذه الآية؛ لأنه بيانٌ للأول (٨) (٩). ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾: حمله بعضُهم على معنى القول (١٠)، وبعضُهم على عين القول (١١) (١٢). فمَن حمله على معنى القول، قالوا: تقديره: يعودون لنقض ما قالوا وإفساده. وقيل: يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالوا من التحريم. وقيل: يرجعون عمّا قالوا. ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن العَوْدَ إنما يكونُ بالعزم على الوطء، فيلزمه الكفارةُ بالعزم. والثاني: أن العَوْدَ يكونُ بالإمساك، فيلزمُه الكفارةُ بالإمساك. والثالث: أن العَوْدَ يكونُ بالوطء، فيلزمُه الكفارةُ بالوطء (١٣).

стр. 3190

ومَن حمله على ظاهر القول وعينه اختلفوا على قولين: أحدهما: أن العودَ إنما يكونُ بتكرار اللّفظ، وهو أنْ يقولَ: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي. فإذا قالها مرتين صار مُظاهراً، ولزمته الكفارةُ لتكراره اللّفظَ. والثاني: أنهم كانوا في الجاهلية يقولون للنساء (١) إذا أرادوا الطلاقَ: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فإذا عاد في الإسلام إلى مثل ذلك القول لزمه الكفارةُ، فعلى هذا يلزمه الكفارةُ بمجرَّد الظهار (٢). الأخفش: " تقدير الآية: الذين يُظاهرون من نسائهم فتحريرُ رقبةٍ لما قالوا ثم يعودون " (٣). أبو علي: " ﴿لِمَا قَالُوا﴾: في تقدير مصدرٍ وقع موقعَ المفعول، أي: يعودون في القول فيه " (٤) (٥). ابنُ بحرٍ: "الظهار يمينٌ، يلزمه الكفارةُ بالحنث " (٦). والله أعلم (٧).
следующие страницы →