← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

وقيل: الجبل: الأمم الخالية. ولعل هذا القائلَ أخذه من قوله: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] (١). وفيه ضعفٌ. وقيل: " هذا امتنانٌ على النبي ﷺ ، أي: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ﴾: لما ثبت له وتصدَّع لنزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له ". حكاه الماوردي (٢). قال الزَّجاج: " لو أُنزلنا (٣) هذا القرآنُ على جبلٍ، وجُعل فيه تمييزاً لرأيته خاشعاً. وهذا على وجه المثل " (٤). ثُمَّ قال (٥): ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾: في أمثال الله. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: قيل: هذه الآية ترجع إلى أول السورة (٦). المبّرد: " ترجع إلى قوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، الذي لا إله إلا هو " (٧). وقيل: هو جواب لمن شبَّهه بخلقه. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: السِّرُّ والعلانية. وقيل: الآخرة والدنيا. وقيل: الغيب: ما لم يكن، والشهادة (٨): ما كان. وقيل: الغيب: ما لم يروه، والشهادة: ما رأوه (٩). ﴿هَوَى الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾: الطاهر، ومنه القُدس لما يُتطهّر منه (١٠). ومنه: يقدّسه الملائكة (١١) (١٢). وقيل: المبارك (١٣). ﴿السَّلَامُ﴾: مصدر، أي: ذو السلام، والمعنى: سلم من الأوصاف التي لا تليق ... به (١٤). وقيل: سلّم عبادَه من ظلمه (١٥). ﴿الْمُؤْمِنُ﴾: مؤمن (١٦) عبادَه من الخوف (١٧). [وقيل: يصدقهم وعده (١٨). وقيل: رسلَه بإظهار معجزاتهم لهم] (١٩) (٢٠). وقيل: الداعي إلى الإيمان (٢١).

стр. 3222

الزَّجاج: " الذي وحّد نفسَه بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] " (١). ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: الأمين (٢). وقيل: الشهيد (٣). وقيل: المصدِّق ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ " (٤). وقيل: اسم من أسماء الله تعالى في الكتب، الله أعلم بتأويله (٥). وكذلك القدوس فيها " قِدِّيشا " (٦). وقيل: أصله مؤيمن، من الأمن والأمانة، قلبت الهمزة هاء (٧). وقيل: هو (٨) مأمونٌ على خلقه (٩). وقيل: الرقيب (١٠). وقيل: المطّلع (١١). وقيل: القاضي، وقيل: الحدِب، وقيل: الدالّ (١٢). ﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالبُ غيرُ المغلوب. وقيل: لا يُرام ولا يمتنعُ عليه ما يَروم (١٣). ﴿الْجَبَّارُ﴾: العظيم وجبروته عظمته (١٤). وقيل: الجبار من أجبر، أي: أجبر خلقه على ما أراد منهم، أجبر فهو جبَّار، وأدرك فهو درّاك (١٥). وقيل: من الجبر، أي: يَجبُر أحوالَ عباده ويُصلح أمورَ خلقه (١٦). وقيل: لا يُنال ولا يُقهر، ومنه جبار النخل لا يلحقه كلّ أحدٍ (١٧). ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾: تكبّر عن كلّ سوءٍ (١٨). وقيل: تكبّر، وتعالى، وتنزّه بمعنىً (١٩). وقيل: المستحق لصفات التعظيم (٢٠). ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾: الموجد للأشياء الذي يفعل على مقدار ما تقتضيه (٢١) الحكمة (٢٢). ﴿الْبَارِئُ﴾: المنشئ الأعيان من العدم إلى الوجود (٢٣). ﴿الْمُصَوِّرُ﴾: الذي يجعل لكل ما يخلق هيئةً (٢٤) وشكلاً يتميز بها البعضُ عن البعض. وقيل: هو الذي يغيره من حالٍ إلى حال نطفة ثم علقةً إلى تمام خلْقه (٢٥). ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: لأنها مشقةٌ من أفعالٍ كلُّها حسنةٌ (٢٦). ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ينزهه عما لا يليق به. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾: ختم السورةَ بما فتحها به، فسبحان الله على كلّ حالٍ (٢٧).

стр. 3223

سورة الممتحنة (١) ثلاث عشرةَ آيةً (٢) (٣) مدنيةٌ (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن هذه الآياتِ نزلت في: حاطب بن أبي ... بلتعة (٥)، وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ لما أراد أنْ يغزوَ أهلَ مكة، قدمت عليه امرأةٌ يقال لها: سارة من موالي بني المطلب (٦)، فحث رسولُ الله ﷺ بني عبد المطلب، فكسوها وأعطوها، فلما أرادت الانصرافَ أتاها حاطبٌ، وكتب معها كتاباً إلى أهل مكة. في الكتاب: من حاطبٍ إلى أهل مكة: إن رسولَ الله ﷺ يريدكم فخذوا حذرَكم، وأعطاها عشرةَ دنانير على أنْ توصِل الكتابَ إلى أهل مكة، فخرجت سارةُ، ونزل

стр. 3224

جبريل ﵇ وأخبر النبي ﷺ بما فعل حاطبٌ، فبعث رسول الله ﷺ علياً وعماراً والمقداد بن الأسود (١) والزُّبير وعمر وطلحة وأبا مَرْثَد (٢) ﵃، وكانوا كلُّهم ... فرساناً، وقال لهم: ((انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخٍ (٣)؛ فإن بها ظعينةً (٤) معها كتابٌ من حاطبٍ إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلَها، فإنْ لم تدفع إليكم فاضربوا عنقَها))، فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان، فقالوا لها: أين الكتاب، فحلفت، ما معها ... كتاب، فلما رأت الجدَّ أخرجته من ذوائبها (٥) فخلوا سبيلَها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله ﷺ فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى حاطبٍ، فأتاه فقال: ما حملكَ على ما صنعتَ، قال: يا رسول الله والله ما كفرتُ منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولكن حملني على ذلك أني كنت ملصَقاً في القوم (٦)، وليس في أصحابك إلا من له من أقربائه مَن يذبُّ عن عياله، فأحببت أنْ أتَّخِذ (٧) عندهم يداً، وقد علمتُ أن اللهَ ينزلُ بهم بأسَه، وأن كتابي لا يُغني عنهم شيئاً، فصدّقه رسولُ

стр. 3225

الله ﷺ وعذره، فقام عمرُ بنُ الخطاب ﵁ وقال (١): دعني يا رسول الله أضرب عنقَ هذا المنافق، فقال له (٢) رسولُ الله ﷺ : ((وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))، ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (٣): فسمَّاه مؤمناً. ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لا تتخذوا الكافرين أعواناً وأنصاراً (٤) (٥). ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ﴾: تكتبون وتبعثون. والجملة (٦) صفة لأولياء وقيل: حال للمخاطبين. وقيل: استئناف: أي: أنتم ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. وقيل: الاستفهام مقدر: أي: أتلقون إليهم بالمودة؟! الأخفش: " الباء زيادة" (٧). المبرد: " ألقيتُ إليه المودةَ وبالمودةِ، لغتان " (٨).

стр. 3226

وقيل: الباء للسبب، أي: بسبب أنْ تودوا (١). الزَّجَّاج: " تلقون إليهم أخبارَ النبيّ ﷺ وسرَّه بالمودة التي بينكم وبينهم " (٢). ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾: يعني: النبي ﷺ والقرآن. ﴿يُخْرِجُونَ﴾: حال من المضمَرين في: ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾: أي: من مكة. ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾: بأنْ ولأن، أي: بسبب إيمانكم، ولأجل إيمانكم (٣)، وذكر بلفظ المستقبل، أي: لأنكم الساعةَ تؤمنون به. ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا﴾: أي: خرجتم من أوطانكم للجهاد ﴿فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ هذا مؤخر في اللفظ مقدم في المعنى، والتقدير: إن كنتم خرجتم للجهاد ولطلب مرضاة الله، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء (٤) (٥). ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ بدل من قوله: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (٦). ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾: قيل: الباء زيادة، أي: أعلم إظهارَكم المودة، وإسرارَكم إيَّاها. وقيل: ما أخفيتم: المودة، وما أعلنتم: الإيمان. وقيل: ﴿أَعْلَمُ﴾ للتفضيل.

стр. 3227

وهو الأظهر (١). ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾: أي: الاتخاذ المنهي عنه بعد النهي. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾: أخطأ طريقَ الرشاد وبعُد عن الطريق المستقيم. ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾: يأخذوكم ويأسروكم ويظفروا بكم. ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾: ولا ينفعكم إلقاءُ المودة إليهم. ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾: بالقتل والضرب ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾: بالشتم والسب (٢). ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)﴾: ويتمنوا (٣) أنْ تكونوا كفاراً مثلهم. وجاز وقوعُ الماضي موقعَ المستقبل بمعنى الشرط (٤). وقيل: هو عطف على ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾، أي: كفروا وودُّوا لو تكفرونَ (٥). ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾: فلا تُهلكوا أنفسَكم بسبب مَن لا ينفعكم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُفَصِّلُ بَيْنَكُمْ﴾ (٦): يفرق بين الوالد وولده، وبين القريب والقريب.

стр. 3228

وقيل: يحكم بينكم (١). ويجوز أن يتعلق ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بقوله: ﴿يُفَصِّلُ بَيْنَكُمْ﴾. وقُرِئَ ﴿يَفْصِلُ﴾ على وجوه، كلها ظاهر (٢). ومن قرأ بلفظ المجهول فالظرف أُقيم مقامَ الفاعل، ومثله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ ... [الأنعام: ٩٤] وكذلك: ﴿مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] ذكره في ((الحجة)) (٣). ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾: فيجازيكم بأعمالكم (٤). ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾: قدوةٌ وسنةٌ ﴿حَسَنَةٌ﴾: فالضم فيها لغة (٥). ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾: أي: في أقواله ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: من المؤمنين. وقيل: كانوا أنبياء.

стр. 3229

﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾: أي: للكافرين (١) منهم. ﴿إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ﴾: جمع بريء كظريف وظرفاء، أي: من قرابتكم. ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: معبودكم. ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾: أي: تبرأنا منكم (٢). ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾: بالسيف والغَلَبة (٣). ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾: أي: تؤمنوا بالله (٤) بأنَّه واحد لا شريكَ له، فحينئذٍ نترك (٥) عداوتَكم ونواليكم. والمعنى: هلاّ قلتَ يا حاطبُ كما قال إبراهيم ومَن كان معه (٦). قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾: وذلك لموعدة وعدها ... إيَّاه (٧)، وقد سبق (٨). ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: من عذابٍ. وقيل: من هدايةٍ ومعرفةٍ وتوفيق. والاستثناء من المضمر مع إبراهيم هو (٩) أقوالُه.

стр. 3230

وقيل: الاستثناء منقطعٌ، أي (١): لكن قول إبراهيم لأبيه، فليس لكم به (٢) أسوة (٣). ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾: فوضنا إليك أمورَنا. قيل: هذا من تمام كلام إبراهيم. وقيل: استئناف، أي: قولوا (٤). وقيل: خطابٌ لحاطب، أي: قلتَ هذا فلن تحتج إلى ما فعلت (٥). ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾: أقبلنا ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾: المرجع. ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: لا تسلّطهم علينا فيفتِنونا بعذابٍ لا طاقةَ لنا به. وقيل: لا تعذبنا بعذابٍ من عندك. وقيل: لا تُرهم ما يشمتون له بنا. وقيل: لا تُظفِرْهم علينا، فيظنوا أنهم على الحقّ ونحن على الباطل (٦). وقيل: احفظنا من الشيطان، لا نتّبعهم فنصيَر فتنةً لهم. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾.

стр. 3231

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: قيل: في إبراهيم وقومه، وكرر لأن الأول: أسوة بأقواله، والثاني: بأفعاله. وقيل: في محمد ﷺ والمؤمنين (١). ﴿لِمَنْ كَانَ﴾: بدل من ﴿لَكُمْ﴾. ﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾: أي: ثوابه ﴿وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾: وما يعطي الله في ذلك اليوم أولياءَه (٢). وقيل: يخشى اللهَ واليومَ الآخر. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: عن أمرنا ووالى الكفارَ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾: عن الخلق. ﴿الْحَمِيدُ (٦)﴾: المستحقُّ للحمد. وقيل: المحمود. ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ﴾: لما نزل: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ عادى المؤمنون (٣) أقاربَهم المشركين وأظهروا لهم العداوةَ والبراءةَ، وعلم الله شدةَ وَجْدِ (٤) المؤمنين بذلك، فأنزل: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾: فأسلم كثيرٌ منهم، وصاروا لهم أولياءَ وإخواناً، وخالطوهم وناكحوهم، وتزوج رسول الله ﷺ أمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيان (٥)، فلانَ لهم أبو سفيان وبلغه ذلك وهو مشرك، فقال: "ذلك الفحل، لا يُقرع أنفُه" (٦) (٧).

стр. 3232

وقيل: المراد به أهل مكة حين أسلموا عامَ الفتح (١). وقيل: المراد به إسلامُ أبي سفيان. (٢) وقال الزُّهري: "هو أن أبا سفيان استعمله ﷺ على بعض اليمن، فلما قبض ﷺ أقبل ذو الخِمَار (٣) مرتداً فقاتله، وكان أولَ من قاتل في الردة، وجاهد في الدِّين " (٤). و ﴿عَسَى﴾ من الله واجب، والمعنى: ليجعل. وقيل: معناه: كوَّنُوا على رجاءٍ وطمعٍ. ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾.

стр. 3233

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ في سبب النزول: قدمت قتيلة بنتُ عبد العُزى (١) (٢) على أسماء بنت أبي بكر (٣) ﵂ بهدايا: سمن وأقط وضِباب (٤) - وقيل: سمن وتمر وقرظ - فلم تقبل هداياها ولم تدخلها بيتها (٥)، فسألت لها عائشة النبيَّ ﷺ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، فأدخلتها منزلها، وقبلت منها هداياها. وكان أبو بكر ﵁ طلقها في الجاهلية " (٦). قتادة: " الآية منسوخة بقوله: " ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ " [التوبة: (٥)] (٧). مجاهد: " ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾: هم الذين آمنوا وأقاموا بمكة، ولم يهاجروا " (٨). الحسن: "هم خزاعة، وبنو الحارث (٩)، أمرهم بأنْ يوفّوا لهم العهدَ الذي كان (١٠)

стр. 3234

بينهم " (١). وقيل: هم النساء والصبيان (٢). وقيل: عامَّةٌ محكمة، وسبب النزول يدل على هذا (٣). قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾: تحسنوا إليهم (٤) بالقول والفعل. ومحل ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ جرَّ بالبدل عن ﴿الَّذِينَ﴾ بدل الاشتمال (٥). ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: تُحسنوا إليهم وتعطوهم مما تملكون من طعامٍ وغيره قِسْطاً. والإقساط: " أن تعطوهم مثل ما يعطون، تقول: أَقْسَطَ: إذا عدل وسلب القسطَ، وهو الجَور " (٦). وقيل: أقسط: أعطى قسطه، وأنصف أعطى نصفَه، أي: نصيبه، وعُدِّيَ بالياء ... لتضمنه، معنى: الإحسان. وقيل: انتهوا إليهم بالقِسط (٧).

стр. 3235

﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾: هم أهل الحرب، أي: ينهاكم عن برهم. ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: أي: المشركين. ﴿وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾: بدل عن ﴿الَّذِينَ﴾، والمعنى: تناصحوهم. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾: الذين وضعوا الولاية غيرَ موضعها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾: قال (١) ابن عباس ﵄: إن مشركي مكة صالحوا رسولَ الله ﷺ عامَ الحديبية على أن مَن أتاه من أهل مكة ردّه إليهم، ومَن أتاهم من أصحابه فهو لهم، وكتبوا بذلك كتاباً وختموه، فجاءت سُبيعة بنت الحارث (٢) - وقيل: سعيدة، وقيل: أم كلثوم (٣)، والصحيح سُبيعة -

стр. 3236

بعد الفراغ من الكتاب، والنبي ﷺ بالحديبية، فأقبل زوجُها واسمه: مسافر (١)، وكان كافراً، فقال: يا محمدُ، أُرْدُد عليَّ امرأتي، فإنك شرطت لنا أن تردَّ علينا مَن أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجفَّ (٢) بعدُ، فأنزل الله هذه الآية (٣)، فبين أن ذلك في الرِّجال لا في النساء؛ لأنَّ المسلمةَ لا تَحِلُّ لكافرٍ بوجهٍ ما. وقيل: لما نزلَ صار ذلك في الرجال، دون النساء. وقيل: نسخت هذه الآيةُ الحكمَ الأولَ (٤). قوله: ﴿جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾، فسمَّاهن مؤمنات، بمجرد الهجرة (٥). ثم قال: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: أي: اختبروهن. وقيل: سلوهن. وقيل: حلِّفوهن ما خرجن إلاّ حرصاً على الإسلام، وطلباً لرضا الله تعالى ورسوله، لا بغضاً للزوج، ولا رغبة في الدنيا (٦).

стр. 3237

وعن ابن عباس ﵂: " امتحانها: أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسولُ الله " (١). وعن عائشة ﵂: "امتحانها بما (٢) في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ .. ﴾ " (٣). وقيل: امتحانها في ردها مهرَ زوجها. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾: فإنكم (٤) تعلمون الظاهر، والله يتولى السرائر. ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾: أي: بغالب الظن (٥). ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ﴾: أي (٦): لا تردوهن. ﴿إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: تكرار للازدواج ... والمطابقة (٧). والمعنى: وقعت الفرقة بينهما بخروجها مسلمة. وليس عليها العِدة عند بعضهم، وعند بعضهم عليها العدة (٨) (٩).

стр. 3238

﴿وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾: يعني: المهر الذي أعطاها الحَربي (١). ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: أي: لا جناح في نكاح المهاجرات. ﴿إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: مهورهن. ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: أي لا تُبقوا (٢) نكاحَ الكافرات، بل طلقوهن إن لم يؤمنَّ. وأمسك ومسّك بمعنىً (٣). والباء صلةٌ. والعِصَم: جمع عِصمةٍ، وهي الحبل، أي: حبل النكاح، وهو العقد (٤). و ﴿الْكَوَافِرِ﴾: جمع كافرةٍ، وهي التي بقيت في دار الحرب، أو هربت منكم إلى دار الحرب (٥). وقال بعضهم: معناه: لا حظرَ عليكم في نكاح المهاجرة لعصمة زوجها. وهذا بعيدٌ؛ لأن ﴿الْكَوَافِرِ﴾: جمع كافرةٍ - كما سبق - لا كافر، ولا يُحمل على الشُّذوذ (٦).

стр. 3239

ولما نزلت هذه الآيةُ طلّق عمر ﵁ امرأتين له، وطلق طلحة امرأةً له بقين في دار ... الحرب (١). ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾: أي: إنْ ذهب بعضُ أزوجكم إلى الكفار الذين بينكم وبينهم عهدٌ، فاسألوهم أنْ يعطوكم (٢) ما أعطيتموهن من المهر، كما يأخذون منكم ما أعطوا نساءَهم من المهر إذا صِرن إليكم مؤمنات. ﴿ذَلِكُمْ﴾ (٣): أي: ما تقدم ﴿حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ وهو منسوخ على ما سبق ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾. ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾: أي: واحدةٌ منهن، وهكذا هو (٤) في حرف ابن مسعود ﵁ (٥). ﴿إِلَى الْكُفَّارِ﴾: أي: من فاتته (٦) زوجتُه بأنْ كفرت ولحقت بالمشركين، ولم يصل إليه مهرُها من جهتهم. ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: اقتصصتم. وقيل: فيكون لكم منهم عقبى، أي: ظَفَرٌ وغنيمةٌ. وقيل معناه: غزوتم مرَّة بعد أخرى (٧). وقيل: عاقبتم: غنمتم.

стр. 3240

وقيل: عاقبتم: فعلتم بهم مثل ما فعلوا بكم. وعاقب وعَقَّب واعتقب وأعقب (١) وتعقّب وعَقَب، كله (٢) بمعنى: كانت العاقبة له (٣). ﴿فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾: أي: ارتدت ولحقت بالمشركين. وقيل: لحقت (٤) بأهل الهدنة من قريش. ﴿مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾: يعني: مهر زوجته من الغنيمة. قيل: من الخمس (٥). وقيل: من ألفي. وقيل: من صداق من أسلمت منهن عن زوجٍ كافرٍ، فيكون معنى: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ ... : بمصير أزواجهم إليكم مؤمنات، أومن جهة سبي (٦). ابن بحر " أي: عاقبتم المرتدةَ فقتلتموها، فأعطوا زوجَها (٧) من الغنيمة صداقَها " (٨). فجعل عاقبتم من العقوبة وفيه بعدٌ. وهذا أيضاً منسوخ (٩).

стр. 3241

وذهب بعضهم: إلى أن هذه أحكام تبعت الهجرة والهدنة التي كانت بينهم، فلما انقضت زالت تلك الأحكام (١) (٢). ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾: الجمهور على أن هذه المبايعة كانت قبلَ فتح مكة، بايعهن ﷺ بنفسه وعلى يده ﷺ ثوبٌ (٣). وقيل: وضع بين يديه قَعْباً (٤) فيه ماء وغمس يده فيه، وأمرهن أنْ يغمسن أيديهن ... فيه! (٥)

стр. 3242

وقيل: قال ﷺ : ((إني لا أصافح النساء، وإني آخذ على مائةٍ بأخذي على ... واحدةٍ)) (١). قال مقاتل: " جلس ﷺ على الصفا، وعمر بن الخطاب ﵁ دون الصفا، فأمره أنْ يبايع النساء " (٢). وقيل: أَمر أختَ خديجة (٣) خالة فاطمة، فبايعت النساء (٤). قوله: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾: جاء في التفاسير (٥): "وكانت في جملتهن هندٌ امرأةُ أبي ... سفيان (٦)، فقالت: إني لأصبت من أبي سفيان الهَنَةَ ما أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما

стр. 3243

أصبتِ من شيءٍ مضى أو بقي فهو لك حلالٌ، فضحك رسولُ الله ﷺ وعرفها، فقال: أنت هند، قالت: أُعْفُ عني ما سلف عفا الله عنكَ (١)، تريد ما صنعت ... بحمزة (٢). ثم قال: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾: فقالت هند: وهل تزني الحرة؟! فقال ﷺ : ((لا والله ما تزني الحرة)) (٣) ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾: يريد: وأْدَ البنات، قالت هندٌ: نحن ربيناهم صغاراً وأنتم قتلتموهم كباراً، تريد (٤) يومَ بدر، وأنتم وهم أعلم، فضحك عمر ﵁ حتى ... استلقى " (٥). وفي بعض التفسير: فضحك عمر ﵁ حينما قالت هند: وهل تزني الحرة؟! (٦) ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾: فيه أقوال: أحدها: لا يُلْحِقْنَ بأزواجهن غيرَ أولادهم، وهو على وجهين: أحدهما: كانت المرأةُ تأتي باللقطة فتضعها بين يديها ورجليها وتقولُ (٧): هذا ولدك ولدته منكَ. وليس الولد له، ولا حملت به. والثاني: أنْ تحبلَ بالولد من غير زوجها فتُلحقه به (٨). وقيل: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ﴾ عبارةٌ عن اللقطة، ﴿وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ عبارة عن الولد من الزنا. وقيل: البهتان في الآية: الكذبُ والنميمة والمشي بالسِّعاية، يختلقنه من تلقاء أنفسهن. وقيل: قذف المحصَنين والمحصَنات والكذب على الناس. وقيل: البهتان: السحر والتمويه (٩). وروي: أن هنداً قالت: " والله إن البهتانَ لأمر قبيحٌ، وما تأمر إلاّ بالأرشد، ومكارم الأخلاق " (١٠). وروي أيضاً: " أنها قالت: "أما ولي ضرةٌ، فلا أدع البُهت" (١١). ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: جميع ما أمر رسولُ ﷺ ونهى عنه معروفٌ يقبله العقلُ ويعرفه ويدعو إليه. وقيل: أُمرن أنْ لا يعصينه في ترك النَّوح، وخدْش الوجه، وقطع الشعر (١٢). وروي: " أن هنداً قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي (١٣) أنفسنا أنْ نعصيك في شيءٍ (١٤) (١٥). ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾: اضمن لهن الجنةَ بشرط الوفاء بهذه الأشياء إلى الممات. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ لَهُنَّ اللَّهَ﴾: عمَّا مضى ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: في القوم قولان: أحدهما: أنهم اليهود (١٦). ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾: فيه وجوه: أحدها: أنهم وصفوها بغير ما وصفها الله به من: الطعام والشراب والنساء في الجنة، ومن العذاب والنَّكال في النار فصاروا كالكفار الذين أنكروها أصلاً. وقوله: ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾: صفةٌ للكفار، أي: في الحكم كالموتى. والوجه الثاني (١٧): أنهم يئسوا من ثوابها لِما أتوا في شأن محمدٍ ﷺ من إنكارهم نعته، وتغييرهم صفته (١٨)، فصاروا كالكفار الذين يئسوا من رجوع أصحاب القبور إليهم. الجاحظ: " أي: لا حظَّ لهم (١٩) في الآخرة وإنْ كانوا منها على طمعٍ، كما لاحظَّ لمن مات كافراً " (٢٠). وقيل: يئس اليهودُ عن الثواب كما يئس موتى الكفار؛ لأنهم علموا (٢١) بعد موتهم أن لا حظَّ لهم في نعيم الآخرة (٢٢).

стр. 3244

والقول الثاني: أن القومَ هم الكفار، ﴿يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾؛ لأنهم ينكرون البعثَ والنشورَ ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ﴾، أي: كما يئسوا من أنْ ينالَهم من أهل القبور خير، فوضع الظاهرَ موضع الضمير (١).

стр. 3245

سورة الصَّفِّ (١) "أربع عشر آية " (٢) (٣) مدنيةٌ (٤)، ويُقال لها سورة عيسى ﵇، ويُقال لها: سورة الحواريين. (٥) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾: سبق (٦). بدأ بالتسبيح لحُسن الاستفتاح، كما بدأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ للتيمُّن والتدبُّر (٧). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾: في سبب

стр. 3246

النزول: " كان المسلمون يقولون: لو نعلمُ أحبَّ الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالَنا وأنفسَنا، فدلّهم الله على أحبِّ الأعمال إليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾، الآية، فابتُلوا يومَ أُحدٍ بذلك، فولَّوا مدبرين، فأنزل الله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ " (١). ابن عباسٍ ﵄: " نزلت في قومٍ قالوا: لو علمنا أحبَّ الأعمال إلى الله سارعنا إليه، فلما نزل فرضُ الجهاد تثاقلوا (٢) عنه " (٣). عكرمة: " نزلت في قومٍ كان الرجلُ منهم يقول: قاتلتُ، ولم يُقاتلْ، وطعنتُ، ولم يَطعن، وضربتُ، ولم يضربْ، وصبرتُ، ولم يصبرْ " (٤). الحسن: "نزلت في المنافقين، وسمّاهم مؤمنين بزعمهم" (٥). وقال أبو مُوْسَى (٦): " لقد نزلت سورةٌ كنا نُسمِّيها (المسبِّحات)، أولها: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، حفظتُ منها: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، فيَكتبُ شهادةً في أعناقكم، ثم عنها يومَ القيامة تُسألون " (٧).

стр. 3247

قال الماورديّ: " الآيةُ وإنْ كان ظاهرُها الإنكار لمن قال ما لا يفعلُ، فالمرادُ به: الإنكارُ لمن لم يفعلْ ما قال؛ لأنَّ المقصودَ بها الالتزامُ دون الإسقاط " (١). وعن سُفْيان بنِ عُيَيْنَة (٢): " أنَّ المعنى: لم تقولون ما ليس المراد (٣) فيه إليكم، فلا تدرون هل تفعلون، أم لا تفعلون" (٤) (٥). وأصل ﴿لِمَ﴾ (لما)، فحُذفُ الألفُ في الاستفهام، وتقول في الوقف: (لِمْ)، وإنْ شئتَ: (لِمَه) (٦) (٧)، وهي قراءةُ يعقوب (٨).

стр. 3248

﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: بُغضاً، ومَن مقته الله فله النارُ، كما أن مَن ... أحبّه اللهُ فله الجنةُ (١). ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾: تقديره عند النحاة: ﴿كَبُرَ﴾ المقتُ ﴿مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا﴾، فهو في محلّ رفعٍ بالابتداء. و ﴿مَقْتًا﴾ نُصبٌ على التمييز (٢).، نحو: نعمَ الرجلُ رجلاً زيدُ. وقال بعضُهم: ... ﴿كَبُرَ﴾ مقتُهم ﴿مَقْتًا﴾ هو ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. والأول أولى (٣). إِنَّ ﴿اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾: أي: مصطفِّين (٤)، مصدرٌ وقع موقعَ الحال (٥). ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾: شديدُ اللصوقُ، من رصِّ (٦) البناء، وهو إحكامُه (٧) في اتّصالٍ واستقامةٍ. وقيل: ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾: بُني بالرَّصاص. والمعنى: لاصقٌ بعضُه إلى بعضٍ، لا يُغادرُ شيءٌ منه شيئاً.

стр. 3249

وقيل: يُريدُ استواءَ نياّتهم في حرب عدوِّهم، حتى يكونوا لاجتماع كلمتِهم كالبناء لا خللَ فيه ولا فُرَج (١). وفي بعض التفاسير: "وكان بعضُهم يُؤثرُ القتالَ راجلاً على القِتال راكباً؛ لأن الفرسان لا يصطفُّون، وأن ذلك من وصْف الرَّجّالة " (٢). ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾: بما جئتكم من المعجزات. وما آذَوا به موسى سبق في قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩]. وفي الآية تسليةٌ للنبيّ ﷺ ، أي: إذا آذاك المنافقون فتذكَّر موسى، وإيذاءَ قومه إياه. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾: عدلوا ومالوا عن الحقّ: الطريق المُستقيم (٣). وقيل: شكُّوا بعدما أيقنوا، يُريدُ قومَ موسى الذين آذَوه (٤). وقيل: كان في قومه - أيضاً - منافقون (٥). وقيل: هم الخوارج (٦). ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٧): أضلَّهم الله (٨) وصرف قلوبَهم وخذلهم. وقيل: أزاغهم عن الثواب. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾: لا يُرشدهم.

стр. 3250

وقيل: لا يهديهم إلى الجنة. ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾: وتَذَكَّرْ - أيضاً - عيسى بن مريم إذْ قال لقومه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: أي: بحضرتي وقُدّامي، وتصديقُه لها إقرارُه بأنها حقٌّ. وقيل: تصديقُه لها أن في التوراة حديث موسى (١)، ووقوع المخبَر به يُصدِّق المخبِر المتقدّم (٢). ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾: يعني: محمداً ﷺ ، سمّاه الله أحمدَ، ومحمداً (٣). ولهذا قال ﷺ : ((أنا دعوةُ إبراهيم، وبُشرى عيسى)) (٤)، وأراد بدعوة إبراهيمَ قولَه تعالى حاكياً عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]. وقد سبق. وتقديره: اسمه قولُ أحمد، فحُذف المضافُ. قال (٥) القفّال والنقّاش: " اسمه في الإنجيل (فار قليطا) " (٦) (٧)، أي: ليس بمذمومٍ.

стр. 3251

وقال محمد بنُ هيصم: اسمه في الإنجيل (فار قطيطا)، وفي التوراة (بمادْ ماد) " (١) (٢). وزعموا أن المرادَ به ما يُوافقُ من الأسماء هذه العدّةَ من حساب الجُمَّل، فالميمان في مقابلة الميمين من محمد، وإحدى الدالين في مقابلة الدال، وبقي أَلِفان وباءٌ ودالٌ، ومجموعها ثمانيةٌ، والحاء في محمدٍ ثمانيةٌ (٣). والله أعلم. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: يعني: جاءهم (٤) عيسى ﵇ بالمعجزات. وقيل: جاءهم محمدٌ ﷺ (٥). ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾: أي: ما جاء به سحرٌ. ومَن قرأ بالألف: أي عيسى ساحرٌ مبينٌ (٦). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: أي: نسب النبيَّ إلى السِّحر. ﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾: وهو يدعوه النبيُّ إلى الإسلام. والمعنى: لا أحدَ أظلمُ منه (٧). ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧)﴾: لا يُرشدُهم. وذُكر الكذبُ معرَّفاً، وفي أمثاله من القرآن منكَّراً؛ لأنه أشار به إلى كذب اليهود والنصارى. وقد تقدّم ذكرهما (٨).

стр. 3252

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾: هذا مثلٌ ضربه الله، أي: مَن أراد إطفاءَ نورِ الشمس بفيه، كما يُطفأُ السراجُ، وجد مطلوبَه مستحيلاً، كذلك مَن أراد إبطال ... الحقّ (١). وقيل: يُريدون إبطالَ نور الله. وهو القرآن، وقيل: محمدٌ ﷺ ، وقيل: الإسلام، وقيل: حُجج الله (٢). ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: بكلامهم وإنكارهم ذلك بلسانهم (٣). واللاّم في ﴿لِيُطْفِئُوا﴾ بمعنى: (أنْ)، عند بعض المفسرين، وعند بعضهم زائدةٌ (٤)، و (أنْ) مقدَّر بعده (٥)، وقيل: محمولٌ على المصدر. والصحيحُ: أنَّ المفعولَ محذوفٌ، واللاّم للعلّة، والتقديرُ: يُريدون الكذبَ ليُطفئوا ... نورَ الله (٦). ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾: قرئَ بالتنوين وبالإضافة، وحقُّ ما وقع الإضافةُ، وحقُّ ما لم يقع التنوينُ (٧). والمعنى: أتمَّ نورَه، ويُتمّمُه أبداً. وعن ابن عباسٍ ﵄: " أبطأَ الوحيُ عن النبيِّ ﷺ أربعين يوماً، فقال كعبُ بنُ الأشرف لليهود: أبشِروا، فقد أطفأَ اللهُ نورَ محمدٍ ممّا كان ينزل عليه، وما كان اللهُ ليُتمَّ نورَه. فحزن رسول الله ﷺ ، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ. ثم اتّصل الوحيُ (٨). ﴿هَوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾: أي: بالقرآن. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: الإسلام. والحقّ صفته، وقيل: الحقُّ هو الله تعالى (٩). ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾: أي: يُظهره (١٠) بالغَلَبَة والاستعلاء، وقد (١١) حصل؛ لأن الإسلامَ ما بقي دينٌ (١٢) إلاّ غلبه وعلاه. وقيل: ليُظهره بالحُجج والبيِّنات. وقيل: ليُطلعه على جميع الأديان، وما خالف أهلُها فيه رسلَهم، حتى يكونَ عالماً بذلك (١٣). وقيل: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ بنزول عيسى ﵇ ودخول أهل الأرض قاطبةً في الإسلام. قاله أبو هريرةَ ﵁ (١٤) (١٥). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: النَّداءُ للمخلِصِين (١٦). وقيل: عامٌّ كما في أول السورة، وقيل: هذا وإن تأخَّر في التلاوة فهو أولٌ نزولاً (١٧). ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾: استفهامٌ في اللّفظ، إيجابٌ في المعنى (١٨). والتجارةُ: طلبُ الرِّبح بالمبايعة، والمرادُ بها ها هنا: طاعةُ الله (١٩). ﴿تُنْجِيكُمْ﴾: تُخلِّصُكم وتبعِدُكم (٢٠) ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾ وُتنجِّيكم (٢١) - بالتَّشديد - بمعناه (٢٢). ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: تثبتون على إيمانكم. ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ﴾ أي الإيمان (٢٣) والجهاد. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾. قيل: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ بدلٌ من التجارة، أي: هي أن تُؤمنوا، فلمّا حُذف (أنْ)، رفع، وكذلك ﴿تُجَاهِدُونَ﴾. وعند سيبويه: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿تُجَاهِدُونَ﴾: واقعان موقعَ (آمنوا)، و (جاهدوا). ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾: مجزومٌ عند الفرّاء؛ لأنه جوابُ الاستفهام (٢٤) (٢٥)، وفيه بعدٌ عند البصريين (٢٦). وعند سيبويه مجزومٌ على أنه جوابُ الأمر.

стр. 3253

وكذلك ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾: سبق. ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ قيل: ولكم خلّةٌ أخرى (١). ثم فسّرها، فقال: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾: يعني: فتح (٢) مكةَ. وقيل: فارس والروم. وقيل: عطف على التجارة، أي: وأدُلُّكم على تجارةٍ أخرى. ﴿تُحِبُّونَهَا﴾: أي: محبوبة في الجِبِلَّة. ثمَّ فسّر، فقال: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾: يفتح لكم البلادَ والأمصارَ (٣). ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾: بهذين الثوابين عاجلاً وآجلاً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾: الخِطابُ لأهل المدينة، وهم الأنصار، وكانوا سبعين نفراً، بايعوا رسولَ الله (٤) ﷺ ليلةَ العقبَة (٥). ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ﴾: قيل: معناه: إني أدعوكم إلى هذا، كما دعا عيسى ﵇ قومَه، فقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾: وقيل: انصُروا الله (٦) مثلَ نُصرة الحواريين ... لدين الله (٧).

стр. 3254

قُرئ: ﴿أنَصَاراً لِلَّهِ﴾ بالتنوين. أي: دوموا أنصاراً، واثبتوا أنصاراً (١). وقُرئ بالإضافة، قياساً على قوله: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ (٢). والحواريون: أصحاب عيسى ﵇، وكانوا اثني عشر رجلاً، أول مَن آمن به (٣)، وقد سبق (٤)، وفي بعض التفاسير: الغسّالُ بلغة النبطية حواري (٥). ومعنى: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: عند بعضهم: مع الله، كما جاء: الذَّودُ (٦) إلى الذَّود إبلٌ (٧). وقيل: معناه مَن يضمُّ نصرَة إلى نصرة الله (٨) (٩). ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾: أي: أنصار الحقّ. ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: بعيسى. ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾: قوَّيناهم ونصرناهم. ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾: غالبين (١٠). قيل: قاتل أصحابُ عيسى بعد عيسى ﵇، فنصرهم الله، ولم يكنْ عيسى أُمر بالقتال والقتل. وقيل: ظاهرين بالحجة، لا بالحرب. وقيل: حارب مؤمنو أصحاب عيسى كافري أصحابه، ذبَّاً عن دينهم، فغَلب المؤمنون الكافرين (١١). وقيل: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بمحمدٍ ﷺ ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ (١٢). وعن ابن عباسٍ ﵄ في قوله: فَأَصْبَحُوا ﴿ظَاهِرِينَ﴾ " أي: قاتلوا ليلاً فَأَصْبَحُوا ﴿ظَاهِرِينَ﴾ " (١٣).

стр. 3255

سورة الجمعة (١) إحدى عشرة آية (٢) (٣) مدنية، بالإجماع (٤) (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾: سبق (٦) (٧). ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ أرسل فيهم (٨). وفيه (٩) ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم قريشٌ. والثاني: أنهم العربُ جميعاً، وكانوا أُميين: لا يكتبون ولا يقرؤون، وإنما وقعت إليهم الكتابةُ بعدُ، من الطائف، والحِيرة (١٠)، والأنبار (١١).

стр. 3256

وقيل: يجوزُ تسميتُهم (١) أُمِّيِّين على الأغلب. والأميُّ: منسوبٌ إلى الأُمّ، أي: هو على أصل الوِلادة، لم يتعلّم كتابةً. الحسن: "سُمُّوا أُميين؛ لأنهم (٢) لم يأتِهم كتابٌ كما أتى اليهودَ [والنصارى، وغيرَهم " (٣). الثالث: الأُميُّون أمةُ محمدٍ ﷺ ، نُسبوا إلى الأُمَّة، كما تقول: أمة نوحٍ، وأمةُ هودٍ] (٤) (٥). والمرادُ بهم هاهنا: هم الذين كانوا في زمانه ﷺ (٦). ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: يعني: محمداً ﷺ ؛ ليكونَ مثلَهم، فالجنسُ إلى الجنس أميلُ. وقيل: ليكونَ أبعدَ من الريب. وقيل: ليكونَ موافقاً لما في الكتب المتقدِّمة؛ لأنَّ وصفَه فيها (٧) النبيّ الأميّ (٨). ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ﴾: القرآن. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: يُطهّرهم من الذنوب. وقيل: يُعرّضهم لما يصيرون به أزكياء. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾: القرآن.

стр. 3257

﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: مواعظ القرآن. وقيل: السُّنة. وقيل: الفقه في الدِّين. وقيل: الكتابة؛ لأنهم تعلّموها وفشت فيهم بعدَ الشريعة (١). ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾: وأنهم كانوا من قبل محمدٍ ﷺ . ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾: كفرٍ وجهالةٍ. ﴿وَآَخَرِينَمِنْهُمْ﴾: هم الذين جاءوا بعدَ الصحابة، أي: التابعين إلى يوم الدين. ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أي: لم يلحقوا بعدُ. وقيل: هم أولادُ الصحابة [ممّن] (٢) أدركوا النبيَّ ﷺ . وقيل: هم العجم (٣). ومحل ﴿آخَرِينَ﴾: نصبٌ، عطفاً على: ﴿يُكَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ويُعلّم ﴿آخَرِينَ﴾. وقيل: في محلّ جرٍّ عطفاً على ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾. وهذا أظهر. و ﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبعيض (٤).

стр. 3258

وقيل: هو الذي يصحب (أفعل) للتفضيل. وفيه بعدٌ؛ لا يُستعملُ (مِن)، مع (آخر)، ولا مع (أول) (١). ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: لا يمتنعُ (٢) عليه شيءٌ. ﴿الْحَكِيمُ (٣)﴾: يضعُ الشيءَ موضعَه. ﴿ذَلِكَ﴾: قيل: النبوّة. وقيل: انقيادُ الناس لأمره. وقيل: الإسلام (٣). ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾: يشمل (٤) فضله الدنيا والآخرة. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾: أي: عُلِّموها، وكُلِّفوا العملَ بما فيها. ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾: أي: لم يفعلوا ما أُمروا فيها من إظهار صفة محمدٍ ﷺ ونعته، بل غيّروها وحرّفوا الكلِمَ عن مواضعها. وقيل: ﴿حُمِّلُوا﴾ من الحمالة، وهي: الكفالةُ، لا من الحَمل. وقيل: ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾: قرؤوها، ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾: أي: لم يعلموا معانيها (٥). ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾: كتباً لا يدري ما فيها، وعليه نقلُها ولا نفعَ له فيها. الأسفار: جمعُ سِفْرٍ، وهو الكتابُ الكبير.

стр. 3259

وقيل: هو الكتابُ يُطوى. وقيل: لأنها تكشِفُ (١) عن المعنى بإظهارها له، كما تُسفرُ المرأةُ وجهَها (٢). وقيل: نبطيةٌ (٣)، وهو قول الضحّاك (٤). المبرّد: " جمعٌ لا واحدَ له " (٥). ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: بئس هذا المثل المذكورُ مثلُ القوم. قال أبو علي: " ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ مثلُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾، فحُذفُ المضافُ، و ﴿الَّذِينَ﴾: في محلّ رفعٍ. قال: وإنْ شئتَ جررتَ، والمذموم محذوف (٦) كما حُذف الممدوحُ في قوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٣٠] " (٧). ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾: لا يُرشدُهم. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾: يُريدُ قولَهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. وقولهم (٨): ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١]. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦)﴾: ادعوا على أنفسِكم. وقيل: تمنّوها بقلوبكم، فإن من هذه حالُه، فالجنةُ آثرُ عنده. ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: في شأن محمدٍ ﷺ ، وكتمانِ نعتِه، وتغيير صفته (٩). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾: سبق بيانُ هذه الآية في سورة البقرة (١٠). ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (١١): أي: تكرهونه. وقيل: تهربون منه. وقيل: لا تلتفتون إليه. والأول أظهر؛ لأن الفرارَ منه لا يُمكنُ ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾: يحلُّ بكم ويأتيكم (١٢). ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾: بالموت. ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: لا تخفى عليه خافيةٌ. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾: يُخبرُكم ويُجازيكم عليه. والفاء دخل خبرَ المبتدأ؛ لأن المبتدأَ (١٣) - وإنْ لم يكنْ موصولاً - فهو موصوفُ بموصولٍ، والصفة والموصوف شيءٌ واحدٌ (١٤).

стр. 3260

الأخفش: الفاءُ زيادةٌ (١). وفي حرف ابن مسعود ﵁: ﴿إن الموتَ الذي تفرُّون منه ملاقيكم﴾ (٢). وقيل: تمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، على تقدير: فرُّوا أو لا تَفرُّوا فإنه ملاقيكم (٣). وفيه بُعدٌ. وقال صاحبُ النظم: " دخلت الفاءُ؛ لأنه جوابٌ لقوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ .. ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ " (٤). والقول هو الأول، وهو مذهب أبي عليّ (٥). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾: المرادُ به الأذان لصلاة الجمعة (٦). والجمعةُ سُمِّيت جمعةً (٧) لاجتماع الناس فيها (٨) للصلاة (٩). وكانت العربُ تُسمّيه العَروبة (١٠) (١١).
следующие страницы →