← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

سورة المجادَلة (١) اثنتان وعشرون آية (٢) (٣) مدنيةٌ (٤). الكلبيُّ: " مدنيةٌ، إلاّ قولَه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾، فإنها نزلت بمكةَ " (٥). عطاء: " العشرُ الأُولُ منها مدنيٌّ، والباقي مكيٌّ " (٦). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾: المفسرون على أن هذه الآيةَ نزلت في خَولةَ، وقيل: خُويلةَ - بالتصغير -، وقيل: اسمُها جميلةُ بنتُ ثعلبةَ، وقيل: بنتُ خويلد، وقيل: ثعلبةُ وخُويلدُ: أحدُهما أبوها، والآخَرُ جدُّها (٧). وزوجُها أوسُ (٨) بنُ الصامت (٩)، أخو عبادةَ بنِ الصامت (١٠) (١١).

стр. 3187

وقيل: نزلت في سلمةَ بنِ صخرٍ (١) وامرأةٍ له (٢). والصَّحيح الأول. وكان أوسُ بنُ الصامت رجلاً فيه سُرعةٌ ولَمَمٌ، فغضب ذاتَ يومٍ عليها، وقال لها: "أنتِ عليَّ كظهر أُمي ". وكان ذلك أولَ ظهارٍ في الإسلام. وكان طلاقُ الجاهلية الظهارَ والإيلاءَ، ثم ندِمَ على ما قال، فقال لها: ما أظنكِ إلاّ حَرُمتِ عليَّ، قالت (٣): لا تقلْ ذلك وأتِ رسولَ الله ﷺ فسلْه، فقال: إني أجدني أستحيي منه أنْ أسأَلَه عن هذا، قالت: فدعْني أسأله، قال: سليه، فأتتِ النبيَّ ﷺ وعائشةُ ﵂ تغسِلُ رأسَه، فقالت: يا رسولَ الله، إن زوجي أوسَ بنَ الصامت تزوّجني وأنا شابَّةٌ (٤) غنيةٌ ذات مالٍ وأهلٍ، حتّى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، ونفضتُ (٥) له بطني، وتفرّق أهلي، وكبِرت سنّي، ظاهر مني، فقال النبيُّ ﷺ : ((حَرُمْتٍ عليه))، فقالت: أشكو إلى الله فقري وفاقتي، وضعفي ووَحْدتي، وصِبيةً صِغاراً، إنْ ضممتَّهم إليه ضاعوا، وإنْ ضمتُهم إليَّ جاعوا، فقال رسولُ الله: ((ما أراكِ إلاّ حَرُمتِ عليه))، فجعلت ترفعُ صوتَها وتقول: اللهم إني أشكو إليك، فأنزل الله - تعالى -: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ. .﴾، الآيات، فدعا أوسَ بنَ الصامت، فتلا عليه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ. .﴾، وحكمَ الظهار، وبيانَ الكفارة)) (٦). قالت عائشة ﵂: " تبارك الله وَسِعَ سمعُه كلَّ شيء، إني لأسمع كلامَ خولةَ ويخفى عليَّ بعضُه، وهي تحاور رسولَ الله ﷺ ، فما برحتْ حتى جاء جبريلُ بهذه الآيات " (٧)، فقال له (٨) رسولُ الله ﷺ : ((اعتق رقبة))، قال: مالي بذاك يدان، قال: ((فصم شهرين متتابعين))، قال: إمَّا أني إذا أخطأ أنْ آكل في اليوم مرتين كلّ بصري، قال: ((فأطعم ستّين مسكيناً))، قال: لا أجد إلاّ أنْ تُعينني منكَ بعونٍ وصلةٍ، فأعانه رسولُ الله ﷺ بخمسةَ عشرَ صاعاً حتى جمع الله له (٩)، وكانوا يرون أنَّ عنده مثلَها، وذلك لستين مسكيناً " (١٠). قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾: وفي بعض المصاحف: ﴿قد يسمع الله قول التي﴾ (١١) أي: المرأة التي (١٢).

стр. 3188

﴿تُجَادِلُكَ﴾: تخاصمُك ﴿فِي زَوْجِهَا﴾: في أمر زوجها، فحُذف المضافُ. ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾: تُظهر ما بها من المكروه. والاشتكاء: إظهارُ ما بالإنسان من المكروه (١). والشَّكوى: إظهارُ ما يصنعه غيره به (٢) (٣). ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾: مراجعتَكما (٤) الكلامَ، من حَارَ: إذا رجع (٥). وليس هذا [تكراراً (٦)]؛ لأنَّ الأوَّلَ لما حكته عن زوجها، والثاني لما كان يجري بينها (٧) وبين رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ الأولَ ماضٍ والثاني مستقبلٌ. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾: لكلامها ﴿بَصِيرٌ (١)﴾: بحالها. ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾: هذا فعلٌ مشتقٌّ من اسم نحو ما تقول: رأستُه، وبطنته، ورجلته، وكذلك (ظَاهَرَ)، أي: قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي (٨). وقيل: هو من الظَّهر الذي يذكر، والمراد به المركوبُ، أي: حرُمَ عليَّ ركوبك، كما حرُم عليَّ ركوبُ أمي (٩). وقيل: هو من الظَّهَرِ، الذي هو العلوّ والغلَبة، من قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ ... [الصف: ١٤]، أي: عُلُوِّي عليكِ حرامٌ، كعُلُوِّي على أمي (١٠).

стр. 3189

وهذان الوجهان أولى من الأول؛ ليدخلَ فيه البطنُ، والفخِذُ، والفرجُ، وغيرُها (١). وفيه لغاتٌ: ﴿ظَاهَرَ﴾، و ﴿تَظَاهَرَ﴾، و ﴿تَظَهَّرَ﴾، و ﴿اظَّاهَرَ﴾، و ﴿اظَّهَرَ﴾، وبكلٍّ ... قُرئ (٢). قوله (٣): ﴿مِنْكُمْ﴾: أي: حكمُ الظهار بين المسلمين دون غيرهم (٤). ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: زوجاتهم ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾: أي: لم يجعل الأزواجَ كالأمهات في شيءٍ من الأحكام (٥). ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: ما أُمهاتُهم ﴿إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾: خرجوا من بطونهن. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ﴾: بالظِّهار. ﴿مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ﴾: لا يُعرفُ ﴿وَزُورًا﴾: كذباً (٦). ﴿وَإِلَى اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾: لما مضى ﴿غَفُورٌ (٢)﴾: لمن تاب (٧). ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: بيّن في الآية الأولى ما أن ذلك من قائليه منكرٌ وزورٌ، وبيّن في الثانية حكمَ مَن قال ذلك، ولم يقل منكم في هذه الآية؛ لأنه بيانٌ للأول (٨) (٩). ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾: حمله بعضُهم على معنى القول (١٠)، وبعضُهم على عين القول (١١) (١٢). فمَن حمله على معنى القول، قالوا: تقديره: يعودون لنقض ما قالوا وإفساده. وقيل: يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالوا من التحريم. وقيل: يرجعون عمّا قالوا. ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن العَوْدَ إنما يكونُ بالعزم على الوطء، فيلزمه الكفارةُ بالعزم. والثاني: أن العَوْدَ يكونُ بالإمساك، فيلزمُه الكفارةُ بالإمساك. والثالث: أن العَوْدَ يكونُ بالوطء، فيلزمُه الكفارةُ بالوطء (١٣).

стр. 3190

ومَن حمله على ظاهر القول وعينه اختلفوا على قولين: أحدهما: أن العودَ إنما يكونُ بتكرار اللّفظ، وهو أنْ يقولَ: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي. فإذا قالها مرتين صار مُظاهراً، ولزمته الكفارةُ لتكراره اللّفظَ. والثاني: أنهم كانوا في الجاهلية يقولون للنساء (١) إذا أرادوا الطلاقَ: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فإذا عاد في الإسلام إلى مثل ذلك القول لزمه الكفارةُ، فعلى هذا يلزمه الكفارةُ بمجرَّد الظهار (٢). الأخفش: " تقدير الآية: الذين يُظاهرون من نسائهم فتحريرُ رقبةٍ لما قالوا ثم يعودون " (٣). أبو علي: " ﴿لِمَا قَالُوا﴾: في تقدير مصدرٍ وقع موقعَ المفعول، أي: يعودون في القول فيه " (٤) (٥). ابنُ بحرٍ: "الظهار يمينٌ، يلزمه الكفارةُ بالحنث " (٦). والله أعلم (٧).

стр. 3191

قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: أي: فعليه إعتاقُ رقبةٍ. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾: يُجامعا (١). وقيل: عنى به كلَّ أنواع المسِيْس؛ لأن اللّفظَ عامٌّ (٢). ﴿ذَلِكُمْ﴾: إشارةٌ إلى الكفارة. ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾: فلا تأتون ما هو منكرٌ وزورٌ، ولا يُطلِّقون إلاّ على الوجه المشروع. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾: أي: الرقبةَ. ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾: أي: فعليه صيامُ شهرين. ﴿مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾: فإنْ أفطرَ بينهما لغير عذرٍ فعليه الاستئنافُ، وإنْ أفطر لعذرٍ ففيه خلافٌ (٣). ﴿فَمَالِ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾: أي: الصومَ. ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾: أي: فعليه إطعامُ ستين مسكيناً. لكلِّ مسكينٍ مدٌّ، وقيل: نصفُ صاعٍ (٤) (٥). وجوّز بعضُهم في الإطعام أنْ يكونَ بعد أنْ يتماسّا؛ لأنه لم يُشترطْ في الآية، كما اشتُرط في الرقبة مع الصوم (٦). ﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى الصوم والإطعام. وقيل: يعودُ إلى الكلّ. ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾: أي: فرض ذلك لتؤمنوا. ﴿بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: ولا تستعملوا أحكامَ الجاهلية (٧) (٨). ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: أوامرُه ونواهيه. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾.

стр. 3192

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: يُعادون ويُخالفون، وأصلُه عند النحاة من الحدّ، أي: يصيرون في حدٍّ غير حدِّه. وكذلك: يُشاقُّون الله (١)، ويُعادون من الشَّقّ وعَدوة الوادي (٢). وقد سبق. ابنُ جرير: " يُخالفونه في حدوده وفرائضه، فيضعون حدوداً غيرَ حدوده " (٣). ابنُ بحرٍ: " ﴿يُحَادُّونَ﴾: يُفاعلون. من الحديد " (٤)، أي: يُقاتلون. ﴿كُبِتُوا﴾: أُخزوا، وقيل: أُهلكوا وأُذِلُّوا، وقيل: كُسروا (٥). وقيل: بمعنى (٦): كُبُّوا على وجوههم (٧). النقّاش: " أصله كُبدوا، أي: أُصيبوا في أكبادهم، قُلب الدالُ تاءً " (٨). ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: كفارُ الأمم الخالية. وقيل: يومَ بدرٍ (٩). ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: وقيل: هي (١٠) القرآن، وقيل: معجزات النبيّ ﷺ ، وقيل: الدَّلالاتُ العقليات (١١). قال صاحبُ النظم: " تقديره: آيات في المحادِّين؛ ليكونَ بينهما اتّصالٌ " (١٢). ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: أي: النار. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾: أي: يُجازَون بالعذاب (١٣) ﴿جَمِيعًا﴾: من الأرض. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾: تقريراً على ما يستحقُّون. ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾: أي: أحصى ما عملوا إحصاءَ عددٍ وإحاطةٍ به. ﴿وَنَسُوهُ﴾: لكثرته وطُول زمانه. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾: لا يغيبُ عنه شيءٌ، وقيل: يشهدُ عليهم فلا يستطيعون ردَّها دفعاً وإنكاراً. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تعلم، وقيل: ﴿تَرَ﴾: من (١٤) رؤية العين، أي: ألم تر الدلائلَ على أنه عالمٌ، وقيل: معناه تنبَّه (١٥). ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ﴾: ما يقعُ ﴿مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ من مناجاة. النجوى: السَّرّائر، مصدرٌ (١٦) على وزن (فَعْلَى)، مشتقٌّ من النَّجوة، وهي: الارتفاعُ لبُعد الحاضرين عنها (١٧). ابنُ سَماعةَ (١٨): "لا يكونُ النجوى (١٩) إلاّ بين ثلاثةٍ ". حكاه أقضى القضاة (٢٠).

стр. 3193

النقّاش (١): " النَّجوى: الكلامُ يكونُ بين القليل والكثير " (٢). وقيل: النجوى: المُتناجون، كقولهم: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧)] (٣). ﴿وثَلَاثَةٍ﴾: بدلٌ، ويجوزُ أنْ يكونَ مضافاً إليه (٤). ﴿إِلَّا هُوَ﴾: إلاّ الله ﴿رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الرابعُ هاهنا: اسمٌ للفاعل (٥)، وكذلك السادسُ. وأما رابعُ أربعةٍ، وخامسُ خمسةٍ، وسادسُ ستةٍ، فأسماءٌ بمعنى واحدٍ من أربعة. ويجوزُ في الأول التنوينُ ونصبُ ما بعدَه، ولا يجوزُ في الثاني (٦). ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾: أي: ولا أقل من الثلاثة. ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾: أي: من الخمسة. ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾: يعلمُ ما يأتون، كما يعلمُ مَن هو معهم. ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾: من السَّماء والأرض. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يُخبرهم، فيُجازيهم عليه. ﴿إِنَّكَ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾: في سبب النزول: عن (٧) ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ: نزلت في اليهود والمنافقين (٨)، كانوا يتناجَون فيما بينهم وينظرون إلى المؤمنين، ويتغامزون بأعيُنهم، فإذا رأى المؤمنون ذلك قالوا: ما نراهم إلاّ وقد بلغهم عن إخواننا وأقربائنا الذين خرجوا في السرايا قتلٌ أو موتٌ (٩) أو مصيبةٌ أو هزيمةٌ، فيقعُ ذلك في قلوبهم ويُحزنُهم، فلما طالَ ذلك شكَوا إلى رسول الله ﷺ ، فأمرهم أنْ لا يتناجَوا دونَ المسلمين، فلم ينتهوا، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزلَ اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ (١٠). ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: لأن المسلمين كانوا يحزنون ويخافون من ذلك، فكان ذلك إثماً وعُدواناُ منهم. ﴿وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ أي: وبما يصيرون عاصين (١١) للرسول إذْ كان نهاهم عن ذلك. ﴿يَتَنَاجَوْنَ﴾، و ﴿يَنْتَجُوْنَ﴾ بمعنىً (١٢)، نحو: تَعاوَنوا، واعْتَونُوا. ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾: يُريدُ اليهودَ، فإنهم كانوا إذا دخلوا على رسولِ الله ﷺ ، قالوا: السامُ عليكَ، وكان النبيُّ (١٣) ﷺ يقول لهم: وعليكم، فسمعتْ

стр. 3194

عائشةُ ﵂ يوماً، فقالت: عليكم السَّامُ والذَّام (١)، فقال النبيُّ ﷺ : يا عائشةُ ((إن اللهَ يُحبُّ الرِّفقَ، ويكره الفُحشَ والتفحُّشَ))، فقالت: يا رسولَ الله، ألستَ ترى ما يقولون؟! فقال رسول الله ﷺ (٢): ألستِ ترينَ ما أردُّ عليهم" (٣). ثم قال (٤): ((إذا سلّم عليكم كتابيٌّ فقولوا: وعليك)). أي: عليكَ ما قلتَ، فنزلتْ هذه الآيةُ (٥). قال المفسرون: السامُ: الموتُ. وقيل: السيفُ. وقيل: معناه: ستُسأمون دينَكم (٦). ابنُ بحرٍ: " كانوا يُحيُّونه بتحيّة الجاهلية: أنعِم صباحاً، وأمثاله، واللهُ أمر بالتسليم عليه والصلاة " (٧). وقيل: الموتُ بلغة اليهود، وهو (٨) في لغة العرب: عُروق الذهب والفضة (٩). ويحتملُ: أنهم كانوا (١٠) يقولون - لعنهم الله - السامَّ - بالتشديد - من سمّ الموت. ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾: أي: يقولون

стр. 3195

فيما بينهم: لو كان نبياً لعاقبنا اللهُ بما نقوله. وقيل: لو كان محمدٌ نبياً لاستُجيب دعاؤُه علينا بقوله: (وعليكم) (١)، فقال اللهُ سبحانه: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: فيما أعدَّ لهم في الآخرة كفايةً عن عذاب الدنيا. ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: يدخلونها ويلزمونها. ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾: المرجعُ جهنمُ. ثم خاطب المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾: فِعلَ المنافقين واليهود. ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: بالطاعة والخير. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ﴾: أي (٢) إلى جزائه. ﴿تُحْشَرُونَ (٩)﴾: قيل: هذا خطابٌ للمنافقين، يريد: يا أيها الذين آمنوا في الظاهر (٣). ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: أي: النجوى بالإثم والعُدوان من فعل الشيطان. ﴿لِيَحْزُنَ﴾: قيل: الشيطان، وقيل: النجوى ليحزُن (٤) (٥).

стр. 3196

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: بما يتوهَّمون أنه لوقوع (١) بليّةٍ ومصيبةٍ. ﴿وَلَيْسَ﴾: الشَّيطانُ أو النجوى (٢). ﴿بِضَارِّهِمْ﴾: أي: المؤمنين. ﴿شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بعلمه وقضائه وقدره. وقيل: لا يضرُّهم شيئاً إلاّ ما أراد الله. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾: فلْيُفوِّضوا أمورَهم إليه وليثقوا به (٣). ابنُ بحرٍ: " أمر اللهُ بالتوكُّل عليه، ومَن لم يتوكّل عليه فقد أذن اللهُ أنْ يحزنَ عُقوبةً له " (٤). وقيل: في معنى قوله: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: هو أحلامُ النوم التي يراها الإنسانُ في نومه فيحزُنه (٥). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ (٦): في سبب النزول: عن المقاتِلَين (٧): كان النبيُّ ﷺ في الصُّفّة وفي المكان ضِيقٌ، وكان يومَ جُمُعةٍ، فجاء ناسٌ من أهل بدرٍ وقد سُبقوا إلى المجلس، فقاموا حِيالَ رسولِ الله ﷺ على

стр. 3197

أرجلهم ينتظرون أنْ يُوسَّعَ لهم، فلم يُفسحوا لهم، وشقَّ ذلك على رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان يُكرمُ أهلَ بدرٍ من المهاجرين والأنصار، فقال لمن حولَه من غير أهل بدرٍ: ((قم يا فلانُ، وأنتَ يا فلانُ))، فأقام من المجلس بقدر القوم الذين قاموا بين يديه من أهل بدرٍ، فشقَّ ذلك على مَن أُقيم من مجلسه، وعَرف رسولُ الله ﷺ الكراهةَ في وجوههم، وقال المنافقون للمسلمين: ألستم تزعمون أن صاحبَكم يعدل بين الناس، فو الله ما عدل على هؤلاء القوم، أخذوا مجالسَهم، وأحبُّوا القُربَ من نبيّهم، فأقامهم وأجلس مَن أبطأَ عنهم مكانَهم، فأنزل اللهُ تعالى هذه الآيةَ " (١). الكلبيُّ: " عن أبي صالحٍ (٢) عن ابن عباسٍ ﵄ ": أنها نزلت في ثابت بن قيس " (٣). وقد سبق في سورة الحجرات (٤). مجاهد: " هذا في مجلس النبيّ ﷺ خاصّة " (٥). وقيل: عامٌّ في مجالس الخير كلِّها (٦). الحسن: " ذلك في الغزو " (٧) (٨). ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾: ذلك المجلس، بإزالة وَحشة التضايُق، وتطييب النفوس به. وقيل: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾: في الجنة. وقيل: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٩): في القبر. وقيل: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بأنْ يخلُق هناك سعةً تسعُكم (١٠). ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾: ارتفعوا في المجلس. وقيل: ذلك عند النهوض من المجلس، ومعناه: قوموا. وقيل: هو عن الدعاء إلى كلّ خيرٍ. وقيل: هو الصلاة. وقيل: ذلك عند القتال مع رسول الله ﷺ خاصّةً (١١). ﴿فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: ذهب بعضُهم إلى أن الدرجات الأولى: العلمُ خاصّةً، أي: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الذين أوتوا العلمَ درجاتٍ. وروى الزجّاجُ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((عبادةُ العالمِ يوماً تعدِلُ عبادةَ العابد أربعين سنةً)) (١٢). وقيل: تقديره: يرفع الله الذين آمنوا (١٣) منكم لإيمانه وطاعته درجةً ومنزلةً، ويرفع الذين أوتوا العلمَ من المؤمنين على مَن ليس بعالمٍ درجاتٍ (١٤).

стр. 3198

وفي الدرجات قولان: أحدهما: في الدنيا، بالمرتبة والشرف، والقُرب من النبيّ ﷺ ليتبيّنَ أهلُ العلم والحِلم والنُّهى من غيرهم. وقيل: الدرجات في الجنة (١). ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾: فيه تهديدٌ، أي: امتثِلوا أوامرَه ونواهيه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾: في سبب النزول: قال مقاتلُ بنُ حيّانَ: نزلت الآيةُ في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون النبيَّ ﷺ فيُكثرون مناجاتِه، ويَغلِبون على المجلس، حتى كره رسولُ الله ﷺ ذلك من طُول جُلوسهم ومناجاتِهم، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، وأمرَ بالصَّدقة عندَ المُناجاة، فأما أهلُ العُسرة فلم يجدوا شيئاً، وأما أهلُ الميْسَرَةِ فبخِلوا، واشتدَّ ذلك على أصحاب النبيّ ﷺ ، فنزلت الرخصةُ (٢). قال أميرُ المؤمنين (٣) عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: " إن في كتاب الله لآيةً ما عمل بها أحدٌ قبلي، ولا يعملُ بها أحدٌ بعدي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾: كان لي دينارٌ فبِعتُه بدراهم (٤)، وكنتُ إذا ناجيتُ الرسولَ تصدَّقتُ بدرهمٍ حتى نفِد، فنُسختْ بالآية الأخرى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ " (٥).

стр. 3199

وعن عليٍّ ﵁ أيضاً، قال: " لما نزلت هذه الآيةُ دعاني رسولُ الله ﷺ ، فقال لي: ... ((ما ترى؟ ترى ديناراً؟))، قلت: لا يُطيقونه، قال: ((كم؟))، قلتُ: حبةً أو شعيرةً، قال لي: ((إنك لزهيدٌ))، فنزلت الآيةٌ الثانيةُ " (١). قوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ﴾: أي: إذا أردتم أن تُناجوا رسولَ الله ﷺ . ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ﴾: أعطوا أمامَ مناجاتِكم الفقراءَ. ﴿صَدَقَةً ذَلِكَ﴾: أي: التصدُّقُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾: من البُخل. ﴿وَأَطْهَرُ﴾: أي: لأنفسكم وأزكى لها. ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾: ما تتصدّقونه (٢). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: لمن لم يجدْ (٣). ﴿رَحِيمٌ (١٢)﴾: رخَّص له في المناجاة من غير صدقةٍ يُقدِّمُها (٤) (٥). وقيل: " إن لم تجدوا فإن الرُّخصةَ فيه كالمغفرة، رحمةً منه لكم، فدلَّ بالصفة على هذا المعنى ". قاله ابنُ عيسى (٦). ثم نُسخ، فقال بعضُهم: عمل الناسُ بهذا الفرض ثم نُسخ (٧).

стр. 3200

وقيل: إنه كان في ساعةٍ من نهارٍ ثم نُسخ (١). واتّصالُها (٢) بالآية لا يمنعُ من حصول التراخي. ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾: أي: أخشِيتم الفقرَ والفاقةَ من هذه الصدقة، وعصيتم اللهَ بأنْ لم تفعلوا ما أمركم به (٣) (٤). ثم قال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: من هذه المعصية، وأسقط عنكم هذا الفرضَ. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾: المفروضةَ في مالكم، فإن هذا لا يُوضعُ عنكم بوجهٍ (٥). ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا﴾: في صحيح البخاريّ عن ابن عباسٍ ﵄، أن رسولَ الله ﷺ كان في ظِلّ حُجرةٍ من حُجره، وعنده نفرٌ من المسلمين قد كاد الظِّلُّ يقلُصُ عنهم، فقال لهم: ((إنه سيأتيكم إنسانٌ ينظرُ إليكم بعيني شيطانٍ (٦)، فإذا أتاكم فلا تُكلِّموه)) (٧)، فجاء عبدُ الله ... ابنُ نبتل (٨) (٩) - وكان أزرقَ (١٠) -، فدعاه رسولُ الله ﷺ ، فكلّمه، فقال: ((علامَ تشتمني أنتَ

стр. 3201

وفلان وفلان (١)، نفرٌ سمّاهم بأسمائهم، فانطلق، فدعاهم، فحلفوا بالله واعتذروا إليه))، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا﴾ " (٢). ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: يُوالُون اليهودَ، وهم المغضوبُ عليهم. ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾: كقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣]، بل هم منافقون (٣). ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾: أنهم ليسوا منافقين. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾: أنهم كاذبون منافقون (٤). ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)﴾. ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾: الكاذبةَ. ﴿جُنَّةً﴾: وِقايةً دونَ دمائهم وأموالِهم. ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عن طاعته والإيمان به. وقيل: صدُّوا المؤمنين عن سبيل حُكمه من القتل في أمثالهم الكفَرَة (٥). ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾: لن تدفع. ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧)﴾. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾: لله في الآخرة أنهم كانوا مخلصين في الدنيا غير منافقين. ﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾: في الدنيا. وقيل: هو قولُهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ﴾: في الدنيا. ﴿عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾: وقيل: ليس في القيامة كذبٌ، وأنهم يحلفون أنهم لم يكونوا كفاراً عند أنفسِهم (٦). الحسن: "في مواطن يدهشون فيكذبون، كما يكذبُ الصبيُّ، ثم يعرفون قُبحَ الكذب فيتركون " (٧) (٨). وقيل: هو من قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، أي: يتكلَّمون بمثل ما كانوا يتكلَّمون في الدنيا (٩). ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾: استولى وغلب، من قول العرب: حُذتُ الإبلَ وحزتُها: إذا استولى عليها، ورجلٌ أحوذيٌّ: نافذٌ في الأمور. والاستحياذُ: الاستيلاءُ، وشذَّ عن القياس؛ لأنهم لا يستعملوه إلاّ بزيادة (١٠). ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾: الإيمانَ به، وقيل: الأمرَ والنهيَ. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾: جنودُه. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾: الأسفلين الصاغرين، في الدنيا بالقتل والسبي، وفي الآخرة بالعذاب والنار (١١). ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾: قَضَى وحَكَمَ، وقيل: مضى حكمُه، وقيل: أوجب ذلك، وقيل: كتب الله في اللّوح المحفوظ: أن رسلَه غالبون، وأخبر به، فهو كذلك لا محالةَ (١٢). ويحتمل: أن (١٣) ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾: بمعنى: أقسم، ولهذا وقع بعده اللام ونون التأكيد (١٤)، وهذا ظاهر. والمعنى لأغلبنَّ ﴿أَنَا وَرُسُلِي﴾: وتغلبُ رُسُلِي: بالسيف والحجة (١٥) (١٦). ﴿إِن اللَّهَ قَوِيٌّ﴾: لا يمتنعُ عليه ما يُريد. ﴿عَزِيزٌ﴾: غالبٌ غيرُ مغلوبٍ. ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ﴾ أي: لا يوادُّون أعداءَ الله، ولو كان ذلك العدوُّ أقربَ الناس إليهم. ابنُ جُرَيج: " نزلت في أبي بكرٍ، سبَّ أبو قُحَافةَ (١٧) الرسول ﷺ فصكَّه أبو بكرٍ ﵁ صكةً شديدةً سقط منها. ثم ذكر ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: ((أوَ فعلتَه))؟، قال: نعم، قال: ((فلا تعُدْ إليه))، فقال أبو بكرٍ ﵁: والله لو كان السيفُ حاضراً لضربتُه به " (١٨). وعن ابن مسعودٍ ﵁: أنها نزلت في أبي عبيدةَ بنِ الجرّاح (١٩)، قتل أباه يومَ أُحدٍ، وفي أبي بكرٍ دعا ابنَه يومَ بدرٍ إلى البِراز، فقال: يا رسولَ الله، دعني أكن في الرَّعْلة (٢٠) الأول، فقال: له رسولُ الله ﷺ : ((متِّعنا بنفسِكَ، يا أبا بكرٍ (٢١)، أما تعلمُ أنكَ عندي بمنزلة سمعي وبصري))

стр. 3202

(١)، وفي [مصعب بنِ عُمير] (٢) (٣)، قتل أخاه عُبيدَ بنَ عُميرٍ (٤) يومَ أُحدٍ، وفي عمرَ ﵁، قتل خالَه العاصَ بنَ هشام (٥) (٦)، وفي عليٍّ وحمزةَ وعُبيدةَ، قتلوا: عُتبةَ، وشيبةَ ابني ربيعةَ، والوليدَ بنَ عُتبةَ، يومَ بدرٍ (٧). وذلك قولُه: ﴿وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾: قيل: خرج مخرجَ المدح، وقيل: خرج مخرجَ النهي. ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾: أي: أثبته، فيكونُ: ﴿فِي﴾ من صلة: ﴿كَتَبَ﴾. وقيل: ﴿كَتَبَ﴾ في اللّوح المحفوظ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾، فيكونُ متعلِّقاً بالإيمان. وفيه نظرٌ. وقيل: حكم الله (٨) بذلك وأوجب.

стр. 3203

وقيل: قضى، و ﴿فِي﴾ بمعنى اللاّم. والمرادُ بالقلوب: أصحابُها. وقيل: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ﴾ علامةَ ﴿الْإِيمَانَ﴾، بخلاف الطبع على القلب (١). ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾: قيل: القرآن. وقيل: جبريلُ. وقيل: بنور القلب. وقيل: بشرح الصدور (٢). وقيل: برحمةٍ منه (٣). ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﵃﴾: أي: في الدنيا بطاعتهم. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾: في الآخرة بالجنة والثواب. وقيل ﴿رَضُوا عَنْهُ﴾: بما قضى عليهم في الدنيا، من غير كراهةٍ (٤). ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾: أنصار حقّه، ودُعاةُ خلقه. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾: الباقون في النعيم المقيم (٥). والحمدُ لله حقَّ حمده (٦).

стр. 3204

سورة الحشر (١) أربع وعشرون آية (٢) (٣) مدنية بالإجماع (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾: سبق أوَّل سورة الحديد. وفي سبب النزول: أن هذه السورةَ نزلت بأسرها في بني النضير (٥)، وذلك أن النبيَّ ﷺ لمَّا قدم المدينةَ صالحه بنو النضير على أنْ لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، وقبل رسولُ الله ﷺ ذلك منهم، فلمَّا غزا رسولُ الله ﷺ بدراً، وظهر على المشركين، قالت بنو النضير: والله (٦) إنه النبيُّ الذي وجدنا (٧) نعتَه في التوراة لا تُرد له رايةٌ، فلمَّا غزا رسول الله ﷺ (٨) أُحداً وهُزم

стр. 3205

المسلمون، نقضوا العهدَ وأظهروا العداوةَ لرسول الله ﷺ والمؤمنين، فحاصرهم رسول الله ﷺ ، ثم صالحهم على الجلاء من المدينة، وعلى أن لهم ما أقلّت الإبلُ إلا الحلْقة، وهي السلاح، وفي رواية: إلاّ السلاح والذهب والفضة، وكانوا (١) يُخربون بيوتهم، فيأخذون منها ما (٢) وافقهم من خشبها فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، حتى بلغ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ " (٣). ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: بني النضير (٤). ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: التي كانوا فيها بأرض المدينة. ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: قيل: اللام للعلة، والمعنى: أُخرجوا؛ ليكون حشرُهم إلى الشام أولَ الحشر. وقيل: ﴿هُوَ﴾ بمعنى (في) (٥). واختلفوا في أوَّل الحشر: قال ابن عبَّاس ﵄: " من شكّ أن المحشرَ بالشام فليقرأ هذه الآية، فهو (٦) الحشرُ الأول وسائرُ الناس الحشرُ الثاني" (٧). الحسن: "قال لهم رسول الله ﷺ لمَّا خرجوا: ((امضوا؛ فإنّكم أوَّلُ الحشر، ونحن على الأثر)) " (٨).

стр. 3206

قتادة: " إذا (١) كان آخرُ الزمان جاءت نارٌ من قبل المشرق فحشرت الناسَ إلى أرض الشام، وبها تقوم (٢) عليهم القيامة " (٣). وبنو النضير لمَّا حُشروا إلى الشام قبلَ سائر الناس كانوا أُخرجوا لأول الحشر. وإليه ذهب الزهريّ (٤). وذهب جماعةٌ إلى أن المعنى: هم أول من أُجلي من جزيرة العرب (٥). الخليل بن أحمد (٦): " مبدؤها من حَفَر أبي موسى (٧) إلى اليمن في الطول، ومن رمل يَبْرِين (٨) إلى منقطع السَّماوة (٩) من العرض، وسميت جزيرةً؛ لأنَّ بحرَ الحبش (١٠)، وبحرَ فارسَ (١١)، ودجلة، والفرات (١٢) قد أحاطت بها" (١٣).

стр. 3207

وقيل: كان هذا أول الحشر من المدينة، والحشر الثَّاني من خيبرَ وجميعِ جزيرة العرب إلى أَذْرِعات (١) وأريحا (٢) من الشام في أيام عمرَ ﵁ فتح على (٣) يديه (٤)، وذلك أن النبيَّ ﷺ قال في مرضه: ((لا يكونَنَّ في جزيرة العرب دينان)) (٥). وقال يمان (٦): إنما قال: ﴿أَوَّلِ الْحَشْرِ﴾؛ لأنَّ الله فتح على نبيه أوَّل ما قاتلهم. حكاه الثعلبي (٧). ابن بحر: "الحشر والإخراج واحدٌ، لكنّ الحشرَ لا يقال إلاّ في الكثير " (٨) (٩). ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾: لعزَّتهم ومنعَتهم. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ﴾: أي: يمنعهم. ﴿حُصُونُهُمْ﴾: وارتفاعها بكونها فاعلةً، لا بالابتداء. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: من أمره وقضائه، ويحتمل من رسول الله. ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾: أتاهم أمره وعقابه (١٠). ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: بقتل كعب بن الأشرف (١١)، وقال النبي (١٢) ﷺ : ... ((نُصرت بالرعب مسيرةَ شهرٍ)) (١٣) (١٤). ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾: كانوا ينقضون الدُّورَ المبنيةَ بالآجرِّ ليرموا المؤمنين بالحجارة. الزَّجَّاج: " يخربون ليسدّوا أبوابَ أَزِقَّتِهم " (١٥). وقيل: كان يعجبهم البابُ أو الخشبةُ فيقلعونها ليحملوها معهم. وقد سبق. ﴿وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾: وكان المؤمنون يخرّبونها ليتّسع لهم موضعُ القتال، وأضاف التخريب بالأيدي (١٦)؛ لأنَّهم مكنوهم منه (١٧) وتسببوا له.

стр. 3208

وقيل: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾: لنقض العهد، وَأَيْدِي ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالقتال. وقيل: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾: في تركها، وَأَيْدِي ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ في إجلائهم (١). والتخريب والإخراب بمعنىً، وهو: الهدم والنقض (٢). وفرق أبو عمرو وقال (٣): "الإخراب: التعطيل، والتخريب: الهدم " (٤). ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾: اتعظوا واعبروا (٥) من الشّك إلى اليقين (٦). وقيل: معنى " اعتبروا ": تبيّنوا، واعتبرتُ (٧) الشيءَ: طلبتُ بيانَه، وعبّرتُ الدرهمَ : تعرفتُ (٨) وزنَه (٩). ﴿يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ يا ذوي العقول. وقيل: يا (١٠) مَن رأى ذلك بعينه (١١). ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: الخروج من الوطن مع الأهل الولد. وقيل: الفناء. حكاه الماوردي (١٢). ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾: بالقتل والسبي (١٣). ﴿وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣)﴾: استئناف كلام، وليس بعطف على جواب ﴿لَوْلَا﴾. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ أي: أصابهم ذلك بسبب أنَّهم ﴿شَاقُّوا اللَّهَ﴾: خالفوا الله ﴿وَرَسُولَهُ﴾. ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤)﴾: يناله العذاب الأليم. ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: في سبب النزول: أن رسولَ الله ﷺ أمر بقطع نخلهم (١٤) لمَّا تحصَّنوا، فجزعوا عند ذلك وقالوا: زعمتَ أنك تُريد الصلاحَ، وقطعُ الشجرةِ المثمرةِ وعقرُ النخيل فسادٌ في الأرض، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ.﴾ (١٥). ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: بإذن الله قطعُها وتركُها، أَذِن لكم في ذلك وأمركم به على لسان نبيّكم، وما كان بأمره يكون صلاحاً لا فساداً. ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾: أي: فعلتم ذلك؛ لأنَّ الله أذن فيه. ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾: يذلّهم ويفضحهم.

стр. 3209

وقيل: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾: أذن فيه. واللينة: النخلة، وجمعها ألوان من ألوان النخل، وأصله (لونة)، قُلبت ياءً لانكسار ما قبلها. وقيل: لينة من لان يلين، وجمعها أليان. والأول أصح (١). وقيل: اللينة (٢): كرام النخل (٣). وقيل: البرني والعجوة لا يسمّيان لينة، وما سواهما لينة (٤). ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾: أعاده عليه، والفيء كالعود والرجوع، يستعمل بمعنى المصير وإن لم يتقدّم ذلك (٥). قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾: أي: من مال بني النضير (٦). وقيل: نزّل ما في أيدي المشركين تنزيلَ شيءٍ غَلبوا عليه فردّه الله إلى (٧) المسلمين. ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾: لم تسيروا إليها على خيلٍ ولا إبلٍ إنما كانت (٨) ناحيةً من المدينة مشوا إليها مشياً.

стр. 3210

وقيل: على ميلين من المدينة، وكان رسولُ الله ﷺ راكب على (١) حمار فحسب. والإيجاف: الحمل على الوجيف، وهو السير الشديد، مثل الإيضاع. وقيل: الإيجاف للخيل، والإيضاع للركاب (٢)، والركاب الإبل (٣). ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يمكنهم من عدوّهم من غير قتالٍ ويقذف في قلوب أعدائهم الرعبَ. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾: فجعل ما أخذوا من بني النضير خالصاً لرسوله ﷺ يضعه حيث يشاء، فقسمه النبي (٤) ﷺ بين المهاجرين، إلا أبا دُجانةَ (٥) وسَهْلَ ابنَ حُنَيف (٦) فإنهما شَكَوَا فقراً فأعطاهما (٧). ﴿مَاءً أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: في هذه الآية ستة أقوال: أحدها: أن هذه الآيةَ تفسيرٌ للأولى (٨). وزيّف هذا القولَ بعضٌ من المفسرين، فقال: الآية الأولى نزلت في أموال بني النضير، وقد جعلها الله تعالى (٩) لرسوله خاصة، والآية الثانية لأصنافٍ (١٠) بعينهم، فلا تكون (١١) الأولى (١٢). والثاني: أن (١٣) ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى هو الجزية والخراج (١٤). والثالث: قال قتادة: هي منسوخة. والفيء والغنيمة واحد، وكان في بدو الإسلام يقسم الغنيمة على هذه الأصناف ولم يكن لمن قاتل عليها شيءٌ، إلاّ أن يكون في هذه الأصناف، ثمَّ نُسخ بما في الأنفال، فجعل لهؤلاء الخُمسَ، وجعل الأربعةَ الأخماسَ لمن حارب، فقال: ﴿* وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] (١٥). والرابع: قال سُفْيان الثَّوري (١٦): "الفيء خلاف الغنيمة، والغنيمة ما أُخذ عَنوةً بالغلَبة والحرب، يكون (١٧) خمسُه لهذه الأصناف، وأربعةُ أخماسه للّذين قاتلوا عليه. والفيء: ما صُولح (١٨) أهلُ الحرب عليه، فيكون مقسوماً في هذه الأربعة الأصناف، ولا يخمّس " (١٩) (٢٠). والخامس: ذهب بعضُ الفقهاء إلى أن الفيءَ غيرُ الغنيمة أيضاً، وهو: ما صولحوا عليه، إلاّ إنه يُخرج خمسُه في هذه الأصناف، فيكون أربعةُ أخماسه خارجةً في صلاح المسلمين (٢١). والسادس: قال يزيد بن رومان (٢٢): " الفيء: ما قُوتل عليه وأُوجف عليه بالخيل والركاب " (٢٣) (٢٤). والله أعلم. قوله: ﴿فَلِلَّهِ﴾: بدأ بذكره تعظيماً، كقوله (٢٥): ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. وكذلك: ﴿الْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ١]، وقد سبق. وقيل: أصول الأشياء لله. وقيل: معناه: أنه باق على ملكيته.

стр. 3211

وقيل: معناه: فلله أنْ يأمرَكم فيه بما أحبَّ. وقيل: لله سهمٌ يُصرفُ إلى عمارة الكعبة والمساجد. ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: قيل: ذكره أيضاً التيّمن والتبرّك كذكر الله. وقيل: أضاف تولية القسمة إليه. وقيل: له سهمٌ يُصرَف إلى الخليفة بعده. وقيل: يصرف إلى الكُراع (١) والسلاح ومصالح المسلمين. ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾: القرابة من رسول الله ﷺ . وذهب (٢) بعضهم إلى أنه سقط سهمهم بموته ﷺ ، وهم في ذلك كسائر المسلمين. ومنهم من ذهب إلى أنَّه ثابتٌ كما كان. ﴿وَالْيَتَامَى﴾: أي: المحتاجين منهم. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: أي: المحتاجين. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: المسافر المنقطع عن ماله (٣). ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾: كيلا يغلب الأغنياءُ الفقراءَ على الفيء فيقسموه بينهم.

стр. 3212

ابن عيسى: " الدَّولة: المرة من الاستيلاء، والدُّولة بالضّم: نقلة النعمة من قوم إلى قوم " (١). وقيل: " الدَّولة في الحرب، والدُّولة في المال " (٢). ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾: أي: وما أعطاكم (٣) من مال الفيء فخذوه واقبلوه. ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾: ما يمنعكم منه. ﴿فَانْتَهُوا﴾: ولا تطلبوه. وقيل: هو عامٌّ في جميع أوامره ونواهيه. قال (٤) الكلبيّ: " نزلت في رؤساء المؤمنين، قالوا: فيما ظهر عليه رسولُ الله ﷺ من أموال المشركين: يا رسول الله، خذ صفيَّتك والربعَ ودعنا والباقي كما كنا نفعل في الجاهلية. وأنشدوا شعراً (٥): لك المِرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول (٦) فنزلت هذه الآية، فقالوا: سمعاً وطاعة لأمر الله وأمر رسوله " (٧). ﴿وَاتَّقُو االلَّهَ﴾: في مخالفة رسوله ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

стр. 3213

﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾: بدل من المساكين، وأعاد اللام؛ لأن العاملَ في البدل غير العامل في المبدل، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥)] (١). ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾: هم: الذين هجروا أوطانَهم بمكّة وقومَهم واختاروا النبيَّ ﷺ والإسلامَ. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: يطلبون الجنَّةَ ورضى الله، لم يقصدوا سوى هذين (٢). ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾: في إيمانهم. فهؤلاء المهاجرون. ثم ذكر الأنصار، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾: لزموا المدينة، ودورهم بها. ﴿وَالْإِيمَانَ﴾: وقبلوا الإيمانَ وآثروه، فهو منصوب بفعلٍ مضمرٍ. وقيل: مواضع الإيمان (٣). وقيل: هذا مجازٌ ومَثَلٌ، هذا (٤) كما تقول: تبوأ أشرفَ المنزلة. وذكر النقّاش: " أن الإيمانَ اسمُ المدينة، سمَّاها النبيُّ ﷺ " (٥). ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: قبل المهاجرين. والأكثرون على أن الأنصارَ آمنوا قبلَ المهاجرين، استدلالاً بهذه الآية (٦). وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: تبوؤا الدارَ من قبلهم وقبلوا الإيمانَ من بعدهم (٧) (٨).

стр. 3214

﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾: أي: يحبّ الأنصارُ المهاجرين بقلوبهم، حتى شاطروهم أموالَهم وأنزلوهم مساكنَهم، ومَن كانت عنده امرأتان نزل عن واحدةٍ منهما (١) لواحدٍ منهم. ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ (٢): أي: حسداً وحزازة على ما أَعطى النبيُّ ﷺ المهاجرين وخصّهم به. وقيل: مما أعطوا (٣) من الفضل والتقّدم عليهم. وقيل: ضيقاً لما ينفقون عليهم. وقيل: معناه: هم راضون بما أوتوا، أي: من جهة قناعتهم بما أوتوا: لا من جهة كثرة أموالهم. وقيل: لا يجدون في أنفسهم مساس حاجة من فقْد ما أُوتوا، فحُذف المضاف (٤) (٥). ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: يقدّمون المهاجرين على أنفسهم. ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾: [وإن كانوا فقراءَ. وأصل] (٦) الخصاصة من الخَصاص، وهي: الفرج يتخلّلها البصر. والخَصُّ: البيت من القصب يتخلّل (٧) الهواءُ إياه، وأصل (٨) الاختصاص [من الانفراد بالأمر، والخصاصة] (٩) الإنفراد عمَّا يحتاج إليه، والخاصة انفراد المعنى، والخصّ: لانفراد كلّ قصبةٍ عن الأخرى (١٠). ﴿ومن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ يُدفع ويُمنع (١١) ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾: الشُّحُّ: منع الواجب (١٢). وقيل: أكلُ مال الغير ظلماً (١٣)، وقال النبي (١٤) ﷺ : ((بريءٌ من الشحّ مَن آتى الزكاة، وقرى الضيفَ، وأعطى في النائبة)) (١٥). وقيل: الشُّحُّ: أنْ تطمح عيُن الرَّجل إلى (١٦) ما ليس له، فقال النبي (١٧) ﷺ : ((من الشّح نظرك إلى امرأة غيرك)) (١٨).

стр. 3215

الحسن: "هو العمل بمعاصي الله " (١). طاووس: "الشُّحُّ بما في يد غيرك، والبخل بما في يدك " (٢). قيل: محلّ ﴿الَّذِي﴾ رفع بالابتداء؛ لأن النبيَّ ﷺ لم يعطهم الفيءَ، إلاّ الرجلين تقدما أعطاهما منها أرضاً. والأظهر أنَّه جرّ بالعطف على ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٣)، وكذلك الذي بعده وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٤)،: وإلى هذا ذهب عمر ﵁، فقال: "استوعبت هذه الآيةُ الناسَ، ولم يبق أحد من المسلمين إلاّ وله في الفيء حقٌّ إلاّ بعضُ مَن تملكون، وإنْ عشتُ ليأتين كلَّ مسلم حظُّه " (٥). قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: قيل: بعد المهاجرين والأنصار، وهم التابعون، ولفظ ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يدلّ عليه. وقيل: هم مَن هاجر بعدَ المهاجرين الأولين. وقيل: هم المؤمنون إلى يوم القيامة، كما سبق، والصفة تدلّ (٦) على ذلك، وهي قوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾: أي: من هذه الأمة. وقيل: ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾: المهاجرون والأنصار. وقيل: مؤمنو أهل الكتاب.

стр. 3216

والقول هو الأول (١). ومعنى: ﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾: سبقونا إلى الإسلام بأنْ آمنوا قبلَ إيماننا. ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾: غِشّاً وبُغضاً وحِقداً (٢). ﴿لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ ثم عجّب نبيه، فقال: ألم تر يا محمدُ إلى ... عبد الله بن أُبِيِّ بن سلولٍ وأشياعِه. ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: قيل: هم بنو النضير، والآية نزلت قبل إجلائهم، راسلوا إليهم بما في الآية (٣). الحسن: " ضمنوا من جميع اليهود، وسمَّاهم إخوانهم لموافقتهم (٤) في مقاصد الكفر وعداوة محمد ﷺ " (٥). ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾: أي: من دياركم. ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾: يعني محمداً ﷺ ، أي: لا نمتثل أمره في إيذائكم (٦). وَإِنْ ﴿قُوتِلْتُمْ﴾: أي: قتلكم محمدٌ ﷺ . ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾: لنعاوِنَنَّكم أحسنَ المعاونة. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾: سمّاهم كاذبين بما آل إليه أمرهم، فإن الكذبَ يكون في الماضي، والخُلْفُ (٧) يكون في المستقبل (٨). ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾: أي: هم لا يفون بما عاهدوهم (٩). واللام الأول لام توطئة القسم، والثاني لام القسم (١٠)، وصار الحكمُ للقسم دونَ جزاءِ الشرط وقد يحذف (١١) لامُ توطئة القسم (١٢) اكتفاءً بدلالة جواب القسم عليه، كقوله: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾، أراد (١٣): ولئن قوتلتم (١٤). وفي قوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾: بعد قوله: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾: أقوال، فإن اللهَ تعالى إذا أخبر عن شيءٍ لم يوجد المخبَر بخلاف ما أخبر به: أحدها: أي: إن تعاطوا نصرَهم ما نصروهم. وقيل: إذا نصروهم وولوا الأدبارَ يكون خُذلاناً لا نَصراً؛ لأن النصرَ صدقُ المعاونة وإجمال المظاهرة.

стр. 3217

وقيل: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾: أي: لا يدومون على النصر. وقيل: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾: طائعين وإنْ نصروهم كارهين. وقيل: الفعل في قوله: ﴿لَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ لغير الذين أَخبر أنهم: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾. وقيل: ولئن نصر اليهود المنافقين، والضميران مختلفان. وقيل: أخبر عما لم يكن بأنَّه لو كان كيف كان (١). ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: من رهبة الله، فحذف المضاف، أي: أوقع الله الرعبَ في قلوبهم (٢). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣)﴾: فإن الفقهَ هو: العلم بمفهوم الكلام وظاهره (٣) الجلي، وغامضه الخفي بسرعةِ فطنةٍ وجودةِ قريحةٍ، وهؤلاء لو فقهوا لعلموا أنَّ قوةَ النبي ﷺ بقوة الله (٤). ثُمَّ أُخْرِجَ بنو النضير فلم يخرجوا معهم، وقُوْتِلَ قريظةُ (٥) فلم ينصرهم منافقٌ (٦). ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾: أي: مؤتلفين مجتمعين. ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾: أي: إذا اجتمعوا لقتالكم لم يجسروا على البروز، وإنما يقاتلونكم وراءَ حصونهم المحصنةِ بالسور (٧). ﴿أَخْذُ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾: بالنَبْلِ والحجر. مَنْ وحَّد حمل على الجنس، ومَن جمع فلجمع (٨) القُرى (٩). ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾: أي: هم متعادون محتنقون شديدٌ بعضُهم على بعضٍ. وقيل: نِكايتهم فيما بينهم شديدةٌ إذا تحاربوا، فأمَّا معكم فالله تعالى أرهبهم منكم ولا يغنون شيئاً. وقيل: هذا امتنانٌ من الله، أي: هم مع قوتهم وشدتهم يخافون منكم (١٠). ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾: أي: اليهود والمنافقين ﴿جَمِيعًا﴾: مجتمعين في الرأي. ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾: مختلفة متفرقة (١١). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾: فإن العداوةَ لا تقع بين العقلاء. ابن بحر: " المعنى: ألقى اللهُ في قلوبهم البأسَ الشديدَ فتفرّقوا، خلافَ ما فعل بالمؤمنين من قوله: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أمره ونهيه " (١٢). ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: مَثَلُ اليهود ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾: قيل: هم: أهل بدر (١٣).

стр. 3218

وقيل: " بني قينقاع (١) وكان رسول الله ﷺ أخرجهم قبل النضير ". وهذا قول ... ابن عبّاس ﵄ (٢). وقيل: كمثل من أهلك الله من الأمم (٣). وقيل: تقديره: ولئن نصروهم ليولُّنَّ الأدبار كمثل الذين من قبلهم قريباً (٤) يوم بدر (٥). ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: عقوبةَ كفرهم في الدنيا. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥)﴾: مع ذلك في النار. ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾: أي: ومثلهم أيضاً كمثل الشيطان (٦). ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾:

стр. 3219

قيل: المرادُ به ها هنا ما قاله إبليس لأبي جهل يومَ بدر: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] " (١). وقيل: هذا عامّ في جميع الكفّار، في دعائه إياهم إلى الكفر والمعاصي ووعده لهم ... بالغُرور (٢). وأكثر المفسّرين على أنَّ هذا الإنسانَ راهبٌ يقال له: (برصيصا)، تعبّد ستين سنةً في صومعةٍ، فأراده الشيطانُ فأعياه، فعمد إلى امرأةٍ فأجنها، وقال لإخوةٍ لها: عليكم بهذا القسّ فيداويها، فجاءوا بها إليه، فداواها، فلمَّا عاد إليها جمالها أعجبته، فأتاها فأحبلها، ثم قتلها ودفنها مخافةَ الشنعة، فلما عُثِرَ على صنيعه، قال له الشيطان: أنا أوقعتك فيما أنت فيه، فلا ينجيك إلاّ أنْ تسجدَ لي، فسجد له. ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾: فلما فعل قال: إني بريء منك فصلب ومات " (٣) (٤). وعن ابن مسعود ﵁: " أنها كانت امرأةٌ ترعى الغنمَ وتأوي إلى صومعةِ هذا القسّ، ففعل بها (٥) ذلك، فأرى الله تعالى إخوةً لها في المنام " (٦).

стр. 3220

ابن عبّاس ﵄: " هي امرأة مرضت واتفق لإخوتها سفرٌ، فجاؤا إلى الراهب بها، وقالوا: إنْ ماتت فادفنها وإنْ عاشت فاحفظها إلى أنْ نعود. ففعل بها ما سبق ذكره " (١) (٢). ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا﴾: عاقبةَ هذا الإنسان (٣) والشيطان (٤). ﴿أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ.﴾ (١٧) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: توبوا إليه (٥) واجتنبوا المعاصي. ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: يعني: يوم القيامة. ووحد بعد الجمع، أي: اتقوا الله مجتمعين وفُرادى. وأصل غدٍ غدوٌ (٦). ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: التكرار (٧) للتأكيد. وقيل: دوموا عليها في المستأنَفِ (٨). ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾: تركوا أمرَ الله وذكرَه. ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾: أنْ يعملوا لها خيراً. وقيل: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ عند الذنوب ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ عند التوبة. [وقيل: أنساهم حظوظ أنفسهم، فحذف المُضاف. وقيل: ترك ذكرهم بالرحمة والتوفيق]. (٩) وقيل: أنزل بهم من العذاب ما نسي بهم بعضُهم بعضاً لما شغل به كلّ واحد من العذاب، كقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] (١٠). ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾: الكاذبون العاصون. ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: لأنهم في النعيم المقيم، وهو في العذاب الأليم. وقيل: لا يستويان عند الله؛ لأنَّهم أولياؤه، وأصحاب النار أعداؤه. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾: المقرَّبون المكرمون الناجون من النار (١١). ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ﴾: مع أمره ونهيه ووعده ووعيده وكثرة عجائبه. ﴿عَلَى جَبَلٍ﴾: مع شدَّته وغلظته. ﴿لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾: خاضعاً منقاداً. ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾: من فَرَق عذابه، وأن قلوبَ بني آدم لم تلن ولم ترقّ (١٢).

стр. 3221

وقيل: الجبل: الأمم الخالية. ولعل هذا القائلَ أخذه من قوله: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] (١). وفيه ضعفٌ. وقيل: " هذا امتنانٌ على النبي ﷺ ، أي: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ﴾: لما ثبت له وتصدَّع لنزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له ". حكاه الماوردي (٢). قال الزَّجاج: " لو أُنزلنا (٣) هذا القرآنُ على جبلٍ، وجُعل فيه تمييزاً لرأيته خاشعاً. وهذا على وجه المثل " (٤). ثُمَّ قال (٥): ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾: في أمثال الله. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: قيل: هذه الآية ترجع إلى أول السورة (٦). المبّرد: " ترجع إلى قوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، الذي لا إله إلا هو " (٧). وقيل: هو جواب لمن شبَّهه بخلقه. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: السِّرُّ والعلانية. وقيل: الآخرة والدنيا. وقيل: الغيب: ما لم يكن، والشهادة (٨): ما كان. وقيل: الغيب: ما لم يروه، والشهادة: ما رأوه (٩). ﴿هَوَى الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾: الطاهر، ومنه القُدس لما يُتطهّر منه (١٠). ومنه: يقدّسه الملائكة (١١) (١٢). وقيل: المبارك (١٣). ﴿السَّلَامُ﴾: مصدر، أي: ذو السلام، والمعنى: سلم من الأوصاف التي لا تليق ... به (١٤). وقيل: سلّم عبادَه من ظلمه (١٥). ﴿الْمُؤْمِنُ﴾: مؤمن (١٦) عبادَه من الخوف (١٧). [وقيل: يصدقهم وعده (١٨). وقيل: رسلَه بإظهار معجزاتهم لهم] (١٩) (٢٠). وقيل: الداعي إلى الإيمان (٢١).

стр. 3222

الزَّجاج: " الذي وحّد نفسَه بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] " (١). ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: الأمين (٢). وقيل: الشهيد (٣). وقيل: المصدِّق ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ " (٤). وقيل: اسم من أسماء الله تعالى في الكتب، الله أعلم بتأويله (٥). وكذلك القدوس فيها " قِدِّيشا " (٦). وقيل: أصله مؤيمن، من الأمن والأمانة، قلبت الهمزة هاء (٧). وقيل: هو (٨) مأمونٌ على خلقه (٩). وقيل: الرقيب (١٠). وقيل: المطّلع (١١). وقيل: القاضي، وقيل: الحدِب، وقيل: الدالّ (١٢). ﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالبُ غيرُ المغلوب. وقيل: لا يُرام ولا يمتنعُ عليه ما يَروم (١٣). ﴿الْجَبَّارُ﴾: العظيم وجبروته عظمته (١٤). وقيل: الجبار من أجبر، أي: أجبر خلقه على ما أراد منهم، أجبر فهو جبَّار، وأدرك فهو درّاك (١٥). وقيل: من الجبر، أي: يَجبُر أحوالَ عباده ويُصلح أمورَ خلقه (١٦). وقيل: لا يُنال ولا يُقهر، ومنه جبار النخل لا يلحقه كلّ أحدٍ (١٧). ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾: تكبّر عن كلّ سوءٍ (١٨). وقيل: تكبّر، وتعالى، وتنزّه بمعنىً (١٩). وقيل: المستحق لصفات التعظيم (٢٠). ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾: الموجد للأشياء الذي يفعل على مقدار ما تقتضيه (٢١) الحكمة (٢٢). ﴿الْبَارِئُ﴾: المنشئ الأعيان من العدم إلى الوجود (٢٣). ﴿الْمُصَوِّرُ﴾: الذي يجعل لكل ما يخلق هيئةً (٢٤) وشكلاً يتميز بها البعضُ عن البعض. وقيل: هو الذي يغيره من حالٍ إلى حال نطفة ثم علقةً إلى تمام خلْقه (٢٥). ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: لأنها مشقةٌ من أفعالٍ كلُّها حسنةٌ (٢٦). ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ينزهه عما لا يليق به. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾: ختم السورةَ بما فتحها به، فسبحان الله على كلّ حالٍ (٢٧).

стр. 3223

سورة الممتحنة (١) ثلاث عشرةَ آيةً (٢) (٣) مدنيةٌ (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن هذه الآياتِ نزلت في: حاطب بن أبي ... بلتعة (٥)، وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ لما أراد أنْ يغزوَ أهلَ مكة، قدمت عليه امرأةٌ يقال لها: سارة من موالي بني المطلب (٦)، فحث رسولُ الله ﷺ بني عبد المطلب، فكسوها وأعطوها، فلما أرادت الانصرافَ أتاها حاطبٌ، وكتب معها كتاباً إلى أهل مكة. في الكتاب: من حاطبٍ إلى أهل مكة: إن رسولَ الله ﷺ يريدكم فخذوا حذرَكم، وأعطاها عشرةَ دنانير على أنْ توصِل الكتابَ إلى أهل مكة، فخرجت سارةُ، ونزل

стр. 3224

جبريل ﵇ وأخبر النبي ﷺ بما فعل حاطبٌ، فبعث رسول الله ﷺ علياً وعماراً والمقداد بن الأسود (١) والزُّبير وعمر وطلحة وأبا مَرْثَد (٢) ﵃، وكانوا كلُّهم ... فرساناً، وقال لهم: ((انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخٍ (٣)؛ فإن بها ظعينةً (٤) معها كتابٌ من حاطبٍ إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلَها، فإنْ لم تدفع إليكم فاضربوا عنقَها))، فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان، فقالوا لها: أين الكتاب، فحلفت، ما معها ... كتاب، فلما رأت الجدَّ أخرجته من ذوائبها (٥) فخلوا سبيلَها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله ﷺ فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى حاطبٍ، فأتاه فقال: ما حملكَ على ما صنعتَ، قال: يا رسول الله والله ما كفرتُ منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولكن حملني على ذلك أني كنت ملصَقاً في القوم (٦)، وليس في أصحابك إلا من له من أقربائه مَن يذبُّ عن عياله، فأحببت أنْ أتَّخِذ (٧) عندهم يداً، وقد علمتُ أن اللهَ ينزلُ بهم بأسَه، وأن كتابي لا يُغني عنهم شيئاً، فصدّقه رسولُ

стр. 3225

الله ﷺ وعذره، فقام عمرُ بنُ الخطاب ﵁ وقال (١): دعني يا رسول الله أضرب عنقَ هذا المنافق، فقال له (٢) رسولُ الله ﷺ : ((وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))، ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (٣): فسمَّاه مؤمناً. ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لا تتخذوا الكافرين أعواناً وأنصاراً (٤) (٥). ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ﴾: تكتبون وتبعثون. والجملة (٦) صفة لأولياء وقيل: حال للمخاطبين. وقيل: استئناف: أي: أنتم ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. وقيل: الاستفهام مقدر: أي: أتلقون إليهم بالمودة؟! الأخفش: " الباء زيادة" (٧). المبرد: " ألقيتُ إليه المودةَ وبالمودةِ، لغتان " (٨).
следующие страницы →