← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ كعبدة الأوثان. ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ يجعلون له عديلاً، وهو: المثل. ﴿قُلْ﴾ يا محمد للذين حرموا الحرث والأنعام ﴿تَعَالَوْا﴾ احضروا ﴿أَتْلُ﴾ أقرأ ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ الذي (١) حرم، ومحله نصب بـ ﴿أَتْلُ﴾، وقيل: نصب بـ ﴿حَرَّمَ﴾، و ﴿أَتْلُ﴾ بمعنى: أقل. وقوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ من صلة ﴿حَرَّمَ﴾، وقيل: استئناف للإغراء، ويحتمل أن يكون صلة ﴿أَتْلُ﴾. قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ بدل من ﴿مَا﴾ ومحله نصب. الزجاج: لأن لا، ومحله خفض، وقيل: رفع، أي: ذلك أن لا تشركوا، وقيل: تشركوا: جزم إذا حملت على النهي، ونصب إذا أعملت (أن) وكذلك ما بعدها. وقيل: (أن) هاهنا هي المفسرة، بمعنى: أي، وقيل: (لا) صلة، والمعنى: لا تشركوا مع الله في العبادة والطاعة غير الله. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: أوصيكم بالوالدين إحساناً. وقيل: أحسنوا بالوالدين إحساناً، فحذف لأن المصدر دل عليه، والمعنى: عقوقهما حرام والبر بهما والإحسان إليهما فرض. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ فقرٌ بكم. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ والإملاق: الفقر يحمل صاحبه على الخضوع. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ أي: الزنا سراً وجهراً. وقيل: ما ظهر: بالجوارح، وما بطن: بالنية.

стр. 352

وقيل: الآثام كلها فواحش فنهى عنها ظاهرها وباطنها (١). وما ظهر وما بطن بدل من الفواحش. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ القود بالنفس الحرام، والزنا بعد الإحصان، والكفر بعد الإيمان. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ما ذكر مفصلاً ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ وصاكم ربكم بحفظه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ لتصيروا من الراشدين. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يريد التجارة وتثمير ماله. الزجاج: ركوب دابته واستخدام خادمه وقد سبق (٢). ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ثماني عشرة سنة (٣). وقيل: إذا احتلم. وقيل: يبلغ الحنث. وقيل: ثلاثين سنة. جمع شِدَّة، كنِعْمَة وأَنْعُم. وقيل: جمع شَدّ (٤). وقيل: هو واحد، كالآنُك (٥). ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ أوفوهما بالعدل تاماً.

стр. 353

والميزان: مصدر، كالكيل. ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: إذا توخيتم الإيفاء فلا تؤاخذون بما ليس في وسعكم بالتعديل على أقل القليل فإنه يصعب (١) خصوصاً في الكيل. ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: إذا حكمتم بين الناس فتكلمتم (٢) فقولوا الحق. وقيل: تجتنبوا الزيادة والنقصان. وقيل: لا تحيفوا وإن كان المقول فيه قريباً لكم. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ هو ما عهد إليكم من تأدية أحكام الشرع، وقيل: النذر (٣) والحلف. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ما تقدم ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ تتعظون. ﴿وَأَنَّ هَذَا﴾ أي: ما سبق في السورة، لأنها كلها في التوحيد وأدلة النبوة وإثبات الدين. وقيل: الإشارة إلى هذه الآيات، لأنها المحكمات التي لم تنسخ في ملة من الملل. وقيل: هو القرآن. ﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ طريقي الذي يؤدي سالكه إليَّ لا عوج فيه، و ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ حال ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ اعملوا بموجبه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الكتب المتقدمة والشرائع المنسوخة. وقيل: البدع والشبهات.

стр. 354

﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تزيلكم عن الإسلام وتبعدكم عن القرآن. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: الاتباع ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ أمركم بلزومه ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ لتكونوا على رجاء إصابة التقوى. ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ثم: لتراخي الأخبار، أي (١): ثم أخبركم أنَّا آتينا موسى الكتاب. وقيل: ثم قل آتينا موسى. وقيل: ثم مع الجملة يأتي بمعنى الواو (٢). ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ قيل: الفعل مسند إلى ضمير ﴿الَّذِي﴾ وهو واقع موقع الجمع، أي: على الذين (٣) أحسنوا وهم الأنبياء، كقول الشاعر (٤): وإن الذي حانتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤهُمْ ... هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أُمَّ خالدِ وقيل: الفعل لله، أي: تماماً على الذي أحسن الله إلى موسى ﷺ . وقيل: الفعل لموسى، أي: تماماً على الذي أحسن موسى من قيامه بأمرنا ونهينا. وقيل: أحسن موسى، أي: عَلِم. وقيل: الفعل لإبراهيم ﷺ . وجوَّز الكوفيون أن يكون ﴿أَحْسَنَ﴾ اسماً في محل جر صفة لـ ﴿الَّذِي﴾ وهذا

стр. 355

خطأ عند البصريين (١). وقرئ (أحسنُ) أي: هو أحسن (٢). وقيل: ﴿الَّذِي﴾ بمعنى: ما، أي: على إحسانه، وفيه بُعْدٌ أيضاً. ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: بياناً لكل ما يحتاجون إليه في دينهم. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ﴾ أي: بني إسرائيل ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾ بالثواب والعقاب والبعث والحساب. ﴿وَهَذَا﴾ يعني القرآن ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ كثير الخير ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ أي: اعملوا بما فيه ﴿وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ أي (٣): بعد الاتباع. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: أنزلنا القرآن كراهة أن تقولوا، أو: لئلا تقولوا، وقيل: لعلكم تتقون أن تقولوا (٤) يا أهل مكة. ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ اليهود والنصارى، وخُصَّا بالذكر لحصولهما بين أظهرهم (٥)، وهذا يدل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب (٦). ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾ ما ندري ما هي وما معنى كتبهم. ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ أصوب ديناً. وقيل: أشد اهتداء. والأحسن أن يجعل من الهداية؛ لأنه لا يهدي (٧) إلا مهتد. ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حجة واضحة بليغة تعرفونها. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ لمن عمل به.

стр. 356

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ﴾ أي: النبي ﷺ ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: برد آيات الله ﴿وَصَدَفَ﴾ أعرض ﴿عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ يعرضون ﴿عَنْ آيَاتِنَا﴾ غير متفكرين فيها ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ شدته ﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾ بإعراضهم. وصدف: لازم ومتعد، والآية تحتملهما إذا قدرت مفعولاً. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظر أهل مكة. والنظر إذا لم يكن مقيداً بإلى كان انتظاراً، ولم يكونوا منتظرين لذلك (١) في الحقيقة، ولكن يقال لما سيلحق لا محالة إنه ينتظره، أي: يلحقه لحوق المنتظر. ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ لقبض أرواحهم، وقيل: بالعذاب. ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ يعني: عذابه أو إهلاكه أو أمره، فحذف لأن التهديد دلَّ عليه. والإتيان الذي هو انتقال لا يجوز (٢) على الله سبحانه (٣). ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ يعني: أشراط الساعة. وروي عن حذيفة والبراء بن عازب ﵄ قالا: كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله ﷺ فقال: (ما تذاكرون؟ ) قلنا: نتذاكر الساعة، فقال (٤): (إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر أمارات: الدُّخان (٥)، ودابَّة الأرض، وخسفاً بالمشرق، وخسفاً بالمغرب، وخسفاً بجزيرة العرب، والدَّجَّال (٦)، ويأجوج ومأجوج، ونار تخرج من قعر عدن، ونزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها) (٧). ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ قيل: ذلك إذا ظهرت أولى (٨) الآيات. وقيل: إذا خرجت الآيات كلها، لأنه يغلق باب التوبة.

стр. 357

وروي أن رسول الله ﷺ قال يوماً لأصحابه: (بادروا بالعمل الصالح قبل أن يغلق باب التوبة بطلوع الشمس من مغربها) قالوا يا رسول الله: كيف يكون ذلك؟ قال: (إنَّ الشمس إذا غربت صارت إلى تحت العرش فخرَّت ساجدة إلى أن يقال لها ارتفعي فاطلعي (١) من مطلعك، فإذا أراد الله قيام الساعة لا يقال لها كما كان يقال (٢)، فيطول الليل على الناس فيقع الفزع، ثم يقال لها اطلعي وارتفعي (٣) من مغربك، فتطلع من المغرب مع القمر مقرونَيْن (٤)، كبعيرين مقرونين، فبعد ذلك لا ينفع نفساً إيمانها ولا عملها بالصالحات) (١). قوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ قيل: إخلاصاً، وقيل: طاعة، وقيل: توبة. وقوله: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ دليل لمن قال إن الإيمان لا يشترط في صحته إلى العمل (٥). وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ دليل على أن العمل مع الإيمان مشروط. و﴿أَوْ﴾ يدل على صحة القولين (٦). ﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾ إحدى هذه الآيات الثَّلاث (٧) ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ ثوابه وكرامته. وقيل: إنا (٨) منتظرون بكم إحداها. وقيل: إنا منتظرون هلاككم وموتكم فانتظروا هلاكي وموتي. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ أي: آمنوا ببعض وكفروا ببعض. و(فارقوا) معناه: باينوا وخرجوا عنه (٩). ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ فرقاً يدين بعضهم بخلاف ما يدين به البعض، فتهوَّد قوم وتنصَّر قوم (١٠)، وكان دين الله دين إبراهيم ﷺ . وقيل: هم أهل البدع من هذه الأمة (١١).

стр. 358

وقيل: هم اليهود والنصارى اختلفوا فيما بينهم. الحسن: جميع المشركين (١). وأصله من: شاع وذاع. وقيل: أصله مِنْ: شَيَّعْتُه، أي: اتَّبَعْتُه. ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي: أنت بريء منهم. قال (٢): إذا حاولتَ في أسدٍ فُجوراً ... فإني لستُ مِنْكَ ولستَ مِنِّي وقيل: هو نهي عن قتالهم، ثم نسخ بآية السيف (٣). وقيل: ليس عليك من جنايتهم ضرر. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يتولى جزاءهم. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ أي: يعاقبهم. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾. ابن عباس ﵄: الحسنة: قول لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك (٤). غيره: الحسنة: عام في كل طاعة يأتيها المؤمن (٥)، والحسنة: الفعلة الواحدة. وتقع على الإيمان الذي يضم جميع الطاعات. وقوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ قيل: يكتب بالواحدة عشر حسنات. روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ صَامَ رمضان وأتْبَعَهُ بسِتٍّ من شوال فقد صام السَّنة كلَّها فاحسِبوا إنْ شئتم) (٦). وقيل: عشر من النعيم. وقيل: المراد بالعشر: التضعيف، لا العدد المعلوم المحدود، كما يقال: إن أسديت إلي معروفاً كافأتك عشراً. وقيل: العشر لبعض الطاعات كما سبق. وقيل: لبعض المطيعين.

стр. 359

فإن عمر ﵁ قال: نزلت هذه الآية (١) في الأعراب والأضعاف (٢) للمهاجرين (٣). وقيل: من جاء بالإيمان فقد جاء بعشر حسنات، وهي المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥] (٤). وقوله: ﴿أَمْثَالِهَا﴾ أي: في كونها حسنة. وقيل: المراد به المجانسة، أي: من أَحْسَنَ أُحْسِنَ (٥) إليه. وأنث عشراً: لأن الأمثال مضافة (٦) إلى مؤنث، وقيل: تقديره: فله (٧) عشر حسنات أمثالها، فحذف الموصوف. وعن سفيان الثوري ﵀ قال: لما نزل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ قال النبي ﷺ : (رب زِدْني) فنزلت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]، فقال: (رب زِدْني)، فنزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥]، قال: (رب زِدْ أمَّتي) فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (٨).

стр. 360

والسيئة: الكفر، وجزاؤها: النار (١). وقيل: عام، كالحسنة. والمراد بمثلها: أنها تسوء كالسيئة. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ لا ينقصون من حسناتهم ولا يزاد في سيئاتهم. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: دلني وأرشدني إلى دين مستقيم ليس فيه شِعْبٌ يخاف منه الضلال، وهو دين إبراهيم ﷺ . ﴿دِينًا﴾ بدل من الصراط (٢) على المعنى، يقول: هَدَيْتُ الطريق وإلى الطريق. وقيل: محمول على المعنى، أي: عرفني ديناً. ﴿قِيَمًا﴾ قائماً، فَيْعِل للمبالغة، و (قِيَماً): مصدر كالشِّبَع (٣). ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ شريعة إبراهيم (٤)، مشتقّة من: الإملال، لأنها تُبْتَنَى على مكتوب ومسموع. وقيل: مِنَ المَلَّةِ، لتأثيرها. ونصبها على البدل (٥). ﴿حَنِيفًا﴾ مائلاً عن الأديان (٦)، وقيل: مستقيماً، وقد سبق (٧).

стр. 361

﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾. ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي﴾ يريد ذات الركوع والسجود ﴿وَنُسُكِي﴾ عبادتي. وقيل: ديني. وقيل: قرباني. ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ حياتي وموتي لله وهو مدبري في الحالتين. وقيل: عملي في حياتي وما أوصي به بعد مماتي (١) ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ مَالِكُهُم. ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في العالمين، وقيل: لا شريك له في المذكور أَوَّل. ﴿وَبِذَلِكَ﴾ أي: بذلك القول ﴿أُمِرْتُ﴾ وقيل: بالإخلاص ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ من أمتي. وقيل: أول من استحق هذا الاسم. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أطلب رباً ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خالق كل شيء، فلا تصح الربوبية لمربوبه، وهذا استفهام بمعنى التوبيخ، وجواب لمن دعوه إلى عبادة الأصنام (٢). ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ هذا كقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، ويحتمل أن التقدير: ولا تكسب كل نفس إلا لها وعليها (٣). وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ جواب للوليد بن المغيرة حين قال:

стр. 362

﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] (١). ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: في القيامة. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ يبين الرشد من الغي عياناً. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ أي: سكان الأرض (٢) بدل الجنّ. وقيل: خلائف الأرض: أمة محمد ﷺ . وقيل: يخلف بعضكم بعضاً ويخلف في (٣) أهل كل عصر من كان قبله. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ في النَّسب والحسب والفقر والغني والذلّ والعزّ وغير ذلك. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ ليختبر شكركم وصبركم (٤)، والله عالم بما يكون منكم، والمعنى: يعاملكم معاملة المُبْتَليِ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لأن (٥) ما هو آتٍ قريب، ومثله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]. ابن بحر: معناه: إذا شاء عاقب (٦). وقيل: معناه: يسرع عقاب من استحقه (٧). ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ لمن استغفر وتاب. وقيل: سريع العقاب لأعدائه غفور رحيم لأوليائه (٨).

стр. 363

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الأعراف ، مكية (١). قال ابن عباس ﵄: هي مكية، إلا خمس آيات من قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] (٢). وقيل: كلها مكية (٣). (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿المص (١)﴾ سبق الكلام في الحروف الواقعة أوائل السور على العموم (٤). وقيل في هذه السورة على الخصوص إن (٥) معناه: المصور. وقيل: أنا الله أَعْلَمُ وأَفْصِل. وقيل معناه: ألم نشرح لك صدرك (٦). ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: هذا كتاب، وقيل: القرآن كتاب. ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ﴾ الفاء لعطف جملة على جملة. وقيل: فيه معنى الشرط، وتقديره: إذا كان أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك ﴿حَرَجٌ مِنْهُ﴾.

стр. 364

ابن عباس ﵄: شك (١). الحسن: ضيق، خوفاً أن لا تقوم بحقه (٢). وقيل: ضيق بأن يكذبوك. فإن أبا هريرة ﵁ روى عن النبي ﵊ قال: (أخاف أن يثلغوا رأسي فيجعلوه كالخبزة) (٣). والهاء في ﴿مِنْهُ﴾: تعود إلى الكتاب (٤)، وقيل: إلى تكذيب المشركين، وقيل: إلى الإنذار لأنه في تقدير التقديم. ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي: أنزل لتنذر به. وقوله: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ اعتراض. وقيل: لتنذر على انشراح صدر بالإنذار. ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ أي: ولتذكر المؤمنين. وخصهم بالإنذار (٥) لانتفاعهم بها. ومحلها نصب بالمصدر، ويجوز الرفع بالعطف (٦) على الكتاب، ويجوز الجر، أي: للإنذار والذكرى.

стр. 365

﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: القرآن، أي: قل اتبعوا، وقيل: خطاب له وللمؤمنين. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: الأصنام. ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ أي: تذكرون قليلاً، وما: صلة. وقيل معناه: قليلا تذكركم، وقيل: قليل من يتذكر منكم، وقيل: ﴿مَا﴾ نفي، وفيه بُعْد. ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ كم تستعمل للكثرة والاستفهام، والمراد به هاهنا الكثرة. ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي (١): أهلها، والمراد: أردنا إهلاكها، وقيل: أهلكناها بالخذلان (٢). وقيل: الإهلاك ومجيء البأس معاً، كما تقول: أعطيتك وأحسنت إليك. وقيل: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا﴾ أي: فصح أنه جاءها ﴿بَأْسُنَا﴾ عذابنا. وقيل: أهلكناهم بإرسال الملائكة للعذاب. ﴿بَيَاتًا﴾ ليلاً. ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)﴾ نائمون وقت الظهيرة. المعنى: أخذناهم بغتة في حال سكون وراحة. وحذف واو الحال لأن العائد ينوب عنه. الفراء: الواو مضمر، وتقديره: أو وهم، وفيه بعد (٣). والمعنى: بعضهم بياتاً وبعضهم قائلون (٤).

стр. 366

﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ أي: دعاؤهم وقولهم. ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾ اعترفوا بأنهم كانوا ظالمين، وقيل: ظنوا أن الإقرار ينفعهم فلم يقبل منهم. ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ عن إجابتهم الرسل وقبول الرسالة والحرمة لهم (١). ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ عن أداء الرسالة والشفقة على الأمم؛ ليجازى كل على فعله. وقيل: هذا سؤال محاسبة ومطالبة، واستشهاد الرسل: كاستنطاق الجوارح. ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يسأل كل أحد بكلامه ليس بينه وبينه ترجمان) (٢). وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: يقرأ على العبد ما هو مكتوب في كتاب عمله (٣). وفي قوله: ﴿بِعِلْمٍ﴾ قولان، أحدهما: بأنا عالمون، والثاني: بمعلومنا، كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].

стр. 367

﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ عن الأمم والرسل. ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ والوزن: يعني (١) وزن الأعمال، وهو مقابلة شيء بشيء ليظهر مقداره منه. وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم إذ سألنا وقصصنا، يعني: يوم القيامة، فحذفت الجملة وعوض عنها (٢) التنوين فصار للتعريف (٣). ﴿الْحَقُّ﴾ أي لا نقصان ولا رجحان. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ جمع ميزان، والجمهور على أنه ميزان له لسان وكفتان، والوازن: جبريل ﵇. وذهب بعضهم إلى أن الميزان: عبارة عن العدل، وقيل: الميزان كتاب أعمال الخلق. وذهب بعضهم إلى أنه: عبارة عن رفع المنزلة (٤). وجمع الميزان لتعدد من يوزن لهم، وقيل: لاختلاف الموزونات، كقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقيل: هي (٥) جمع موزون لا جمع ميزان. وفيما يوضع في الميزان والأعمال أعراض أقوال، أحدها: الذي (٦) يوزن

стр. 368

صحائف الأعمال. وقيل: وزن الحسنات والسيئات بأن يجعل الله في موضع الحسنات ثقلاً وفي موضع السيئات خفة، وقيل: يوزن الإنسان (١). ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: مكناكم من سكناها وزراعتها، وقيل: ملكناكموها، والتمكين: التمليك. ابن عيسى: هو إعطاء ما يصح به الفعل مع دفع المنع. ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ جمع معيشة، وهي (٢) ما يتعيشون به، وقيل: ما يتوسلون به إليها، وقيل: المعيشة ما منه العيش من مطعم (٣) أو مشرب، وزنها مَفْعِلة ومَفْعُلة. ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾ أي: ما أقل شكركم وقد فعلت بكم هذه كلها، وقيل: قل من يشكر منكم. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ عن ابن عباس ﵄: خلقنا أباكم آدم (٤). فحذف المضاف، أو نزل خلقه منزلة خلق الكل لما كان (٥) الخلق كلهم (٦) من أجزاء انفصلت عنه. ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي: في أرحام الأمهات، وتصوير الشيء: إعطاؤه صورته. وقيل: خلقنا أباكم ثم صورناكم في ظهره (٧).

стр. 369

وقيل: خلقناكم في أصلاب الآباء ثم صورناكم في بطون الأمهات. وقيل: خلقنا أباكم وصورنا أباكم. ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ موضوعة للتراخي. وذهب الأخفش: إلى أنه هاهنا بمعنى الواو (١)، وقيل: فيه تقديم وتأخير، وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الخبر، أي: ثم أخبركم أنا قلنا للملائكة. ومن جعل الخلق والتصوير والخطاب كلها لآدم فثم وقع (٢) موقعه؛ لأن (٣) هذه فعلت بآدم (٤) في أوقات متباينة، وأما ذكر التصوير بعد الخلق فليس بمشكل، لأن التصوير وقع بعد خلق شيء منه (٥) لا محالة. ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾ سبق في البقرة (٦). وروى النقاش أن بعض المفسرين قال: إن الله أسجد الملائكة لآدم ﵇ مرتين، مرة عند تمام خلقه وهو قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ [الحجر: ٢٩] الآية، ومرَّة عند قوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١] وهذه الرواية مخالفة لإجماع المفسرين (٧).

стр. 370

﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ أَيُّ شيءٍ حال بينك وبين السجود لآدم. و(لا) صلة، كقوله ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]. وقيل: المنع بمعنى القول، أي: من قال لك لا تسجد، وهذا مزيّف (١)؛ لأن النهي مجزوم. وقيل: الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف مامنع منه، فكأنه قيل: أي شيء اضطرك إلى أن لا تسجد. وقيل: ما الذي جعلك في مَنَعَةٍ من عذابي. ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا ليس بجواب للأول. وذهب بعضهم إلى أنه جواب من حيث المعنى، أي: المانع هو أني خير منه. وذكر العلَّة، فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ وهي نورانيَّة. ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ وهو ظلماني (٢). وقيل: أخطأ إبليس، فإن الجواهر كلها من حيث كونها جوهراً سواء، وإنما اختلافها بالأعراض والأوصاف. وذهب بعضهم إلى أن الطين أفضل من النار. وقول من قال إن إبليس قاس، قول ركيك؛ لأنه ليس في الآية قياس ولا احتجاج (٣). ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ قيل: من السماء، وقيل: من الجنة، وقيل: من الأرض، فإنه

стр. 371

أُخرج إلى البحر، وقيل: من المرتبة التي أنت فيها. ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ أن تترفع وتمتنع عما أمرت به. ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ الأذلاء، جمع صاغر، وقيل: من المعذبين. ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤)﴾ سأل من الله أن يُبقيه (١) إلى يوم القيامة. ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ الجمهور على أنه منظر إلى وقت غير معلوم. وقيل: مُنظرٌ إلى النفخة الأولى. وقيل: مُنظر (٢) إلى يوم القيامة. ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ قيل: الباء بمعنى مع، وقيل: باء البدل (٣)، ويحتمل السبب، وقيل: بمعنى اللام، وقيل: للقسم. وذكر الثعلبي: أن (ما) للجزاء، وهو سهو (٤)، إذ لا جزاء بعده، ولأن (ما) الشرط لا يدخل عليه الباء من فعل يقع قبله، لا يجوز: مررتُ بمن تمرر، ولكن تقول: بمن تمرر أمرر به. وقيل: للاستفهام، وهو ضعيف، لأن الألف تحذف (٥) منه في الاستفهام إلا في ضرورة الشعر (٦). وقيل: للمصدر، وهو الصواب، أي: بإغوائك إياي.

стр. 372

ومعنى أغويتني: أضللتني. وقيل: أهلكتني. وقيل: خيبتني. وقيل: ألقيتني غاوياً. وقيل: سميتني غاوياً (١). وقيل: جعلتني في الغَيِّ، وهو العذاب، من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، أي: عذاباً. ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ أي: أترصد لهم فأصدهم عن سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم، وقيل: طريق الجنة، وقيل: طريق مكة. وتقديره: على صراطك وفي صراطك، فحذف الجار قياساً على المبهم من ظرف (٢) المكان. ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ أكثر المفسرون في هذه الآية، ومحصول كلامهم أنه يتصرف بهم في الإضلال من جميع الجهات. وقال في الأوليين ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية، وفي الأخريين ﴿وَعَنْ﴾ لأن ﴿وَعَنْ﴾ يدل على (٣) الانحراف. ابن عباس ﵄: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ من قبل الآخرة، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من قبل الدنيا، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من قبل حسناتهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ من قبل الباطل (٤).

стр. 373

وعنه أيضا: ولم يقل من فوقهم (١)؛ لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم (٢). ولم يقل: من تحتهم؛ لأن الإتيان منه توحُّش (٣). ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ موحدين مطيعين. الحسن: لما أغوي آدم ﵇ علم أن ذريته أضعف منه فقال الله سبحانه ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] (٤). وقيل: إنما علم من جهة الملائكة. ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ معيباً. والذَّأْمُ والذَّيْمُ والذَّمُّ: العيب، والمهموز أشدها. ﴿مَدْحُورًا﴾ مطروداً مبعداً من رحمة الله (٥). وقيل: مطروداً من السماء. ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ هو إبليس وذريته ومن تبعه من ذرية آدم، وغلب الخطاب على الغيبة، وكرر الخروج ثلاث مرات لأن الأول خروج (٦) مطلق، والثاني خروج بصفة صغار وذل، والثالث بصفة (٧) طرد وذم شديد. ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ﴾ أي: وقلنا بعد إخراج إبليس من الجنة ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ﴾ (٨).

стр. 374

﴿أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ أي: اتخذها (١) مسكناً. ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ سبق تفسيرها في البقرة (٢). وعن أهل الكتابين: أنها شجرة الحنظل، أي: استدلّا على (٣) مرارة أحوال الدنيا، حكاه الماوردي (٤). ﴿فَتَكُونَا﴾ أي: فتصيرا (٥). ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ يجوز أن يكون نصباً، وأن يكون جزماً (٦). ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾ أي: إليهما (٧) ﴿الشَّيْطَانُ﴾. قيل (٨): كان وسواساً وإلهاماً. وقيل: كان كلاماً، لقوله عقيبه ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا﴾، الآية (٩). ابن بحر: أصل الوسواس: الإكثار من الكلام على غير نظام. غيره (١٠): الوسوسة: حديث النفس. ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا﴾ ليظهر، واللام لام العاقبة.

стр. 375

﴿مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ من جملة (١) بدنهما. قتادة: كانا لا يريان سوءاتهما قبل المعصية (٢). وقيل: لم يكن يرى كل واحد منهما عورة صاحبه قبل المعصية، فلما عصيا بدت عوراتهما. ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا﴾ إلا كراهة (٣) أن تكونا. الكوفيون: إلا أن لا تكونا (٤). ﴿مَلَكَيْنِ﴾ تَعْلَمان الخير والشر. وقيل: ملكين تستغنيان عن الغذاء. ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ من الذين لا يموتون. ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ قاسم من باب: طارقت (٥)، وعافاه الله. والمعنى: أقسم لهما يمينا فاجرة، وظَنَّا أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً. وإبليس أول من حلف بالله كاذباً. وقيل: قاسمهما: قال لهما إن كان ما قلته خيراً فهو لكما دوني، وإن كان شرّاً فهو عليَّ دونكما، ومن فعل ذلك معكما فهو من الناصحين لكما، فكانت هذه مقاسمة، حكاه (٦) الماوردي (٧). ﴿فَدَلَّاهُمَا﴾ أي: دلاهما في المعصية.

стр. 376

والتدلية والإدلاء: الإنزال من أعلى (١) إلى أسفل، كقوله: ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩]. ابن عيسى: حطهما إلى المعصية. الثعلبي: دللهما فقلب اللام الأخير ياء (٢). الواحدي: جرأهما على المعصية، ولا أدري من أين أخذ (٣). ﴿بِغُرُورٍ﴾: هو إظهار النصح مع إبطان الشر. ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ فروجهما. وسمي الفرج سوءة: لأنه يسوء صاحبه ظهوره. ابن عباس ﵄: كانا كسوتهما من النور (٤). قتادة: كان لباس آدم وحواء في الجنة ظفراً كُلُّه (٥). وقيل: كان حُلَّة (٦). ﴿وَطَفِقَا﴾ داما.

стр. 377

﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾ يجعلان ورقة على ورقة ليسترا فروجهما. والخصف: ترقيع النعل، فصارت الأوراق كهيئة الثوب. ﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ أي: من ورق شجر الجنة (١)، وهو ورق التين، وقيل: ورق الموز. ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ أي: عن أكلها. ﴿وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ ظاهر العداوة. ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ أسأنا إليها بالمعصية. ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾ تستر عيوبنا. ﴿وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ من الهالكين. ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾ سبق في البقرة تفسير أكثر هذه الآيات (٢). ﴿قَالَ فِيهَا﴾ في الأرض. ﴿تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ للثواب والعقاب، فهبط آدم بأرض الهند وحواء بجدة والحية بأصفهان وإبليس بالأبلة، وقيل: بالمدائن (٣). ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ خطاب للحاضرين ولمن يأتي بعدهم. ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ أي: خلقنا. وذكر بلفظ الإنزال: لعلو الشأن، ومثله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦]. وقيل: أنزل (٤) الماء، وهو السبب (٥) لكلّ ملبوس من قطن أو كتان وصوف وإبريسم. وقيل: أنزل أصل كل شيء من السماء عند إهباط آدم ﵇ إلى الأرض.

стр. 378

﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ لتستروا به عوراتكم ويدفع (١) عنكم الحر والبرد. واللباس: كل ما يلبس (٢) من ثوب ودرع وغيرهما، وأصله: مصدر لَبِست الشيء لِبْسَاً ولِبَاسَاً. ﴿وَرِيشًا﴾ هو اسم للمال. قال الشاعر (٣): فريشي منكمُ وهوايَ مَعْكُمْ ... وإنْ كانت زِيارتُكُمْ لِمامَا وقيل: الأثاث والدثار والشعار. الزَّجَّاج: هو اللباس (٤). ابن زيد: الريش: كل ما فيه الجمال (٥). والرياش: الخصب في المعاش، وقد قرئ به (٦)، وأصله: من ريش الطائر، وهو كسوته. ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ وهو الإيمان ببعث الرسول وإنزال القرآن. وقيل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: ما يلبس للتواضع كالصوف والخشن من القطن (٧). وقيل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: ستر العورة. ويحتمل أن اللباس زيادة والمراد عين التقوى، كقوله ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ [النحل: ١١٢]. وقيل: هو الحياة. وقيل: خشية الله. وقيل: السمت الحسن ابن بحر: هو لبس ما يُتقى به من (٨) الحرّ والبرد (٩).

стр. 379

﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: خير لصاحبه. وقيل: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى لباس التقوى. وقيل: إشارة إلى جميع ما تقدم. وقيل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ﴾ الحياء. وقيل: الدرع والمغفر والساعدان (١). ومن قرأ ﴿وَلِبَاسُ﴾ بالرفع (٢): جاز أن يكون ذلك فصلاً وعماداً (٣)، وجاز أن يكون بدلاً، وجاز أن يكون مبتدأ. وذكر بعض المفسرين: أن جماعة من المشركين كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت، فأنزل الله هذه الآية (٤). ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: من فرائضه التي أوجبها بآياته، يريد ستر العورة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ يتعظون. وذهب (٥) بعضهم إلى أنه ليس في الآية ما يدل على وجوب ستر العورة. ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ لا يضلنكم بإبداء العورة في الطواف، والمعنى (٦): لا تفتتنوا بفتنته. ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾ أي: تسبب إلى خروجهما ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾، وتقديره: فتنة مثل فتنة أبويكم. ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ مجاهد: نزع عنهما لباس التقوى (٧). غيره: لباسهما: ما سبق ذكره. ﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ فروجهما. مجاهد: معصيتهما حين خرجا من أمر الله (٨). ﴿إِنَّهُ﴾ إبليس ﴿يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ جنوده، من قوله ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ [الشعراء: ٩٥].

стр. 380

وقيل: خيله ورجله، من قوله ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]. وقيل: ذريته، من قوله ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ [الكهف: ٥٠]. وقيل: جنسه الذي هو منهم. ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ لا ترون أجسادهم (١) ولا تعلمون مكانهم، لأن أجسامهم رقيقة وفي أبصارنا ضعف عن إدراك الرقيق اللطيف. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ فلا يقبل قولهم ولا يجيب دعوتهم مؤمن. ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ عبادة صنم. وقيل: عام في المعاصي. وقيل: الفاحشة هاهنا: كشف العورة في الطواف. وقيل: تحريم البحيرة. ﴿قَالُوا وَجَدْنَا﴾ أي: ونهوا عنها قالوا وجدنا. ﴿عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ بالفاحشة. ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ استفهام إنكار يتضمن نهياً. ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ بلا إله إلا الله. وقيل: بالعدل، أي (٢): لا يأمر بالفحشاء بل يأمر بالقسط (٣). ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ استقبلوا القبلة (٤).

стр. 381

﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ سجدة وصلاة، أي: اجعلوها خالصة لله. وقيل: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: مكان صلاة. وقيل: عند وقت كل صلاة (١). ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بالتوحيد والطاعة. وقيل: ادعوه بعد الإخلاص. ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ شقياً وسعيداً. وقيل: مؤمناً وكافراً، من قوله: ﴿خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]. وقيل: يبعثون على ما ماتوا عليه، المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه. وقيل: كما بدأكم ولم تكونوا شيئاً تعودون خلقاً جديداً، يخاطب منكري البعث. وقيل: من التراب خلقكم وإليه تعودون. وقيل: هو مفسر بقوله ﵊: (تحشر الناس حفاة عراة غرلاً) ثم تلا (٢) ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩] (٣). ﴿فَرِيقًا هَدَى﴾ وفقهم وأرشدهم. ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ أضلهم وخذلهم. ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ أي: على طريق (٤) مستقيم.

стр. 382

﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄، قال: كان ناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة، حتى كانت المرأة تطوف بالبيت وهي (١) عريانة فتعلق على سفلتها سيوراً مثل هذه السيور (٢) التي تكون على وجه الحمر دفعاً من الذباب وهي تقول: اليومَ يبدو بعضُه أو كُلُّه ... فما بَدَا منه فلا أُحِلُّه فأنزل الله هذه الآية (٣). ابن عيسى: قالوا إن الثياب قد دنستها المعاصي فتجردوا منها. وقال أيضا: فعلوا تفاؤلاً بالتعرِّي (٤) من الذنوب. قال الكلبي: كانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون في حجهم لحماً ولا دسماً يعظمون بذلك حجتهم، فأنزل الله هذه الآية (٥). ومعنى ﴿زِينَتَكُمْ﴾ لبس الثياب وستر العورة في الطواف وعند الصلاة. وقيل: هو التزين بأحسن اللباس في الجمع والأعياد. وقيل: هو التزين لكل صلاة ولكل دخول مسجد، لقوله تعالى: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أي: اللحم والدَّسم واللَّبن (٦).

стр. 383

﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ في الامتناع عن الحلال. وقيل: بالشروع في الحرام. أَمْرٌ بالتزين بالملابس وتقوية الأبدان والأرواح (١) بالغذاء وأن يكون ذلك من حِلِّه. ابن عيسى: الإسراف: الخروج عن حدّ (٢) الاستواء. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ ومن لا يحبه الله فهو في النار. وذكر الثعلبي أن الرشيد (٣) كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين الواقدي (٤): ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان، فقال له علي بن الحسين (٥): جمع الله الطب في نصف آية من كتابه، وهو قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾، فقال النصراني: ولا يروى عن نبيكم شيئ من الطب، فقال علي: جمع رسول الله ﷺ (٦) الطب في كلمات، وهي قوله: (المعدة بيت الداء (٧) والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته)، فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا رسولكم لجالينوس طباً (٨).

стр. 384

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ إضافة ملك وتمليك. ﴿الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ خَلَقَهُ وأَظْهَرَه. ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ اللذيذات والحلالات، وقيل: هي الشاة وألبانها، لأنهم حرموها في حجهم، وقيل: هي البَحِيْرة الآية (١). ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: للمؤمنين (٢) والكافرين. ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: لا يشاركهم فيها يوم القيامة من ليس بمؤمن. وقيل: هي للمؤمنين في الدنيا مشوباً بالكدر والحزن خالصة يوم القيامة من التعب والنصب والحزن والوصب (٣). و﴿خَالِصَةً﴾ خبر المبتدأ، وقيل: خبر بعد خبر، ومن نصبها فعلى الحال (٤)، والعامل فيها اللام، وهذه مسألة طويلة كتب النحو أولى بها. ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ أي (٥): كما بينا هذا الحكم نبين سائر الأحكام. ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ الفواحش: الكبائر سراً وجهراً.

стр. 385

وقيل: نكاح المحرمات والزنا. وقيل: الطواف عراة. ﴿وَالْإِثْمَ﴾ الذنوب كلها. الفراء: الإثم: هو ما دون الحد (١). وقيل: الإثم: الخمر (٢). واحتجوا ببيت من شعر (٣) من لا يحتج بشعره، وهو أبو نواس (٤): شربتُ الإثم حتى ضلَّ عقلي ... كذاك الإثمُ يذهبُ بالعقول المفضل: الإثم: الخمر (٥)، وأنشد: نهانا رسولُ الله أَنْ نقرب الخنا ... وأن نشرب الإثمَ الذي يوجبُ الوِزْرا والصحيح أن الخمر حرمت بالمدينة وهذه السورة مكية (٦). ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، التسلط على الناس والاستيلاء عليهم. ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ حجة وبرهاناً؛ لأنهم زعموا أن الله أمرهم بعبادة الأوثان.

стр. 386

﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ من تحريم هذه الأشياء والتعري في الطواف. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ أي: وقت معين يأتيهم فيه عذاب الاستئصال إن لم يؤمنوا. ابن عيسى: الأجل الواحد يدل على تقارب أعمار أهل ذلك العصر. ويحتمل (١) أن المراد بالأمة: الآحاد، كقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، أي: لكل أحد أجل لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، وهو قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾. قوله ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: لا يطلبون التأخر لشدة بأسهم. ويحتمل أن تأخر (٢) واستأخر بمعنى. ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ من بني آدم (٣). ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ يقرؤون عليكم كتبي. وقيل: المراد بهم مشركوا العرب، والمراد بالرسل: محمد ﷺ . وقيل: يقصون دلائل (٤) ربوبيتي. ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ أي: الشرك. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ العمل. ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾ أصلاً.

стр. 387

وقيل: لا يحزنون على ما فاتهم من نعيم الدنيا. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كذبوا رسلنا برد آياتنا. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ تعظموا عن الإيمان بها. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾ لا يبرحون. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: أشد في كفره. وقيل: لا أحد أظلم منه (١). ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ فأنكر النبوة ورد الرسالة. ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قيل: الكتاب: اللوح المحفوظ، أي: ما كتب لهم من العمر والرزق والعمل والشقاوة والسعادة. وقيل: الكتاب: القرآن وما كتب لهم فيه. ابن عباس ﵄: زرقة العيون وسواد الوجوه (٢). وقيل: هو العذاب الأكبر الذي أعده الله للكفار. وقيل: هو ما أوجب من حفظ عهودهم إذا أعطوا (٣) الجزية. وقيل: الكتاب: كتاب الحفظة، أي: الجزاء على الطاعات والمعاصي. ويحتمل أن التقدير: أولئك ينالهم ما قسم لهم كما ينال المؤمنين ما قسم لهم (٤)، ثم تتغير أحوالهم عند الموت، وهو قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ أي: ملك الموت وأعوانه. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يقبضون أرواحهم ويتوفون عددهم.

стр. 388

وقيل: يتوفونهم عذاباً وإن لم يموتوا. ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: عبدتموهم. ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ ضاعوا فلا نراهم. ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾. ﴿قَالَ ادْخُلُوا﴾ أي: قال الله. وقيل: قالت الملائكة وخزنة جهنم. ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ مضت. ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾. لم يتكلم المفسرون في تكرار ﴿فِي﴾، ووجهه: أن الثانية متعلقة بالدخول، والأولى بمعنى مع وهي حال (١)، أي: ادخلوا النار مجتمعين معهم. ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ أي: النار (٢). ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ أي: في الدين، الكافر يلعن الكافر واليهودي اليهودي. والأخوة تستعمل في النسب والمشابهة (٣) والمشاركة في الشيء. وأنث لتأنيث الأمة. ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ أي: تداركوا واجتمعوا. ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ دخولاً ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ دخولاً. وقيل: أخراهم: التباع، والأولى: القادة، واللام: لام السبب (٤).

стр. 389

﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ زينوه لنا وسنوا الضلالة (١) فاقتدينا بهم. ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: عذابا ذا (٢) زيادة مثله عليه. ابن عباس ﵄: زيادة حياتٍ وأفاعٍ (٣). وقيل: الضعف: المثل. وقيل: القسط. وحكى الماوردي أن الضعف هاهنا: العذاب، وهو بعيد (٤). ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ للقادة بكفرهم وإغوائهم، وللتابع بكفرهم وتقليدهم والاقتداء بهم (٥). أي: كفيتم ما تسألون ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾. التاء (٦) يصلح للاتصال والانفصال والياء للكل (٧). ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ فإنكم كفرتم مثل كفرنا وتساوينا في الكفر. وقيل: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: لم تؤمنوا إذ كفرنا وإنكم في دعائكم علينا ظالمون. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾ أي: فذوقوا بكسبكم وكفركم ولا تحيلوا الذنب على غيركم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ أي: عن (٨) الإيمان بها. ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ لصعود طاعاتهم وأدعيتهم وأرواحهم كما تفتح للمؤمنين. وقيل: لنزول الرحمة. وقيل: لدخول الجنة. ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ يدخل البعير ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ في ثقبة الإبرة، أي: لا يدخلونها أبداً. وقال الماوردي: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ قولان، أحدهما: ثقب الإبرة، والثاني (٩): السم القاتل الذي يدخل (١٠) في مسام البدن، وهذا سوء ضبط منه فإنه لم يفهم كلام ابن عيسى (١١).

стр. 390

﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾ مثل هذا (١) الذي ذكرنا (٢) نجزي الكافرين (٣). ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ فرش (٤). ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ قيل: لحف ولباس، وقيل: ظلل. وانصرف ﴿غَوَاشٍ﴾ لأن الياء لما جاز حذفه من الآحاد تخفيفاً صار حذفه من الجموع (٥) لازماً، فلما حذف الياء صار لها في الآحاد نظير (٦) فدخله التنوين. وقيل: التنوين بدل من الياء الساقط. والقول هو الأول. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾ أي: الكافرين ثم ذكر جزاء المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ طاقتها. والتكليف: إلزام ما فيه كلفة، أي: مشقة. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾. قوله ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ اعتراض. وقيل: تقديره: منهم، فيكون خبراً، واللذان بعده خبر بعد خبر. ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ نخرج أسباب العداوة من قلوبهم. والغلّ: الحقد الذي يتغلغل إلى صميم القلب. وقيل: هو العصبية (٧) والحسد، يعني أصحاب الجنة. وعن الحسن البصري، عن علي ﵁ أنه قال: فينا أهل بدر نزلت هذه الآية (٨). ابن بحر: هو معطوف على الذين آمنوا، أي: آمنوا وبرئت (٩) قلوبهم من الغلّ. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ فإن النظر إلى الماء الجاري من الملاذ. ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ وفَّقنا وأرشدنا لما هذا جزاءه. ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ بأنفسنا. ﴿لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ لضللنا. وقيل: ﴿هَدَانَا﴾ دعانا إليه ودلنا عليه. ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: أتوا بالحق ووقع الموعود على ما سبق الوعد به (٨).
следующие страницы →