← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وقيل: يجوزُ تسميتُهم (١) أُمِّيِّين على الأغلب. والأميُّ: منسوبٌ إلى الأُمّ، أي: هو على أصل الوِلادة، لم يتعلّم كتابةً. الحسن: "سُمُّوا أُميين؛ لأنهم (٢) لم يأتِهم كتابٌ كما أتى اليهودَ [والنصارى، وغيرَهم " (٣). الثالث: الأُميُّون أمةُ محمدٍ ﷺ ، نُسبوا إلى الأُمَّة، كما تقول: أمة نوحٍ، وأمةُ هودٍ] (٤) (٥). والمرادُ بهم هاهنا: هم الذين كانوا في زمانه ﷺ (٦). ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: يعني: محمداً ﷺ ؛ ليكونَ مثلَهم، فالجنسُ إلى الجنس أميلُ. وقيل: ليكونَ أبعدَ من الريب. وقيل: ليكونَ موافقاً لما في الكتب المتقدِّمة؛ لأنَّ وصفَه فيها (٧) النبيّ الأميّ (٨). ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ﴾: القرآن. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: يُطهّرهم من الذنوب. وقيل: يُعرّضهم لما يصيرون به أزكياء. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾: القرآن.

стр. 3257

﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: مواعظ القرآن. وقيل: السُّنة. وقيل: الفقه في الدِّين. وقيل: الكتابة؛ لأنهم تعلّموها وفشت فيهم بعدَ الشريعة (١). ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾: وأنهم كانوا من قبل محمدٍ ﷺ . ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾: كفرٍ وجهالةٍ. ﴿وَآَخَرِينَمِنْهُمْ﴾: هم الذين جاءوا بعدَ الصحابة، أي: التابعين إلى يوم الدين. ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أي: لم يلحقوا بعدُ. وقيل: هم أولادُ الصحابة [ممّن] (٢) أدركوا النبيَّ ﷺ . وقيل: هم العجم (٣). ومحل ﴿آخَرِينَ﴾: نصبٌ، عطفاً على: ﴿يُكَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ويُعلّم ﴿آخَرِينَ﴾. وقيل: في محلّ جرٍّ عطفاً على ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾. وهذا أظهر. و ﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبعيض (٤).

стр. 3258

وقيل: هو الذي يصحب (أفعل) للتفضيل. وفيه بعدٌ؛ لا يُستعملُ (مِن)، مع (آخر)، ولا مع (أول) (١). ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: لا يمتنعُ (٢) عليه شيءٌ. ﴿الْحَكِيمُ (٣)﴾: يضعُ الشيءَ موضعَه. ﴿ذَلِكَ﴾: قيل: النبوّة. وقيل: انقيادُ الناس لأمره. وقيل: الإسلام (٣). ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾: يشمل (٤) فضله الدنيا والآخرة. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾: أي: عُلِّموها، وكُلِّفوا العملَ بما فيها. ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾: أي: لم يفعلوا ما أُمروا فيها من إظهار صفة محمدٍ ﷺ ونعته، بل غيّروها وحرّفوا الكلِمَ عن مواضعها. وقيل: ﴿حُمِّلُوا﴾ من الحمالة، وهي: الكفالةُ، لا من الحَمل. وقيل: ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾: قرؤوها، ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾: أي: لم يعلموا معانيها (٥). ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾: كتباً لا يدري ما فيها، وعليه نقلُها ولا نفعَ له فيها. الأسفار: جمعُ سِفْرٍ، وهو الكتابُ الكبير.

стр. 3259

وقيل: هو الكتابُ يُطوى. وقيل: لأنها تكشِفُ (١) عن المعنى بإظهارها له، كما تُسفرُ المرأةُ وجهَها (٢). وقيل: نبطيةٌ (٣)، وهو قول الضحّاك (٤). المبرّد: " جمعٌ لا واحدَ له " (٥). ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: بئس هذا المثل المذكورُ مثلُ القوم. قال أبو علي: " ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ مثلُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾، فحُذفُ المضافُ، و ﴿الَّذِينَ﴾: في محلّ رفعٍ. قال: وإنْ شئتَ جررتَ، والمذموم محذوف (٦) كما حُذف الممدوحُ في قوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٣٠] " (٧). ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾: لا يُرشدُهم. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾: يُريدُ قولَهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. وقولهم (٨): ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١]. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦)﴾: ادعوا على أنفسِكم. وقيل: تمنّوها بقلوبكم، فإن من هذه حالُه، فالجنةُ آثرُ عنده. ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: في شأن محمدٍ ﷺ ، وكتمانِ نعتِه، وتغيير صفته (٩). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾: سبق بيانُ هذه الآية في سورة البقرة (١٠). ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (١١): أي: تكرهونه. وقيل: تهربون منه. وقيل: لا تلتفتون إليه. والأول أظهر؛ لأن الفرارَ منه لا يُمكنُ ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾: يحلُّ بكم ويأتيكم (١٢). ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾: بالموت. ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: لا تخفى عليه خافيةٌ. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾: يُخبرُكم ويُجازيكم عليه. والفاء دخل خبرَ المبتدأ؛ لأن المبتدأَ (١٣) - وإنْ لم يكنْ موصولاً - فهو موصوفُ بموصولٍ، والصفة والموصوف شيءٌ واحدٌ (١٤).

стр. 3260

الأخفش: الفاءُ زيادةٌ (١). وفي حرف ابن مسعود ﵁: ﴿إن الموتَ الذي تفرُّون منه ملاقيكم﴾ (٢). وقيل: تمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، على تقدير: فرُّوا أو لا تَفرُّوا فإنه ملاقيكم (٣). وفيه بُعدٌ. وقال صاحبُ النظم: " دخلت الفاءُ؛ لأنه جوابٌ لقوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ .. ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ " (٤). والقول هو الأول، وهو مذهب أبي عليّ (٥). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾: المرادُ به الأذان لصلاة الجمعة (٦). والجمعةُ سُمِّيت جمعةً (٧) لاجتماع الناس فيها (٨) للصلاة (٩). وكانت العربُ تُسمّيه العَروبة (١٠) (١١).

стр. 3261

وقيل: أولُ مَن سمَّاه يومَ الجُمُعة: كعبُ بنِ لؤيّ بنِ غالبٍ (١)؛ لاجتماع الناس فيه إلى كعبٍ (٢). وعن النبيّ ﷺ : ((إنما سُمّيَ يومَ الجُمُعَة؛ لأنه جُمع فيه طِينةُ آدمَ ﵇)) (٣). ويجوزُ تسكينُ الميم في الشاذّ (٤). ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: امشوا على القَدم. وقيل: اقصدوا. وقيل: امضوا مسرعين غير متثاقلين. وقيل: فاسعَوا بالنية في القلوب والإرادة والخشوع. وقيل: أجيبوا (٥). وقيل: السَّعي: قصُّ الشارب، ونتف الإبط، وتقليمُ الأظفار، والغُسل، والتطييب للجمُعة، ولُبسُ أفضل الثياب (٦). وكان عمر وابن مسعودٍ ﵄ يقرآن: (فامضوا) (٧) (٨).

стр. 3262

وقال عبدُ الله: " لو كان (فاسْعوا) لعدوتُ واشتددتُ حتى يسقطَ ردائي " (١). وقرأ رجلٌ عند عمرَ ﵁، فقال: " مَن أقرأكَ هذا؟ فقال: أُبيّ، قال: كان أُبيُّ أقرأَنا للمنسوخ " (٢). قوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾: قيل ﴿مِنْ﴾ زيادةٌ، أي: نوديَ للصلاة في يوم الجمعة. وقيل: هو للتبعيض على أصله؛ لأن النداءَ يكونُ في وقتٍ من يوم (٣) الجمعة (٤). قوله: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: الجمهور على أنه الخُطبةُ (٥). وقيل: الصلاة (٦). السُّدي: "إلى الوقت " (٧). ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾: أرادَ البيعَ والشراءَ، فاكتفى بأحدِهما؛ لأنه لا يتأتّى إلاّ به. وقيل: لأنَّ البائعَ والمشتري يقعُ عليهما البِيِّعان (٨).

стр. 3263

وعند الفقهاء: البيعُ يصحُّ وإنْ كان محرَّماً (١). الضحّاك: "إذا زالت الشمسُ حرُم البيعُ والشراءُ " (٢). الحسن: "كلُّ بيعٍ تفوت (٣) معه الصلاةُ فهو محرَّمٌ " (٤). ويحرُم البيعُ حالَ أذان الخُطبة، دون ما تقدّم (٥). ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: السَّعيُ إلى ذكر الله خيرٌ من البيع والشراء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾: فلا تُؤثرون الشِّرَّاء (٦) على الخير. وقيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: مؤمنين. وكذلك جميع (٧) ما في القرآن. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾: أُدِّيت. أي: أدّيتم وفرغتم (٨). ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: هذا إطلاقُ للحظر المتقدّم ذِكره (٩)، وكلُّ أمرٍ وقع بعدَ حظرٍ فهو للإباحة (١٠). و ﴿فَضْلِ اللَّهِ﴾: الرِّزق بالبيع (١١) والشراء (١٢).

стр. 3264

وعن أنسٍ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ قال: ((ليس بطلب دنيا، لكن من عيادة (١)، [مريض] (٢) وحضور جَنازةٍ، وزيارة أخٍ في الله)) (٣). وفي بعض التفاسير: " أرض المسجد " (٤). الحسن وسعيدُ بنُ جبير: " ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: هو طلبُ العلم " (٥). وقيل: " ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ يوم السبت " (٦). وحرّم بعضُهم المكاسبَ يومَ الجمعة، وأوّلوا قولَه: فَانْتَشِرُوا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ على إباحة السَّفر والغزو بعدَ الصلاة لا غير (٧). ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: اشكروه على ما وفّقكم لطاعته وأداء فرائضه. وقيل: واذكروه في تجاراتكم وأسواقكم. وقيل: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾: في الصَّلاة. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾: لكي تسعدوا وتبقَوا في الجنة. ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾: في سبب النزول: في الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في الجمعة فمرّت عِيرٌ تحمل (٨) الطعامَ، فخرج الناسُ إلاّ اثني عشر رجلاً، فنزلت: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٩). وذلك إن أهلَ المدينة أصابهم جوعٌ وغلاءُ سعرٍ، فقدِم دِحْيَةُ بنُ (١٠) خليفةَ الكَلبيُّ (١١) بتجارةٍ من الشام، وضُرب طَبْلٌ ليَعلمَ الناسُ بقدومه (١٢). ورسول الله ﷺ يخطب يومَ الجمعة، فخرج إليه الناسُ، ولم يبقَ في المسجد إلاّ اثني (١٣) عشرَ رجلاً، فيهم أبو بكرٍ وعمرُ ﵄، فنزلت هذه الآية، فقال ﷺ : ((لو تتابعتم حتّى لا يبقى منكم أحدٌ (١٤) لسال بكم الوادي ناراً)) (١٥).

стр. 3265

وقيل: بقي اثنا عشرَ رجلاً وامرأةٌ. وقيل: بقي ثمانيةُ رجالٍ. وقيل: اللهو في الآية: المزامير، وقيل: الغِناءُ (١). قوله ﴿انْفَضُّوا﴾ أي (٢): تفرّقوا عن الخُطبة. وقيل: ذهبوا. ﴿إِلَيْهَا﴾: إلى التجارة، وقيل: إليهما، فأجرى التثنيةَ مجرى الجمع. وقيل: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها (٣)، أو لهواً انفضّوا إليه، فاقتصر على ذكر أحدِهما (٤). وقيل: كان قصدُهم إلى التجارة دون اللهو مما كانوا فيه من الجَهد. وقيل: انفضَّ الشيوخُ للتجارة، والشُّبانُ إلى اللهو. وقيل: انفضُّوا مرةً لهذا (٥) ومرةً لهذا (٦). وهذا أولى؛ لقوله (٧): ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ ٨): أي: على المنبر، ﴿قَائِمًا﴾: تخطُب. وأول مَن استراح على المنبر عثمانُ ﵁ فإنه (٩) جلس ولم يتكلّمْ، ثم عاد قائماً، وأول من خطب جالساً معاويةُ ﵁ (١٠). ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: من الثواب. ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾: وقيل: ما عند الله من الرزق خير (١١). ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾: أي: لم يكن يفوتكم الرزقَ لو أقمتم؛ لأن اللهَ خيرُ الرازقين. ... والحمد لله رب العالمين (١٢).

стр. 3266

سورة المنافقون (١) (٢) إحدى عشرة آية (٣) (٤) مدنية (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾: في سبب النزول: عن زيدِ بنِ أرقمَ ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ ومعنا ناسٌ من الأعراب، وكنا نبتدر الماءَ، وكان الأعرابُ يسبقوننا، ويسبق الأعرابيُّ (٦) أصحابَه فيملأ الحوضَ، ويجعلُ حولَه حجارةً ويجعلُ النِّطعَ (٧) عليه حتى يجيءَ أصحابُه، فأتى رجلٌ من الأنصار، فأرخى زمامَ ناقته لتشربَ، فأبى أنْ يدعَه الأعرابيُّ، فانتزع حجراً ففاض الماءُ، فرفع الأعرابيُّ خشبةً فضربَ بها رأسَ الأنصاريّ فشجَّه، فأتى الأنصاريُّ عبدَ الله بنَ أُبيّ رأسَ المنافقين، فأخبره - وكان من أصحابه -فغضب عبدُ الله بنُ أُبيّ، ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، يعني: الأعراب (٨).

стр. 3267

وفي رواية أخرى قال: "والله ما مثلُنا ومثلُهم إلاّ كما قيل: سمّن كلبَك يأكلك، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليُخْرِج الأعزُّ منها الأذلَّ " (١). قال زيد بن أرقم: وأنا رديفُ (٢) عمّي، فسمعت عبدَ الله يقول ذلك، فأخبرت عمّي، فانطلق فأخبر رسولَ الله ﷺ ، فأرسل إليه رسولُ الله فحلف وجحد، فصدّقه رسول الله ﷺ وكذّبني، فجاء إليَّ عمّي فقال: ما أردت إلاّ أنْ مقتك رسولُ الله ﷺ وكذّبَكَ وكذّبك المسلمون، فوقع عليَّ من الغمِّ ما لم يقعْ على أحدٍ قطُّ، فبينا أنا أَسير مع رسول الله ﷺ إذْ أتأني فعرك أُذني وضحك في وجهي، فما كان يسرّني أن لي بها الدنيا، فلمَّا أصبحنا قرأ رسولُ الله ﷺ سورةَ المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ حتى إذا بلغ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾، حتى بلغ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٣). وذُكِر أنَّ الماءَ الذي نزلوا عليه يُقال له: المُرَيْسِيع. ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾: أي: إذا (٤) حضروك شهدوا (٥) شهادةً مؤكدّةً بأنَّك رسول الله ﷺ .

стр. 3268

وقيل: معنى ﴿نَشْهَدُ﴾: نحلف؛ ولهذا وقع بعده ﴿إِنَّ﴾، واللام. وقيل: معنى ﴿نَشْهَدُ﴾: نعلم (١). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾: لأنه أرسلك إلى الخلق. وهذا اعتراض، وهو من كلام الله سبحانه، فيه تعظيمٌ لنبيّه ﵇. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ﴾: قيل: يحلف. وقيل: يعلم. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾: في قولهم: ﴿نَشْهَدُ﴾؛ لأنَّهم لا يشهدون إذا خلوا، بل يقولون: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]. وهذا كما يقول (٢) الرجلُ: أنا أقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، أو أكتب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، أو: سمعت زيداً يذهب. فتقول له: كذبتَ، أي: لا تقرأ أو لا تكتب ولا تسمع (٣)، ولا يكون ذلك مصروفاً إلى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ولا إلى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ولا إلى قوله: زيدٌ يذهب. وليس هذا كما زعم بعضُهم أن الكذبَ مصروفٌ (٤) إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، وأنهم قالوا غير ما في ضميرهم؛ لأن التصديقَ والتكذيبَ والصدقَ والكذبَ يحملان على الخبر لا غير. والخبر ها هنا ﴿نَشْهَدُ﴾، وقد كذبوا فإنهم لا يشهدون إذا خلوا إلى شياطينهم.

стр. 3269

وقيل: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾: بمعنى مكذِّبون (١) (٢). والله أعلم. ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾: أي: حلفهم الكاذب. ﴿جُنَّةً﴾: وقايةً تقيهم (٣) الأذى، وسترةً يتستّرون بها من القتل (٤). ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أعرضوا عن طاعة الله. وقيل: صدّوا غيرَهم عن الإيمان بإلقاء الشبه. وقيل: فصدوا اليهود، وكانوا يقولون لهم: نحن في الباطل معكم. وقيل: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن الأحكام التي تجب فيهم من القتل والسَّبي لولا ما أظهروه. وقيل: تخلّفوا عن الجهاد، فاقتدى بهم غيرهم (٥). ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾: أي: بئس العملُ عملُهم حين أظهروا خلافَ ما أضمروا، وحلفوا عليه كاذبين. وأفاد ﴿كَانُوا﴾ أنهم بهذه الصفة مذ كانوا. ﴿ذَلِكَ﴾: أي: ذلك الكذب. ﴿بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا﴾: في الظاهر وبالقول (٦). ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾: في السِّرِّ وبالقلب. ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: خُتم عليها حتى لا يدخلَها الإيمانُ جزاءً على نفاقهم. وقيل: وُسمت بسمة الكفر. ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾: لا يتدبَّرون. وقيل: لا يعرفون صحةَ الإيمان كما يعرفه المؤمنون. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾: كان عبدُ الله بنُ أُبيّ حسنَ الجسم، حلوَ الكلام يُصغي النبيُّ ﷺ إلى كلامه، وهو قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾. ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾: أي: لقولهم: لا إله إلاّ الله (٧). ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾: أي: هم في قلة تفهُّمهم وعدم عقلهم وتدبّرهم (٨) خُشبٌ منصوبةٌ. وقيل: ممالةٌ إلى الجدار (٩)، فهم أشباحٌ بلا ألبابٍ. وقيل: كأنَّهم خُشبٌ نَخِرةٌ متآكلّةٌ يُعجب الرائي ظواهرُها، وإذا وقف على بواطنها علم أنْ لا خيرَ فيها (١٠). المبرد: ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾: "طوال، تقول: رجل مسنَّد، أي: طويل " (١١). والخُشُبُ: بضمتين جمع خَشَبةٍ، كثَمَرَةٍ وثَمَرٍ، وبضمَّة واحدة كبَدَنَةٍ وبُدْنٍ. وقيل: هو تخفيف كرُسْلٍ (١٢).

стр. 3270

﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾: ﴿كُلَّ صَيْحَةٍ﴾: المفعول الأول، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾: المفعول الثاني، وتمَّ الكلام (١). والمعنى: هم جبناء متّهمون، وكلما صاح صائحٌ أو تكلّم متكلمٌ ظنوا أنه قد عَرف دخيلتهم (٢) فيُفضحون. ثم قال: هُمُ ﴿الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾: ولا تأمن مَعَرَّتَهم وممايلتَهم لأعدائك ولا تثق بهم. وقيل: هم: لجبنهم إذا سمعوا صوتاً ظنوا أنه القتلُ حلّ بهم وأن العدوَّ قد أتاهم. [وقيل: كلما سمعوا صوتاً ظنوا أن النبيَّ أمر بقتلهم] (٣) (٤). ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾: أي: لعنهم وطردهم. ابن عيسى: "أحلهم محلّ من يقاتله عدوٌّ قاهرٌ له " (٥). ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾: يُصرفون عن الحقّ ويَعدلون عن الصواب، وقيل: يكذبون. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾: لعبدِ الله بنِ أُبيّ ومَن مال إليه (٦). ﴿تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾: وذلك أن بني أبيه (٧) قالوا

стр. 3271

لعبد الله: نزلت فيك، آيٌ شديدةٌ (١)، فأت محمداً واعتذر إليه يستغفر لك، فجعل يلوي رأسَه، أي: لست أفعل ذلك (٢). ومعنى لوَّى رأسه: أعرض عن الشيء أَنَفةً عنه. وقيل: حرَّك رأسه (٣). والتَّشديد للتكرير، والتخفيف للعموم (٤). ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾: أي: يعرضون متكبّرين عن الاعتذار وعن مسألة النبيّ الاستغفار. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾: أي: لن يغفر الله (٥) لهم ماداموا مُصِرِّين على النِّفاق. وقيل: كان النبيُّ ﷺ يستغفرُ لهم فنزلت هذه الآية. وقيل: هذا بعد موت عبد الله (٦). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾. ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾: يتفرقوا. ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: أنه يرزق المهاجرين لا هؤلاء وهو يرزق المؤمنين والكافرين جميعاً. ابن عيسى: "خزائن الله: مقدوراته التي يُخرج منها ما يشاء " (٧). ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾. ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ﴾: عنى به نفسَه. ﴿مِنْهَا﴾: من المدينة ﴿الْأَذَلَّ﴾: يعني به محمداً ﷺ . ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾: بإعزاز كلمته وإظهار دينه. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾: بنصر الله إيّاهم على من ناوأهم. ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾: أنهم لا يقدرون على إخراج الرسول. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي: لا يشغلكم عن الصلوات الخمس. والتقدير: لا تلهوا بها عن ذكر الله، فنسب الفعل إليها، والدليل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: أي: اشغل بشيءٍ من ذلك عن (٨) ذكر الله (٩). ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾: والمعنى (١٠): لا تؤثروا حبَّها على ما فيه فلاحُكم، فإن من بخس نفسَه حقَّها، فقد خسر خُسراناً مبيناً. ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: اجعلوا المالَ فِداءَ أنفسكم وأدّوا الزكاةَ. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: أي: أسبابُه ويصيرَ إلى حال اليأس. ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا﴾: هلاّ ﴿أَخَّرْتَنِي﴾: أمهلتني. ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾: أي: أبقني زماناً غيرَ طويلٍ. ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾: أَتصدّق وأُزكي وأُنفق مالي في طاعتكَ كما أمرتَ. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾: ابن عبّاس: " أحجُّ " (١١). الضحاك: "لا ينزلُ بأحدٍ الموتُ لم يحجج ولم يودّ الزكاةَ إلاّ سألَ الرجعةَ، وقرأ هذه الآية " (١٢). قرئ بالجزم عطفٌ على محلّ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾، وبالنصب عطفاً على اللفظ (١٣).

стр. 3272

وزيادة الواو ليس بخلاف الإمام (١)، فإن حروفَ المدّ واللين قد زيدت في مواضع لا حاجةَ إليها، وحُذفت في مواقعَ تخفيفاً لو أُثبتت لجاز (٢) (٣). ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾: عن الموت. ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾: إذا انقضى أجلُها المكتوبُ في اللوح المحفوظ. ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾: قيل: معناه لو بقّاه لم يتب من جُرمه. قُرئ بالتاء، حملاً على الآية الأولى. وقُرئ بالياء، حملاً على الثانية (٤). والله أعلم (٥).

стр. 3273

سورة التَّغابن (١) اثنتا عشرة آية (٢) (٣) مدنية (٤). الضَّحاك: " مكيةٌ " (٥). الكلبي: مكية إلاّ قوله: يَا أَيُّهَا ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا إِن مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ .. ﴾ (٦) إلى آخر السورة (٧). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾: أي: التسبيح في الأزمنة الثلاثة من أهل السماء وأهل الأرض لله (٨)، وهو الملك المحمود القدير على ما يريد (٩). ﴿هَوَى الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾: فيه قولان: أحدهما: خلقكم في بطون أمهاتكم كفاراً ومؤمنين. وجاء في التفاسير: " أن يحيى بن زكريا ﵇ خُلق في بطن أمِّه مؤمناً، وأن فرعون خلق (١٠) في بطن أمِّه كافراً " (١١). والثاني: (١٢): ﴿خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ﴾ بأن الله خلقه ﴿وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ بأن الله خلقه. والفاء يدلُّ على المعنى الثاني (١٣). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن بني آدم خُلقوا على طبقاتٍ شتى: فمنهم مَن ولد مؤمناً ويموت مؤمناً، ومنهم مَن ولد كافراً ويموت كافراً (١٤)، ومنهم من ولد مؤمناً ويموت كافراً ومنهم مَن ولد كافراً ويموت مؤمناً)) (١٥)، [رواه أبو الليث في تفسيره (١٦). الحسن: " أراد: فمنكم كافر، ومنكم مؤمن] (١٧)، ومنكم فاسق، ومنكم منافق، فاقتصر على ذكر الكافر، والمؤمن " (١٨).

стр. 3274

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾: عالم بأعمالكم فيُجازيكم عليها. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: قيل: للحقّ دون الباطل. وقيل: بالعدل. وقيل: على ما تقتضيه (١) الحكمة. وقيل: بقوله: كن. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾: أي: جعل صورةَ الإنسان أحسنَ صور (٢) الحيوان، ولم يشارك بني آدم في صورته وشكله غيرُهم من الموجودات (٣). وهذا معنى قول النبي ﷺ (٤): ((إن اللهَ خلق آدمَ على صورته فأحسنَ صورته)) (٥)، أي: صورته التي صوّره عليها. وقيل: الهاء يعود إلى الله - تعالى -، وأضافه إلى نفسه سبحانه إجلالاً لآدم ﵇، كبيت الله وناقة الله (٦).

стр. 3275

وقيل: في قوله (١): ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾: يريد حسنه في العقل والحكمة ولم يرد استحلاء الناظر، فقد قيل: كلّ ما كان على ملائمةٍ لا تفاوتَ فيه فهو حسنٌ. وقيل: الحُسْن ها هنا قَبول الطبع، فإن ابنَ آدم لو خُير بين الصور ما اختار إلاّ صورتَه (٢). ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾: فأحسنوا سرائرَكم، فقد أحسن الله علانيتَكم. ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾: فارتدِعوا عن المعاصي وأَقبِلوا على الطاعات فإن الله يتولى المجازاة. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾: يا أهلَ مكةَ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾: قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط (٣). ﴿فَذَاقُوا﴾: الفاء للتعقيب، أي: كفروا فذاقوا. ﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: الوبالُ مصدر وبيل (٤)، وهو الطعام (٥) الثقيل الذي لا يُوافق آكلَه، أي: ذاقُوا وبالَ كفرهم في الدنيا (٦). ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥)﴾: في العُقبى. ﴿ذَلِكَ﴾: أي ذلك العذاب. ﴿بِأَنَّهُ﴾: بسبب أنه، والهاء كنايةٌ عن الأمر والشأن. ﴿كَانَتَا تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات، والآيات. ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾: أنكروا أنْ يكونَ الرسلُ من بني آدم. والبشرُ يقع على الواحد والجمع (٧). ﴿فَكَفَرُوا﴾: بالرُّسل ﴿وَتَوَلَّوْا﴾: أعرضوا عن التفكُّر في البينات. ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾: بما أرسل معهم من البينات عن زيادةٍ تدعوا (٨) إلى الرَّشاد (٩). ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾: عن عبادتهم ﴿حَمِيدٌ (٦)﴾: مستحقٌ للحمد. ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الموّرج: " ﴿زَعَمَ﴾: بمعنى كذب بلغة حمير " (١٠). شُرَيْح (١١): " ﴿زَعَمَ﴾: كنايةٌ عن الكذب، أي: زعموا أنهم لا يُبعثون، ولا يُحشرون للحساب والثواب والعقاب " (١٢). ﴿قُلْ بَلَى﴾: أي: ليس الأمرُ كما زعمتم. ﴿وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾: أكّد الإخبارَ باليمين. ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ (١٣): لتُخبرنَّ، ولتُحاسبنَّ بعملكم، وتُجازَون عليه. ﴿وَذَلِكَ﴾: البعث. ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾: هينٌ لا يلحقه (١٤) مشقةٌ. ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: محمد ﷺ . ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾: يعني القرآن فيه بيانُ كلّ شيءٍ. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾: قيل: ظرف لقوله: ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾. وقيل: واذكر ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ (١٥). ابن جرير: " خبيرٌ بأعمالكم ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ " (١٦). وفيه كلام. ﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾: لحضور يوم الجمع ولأجله، وهو يوم القيامة يُجمع فيه الأولون والآخِرون، والملائكة والإنس والجن أجمعون. وقيل: يجمع فيه الثواب والعقاب، والظالم والمظلوم، والنبيّ ومَن آمن به (١٧). ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: يوم القيمة، أي: يتغابنون في المنازل عند الله - تعالى-،

стр. 3276

ففريق في الجنة وفريق في السعير. وقيل: يغبن أهل الجنة أهل النار، ويغبن المظلوم الظالم (١). ابن بحر: " ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: من الغَبن، وهو الإخفاء، أي: اليوم الذي أخفاه الله، ومنه المغابن، ومنه الغبن للموضع الذي يُخفى فيه الشيءُ " (٢). ابن عيسى: " ﴿التَّغَابُنِ﴾: التفاوت في أخذ الشيء بدون قيمته " (٣). ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾: يُصَدِّقُ بوحدانيَّته. ﴿وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾: يؤدّي الفرائض. ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾: النجاة التَّامة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾: بالرسل وبالقرآن (٤). ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾: مرجع المغبونين. ﴿مَا أَصَابَ﴾: ما لحق بني آدم. والصوابُ مشتقٌّ منه، وهو لحوق المقصود. ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾: شدّةٍ، ومرضٍ، وموتِ أهلٍ أو شيءٍ يقتضي هماً يفعله الله. وقيل: عامٌّ في الظلم والسرقة وما يكون بين العباد (٥). ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بعلمه (٦) وإرادته وأمره (٧). ﴿وَمِمَّنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾: يصدِّق به ويعلم أنَّ المصيبةَ من الله. ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: للاسترجاع ويوّفقه لذلك، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون (٨). وقيل: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: فيصبر على البلاء ويشكر على النعماء. وقيل: يزد قلبَه هدايةً ويثبته عليها. ويحتمل أنه على القلب، أي: ومَن يهد قلبه يؤمن بالله، وله في القرآن نظائر (٩). وَاللَّهُ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: فيما يأمركم. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: فيما يؤدي عن الله وفي سننه. وقيل: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: في الرضى بقضائه، وَأَطِيعُوا ﴿الرَّسُولَ﴾: فيما يأمركم (١٠) بالصبر وترك الجزع. ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾: عن الإيمان بالله ورسوله. ﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢)﴾: أي: عليه الإبلاغ، وقد فعل. وقيل: عليه البلوغ، وقد حصل. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾.

стр. 3277

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾: في سبب النزول: عن ابن عبّاس- ﵄:: كان الرجل يُسلمُ فإذا أراد أنْ يهاجرَ منعه أهلُه وولدُه، فقالوا: أنشدتك (١) اللهَ أنْ تذهبَ وتدعَ أهلَك وعشيرتَك وتصيرَ إلى المدينة بلا أهلٍ ولا مالٍ، فمنهم من يَرِقُّ لهم ويقيمُ ولا يهاجرُ (٢). وعن (٣) عكرمة عن ابن عبّاسٍ ﵄: فلما هاجر هؤلاء (٤)، ورأوا الناسَ قد فَقِهوا (٥) في الدِّين همّوا أنْ يُعاقبوا أهليهم الذين منعوهم، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ (٦). وقيل (٧): نزلت في عوف بن مالك الأشجعي (٨)، شكا إلى النبي ﷺ جفاء أهله وولده، وهذه الآيات نزلت بالمدينة (٩). وفي قوله: ﴿عَدُوًّا لَكُمْ﴾ قولان: أحدهما: يَحملانه على البخل بالأموال عن الفرائض ووجوه البر، وعلى أنْ يُعصى الله في طلب مرضاتهما. وهذا فعل العدوّ؛ لأنه يناله من ذلك ضررٌ فوقَ كلّ ضررٍ. وجاء في الخبر: " ليس عدوّك الذي ألفيته (١٠) فقتلته وآجرك الله على قتله، ولكن

стр. 3278

أعدى عدوّك: نفسُك التي بين جنبيك، وامرأتُك التي تضاجعك (١) على فراشك، وولدك الذي من صلبك " (٢). والثاني: يُريدون هلاكَه كما يريد العدوّ (٣) (٤). وقال بعضهم: "من مَنع من الأزواج والأولاد عن طاعة الله فهو عدوّ يجب أنْ يُحْذَر" (٥). الحسن: " يعني الكفارَ من الأزواج والأولاد " (٦). قوله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾: تكرارٌ للتأكيد، والمراد به واحدٌ. وقيل: ﴿تَعْفُوا﴾: تتركوا عقابَهم، وأصله المحو. ﴿وَتَصْفَحُوا﴾: تولوُّهم صفحةَ أعناقكم بالإعراض عن التوبيخ. ﴿وَتَغْفِرُوا﴾: تستروا ذنوبَهم (٧). ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾: محنةٌ وبليَّةٌ واختبارٌ لكم، فمَن كسب الحرامَ لأجل الأولاد ومنع مالَه عن الحقوق، فهو مفتونٌ بالمال والولد.

стр. 3279

وقيل: هما فتنةٌ؛ لأنَّه يلهو (١) بهما عن آخرته ويتوفَّر لأجلهما على دنياه، فيمنع حقَّ الله لأجلهما (٢). وأدخل ﴿مِنْ﴾ في الأولى، ولم يُدخل في الثانية (٣)؛ لأنَّ كلَّهم فتنة على ما ذكرنا فإن الإنسانَ يثقل عليه المواساةُ بالمال بعد وجود الزَّوجة والولد ويَخفّ عليه قبلَ ذلك " (٤). ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾: أي: في الآخرة، وذلك أعظم من منفعتكم (٥) بأموالكم وأولادكم. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾: قيل: هي: ناسخة لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]؛ لأنَّ استطاعةَ العبد دونَ حقّ تقواه (٦). وقيل: بل هي مُفسِّرة لها (٧)؛ لأنَّ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو قدرُ الاستطاعة (٨) (٩). ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا﴾: في الجهاد. وقيل (١٠): هو الصدقة، وقيل: نفقة (١١) المؤمن على نفسه (١٢). ﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾: أي: قدّموا ﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. وقيل: إنفاقاً ﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. الكسائيّ: " يكن ﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ " (١٣). ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ بخلَها وحرصَها ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: على نيّةٍ وإخلاصٍ. ﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾: يقبلُ القليلَ ويُعطي الجزيلَ. ﴿حَلِيمٌ (١٧)﴾ عن البخيل (١٤) (١٥) ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾.

стр. 3280

سورة الطَّلاق (١) اثنتا عشرة آية (٢) (٣) مدنية (٤)، وتُسمَّى سورةَ النِّساء القُصرى (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: في سبب النزول: روى قتادةُ عن أَنَسٍ (٦) قال: طلّق رسولُ الله ﷺ حفصةَ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل له: راجِعْها؛ فإنها صوَّامةٌ قوَّامةٌ، وهي إحدى أزواجك ونسائكَ في الجنة (٧). السدّيّ: " نزلت في عبد الله بن عمر ﵄ وذلك أنه طلّق امرأتَه حائضاً، فأمره رسولُ الله ﷺ أنْ يُراجعَها ويُمسكَها، حتى تطهُرَ ثم تحيض حيضةً أخرى، فإذا طهرت

стр. 3281

طلَّقها إنْ شاءَ قبلَ أنْ يُجامعَها، فإنها العدّةُ (١) التي أمر اللهُ تعالى بها " (٢). وهذا في الصحيحين (٣). مقاتلُ بنُ حَيَّانَ: " نزلت في عبد الله بن عمرو بن العاص (٤) " (٥). النقاشُ: " نزلت في عبد الرحمن بن [عمر] (٦) الخطّاب (٧)، وعتبةَ (٨) بنِ عمرو المازنيّ (٩) " (١٠).

стр. 3282

والوجه هو الأول؛ لأنَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: إذا خاطبه في خاصّة نفسه أو في شيءٍ يُريدُ أنْ (١) يتبعَه عليه المؤمنون خاطبه بالنبوَّة، وإذا (٢) خاطبه خطاباً عامّاً خاطبه بالرسالة (٣). وفي قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: بلفظ الجمع أقوالٌ: أحدها: أنه جاء بلفظ الجمع تعظيماً له، كما يُخاطَب الملوكُ بلفظ الجمع. والثاني: أنه خطابٌ له، والمرادُ به أمَّتُه (٤). والثالث: أن التقديرَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ والمؤمنون ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾: فحُذف؛ لأن الحكمَ يدلُّ عليه (٥). والرابع: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ قل للمؤمنين ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾: أي: إذا أردتم طلاقَهن (٦). والطلاقُ: حلُّ عُقدة النكاح (٧). ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾: أي: في حال طُهرهن من غير أنْ تكونوا جامعتموهن منذ طُهرهنَّ تطليقةً واحدةً، وهذه (٨) طلاقُ السنة (٩).

стр. 3283

وذهب بعضهم (١) إلى أنه إذا طلَّقها طاهراً من غير جماعٍ فهو مطلَّقٌ للسنة، طلَّق واحدةً (٢) أو اثنتين أو ثلاثاً (٣). وهذا القولُ يُذهبُ فائدةَ قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. فإنْ طلّقها في حيضٍ أو طهرٍ جامعها فيه يقع الطلاقُ لغير السُّنة (٤). وذهب بعضُهم إلى أنه إذا طَلَّقها ثلاثاً تقعُ (٥) واحدةً (٦). وذهب بعضُهم إلى أنها لا تقعُ أصلاً (٧)؛ لأنها ليست كما أمر الله. وهذان (٨) القولان مذهبا الشِّيعة (٩) (١٠)، وهو خلافٌ للمسلمين؛ لأن النَّهيَ لا يُوجبُ فسادَ المنهي عنه، بل يُوجبُ العصيانَ.

стр. 3284

وكذلك إذا راجعَها ضِراراً فالنكاحُ صحيحٌ والرجلُ عاصٍ. قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾: أي: لوقتٍ يقدِرنَ أنْ يعتدِدْنَ عقيبَ الطلاق. وذلك حالة الطهر بلا خلافٍ (١). وقيل: المرادُ بالعدّة عددُ الطلاق، أي: إذا طلقتموهن فطلقوهن لمعرفتكم عدد الطلاق (٢). وقيل: هي إشارةٌ إلى العدّة المبيَّنة في قوله سبحانه: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ويحتمل: أن اللاّمَ لامُ التاريخ، كما تقولُ: كتبتُ لثلاثٍ بقينَ، وخمسٍ بقين (٣). وفي الشواذِّ: ﴿فطلّقوهن لقبيل عدّتهن﴾ (٤)، أي: طاهراً من غير جماعٍ. ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾: عددَ الحيض للمراجعة إنْ أردتم ذلك (٥). وقيل: عددَ الطلاق (٦).

стр. 3285

والعدَّة والعدد واحدٌ؛ لقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾، [التوبة: ٣٦]. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾: أي: المواضع التي كنّ سكنَّ (٢) فيها، أي: أمسكوا المطلَّقاتِ في بُيوتكم إلى أنْ تنقضي عدّتُهن. وأضاف البيوتَ إليهن لاستحقاقهن السُّكنى فيها بعدَ الطلاق إلى انقِضاء (٣) العِدّة، ولأنهن كنَّ يسكنَّ فيها. وليست بإضافة مُلكٍ (٤). ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾: نهاهنَّ عن الخروج باختيار أنفُسهنَّ قبلَ انقِضاءِ عدَّتهنَّ (٥). ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: الاستثناءُ عند الجمهور من الجملة الأولى. والتقديرُ: لا تُخرجوهنَّ إلا أن يأتين بفاحشةٍ، وهي الزِّنا عند أكثرهم (٦). وقيل: كلُّ معصيةٍ فيها حدُّ الله، كالزنا والسرقة، تُخرَج لإقامة الحدّ (٧). ابنُ عباس ﵄: " الفاحشةُ: البَذاءُ " (٨). قتادة: " النُّشوز " (٩). وقيل: الاستثناء منقطِعٌ، أي: إلا (١٠) إنْ تفحش فتُخرج، [والمعنى: من خرجت فقد أتت بفاحشة. السُّدي: الفاحشة: " نفس الخروج "] (١١) (١٢).

стр. 3286

ويحتمل على هذين القولين أنْ يُجعل (١) الاستثناءُ من الجملة الثانية. ويحتمل - أيضاً - أنْ يكونَ قولُه: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾: نفياً لا نهياً (٢). ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: أي: الأحكام المذكورة. ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾: استحقَّ عقابَ الله. وقيل: منع نفسَه ما كان اللهُ (٣) جعله له، وهي المراجعة. ﴿لَا تَدْرِي﴾: أي: النفس، وقيل: أنت ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، أو أنت أيها المطلّقُ. ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾: أي: يُحدث في العِدّة [بعد الطلاق رغبة في المُطلَّقة. وقيل: بعد نفور قلبه عنها ميلاً إليها. وقيل: ﴿أَمْرًا﴾: رجعة في العدة] (٤) أو نكاحاً جديداً بعدَ البينونة (٥) (٦). ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: أي: قاربن القُرءَ الثالثَ (٧). ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾: راجعوهنَّ. ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: من النفقة والكِسوة وحُسنِ العِشرة. وقيل: معنى ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: غيرَ مضارّ. ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: قيل: بإيفاء الصَّداق والمتعة، وقيل: بتركها حتى تَبِينَ بانقضاء العِدّة (٨). ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: ابنُ عباس ﵄: على الرجعة " (٩). وقيل: ندبٌ، كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (١٠). وقيل: على الطلاق (١١). وقيل: إنْ لم يُشهدوا فالطلاقُ غيرُ واقعٍ!. (١٢)، وليس هذا مذهبُ الفقهاء. ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ!﴾: أي: إقامتُها واجبةٌ عند الحاجة إليها. ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾:

стр. 3287

قيل: ﴿ذَلِكُمْ﴾ يعود إلى جميع ما في الآية. وقيل: يعودُ إلى إقامة الشهادة، كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] (١). ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾: أي: ﴿يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في طلاق السنة، ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ بالمراجعة (٢). وقيل: هو عامٌّ، أي: ﴿مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من الحرام إلى الحلال، ومن العقاب إلى الثواب، ومن الجحيم إلى النعيم (٣). الحسن: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ فيما أمره، ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ عمّا نهاه عنه" (٤) (٥). وقيل: مَن فارق امرأتَه غيرَ مضارٍّ بها، رزقه اللهُ غيرَها، وألهمه الصبرَ عنها (٦). ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾: يأتيه ما يحتاجُ إليه من حيث لا يرجوه ... ولا يتأمّلُ (٧). وقيل: هو البركةُ في الرِّزق (٨). وقيل: هذا في الآخرة (٩) (١٠).

стр. 3288

وعن النبيّ ﷺ أنه قال: ((إني لأعرفُ آيةً لو أخذ الناسُ بها كفتهم (١): وَمَنْ ﴿يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾))، يقولُها ويُعيدُها " (٢). وفي سبب النزول: " أن المشركين أسروا ابناً لعوف بن مالكٍ الأشجعيّ، فأتى ... رسولَ الله ﷺ ، وشكا إليه الفاقةَ، فقال (٣): إن العدوَّ أسر ابني وجزعتِ الأمُّ، فما تأمرُني؟ فقال النبي ﷺ (٤): ((اتّق اللهَ واصبرْ، وآمرُكَ وإيَّاها أنْ تستكثرا (٥) من قول: لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله) [فعاد إلى بيته، وقال لامرأته: إنَّ رسول الله ﷺ أمرني وإيَّاك أن نستكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله] (٦)، فقالت (٧): نِعمَ ما أمرنا به، فجعلا يقولان، فغفل العدوُّ عن ابنه (٨)، فساق غنمَهم، وجاء بها إلى أبيه، وهي أربعةُ آلاف شاةٍ!، فنزلت هذه ... الآيةُ)) (٩). قوله (١٠): ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: يكلُ أمرَه إليه. مشتقٌّ من الدابّة المواكِل، الذي (١١) ليس يسيرُ بسير (١٢) غيرِه منقاداً له (١٣). ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾: كافِيه في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾: سيبلغُ أمرُه إلى ما يُريدُ في خلقِه (١٤) ومَن أضاف: فللتَّخفيف (١٥). ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾: قيل: يُريد الطلاقَ والعدّةَ، وغير ذلك مما تقدّم. وقيل: عامٌّ، أي: جعل (١٦) لكلّ شيءٍ ميقاتاً وأجلاً. وقيل: منتهىً وغايةً.

стр. 3289

وقيل: مقداراً معلوماً لا يزيدُ ولا يَنقُصُ. وقيل: متّصلٌ بقوله: ﴿بَالِغُ﴾ أَمْرِي، ومرادُه: في الوقت الذي قدَّره (١). ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: عن أبي بن كعبٍ ﵁، قال: قلت: يا رسولَ الله، إن ناساً من أهل (٢) المدينة قالوا لما نزلت الآيةُ التي في البقرة في عِدّة النساء (٣)، بقيَ من النساء عددٌ لم يُذكرْ في القرآن: الصغيرة، والآيسةُ، وذاتُ الحمل، قال: فنزلت التي في النساء القُصرى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: (٤) أي: قعدن عن الحيض (٥). ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾: شككتم في عدّتهن ولم تعلموها (٦) ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾: مجاهد وقتادة في جماعةٍ: أي: ارتبتم بما يظهر منها منها من الدم، فلم تدروا (٧) أدمَ حيضٍ أم دمَ استحاضةٍ، من كبرٍ ذلك أم عِلَّة، لأنه لو كان كذلك لقال: إنْ أشكل عليكم (٨). وقيل: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقدير: واللائي لم يحضن إن ارتبتم في حيضهن " واللائي لم يحضن إن ارتبتم، أي: إن ارتبتم في حيضهن (٩). والجمهور على القول الأول (١٠). ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: تقديره: واللائي لم يحضن عدَّتُهن ثلاثةُ أشهرٍ. فحُذف الخبرُ؛ لأن خبرَ المبتدأ الأول يدلُّ عليه (١١). ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾: أي: عدَّتُهن ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وقيل: ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ في الانقطاع فيما بينهن وبين أزواجهن ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ في الطلاق والوفاة جميعاً (١٢). وعن علي وابن عباسٍ ﵃: " أن عدّةَ المتوفَّى عنها زوجُها أبعدُ الأجلين " (١٣). ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾: يُسهِّل عليه أمرَه ويُوفقُّه للخير.

стр. 3290

وقيل: أمر بالتقوى في أحكام الطلاق ثلاثَ مراتٍ، ووعد في كلّ مرةٍ نوعاً من الجزاء، فقال: أولاً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، يُخرجه مما دخل فيه وهو يكرهه، ويُتيحُ له محبوبَه من حيثُ لا يتأمّل. وقال في الثاني: يُسهّل عليه الصعبَ من أمره، ويُتيحُ له خيراً ممَّن طلّقها، إنْ كان الطلاقُ من جهتها. والثالث: وعد (١) عليه أفضلَ الجزاء، وهو ما يكونُ في الآخرة من النَّعماء (٢). ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: أي: المفروضُ المتقدّم ذكرُه فرضُ الله. ﴿أَنْزَلَهُ﴾: من اللّوح المحفوظ ﴿إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾: سبق. ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾: أي: أنزلوهن الدارَ والمسكنَ الذي أنتم به سكنتم ونزلتم (٣). ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: من غنائكم الذي به ملكتم المساكنَ. وقيل: الأمرُ بالسُّكنى قد تقدّم، وهذا أمرٌ بالإنفاق عليهن. والمعنى: أشركوهن (٤) فيما وجدتم من المال. وقيل: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: سعتكم وقُدرتكم (٥). ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾: أي: في السُّكنى، ولا في النفقة. والمضارّةُ: المضايقةُ والمزاحمةُ. ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾: فتُحوِجوهنَّ إلى الخروج (٦). ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾: أي: المطلَّقات ذوات الأحمال. ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: أجمعوا على أنَّ المطلَّقةَ إذا كانت حاملاً فلها النَّفقةُ، وكذلك كُلُّ (٧) مطلَّقةٍ ما دامت في العدّة فلها السُّكنى والنفقةُ. وقال بعضُهم: إذا بانت فلها السُّكنى دون النفقة (٨). ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾: يعني: النساءَ البوائنَ أولادَكم منهن. ﴿فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: على الإرضاع؛ لأنه لا يجبُ عليها الإرضاع. ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾: ليأمرُ بعضُكم بعضاً بالجميل في إرضاع الولد. وقيل: ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: بمشورةٍ في الإرضاع. وقيل: هو أنْ لا يضرَّ الرجلُ بالمرأة، ولا المرأةُ بالرجل في الإرضاع. ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾: تضايقتم واختلفتم في الإرضاع، فأبت الأمُّ أو أبى الأب، أو تضايقتم في الأجرة. ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾: بدفع (٩) الصبيِّ إلى امرأةٍ أخرى، ولا تجبرُ (١٠) الأمَّ على الإرضاع، فإنْ لم يقبل الصبيُّ ثديَ غيرها أُجبرت على إرضاعه بأُجرة المثل (١١). ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾: أي: لينفق الكثيرُ المالِ على المطلَّقة، وعلى أمِّ الولد من غِناه وثروته. ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾: أي: رزقه الله على قدر قوّته. وقيل: ضيِّق وقتِّر (١٢). ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾: أي: لينفق من ذلك الذي يؤتى وإنْ كان قليلاً. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾: ما أعطاها من الرزق. وقيل: " ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾: أي: بقدر عقلها. حكاه النقاش " (١٣)، فعلى هذا التأويل لا يكونُ متّصلاً بما قبلها. ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾: أي: بعد ضِيقٍ في المعيشة سعةً. وهذا وعدٌ للمؤمنين، كقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]، أي: عاجلاً وآجلاً (١٤). ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أهل قريةٍ ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ (١٥): خالفت (١٦) اللهَ ورُسُلَه (١٧). وقيل: هم قومٌ عُذِبوا بمعصيتهم وتعدِّيهم (١٨) في الطَّلاق (١٩). ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨)﴾: قيل: فيه تقديمٌ وتأخير، أي: عذَّبناها عذاباً شديداً في الدنيا، ونُحاسبُها (٢٠) حساباً شديداً في القيامة (٢١). وجاء بلفظ الماضي للتَّحقيق، كأكثر ألفاظ القيامة (٢٢). وقيل: حاسبناها في الدنيا، أي (٢٣): أخذنا ما لنا وأعطينا ما لهم، والمعنى: أخذناهم بالذنوب. وقيل: جازيناها، من قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. وقيل: ضيّقنا عليها (٢٤). ومعنى ﴿نُكْرًا﴾: فظيعاً (٢٥) شديداً. وقيل: لا يُعهدُ مثلُه (٢٦). ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾: نالت وبيلَ فعلِها وعقوبةَ صُنعها. ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾: أي: آخر أمرها خُسراناً، لا رِبحَ فيه. ثم فسّر فقال (٢٧): ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾: يا ذوي العقول. ولبُّ كلّ خالصُه، وقيل: اللُّبُّ: القلب (٢٨).

стр. 3291

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)﴾: أي: القرآن. ﴿رَسُولًا﴾: وأرسل رسولاً، يعني: محمداً ﷺ (١). وقيل: جبريل ﵇ (٢). وقيل: تقديره: ذا ذكرٍ وشرفٍ، ﴿رَسُولًا﴾: يعني (٣) محمداً، فيكونُ بدلاً من ﴿ذِكْرًا﴾ (٤). وقيل: ﴿رَسُولًا﴾، أي: رسالةً، فيكونُ بدلاً من ﴿ذِكْرًا﴾ (٥) أيضاً (٦). وقيل: " ﴿ذِكْرًا﴾ منصوبٌ بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ (٧)، و ﴿رَسُولًا﴾ بالمصدر، أي: ذكر رسولٍ ". قاله أبو علي (٨). وقيل: تمّ الكلامُ على ﴿ذِكْرًا﴾، و ﴿رَسُولًا﴾ نُصب على الإغراء. وقيل: التقدير: أنزلنا إليكم ذكراً آتاه رسولاً (٩). ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾: أي: الرسول يتلو عليكم، وقيل: الفعل لله. ﴿آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ﴾: الله، وقيل: ليُخرجَ الرسولُ (١٠). ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: الكفر. ﴿إِلَى النُّورِ﴾: الإيمان. وقيل: من الجهل إلى العلم. وقيل: من النار إلى الجنة. وقيل: من الضلال إلى الرشاد، وقيل: من الباطل إلى الحقّ (١١). ومعناهن واحدٌ. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾: أي: يرزقُه فيها رزقاً حسناً. ووحّد ﴿يُدْخِلْهُ﴾ حملاً على لفظ ﴿مَنْ﴾:. وجُمع ﴿خَالِدِينَ﴾ حملاً على المعنى. ثم وحّد قوله: ﴿لَهُ﴾ على اللّفظ (١٢). وليس لهذا (١٣) في القرآن نظيرٌ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾: أجمع المفسرون على أن السَّماء (١٤) سبعٌ، غِلَظُ كلّ سماءٍ مسيرةَ خمسمائة عامٍ، وبين كلّ سماءٍ وسماءٍ مسيرةَ خمسمائة عامٍ. في كلّ سماءٍ نوعٌ من الملائكة، يُسبّحون اللهَ ويُقدّسونه ويُمجّدونه (١٥).

стр. 3292

واختلفوا في الأرض، على أقوال: أحدها: أن الأرضَ واحدةٌ، وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، أي: في الخلْق، لا في العدد، وليس في القرآن ما يدلُّ على أنه سبعٌ. والثاني: أن المرادَ بها الأقاليمُ السبعةُ، والدعوة (١) شاملةٌ جميعها. الثالث: أنها سبعُ أرضينَ متّصلةٌ بعضُها ببعضٍ، والحائلُ بين كلّ أرضٍ وأرضٍ بحارٌ لا يُمكنُ قطعُها ولا الوصولُ إلى الأرض الأخرى، ولا تصلُ الدعوةُ إليهم. والرابع: أنها سبعُ أرضين، بعضُها فوقَ بعضٍ، متّصلةٌ لا فُرجةَ بينها (٢) (٣). والخامسُ: أنَّ بينَ كلِّ (٤) واحدةً منها إلى الأخرى مسيرةَ خمسمائة عامٍ، كما جاء في ذكر السماء، وفي كلّ أرضٍ منها خلْقٌ، حتى قالوا: في كلّ ارضٍ آدمُ، وحواءُ، ونوحٌ، وإبراهيمُ. وهم يُشاهدون السماءَ من جانب أرضهم، ويشهدون الضياءَ منها (٥). وقيل: جعل اللهُ لهم نوراً يستضيئون به (٦). وذكر النقّاشُ في تفسيره فصلاً في خلائق السماوات والأرض وأشكالِهم وأسمائهم (٧). ولم يكن ذلك في سائر التفاسير، فأضربتُ عن إيراده. والله أعلم بذلك. قوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قيل: نصب بالعطف على ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ وقيل: بفعل آخر دلَّ عليه الأول، أي خلق من الأرض مثلهُنَّ (٨)؛ لأنه لا يُحالُ بين

стр. 3293

واو العطف والمعمول به، وبابه (١) الشِّعر (٢). وقد سبق في سورة هود ... . قوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: أي: بين السماء والأرض، يُريد الأمرَ والنهيَ، والرسلَ والوحيَ، وقيل: ﴿بَيْنَهُنَّ﴾: بين كلّ سماءٍ وسماءٍ، وأرضٍ وأرضٍ، ... و ﴿الْأَمْرُ﴾: القضاءُ والقدر (٣). ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: اللاّم متعلّقٌ بالخلْق. وقيل: بقوله: ﴿يَتَنَزَّلُ﴾ والأول أولى (٤). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾: فلا تخفى (٥) عليه خافيةٌ. ﴿عِلْمًا﴾: مصدرٌ من غير لفظ الأول، أي: علم كلَّ شيءٍ علماً (٦).

стр. 3294

سورة التحريم (١) اثنتا عشرة آية (٢) (٣) مدنية (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: في سبب النزول. عن ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ دخل على حفصةَ في يوم نوبتها، فخرجت هي إلى بعض شأنها، فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى ماريةَ (٥)، جاريتَه أمَّ إبراهيم، وأدخلها بيتَ حفصةَ، وواقعها، فلمّا رجعت حفصةُ علمت بذلك، فغضبت وبكت، وقالت (٦): أما لي حُرمةٌ عندكَ وحقٌّ، فقال رسولُ الله ﷺ : ((اسكتي فهي حرامٌ عليَّ، أبتغي بذلك رضاكِ))، وحلف أنْ لا يقربها، وبشّرها (٧) أن الخليفةَ من بعده أبوها، ... وأبو عائشةَ (٨)، وقال لها: ((لا تُخبري أحداً بما أسررتُ إليكِ، من أمرِ الجارية، وأمرِ الخليفة بعدي))، فلمّا خرج رسولُ الله ﷺ أخبرت عائشةَ بذلكَ، وقالت: قد أراحنا اللهُ ... من ماريةَ، فإن رسولَ الله

стр. 3295

- ﷺ حرَّمها على نفسه، وقصَّت عليها القصَّةَ، وكان بينهما مصافاتٌ وتظاهرٌ، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ... ﴾ (١). وذهب جماعةٌ من المفسرين إلى أنها في يوم عائشةَ فاطَّلعت (٢) حفصةُ على ذلك، فقال لها (٣): ((لا تُخبري عائشةَ واسكتي، فهي حرامٌ عليَّ)) (٤). وفي صحيح البخاري عن هشام بن عروةَ (٥) عن عروةَ (٦) عن عائشة ﵂: " أن حفصةَ أهدتْ لها امرأةٌ من قومها عُكّةَ عَسَلٍ (٧)، وكانت تسقي النبيَّ ﷺ من ذلك، قلت: أَمَا والله (٨) لنحتالنَّ له، فقلتُ لسودةَ بنتِ زَمعةَ (٩): إنه سيدنو منكِ إذا دخل عليكِ، فقولي له: يا رسولَ
следующие страницы →