← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)﴾: أي: القرآن. ﴿رَسُولًا﴾: وأرسل رسولاً، يعني: محمداً ﷺ (١). وقيل: جبريل ﵇ (٢). وقيل: تقديره: ذا ذكرٍ وشرفٍ، ﴿رَسُولًا﴾: يعني (٣) محمداً، فيكونُ بدلاً من ﴿ذِكْرًا﴾ (٤). وقيل: ﴿رَسُولًا﴾، أي: رسالةً، فيكونُ بدلاً من ﴿ذِكْرًا﴾ (٥) أيضاً (٦). وقيل: " ﴿ذِكْرًا﴾ منصوبٌ بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ (٧)، و ﴿رَسُولًا﴾ بالمصدر، أي: ذكر رسولٍ ". قاله أبو علي (٨). وقيل: تمّ الكلامُ على ﴿ذِكْرًا﴾، و ﴿رَسُولًا﴾ نُصب على الإغراء. وقيل: التقدير: أنزلنا إليكم ذكراً آتاه رسولاً (٩). ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾: أي: الرسول يتلو عليكم، وقيل: الفعل لله. ﴿آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ﴾: الله، وقيل: ليُخرجَ الرسولُ (١٠). ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: الكفر. ﴿إِلَى النُّورِ﴾: الإيمان. وقيل: من الجهل إلى العلم. وقيل: من النار إلى الجنة. وقيل: من الضلال إلى الرشاد، وقيل: من الباطل إلى الحقّ (١١). ومعناهن واحدٌ. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾: أي: يرزقُه فيها رزقاً حسناً. ووحّد ﴿يُدْخِلْهُ﴾ حملاً على لفظ ﴿مَنْ﴾:. وجُمع ﴿خَالِدِينَ﴾ حملاً على المعنى. ثم وحّد قوله: ﴿لَهُ﴾ على اللّفظ (١٢). وليس لهذا (١٣) في القرآن نظيرٌ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾: أجمع المفسرون على أن السَّماء (١٤) سبعٌ، غِلَظُ كلّ سماءٍ مسيرةَ خمسمائة عامٍ، وبين كلّ سماءٍ وسماءٍ مسيرةَ خمسمائة عامٍ. في كلّ سماءٍ نوعٌ من الملائكة، يُسبّحون اللهَ ويُقدّسونه ويُمجّدونه (١٥).

стр. 3292

واختلفوا في الأرض، على أقوال: أحدها: أن الأرضَ واحدةٌ، وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، أي: في الخلْق، لا في العدد، وليس في القرآن ما يدلُّ على أنه سبعٌ. والثاني: أن المرادَ بها الأقاليمُ السبعةُ، والدعوة (١) شاملةٌ جميعها. الثالث: أنها سبعُ أرضينَ متّصلةٌ بعضُها ببعضٍ، والحائلُ بين كلّ أرضٍ وأرضٍ بحارٌ لا يُمكنُ قطعُها ولا الوصولُ إلى الأرض الأخرى، ولا تصلُ الدعوةُ إليهم. والرابع: أنها سبعُ أرضين، بعضُها فوقَ بعضٍ، متّصلةٌ لا فُرجةَ بينها (٢) (٣). والخامسُ: أنَّ بينَ كلِّ (٤) واحدةً منها إلى الأخرى مسيرةَ خمسمائة عامٍ، كما جاء في ذكر السماء، وفي كلّ أرضٍ منها خلْقٌ، حتى قالوا: في كلّ ارضٍ آدمُ، وحواءُ، ونوحٌ، وإبراهيمُ. وهم يُشاهدون السماءَ من جانب أرضهم، ويشهدون الضياءَ منها (٥). وقيل: جعل اللهُ لهم نوراً يستضيئون به (٦). وذكر النقّاشُ في تفسيره فصلاً في خلائق السماوات والأرض وأشكالِهم وأسمائهم (٧). ولم يكن ذلك في سائر التفاسير، فأضربتُ عن إيراده. والله أعلم بذلك. قوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قيل: نصب بالعطف على ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ وقيل: بفعل آخر دلَّ عليه الأول، أي خلق من الأرض مثلهُنَّ (٨)؛ لأنه لا يُحالُ بين

стр. 3293

واو العطف والمعمول به، وبابه (١) الشِّعر (٢). وقد سبق في سورة هود ... . قوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: أي: بين السماء والأرض، يُريد الأمرَ والنهيَ، والرسلَ والوحيَ، وقيل: ﴿بَيْنَهُنَّ﴾: بين كلّ سماءٍ وسماءٍ، وأرضٍ وأرضٍ، ... و ﴿الْأَمْرُ﴾: القضاءُ والقدر (٣). ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: اللاّم متعلّقٌ بالخلْق. وقيل: بقوله: ﴿يَتَنَزَّلُ﴾ والأول أولى (٤). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾: فلا تخفى (٥) عليه خافيةٌ. ﴿عِلْمًا﴾: مصدرٌ من غير لفظ الأول، أي: علم كلَّ شيءٍ علماً (٦).

стр. 3294

سورة التحريم (١) اثنتا عشرة آية (٢) (٣) مدنية (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: في سبب النزول. عن ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ دخل على حفصةَ في يوم نوبتها، فخرجت هي إلى بعض شأنها، فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى ماريةَ (٥)، جاريتَه أمَّ إبراهيم، وأدخلها بيتَ حفصةَ، وواقعها، فلمّا رجعت حفصةُ علمت بذلك، فغضبت وبكت، وقالت (٦): أما لي حُرمةٌ عندكَ وحقٌّ، فقال رسولُ الله ﷺ : ((اسكتي فهي حرامٌ عليَّ، أبتغي بذلك رضاكِ))، وحلف أنْ لا يقربها، وبشّرها (٧) أن الخليفةَ من بعده أبوها، ... وأبو عائشةَ (٨)، وقال لها: ((لا تُخبري أحداً بما أسررتُ إليكِ، من أمرِ الجارية، وأمرِ الخليفة بعدي))، فلمّا خرج رسولُ الله ﷺ أخبرت عائشةَ بذلكَ، وقالت: قد أراحنا اللهُ ... من ماريةَ، فإن رسولَ الله

стр. 3295

- ﷺ حرَّمها على نفسه، وقصَّت عليها القصَّةَ، وكان بينهما مصافاتٌ وتظاهرٌ، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ... ﴾ (١). وذهب جماعةٌ من المفسرين إلى أنها في يوم عائشةَ فاطَّلعت (٢) حفصةُ على ذلك، فقال لها (٣): ((لا تُخبري عائشةَ واسكتي، فهي حرامٌ عليَّ)) (٤). وفي صحيح البخاري عن هشام بن عروةَ (٥) عن عروةَ (٦) عن عائشة ﵂: " أن حفصةَ أهدتْ لها امرأةٌ من قومها عُكّةَ عَسَلٍ (٧)، وكانت تسقي النبيَّ ﷺ من ذلك، قلت: أَمَا والله (٨) لنحتالنَّ له، فقلتُ لسودةَ بنتِ زَمعةَ (٩): إنه سيدنو منكِ إذا دخل عليكِ، فقولي له: يا رسولَ

стр. 3296

الله، أكلتَ مغافير (١)، فإنه سيقول لك: ((سقتني حفصةُ شربةَ عسلٍ))، فقولي له: جَرَسَت (٢) نحلة العُرفُط (٣)، وسأقول ذلك، وقولي له أنت يا صفيةُ ذلك، قالت عائشةُ: قالت سودةُ: فو الله ما هو إلاّ أنْ قام على الباب، فكدت أنْ أناديه بما أمرتني به، فلما دنا ﷺ منها قالت له سودةُ: يا رسولَ الله، أكلتَ مغافير، قال: ((لا، سقتني حفصةُ شربةَ عسلٍ))، قالت: جَرَسَتْ نحلة العُرْفُط، قالت: فلما دخل عليّ قلت له مثلَ ذلك، فلما دار (٤) إلى صفيةَ قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت: يا رسول الله أَسقيك منه؟ قال: ((لا حاجةَ لي فيه))، قالت: قالت سودة: سبحان الله، والله لقد حرمناه، قالت: قلت لها اسكتي (٥). وروى ابنُ أبي مُليكةَ أنه ﷺ شرب في بيت سودةَ بنتِ زَمعةَ (٦). وروى أسباطُ (٧) عن السدّيّ: أنه شرب عند أمّ سلمةَ (٨). وذكر أقضى القضاة والنقّاش (٩) عن عكرمة (١٠): أن الآية نزلت في المرأة التي وهبت نفسَها للنبيّ ﷺ ، فلم يقبلها (١١).

стр. 3297

والأكثرون على أنه حرّم ماريةَ على نفسه، وطلَّق حفصةَ، واعتزل (١) النساءَ تسعاً وعشرين يوماً، وكان حرَّمَ (٢) على نفسِه إنْ لا يدخُلَ عليهن شهراً، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ، وأخبر النبيّ ﷺ أن حفصةَ صوّامةٌ قوّامةٌ، وأنها إحدى نسائكَ في الجنة (٣). قال أبو القاسم: "لم يُطلِّق حفصةَ ". مقاتلُ: " همَّ أنْ يُطلِّقَها فجاء جبريلُ ﵇، وأخبر أن حفصةَ صوّامةٌ قوّامةٌ، وأنها إحدى نسائكَ في الجنة، فأمسِك عن طلاقها وراجِعْها على قول مَن يقول (٤) طلقها. واستحلَّ ماريةَ، وعاد إلى سائر نسائه " (٥). قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: قيل: حلف يميناً فحرَّمها بها، فأُمر بالكفّارة باليمين. وقيل: حرّمها على نفسه من غير يمينٍ. وكان التحريمُ موجباً لكفارة اليمين، وهي ما في سورة المائدة (٦) (٧).

стр. 3298

قوله: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾: تطلُب رضاهنَّ. قيل: في محلّ نصبٍ على الحال (١). وقيل: ابتغاءَ رضاهنّ (٢)، على أنه مفعولٌ له (٣). واللّفظ لا يحتملُ هذا. ويحتملُ: أن الاستفهامَ مقدَّرٌ، أي: أتبتغي (٤) مرضاةَ أزواجك بتحريم ما أحلَّ الله. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾: قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخَّر. ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: قيل: أوجب، وقيل: بيّن لكم (٥)، وقيل: قدَّر. ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: تحليلَها، وهو إطلاقٌ يُحلُّ ما حظره عقد التحريم. وتحليل القسم: إزالةُ الحِنْث عنه (٦). ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: فابتغوا (٧) تحليلَه وتحريمَه. ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾. ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾: يعني: حفصةَ. ﴿حَدِيثًا﴾: حديث ماريةَ والخلافةِ. وقيل: ذكر تحريم العسل والخلافة (٨). ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾: أخبرت حفصةُ عائشةَ بالحديثِ (٩). ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾: أطلعَ اللهُ محمداً ﷺ على إفشائها الحديث (١٠). ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾: عرَّف حفصةَ بعضَ ما أفشت، يعني: حديثَ ماريةَ، أو ذكر العسل. ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾: فلم يُخبرْها به (١١) كرماً، وهو حديث الخلافة، كراهةَ أنْ ينتشرَ (١٢). سفيان: "ما زال التغافُلُ من فعل الكرام " (١٣). الحسن: " ما استقصى كريمٌ قطُّ " (١٤). ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾: نبأَ النبيُّ ﷺ حفصةَ بما أفشت من السرِّ إلى عائشةَ. ﴿قَالَتْ﴾: أي: حفصةُ للنبيّ ﷺ . ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾: مَن أخبركَ بما فعلتُ؟ ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ﴾: بخفيَّات القلوب. ﴿الْخَبِيرُ (٣)﴾: فلا يخفى عليه شيءٌ. ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾: يريد حفصةَ وعائشةَ ﵄. ﴿فَقَدَرَ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مالت عن الواجب وزاغت بسروركما بما كره النبيّ ﷺ من تحريم ماريةَ. وجمع القلوبَ في موضع التثنية؛ لأن الأعضاء الوِترَ إذا أُضيفت إلى إنسانين جُمع في موضع التثنية (١٥)؛ لزوال الالتباس (١٦). وجواب الشرط محذوفٌ، والتقدير: إن تتوبا إلى الله فهو الواجب. وقيل: قبلت توبتَكما. وقيل: إن لا تتوبا فقد صغت قلوبكما. وقيل: إن تتوبا فقد صغت قلوبكما إلى الحقّ (١٧). ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾: تعاونا على إيذائه. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾: ناصرُه ووليُّه. ﴿وَجِبْرِيلُ﴾: وليُّه ومُعينُه. ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: المخلصون من المؤمنين. قتادةُ: " هم الأنبياء " (١٨). وقيل: هم الصحابةُ (١٩). وقيل: المرادُ به أبو بكرٍ وعمرَ ﵄؛ فإنهما أبوا عائشةَ وحفصةَ، وهو تفسيرُ النبيّ ﷺ (٢٠). وقيل: " المرادُ به عليٌّ ﵁ " (٢١).

стр. 3299

قال ابنُ زيدٍ: "هم الملائكةُ " (١) (٢). والجمهور: على أنه واحدٌ وقع موقعَ الجمع (٣). وقيل: أصله: (صالحوا)، فحُذف الواوُ، كما حُذف من قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، و ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] " (٤). ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعد نصر مَن تقدّم ذكرُهم. وقيل: مع ذلك. ﴿ظَهِيرٌ (٤)﴾: أعوانٌ متظاهرون على مَن يُؤذيه (٥). و (فعيلٌ) يقع للجمع (٦). قال الشاعر (٧): . . . . . . . . . . . . . . . ... إن العواذلَ لسن لي بأمينِ (٨) وقد سبق. ومن القراء مَن اختار الوقفَ على: ﴿هُوَ مَوْلَاهُ﴾، ثم آخر الآية. ومنهم مَن اختار على: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. ويجوز على: ﴿جِبْرِيلُ﴾ (٩). ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (١٠): هذا دليلٌ لمَن قال: لم يُطلِّق حفصةَ. وفي الآية تخويفٌ لنسائه، وإخبارٌ عن قُدرة الله على تبديله خيراً (١١) منهنَّ إنْ طلّق أزواجَه (١٢). ﴿وعَسَى﴾ من الله واجبٌ. وقيل: " كلّ (عسى) من الله في القرآن (١٣) واجبٌ إلاّ هذا " (١٤) (١٥). ومعنى: ﴿خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾: قيل: أطوعَ له منكن. وقيل: أحبُّ إليه منكنَّ (١٦). السُّديّ: "خيراً منكنَّ في الدنيا " (١٧). والآية واردةٌ في الإخبار عن القدرة لا عن الكون في الوقت؛ لأنه قال: ﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾، وعلم أنه لا يُطلِّقهن، وإذا (١٨) لم يُطلِّقْهُنَّ فهنَّ خيرُ نساء الأُمة (١٩). قوله (٢٠): ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾: قيل: من الإسلام، ولم تصلح (٢١) للنَّبي ﷺ غير مُسلمة.

стр. 3300

وقيل: مستسلمات لأمر الله وأمر رسوله (١). ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾: أي: بالله وكتبه ورسله، منقادات لأوامره ونواهيه (٢). ﴿قَانِتَاتٍ﴾: قيل: مصلِّياتٍ. وقيل: ثابتاتٍ على الطاعة (٣). ﴿تَائِبَاتٍ﴾: أي: عن الذنوب، راجعاتٍ إلى أمر الله (٤). ﴿عَابِدَاتٍ﴾: أي: عابداتٍ لله. وقيل: متذلّلاتٍ لأمر الرسول بالطاعة (٥). ﴿سَائِحَاتٍ﴾ قيل: صائماتٍ. وسُمّي الصائمُ سائحاً؛ لأنه يَسيحُ (٦) في النهار بلا زادٍ. وقيل: مهاجراتٍ. وقيل: يَسُحن حيثُ يَسيحُ (٧) (٨). ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾: جمع ثيّبٍ، وهي: التي ثاب (٩) إليها الزوج (١٠). ﴿وَأَبْكَارًا (٥)﴾: جمع بِكرٍ، وهي: التي على خِلْقتِها القُدمى، مشتقّةٌ من البكرة، والباكورة (١١). والمعنى: على حسب ما يشتهيه منها (١٢).

стр. 3301

قال ابن عباسٍ ﵄: " وعد اللهُ نبيَّه أنْ يُزوِّجه في الجنة آسيةَ امرأةَ فرعون، وهي الثَّيبُ، ومريمَ بنت (١) عمرانَ، وهي البكر، ويكون في الجنة وليمةٌ، فيجتمعُ عليها ... أهلُها " (٢). ولم يتكلّم من المفسرين أحدٌ في هذه الواو (٣) (٤)، ووجه ذلك أنْ يُقالَ: لمّا لم يُمكن الجمعُ بين الثيّب والبكارة، كما أمكن الجمعُ بين سائر الأوصاف، قطع بالواو (٥)، فيحسُنُ الوقفُ على ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾، والابتداء بقوله: ﴿وَأَبْكَارًا﴾ على تقدير: وأبكاراً (٦) موصوفاتٍ بالأوصاف التي تقدّمت، إلاّ الثيّب، تقول: ما كنتُ ثيّباً، ولقد تثيّبتُ تثيُّباً " (٧). ومَن ذهب إلى أن الواو للثمانية (٨) فهذا من حجّته أيضاً. وقد سبق في التوبة، مع قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. والله أعلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾: أي: اجعلوا بينكم وبين النار وقايةً من طاعة الله (٩). وقوا أهليكم: بتعليمهم الخير، وأمرهم ونهيهم، وأخذهم بما يُنجيهم منها (١٠).

стр. 3302

الضحاك: "قوا أنفسَكم، ولْيقوا أهلوكم أنفسَهم (١)، وهذا يستدعي الرفعَ، والواو ويحتمل على قول الضحاك أنْ يكونَ مفعولاً معه، حملاً على الواو في ﴿قُوا﴾، وهذا فعلٌ حُذف فاعلُه، ولامُ فعله (٢). ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾: أي: حطبُها وما يُوقِدُ به الناسُ. اقتصر على ذكر الناس دون الجن؛ لأن المقصودَ بالآية تحذيرُ الإنس (٣). ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾: هي حجارةٌ يُعذّبون بها. وقيل: هي حجارة الكبريت. وقيل: هي الأصنام (٤). وقيل: هي كنوزُ الذهب والفضة؛ لأنهما من الحجارة (٥). ﴿عَلَيْهَا﴾: على النار. ﴿مَلَائِكَةٌ﴾: موكَّلون، وهم الزبانيةُ التسعةَ عشرَ وأعوانُهم. ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾: أي: غِلاظ الأقوال، شِدادُ الأفعال (٦). وقيل: غِلاظُ الخَلْق أقوياء يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم، لم يخلق الله فيهم رحمةً (٧).

стр. 3303

ابن عيسى: " غِلاظٌ في (١) الأخلاق، رِقاقٌ في الأجسام؛ لأنهم روحانيون" (٢). ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾: قيل: الآن في دار التكليف، وأما في دار الآخرة فلا هم يعصون ولا الإنس ولا الجنُّ (٣). وقيل: الزبانية يلتذُّون (٤) عذابَ الكفار التذاذَ أهل الجنة الأكلَ والشربَ. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾: من غير تأخيرٍ، وزيادةٍ ونُقصانٍ. وقيل: هذا تكرارٌ. وقيل: معناه: لا يضعفون كما يَضعف الإنسانُ إذا كُلِّف أمراً عظيماً (٥). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾ (٦). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: خيثمةُ (٧): " كلُّ ما في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنَتْ﴾ ففي التوارة: ((يا أيها ... المساكين)) (٨). ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾: قيل: هي من النصيحة، أي: يبالغ فيها في نصيحة نفسه. وقيل: من النَّصاحة، وهي الخياطةُ، أي: موثقة المخيط. ويحتمل: أنه جعل الذنب كالخَرْق يقع في الثوب، والتوبةُ نصاحةٌ لذلك الخَرْق (٩). الأخفش: "نصحتُه، بمعنى: صدقتُه، وتوبةٌ نصوحٌ: صادقةٌ " (١٠). وقُرئ: ﴿نَصُوحًا﴾، وهو مصدرٌ، أي (١١): ينصحُ نفسَه بالتوبة نَصوحاً. وقيل: جمعُ نُصْحٍ، كبُرْدٍ، وبُرودٍ (١٢). وقد أكثروا القولَ في وصف التوبة النصوح، وأجمعُه ما جاء مرفوعاً: ((أن التوبةَ النصوحَ أنْ يتوبَ ثم لا يعودُ إلى الذنب، كما لا يعودُ اللبنُ إلى الضرع)) (١٣).

стр. 3304

ابن عيسى: " التوبةُ النصوح هي التي يُناصحُ الإنسانُ فيها نفسَه بإخلاص الندم، مع العزم على ترك المعاودة من غير تضجيعٍ في ذلك ولا تقصيرٍ " (١). ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: أي: لا يُؤاخذكم بذنوبكم. وقيل: توبوا من الكبائر يغفر لكم الصغائر. وتكفيرُ السيئات: سترُها وحطُّها. ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ﴾: أي: لا يُذلُّهم ولا يفعلُ بهم ما يفعله بالكفار. وقيل: لا يُخزي النبيّ: أي: لا يشُوِّره فيما يشفعُ، ولا يقعُ خُلْفٌ فيما وعد المؤمنين من الله (٢). وقيل (٣): الكلام تامٌّ على: ﴿النَّبِيَّ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ﴾ (٤). ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾. سبق في سورة الحديد (٥). ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾: يقولون ذلك إذا طَفئَ نورُ المنافقين. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾: بالسِّيف. ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾: بالوعيد واللسان.

стр. 3305

وقيل: إذا ظهر منهم النفاقُ قاتلهم. الحسنُ: " جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، وكان أكثرُ مَم يُصيبُ الحدودَ هم المنافقون " (١). وقيل: جهادُهم الغلظةُ واكفهرارُ الوجوه. ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: بالقول والزجر والإيعاد (٢) والهجر (٣). ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾: أي: المنافقين والكافرين. ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ﴾: ختم السَّورةَ بما يعودُ إلى (٤) أولها من وعظ نساء النبيّ ﷺ ، وإعلامِهنّ أنّ اتّصالَهنّ برسول الله ﷺ لا يدفعُ عنهنّ العذابَ، كما لم يدفع ولم يَنفع امرأةَ نوحٍ، واسمُها (واعلةُ)، وامرأةَ لوطٍ، واسمُها ... (واهلةُ)، وإنما ينفعُ العملُ الصالحُ (٥). كَانَتَا ﴿تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾: بالنفاق وإبطان الكفر وإفشاء أسرارِهما. وكانت امرأةُ نوحٍ تقول: إنه مجنونٌ، وتُخبرُ الجبابرةَ بإيمان مَن آمن به ليقتلوه ... ويَفتنوه. وكانت امرأةُ لوطٍ تُخبرُ القومَ إذا أتاه ضيفُ ليتعرّضوا له بالفُجور. ولم تكن (٦) خيانتُهما في الفرج، فقد عصم اللهُ أنبياءَه من ذلك، ومَن ذهب إلى ذلك فقد أساء القولَ (٧). ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾: يعني: نوحاً ولوطاً ﴿عَنْهُمَا﴾: عن امرأتيهما. ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي: دفعَ عذابٍ. ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾: أي: يُقالُ (٨) لهما في القيامة. وقيل: يُقالُ لهما عند النزع (٩). وذُكر بلفظ جمْع (١٠) المذكّر؛ لأنهنَّ لا ينفردن (١١) بالدخول، وإذا اجتمعا فالغلبةُ للمذكَّر (١٢)، وكذلك قولُه: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ (١٣). ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾: وهي آسيةُ بنتُ مُزاحمَ. وفرعون: أعتى الناس وأكفرُهم. ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾: وذلك أنه لمّا اطّلع على إيمانِها، وتَدَ لها أربعةَ أوتادٍ شدَّ بها يديها ورجليها، ووضع على صدرِها رَحاءً، وجعلها في الشمس، وأن اللهَ تعالى أفرج لها فرأتْ بيتَها في الجنّة، فقالت: ربِّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة (١٤) (١٥). ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: خلِّصني من فرعون. ﴿وَعَمَلِهِ﴾: تعذيبِه إياي. وقيل: عمله: كفرُه وشركُه. وقيل: أرادت بعمله: جزاءَ عمله، وهو النار (١٦).

стр. 3306

وقيل: مضاجعتِه. حُكي عن أحمدَ بنِ حنبلَ (١) ﵀ (٢). ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾: الكافرين. وقيل: أهل مصر (٣). وجاء في التفسير: " أن الملائكةَ كانت تُظلُّها بأجنحتِها " (٤). الحسنُ: " رفع اللهُ امرأتَه بجسدِها وهي حيّةٌ إلى الجنة، فهي فيها " (٥). ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾: عن الرجال. ﴿فَنَفَخْنَا﴾: يعني: نفخ جبريلُ بأمرنا. ﴿فِيهِ﴾: في جَيب دِرعها. وقيل: في فرجها (٦). وقيل: في عيسى (٧). ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: المخلوقةِ لنا (٨). ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾: بعيسى، وهو كلمةُ الله. وقيل: بوعدِ ربها. وقيل: بعجائب الله وبدائعه من خلقِه (٩). ﴿وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾: الدائمين على طاعة الله.

стр. 3307

سورة المُلْك (١) ثلاثون آية (٢) (٣)، مكية (٤). ويُقال لها: " المُنجيةُ "، تُنجي قارئَها من عذاب القبر (٥). وجاء مرفوعاً: ((مَن قرأها في ليلةٍ فقد أطنبَ وأكثر)) (٦). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ﴾: تفاعل من البركة، وكذلك تعالى، معنى علا، أي: امتدّ بقاؤه ودام، والبركة: البقاء والدوام. وقيل: تعالى وتعظّم؛ لأن الشيءَ إذا زادَ ارتفعَ وعظُم، والبركةُ: الزيادةُ. وقيل: ﴿تَبَارَكَ﴾: جاء من قِبَله البركة، وهي: الخير والكثرة (٧) (٨). الَّذِينَ ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾: يؤتيه من يشاء وينزعه ممّن يشاء، وهو الملك مالك الملك غير المملَّك. واليد: عبارةٌ عن القدرة والتصرّف والاستيلاء على الشيء (٩). وقيل: اليد صلةٌ. و ﴿الْمُلْكُ﴾: مُلكُ السماوات والأرض. وقيل: النبّوة، يُعزّ بها مَن اتّبع النبيَّ، ويُذلّ بها مَن خالفه (١٠). ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾: أي: من الإنعام والانتقام قدير (١١) قادر بالكمال. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾: أنكر بعضهم أن يكون جنساً من المخلوقات. وتوقف بعضهم فيه، وأثبته بعضهم عقلاً. وهما حالتان تتعاقبان (١٢) على الإنسان وغيره، والله تعالى خالق الذوات والحالات (١٣).

стр. 3308

وقيل: معناه خلقكم للموت والحياة. وقيل: خلق الموت على صورة كبشٍ أملحَ، لا يمرّ بشيء ولا يجد ريحه شيء ولا يطأ على كلّ شيء إلاّ مات. وعن النبي ﷺ : ((يؤتي بالموت يوم القيامة على صورة كبشٍ أملحَ فيذبح بين الجنَّة والنار)) (١). وخلق الحياة على صورة فرس أنثى لا تمرّ بشيءٍ ولا بجد ريحَها شيءٌ ولا تطأ على شيءٍ إلَاّ حيي (٢). ويحتمل - والله أعلم - خلق الموت والحياة (٣). وقيل: الدنيا والآخرة. وقيل: خلق الحياةَ نعمةً ليشكروا، وخلق الموتَ ليصبروا إذا مات (٤) أحياؤهم (٥). وبدأ بالموت لكون التراب والنطفة بالوصف الأوَّل، أي: موتاً ثم حياة ثم موتاً ثم حياة لا موتَ بعدها (٦). ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: طاعةً له، وجاء مرفوعاً: ((أحسن عقلاً)) (٧). وقيل: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: أتركُ للمعاصي، وقيل: أخلصه، وقيل: أصبر على المصائب في الطاعات (٨). و ﴿أَيُّكُمْ﴾ رفع بالابتداء، والفعل قبله مقدر (٩)، والتقدير: ليبلوكم فيعلم (١٠): أيكم أحسن عملاً، كقوله (١١): ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: (١٢)]. وقيل: ليبلوكم فينظر أيُّكم، كقوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ﴾ [القلم: (٤٠)]، أي (١٢): فانظر أيّهم. وقيل: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ فيقول أَيُّكُمْ ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. والقول هو الأوَّل (١٣). ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: لمن أساء عملُه. ﴿الْغَفُورُ (٢)﴾: لمن تاب. ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ بعضُها فوقَ بعضٍ، جمع طَبَقٍ كجبل وجبال.

стр. 3309

وقيل: جمع طبقةٍ كرحبةٍ ورِحابٍ. وقيل: ﴿طِبَاقًا﴾: مصدر طابق. تقول (١): بين ثوبيه: إذا لبس أحدَهما فوقَ الآخر (٢). و ﴿طِبَاقًا﴾ صفة. وقيل: نصب على المصدر. ﴿مَا تَرَى﴾: أيُّها الإنسان. ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾: و ﴿تفوتٍ﴾ (٣). التفاوتُ: بُعدُ ما بين الشيئين في الصحة، والتفوُّت بمعناه، كالتعهّد والتعاهد (٤) (٥). وقيل: هو أنْ يفوت الشيءُ بعضُه بعضاً. وفي الآية قولان: أحدهما: ما ترى في خلق الرحمن السَّماء من تفاوت: أي: خلل واضطراب وتفرَّق (٦). والثاني: أنه عامّ في جميع خلق الرحمن، أي: لم يَفته شيء أراده (٧) ولم يخرج شيءٌ عن موجِب الحكمة (٨). وقيل: الخلق في الآية مصدر، وأن المعنى: يخلق (٩) كلَّ شيء صغيراً أو كبيراً بأمرٍ

стр. 3310

واحدٍ لا تفاوت في ذلك، وهو قوله: كن. وقيل: الرؤية في الآية، بمعنى: العلم؛ لبعد السماء عن الإدراك بحاسّة البصر. ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾: أيها الإنسان. وقيل: الخطاب للنبي ﷺ . وفيه بعدٌ، أي: نظرتَ إليها غير متفكّر فيها فارجع البصرَ الآن وتفكّر فيها (١). الفرَّاء: " تقديره فانظر إليها، ثم ارجع البصر " (٢). ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾: شُقوقٍ وخللٍ ووهيٍ وصُدوعٍ. ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾: أي: كرّر النظرَ مرَّتين، أي: كرَّتين (٣) مع الأولى، وقيل: سوى الأولى، فيكون ثلاثَ مرَّات (٤). ويحتمل على قول الفرَّاء أنْ يكونَ أربعَ مرَّات، أي: انظر إليها فارجع البصر، فهاتان كرّتان، ثم ارجع البصر كرَّتين أخريين. الحسن: " لو كرَّرتَ النظر إلى يوم القيامة لم تَرَ فطوراً " (٥). وقيل: المرادُ بالتثنية الجمعُ، كما يقال: لبيكَ وسعديكَ؛ فإن البصرَ لا يصير حسيراً بمرتين اثنتين. والمعنى: ردِّد طرفكَ وعقلكَ في المحسوس والمعقول هل ترى خللاً أو تتبين معيباً. قوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ﴾: يرجع إليك. وقيل: لأنه لا ترى فطوراً فينفذ. ﴿خَاسِئًا﴾: صاغراً، وقيل: ذليلاً، وقيل: منقطعاً.

стр. 3311

وقيل: بعيداً ممَّا يريد، من قوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾، [المؤمنون: (١٠٨)]. أي: ابعدوا ممَّا سألتم. وقيل: ﴿خَاسِئًا﴾: مطروداً طردَ إهانةٍ؛ لأن مَن طلب عيبَ مَن لا يليقُ به العيبُ استحقَّ الطردَ والإهانةَ، تقول: خسأتُه فخسأ (١). ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾: أي: مَعيي (٢)، وقيل: كليلٌ، وقيل: متحسِّرٌ على ما لم يجده (٣). ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾: وهي التي تلي الأرضَ (٤). ﴿بِمَصَابِيحَ﴾: بكواكبَ تضيئها كإضاءة الصبح (٥). ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾: أي: بعضَها. ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾: جمع رَجَم بالفتح كالقبض، ويقال لها: كواكبُ (٦) الأخذ (٧). قتادة: " خلق الله النجومَ لثلاثة أشياءٍ: زينة للسماء (٨)، ورجوماً للشياطين، وليهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر، فمن أولها على غير ذلك فقد قال (٩) رأيه وأخطأ حظّه " (١٠).

стр. 3312

الضحاك: "الكواكب التي تُرى لا يُرجم بها، والتي يُرجم بها (١) الشياطيُن لا يراها ... الناس " (٢). أبو علي: " الكواكبُ أنفسُها لا يرجمْ؛ لأنَّ الكواكبَ ثابتةٌ لا تزول عن السماء ولا ... تفقد (٣)، إنما ينفصل عنها شهابٌ محرَّقٌ " (٤). ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾: للشياطين. ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾: النارَ المسعورةَ سوى هذه الرجوم، أي: في الآخرة. ويحتمل أن ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ... هو: ما يصيبُهم من الشهب. وقيل: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾، أي: للكفَّار. والأول أظهر (٥). ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾: هذا استئناف. وقُرِئَ في الشواذّ بالنصب. وفيه كلام (٦). ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦)﴾: المرجع جهنم. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾: صوتاً كصوت الحمار، وهو: أنكر الأصوات وأعلاها، من قولهم جبلٌ شاهقٌ (٧).

стр. 3313

﴿وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾: ترتفع بالغليان. ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾: تكاد تنقطع، وقيل: تتفرَّق من شدّة الغضب على الكفار، وقيل: صوتُها يشبه صوتَ المغتاظ، وقيل: غيظُها غَلَيانُها (١). ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾: قومٌ (٢) وجماعةٌ من الكفار. ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)﴾: يُخوّفكم هذا العذابَ. وهذا سؤالُ تبكيتٍ وتقريعٍ. ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾: يعنى: الرَّسول. ﴿فَكَذَّبْنَا﴾: أي: كذبناه. ﴿وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: كتابٍ ولا رسولٍ. ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾: ما أنتم (٣). ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾: في قولكم ودعواكم. وقع النذيرُ موقعَ الجمع. ويجوز أنْ يكونَ نذيرُ كلِّ فوجٍ رسولُهم، ثم جُمع على ما سبق أن من كذّب رسولاً فقد كذّب الرسلَ جميعاً (٤). ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾: أي: ﴿نَسْمَعُ﴾: سمعَ منتفعٍ، ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ عقلَ متفكّرٍ معتبرٍ. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾: أي: من جملة أهل النار. ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾: أقروا بكفرهم. والاعتراف: إقرارٌ عن معرفةٍ. والذنب في الأصل مصدرٌ فلم يُجمع (٥). ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾: أي: أسحقهم الله إسحاقاً، قال (٦) أبعدهم إبعاداً، فوقع سُحقاً موقعَ إسحاقٍ، كـ ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: (١٧)]، وهذا إثباتٌ للوعيد (٧) وتوكيده (٨). وقيل: السُّحق وادٍ في جهنم (٩). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾: يخافون اللهَ ويتركون معصيتَه حيثُ لا يراهم أحدٌ من الناس. وقيل: ﴿بِالْغَيْبِ﴾: أي: بقلوبهم ونياتهم، لا كالذين قالوا بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وقيل: يخافونه وهم لم يروه. وقيل: يخشون ربّهم قبلَ المصير إليه (١٠). ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾: عظيمٌ في الآخرة. ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾: في

стр. 3314

سبب النزول: ابن عبّاس ﵄: نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله ﷺ ، فيخبره جبريلُ بما قالوا فيه ونالوا منه، فيقول بعضُهم لبعضٍ: أسروا قولكم كي لا يسمعَ إلهُ محمدٍ " (١). والمعنى: سواءٌ على الله تعالى الإسرارُ والإجهارُ؛ لأنَّه يعلمُ مضمَرات القلوب وما تُخفي الصدور. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾: أي: ألا يعلم السَّر (٢) من خلق السِّر. وقيل: ألا يعلم ما في الصدور مَن خلق الصدور. وقيل: ألا يعلم من خلق الأشياء ما في صدور عباده (٣). و ﴿مَنْ﴾ في هذه الوجوه رفعٌ (٤). وقيل: التقدير: ألا يعلم اللهُ مَن خلق، أي: خلقهم، فيكون في محلّ نصب (٥). وقيل: ﴿مَنْ﴾، بمعنى (ما). وفيه بعدٌ. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾: العالم بدقائق الأشياء وبواطنها. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ قوله: ﴿ذَلُولًا﴾ (٦) ليّنةً سهلةً مذلَّلةً يَسهل لكم السلوكُ فيها. وقيل: ليّنها بالجبال حتى تستقرَّ ولا تزولُ بأهلها (٧). ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه، وقيل: في جبالها، وقيل: في طرقها (٨) (٩). ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾: والتمسوا من الله الرِّزق. ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾: المرجعُ فيُجازيكم بأعمالكم. ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾: قيل: هو الله (١٠)، على تقدير: مَنْ في السَّماء عرشُه وسلطانُه (١١). وقيل: هم: الملائكة (١٢). ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾: بأمر الله. وقيل: خاطب العربَ على ما كانوا يعتقدونه، فإنهم زعموا أن الأصنامَ آلهةٌ للأرض وأن اللهَ إلهُ السماء. وقيل: خصَّ السماءَ بالذكر تعظيماً لها وتفخيماً لشأنها. قال أبو القاسم: " قال الله تعالى: إنه في السماء، ولم يقل إنه ليس في غيرها، قال: ونحن نقول بكلّ مكانٍ (١٣)، على أنه حافظٌ لكل مكانٍ عالمٌ به مدبّرٌ له" (١٤). وقيل: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: على السَّماء، كقوله: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾: يشقُّ الأرضَ فيُغيبكم فيها، كما خَسف بقارون. ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾: تضطرب وتتحرك. والمورُ: التردّدُ في المجيء والذهاب. ﴿وأَنْ يَخْسِفَ﴾ بدل من ﴿مَنْ﴾، وأجاز النحاسُ أنْ يكونَ مفعولاً به (١٥). وقدَّم الخسف على الحصب؛ لأنَّ المخاطبين في الأرض، فهي إليهم أقرب (١٦). ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: حجارةً، والحاصب والحصباء واحدٌ. وقيل: الحاصب مطرٌ فيه حصباءُ، كما فعل بأصحاب لوط. وقيل: ﴿حَاصِبًا﴾: سَحاباً فيه حجارةٌ. وقيل: كان الحجر يحصب (١٧).

стр. 3315

﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾: أي: إن (١) لم أُعاجلكم بالعذاب، فستعلمون كيف عاقبةُ ما خوّفتكم به. وكان القياس أنْ يكونَ ﴿أَمْ﴾ لأحد المذكورين، كما في قولك: أزيد جاءكم أم عمر، ولكن الآية فيها معنى التخويف والتهديد وليس باستفهامٍ، فجاز الجمعُ بين المذكورين. ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: قبلَ قومِكَ. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)﴾: إنكاري عليهم. وقيل: عقوبتي. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾: ثم نبَّه على قدرته على الخسف وإرسال الحاصب، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾: جمع طائر. ﴿فَوْقَهُمْ﴾: في الهواء. ﴿صَافَّاتٍ﴾: أجنحتهنّ، كالحِداء أو النِّسر (٢). ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: أي: أجنحتَهنّ يضربن بها جنوبَهن كالحمام. وقيل: يَصْفُفْنَ (٣) أحياناً ويقبضن أحياناً. وقيل: ﴿صَافَّاتٍ﴾: مصطفات واقفاتٍ، ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: الأجنحةَ إذا وقفن من الطيران (٤). وقيل: في الهواء طيورٌ لا يقعن بالأرض أبداً، طعامها النمل والبعوض إذا طرن في الهواء قبضن على أذنابهنّ وأجنحتهنّ. حكاه ابن هيصم (٥). ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾: في الجوّ. ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾: بقدرته، فإن الثقيلَ يَستفِلُ (٦) طبعاً ولا يعلو. ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ اللهَ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾: عالمٍ بمصلحة كلّ شيءٍ. ﴿أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾: أي: من جندكم الذي ينصركم، ويحول بينكم وبين عذاب الرحمن، فأمنتم عذابه بسببه. وقيل: معناه: هل شيءٌ من أصنامكم يدفعُ عنكم عذابَ الله. ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠)﴾: أي: هم مغترّون بغُرور الشيطان، غيرَ متمسّكين بحجَّةٍ وبرهانٍ. وقيل: معناه: مَن ينصركم سوى الرحمن. ﴿أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾: أي: ومَن يرسل المطرَ عليكم إنْ أمسكَ اللهُ المطرَ. وقيل: إنْ أمسكَ جميعَ أسبابِ الرزق. ﴿بَلْ لَجُّوا﴾: تمادَوا (٧). ﴿فِي عُتُوٍّ﴾: استكبارٍ عن الحقِّ وعن الداعي إليه. ﴿وَنُفُورٍ (٢١)﴾: عنه. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا﴾: تقول: كببتُه فأكبَّ. ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾: أي: مطرِقاً لا يلتفت ولا يتأمل الطرقَ واختلافَها. ﴿أَهْدَى﴾: أرشدَ وأدلَّ. ﴿أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾: المعنى: أفمن يمشي مُطرِقاً لا يلتفتَ إلى الطرقِ (٨) واختلافِها أرشدُ أم الذي يرفعُ رأسَه ينظرَ إلى الجادّة. وهذا مثلٌ ضربه الله. وقيل: ﴿مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾: يعملُ بالمعاصي أرشدُ أم مَن يمشي سويّاً يعمل بطاعة الله. وقيل: ﴿يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾: إلى النار، من قوله: ﴿يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الفرقان: (٣٤)]، كمَن يمشي على قدميه إلى الجنة (٩)، وقد سبق (١٠). وقيل: نزلت في أبي جهل، وعمّار، وابن مسعود ﵄ (١١). ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾: خلقكم ابتداءً. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: خصَّ هذه الثلاثةَ بالذكر؛ لأن العلومَ والمعارفَ بها تحصل (١٢). ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾: أي: تشكرون شكراً قليلاً. و ﴿مَا﴾ زيادة. وقيل: القلّة عبارةٌ عن العَدَم، كقول الشاعر:

стр. 3316

. . . . . . . . . . . . . ... قليلاً بها الأصواتُ إلاّ بِغامها (١) أي: لا صوتَ بها إلا بغامها (٢). وقد سبق. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: خلقكم فيها صغاراً. ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾: إلى دار الحساب والجزاء. وقيل: حيث لا يجري لغيره فيه (٣) أمرٌ. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: أي: ما وُعدوا من الخسف والحاصب، وقيل: البعث والنشور. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾: أي: إنْ صدّقتم في كونه فاعلموا زمانَه، فإن مَن عرف مجيءَ شيءٍ عرف كونَه وزمانَه. ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾: أي: علمُ وقتِ العذاب. وقيل: علمُ الساعة. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: لم يُطلع عليه أحداً. ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)﴾: أخوّفكم بمجيئه، ولا أعلمُ وقتَه. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾: عاينوا (٤) عذابَ الله قريباً منهم (٥). ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: ورد عليهم ما يسوؤهم. وقيل: أُنيلت السوءَ، أي: ما ساءها.

стр. 3317

وقيل: أسودّت وجوهُهم، وهذا يوم القيامة (١). وقيل: كان يوم بدر (٢). ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾: أصله تفتعلون، من الدعوى، أي: تدّعون إنه كذبٌ. وقيل: تفتعلون، من الدعاء، أي: تدعون الله (٣) بإيقاعه وتستعجلون، وتقولون (٤): ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. وقيل: دعا وادَّعى، بمعنىً (٥). وقُرئ: ﴿تَدْعُوْن﴾ خفيفاً (٦). ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾: هذا جوابٌ لقولهم (٧): ... ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: (٣٠)]، وأن أمرَ محمدٍ لا يتمُّ ولا يبقى (٨)، أي: إن أماتني اللهُ وأمات مَن معي أو رحمنا وأخّر آجالَنا: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾: فمَن ينجيهم من العذاب، فإنه نازلٌ بهم لا محالةَ، فأيُّ نفعٍ لكم في موتي (٩).

стр. 3318

ابن جرير معناه: "لا حاجةَ بكم إلى أنْ تستعجلوا قيامَ الساعة ونزولَ العذاب، فإن ذلك غير نافعكم، بل ذلك بلاءٌ عظيمٌ عليكم " (١). وقيل: معناه: لا تتمنوا موتي (٢)؛ فإنه لا ينفعُكم، وتمَّنوا ما يُجيركم من عذاب الله؛ فإن ذلك أنفعُ لكم. وقيل: معناه: نحن مع إيماننا خائفون، فمَن يمنعكم من عذاب الله (٣) وأنتم كافرون (٤). ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ﴾: أي: الذي أدعوكم إليه الله. ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾: فوَّضنا إليه أمورَنا. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾: نحن أم أنتم. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾: غائراً ذاهباً ناضباً، لا تناله الأيدي والدِّلاء (٥) (٦). قال الكلبي: بئرُ زمزم، وبئر ميمون بن (٧) الحضرمي، أخي عمرو بن الحضرمي، وهي بئر عادية قديمة (٨) (٩). ﴿فَمَالِ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ ظاهر تناله الأيدي. وقيل: جارٍ، وقيل: عذْبٌ (١٠). و ﴿مَعِينٍ﴾: فعيل من المَعن والإمعان، وقيل: مفعولٌ من العين (١١)، وقد سبق (١٢). والفاء في قوله ﴿فَمَنْ يُجِيرُ﴾ قيل: هو زيادة، وقيل: جوابٌ للشرط (١٣). وهو ضعيف مزيّف. والفاء جواب (انتبه)، الدالّ عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، وليس بجوابٍ للشرط (١٤)، وإنما جوابُه مدلولٌ عليه (١٥). والله أعلم.

стр. 3319

سورة ن (١) اثنتان وخمسون آية (٢) (٣) مكية (٤). قال ابن عباس وقتادة مكية من أولها إلى قوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾، ومن قوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ مدني، ومن قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)﴾ إلى قوله: ﴿يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾ مكيّ. ومن قوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾ مدني، والباقي مكي " (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ نزلت هذه الآيات جواباً للمشركين حين قالوا لرسول الله ﷺ إنك لمجنون، لشاعر مجنون معلَّم مجنون، فقال: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ (٦). والظاهر في ﴿ن﴾ أنه من حروف التهجي، وبناؤه على السُّكون وكتابته في المصحف يدلَّان على ذلك (٧).

стр. 3320

وروي عن ابن عبَّاس ﵄ فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أنَّ الر حم ن مجموع الرحمن (١)، وقد سبق. والثاني: أنَّه الحوت الذي دحيت الأرض عليه. وجاء ذلك مرفوعاً (٢). قال الكلبي ومقاتل: " اسمه بُهموت " (٣). الواقدي: لويثا (٤). كعب: لويثا (٥). وعن علي ﵁ ": بلهوت " (٦) (٧). وعنه ﵁ في بعض رجزه: مالي أراكم كلكم سكوتا ... والله ربي خالق البُلهوتا (٨) والثالث: الدواة، وهي أليق بالقلم (٩). وسمعت الثقات أنَّ أصحاب البحر يستخرجون من بعض الحيتان شيئاً أسوداً كالنِّقس (١٠) أو أشد سواداً منه يكتبون به، فيكون النون، وهو الحوت عبارة عن الدواة (١١).

стр. 3321

يقويه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب ما هو كائن من عملٍ أو أثرٍ أو رزق أو أجل، فكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ختم على القلم، فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة)) (١). وجاء في الشِّعر: إذا ما الشوق برَّح بي إليهم ... ألقتِ النُّونُ بالدَّمعِ السُّجوم (٢) معاوية بن قرة (٣) مرفوعاً: " إنَّ النُّوح لوحٌ من نور " (٤). وقيل: النُّون قسمٌ أقسم الله تعالى به. وقيل: اسم السُّورة كأخواتها (٥). وقيل: اسم نهر في الجنَّة (٦) (٧). الضحاك: "وفارسي أنون، فترجم بعضهم عنه فقال: اصنع ما شئت (٨)، والله أعلم. ﴿وَالْقَلَمِ﴾ أقسم الله بالقلم، أو بربِّ القلم كما سبق، وهو قلم من نور طوله ما بين السَّماء والأرض (٩). وذهب ابن بحر إلى أنه القلم الذي يكتب به من قوله ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: (٤)]، وهي اليراعة (١٠) المُبَرية (١١). ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ أي: يكتبون. وقيل: يعلمون، كناية عن غير سابق، أي يكتبه الحفظة من أفعال بني آدم. ابن بحر: " ما نكتبه (١٢) نحن من قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: (٥)]، يعني: الخطَّ والكتابة " (١٣). وذكر النَّقاش: " ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي يسطُّره القلم " (١٤). وفيه نظرٌ، أو يحمل على أصحاب القلم. وفي ﴿مَا﴾ قولان: أحدهما: أنَّه بمعنى الذي.

стр. 3322

وقيل: هو للمصدر (١) (٢). وحكى محمد بن الهيصم: " أنَّ النُّون: الفم، والقلم: اللسان، وما يسطرون: ما يكتبه الحفظة " (٣) وقال الحسن: " عجبت من ابن آدم كيف يتكلَّم بالفضول، وحافظاه على نابيه، لسانه قلمهما وريقه مدادهما، وهو فيما بين ذلك يتكلم بما لا يعنيه " (٤). ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ جواب القسم (٥). والمجنون: المستور العقل، تقولُ: جُنَّ (٦)، فهو مجنون (٧). النَّحَّاس: " أُجِنَّ، فهو مجنون، مثل: أحبَّ (٨) فهو محبوبٌ " (٩). والنعمة: الرَّحمة، والنِّعمة: النُّبوة. والباء في ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ قيل: للسَّبب، أي ما أنت بمجنون بسبب أنَّ الله أنعم عليك بكمال العقل والمعرفة. وقيل: نسبوه إلى الجنون فقال الله تعالى [: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ أي] (١٠): ليست النُّبوة سبباً للجنون (١١). وقيل: هو كقولك: ما أنت بحمد الله بمجنون. والمعنى: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك.

стр. 3323

وقيل: الباء للقسم، حكاه أقضى القضاة (١)، وفيه ضعفٌ؛ لأَنَّ القسم لا يدخل على القسم. ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا﴾ ثواباً على تبليغ الرِّسالة وتحمل المشاقِّ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ غير مقطوع، غير منقوص، غير محسوبٍ، غير ممنون به، فذلك كلُّه أقوال. الضَّحاك: " أجراً من غير عمل " (٢)، وقد سبق. ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ قيل: على الدِّين العظيم، وقيل: على الإسلام، وقيل: على القرآن، وقيل: على آداب القرآن. وفي حُسن أخلاق النبي ﷺ كثرة لا يأتي عليها العدُّ. وعن أبي الدَّرداء قال: سألت عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ فقالت: ... ((كان خلقه القرآن يسخط بسخطه، ويرضى برضاه)) (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: ((ما دعاه أحدٌ من أصحابه، ولا من أهل بيته إلا قال: لبَّيك)) (٤). وقال: ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً)) (٥). وفرَّق علي بن عيسى بن الخُلق والخِيم، فقال: الخلق: ما يأخذ الإنسان به نفسه من الآداب، والخِيم: الطبع الغريزي " (٦). وقيل: أصله ما ذُكر، ثُمَّ كثر الخُلق في الكلام حتى يستعمل مكان الطبع والجِبِلَّة. ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ أي عن (٧) قريب، ترى ويرون بأيكم المفتون.

стр. 3324

وهذا وعيدٌ لهم لقولهم له: إنَّه لمجنون. والمفتون: الذي فُتِنَ. وقيل: المفتون: المجنون. وقيل: الضالُّ. وقيل: الأولى بالشيطان، وقيل: بأيكم: إبليس عدو الله (١) (٢). والباء بمعنى " في " أي في أي الفريقين فريق المؤمنين، وفريق الكافرين. وقيل: الباء للإلصاق. والمفتون: الفتنة كما تقول به داء. أبو عبيدة: " الباء زائدة " (٣). ابن بحر: ويتبين أنَّ المفتون بمن يصير مفتوناً، أبدعائك يا محمد، أم بدعاء رؤوس الضلالة وأتباعهم (٤). المبرد: بأيكم فُتِنَ المفتونُ (٥). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ أي: سيميز بعضهم عن بعض في الآخرة. ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾ أي في الكفِّ عن التَّشدد عليهم وعيب آلهتهم، وذلك أنهم سألوه أن يكف عنهم ويداريهم. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ أي تمايلهم وتجاملهم، وقيل: توافق معهم وتترك مناصحتهم. وقيل: تلين لهم فيلينون لك.

стр. 3325

وقيل: لو تقاربهم فيقاربون لك. وقيل: لو تضعف. وقيل: لو تكذبُ (١). وقيل: تُرَخِّصُ. وقيل: لو وهِنْتَ عن هذا الأمر (٢). والفاء للعطف لا للجواب. ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ ابن عباس ﵄ " هو أبو جهلٍ " (٣). مقاتل: "الوليد بن المغيرة " (٤). مجاهد: "هو الأسود بن عبد يغوث (٥) " (٦). الكلبي: " الأخنس بن شريق " (٧). قوله: ﴿حَلَّافٍ﴾ كثير الحَلِف بالباطل. وقيل: الإكثار من اليمين مذموم؛ فإن الله تعالى عابه على مجرد الحلف، ولم يتعرض للصدق والكذب. ﴿مَهِينٍ (١٠)﴾ حقير، قليلٌ في الرأي والتمييز، من المَهانة، تقول: مهُنُ بالضَّمِّ فهو مَهين. وقيل: من المُهنة وهي الخدمة.

стр. 3326

والفعل: مهَنَ بالفتح مَهناً ومِهنة. والماهِنُ: العبد، وليس من الهوان (١). الحسن: " المَهينُ: المكثار في الشِّرِّ " (٢). الفرَّاء: " الفاجر " (٣). وقيل: الضعيف القلب. وقيل: من أكثر الحلف الكاذبة بالله فهو عند الناس مهين (٤). النَّحَّاس: " ويجوز أن يكون بمعنى: مهان " (٥)، وفيه تعسُّفٌ. ﴿هَمَّازٍ﴾ هو الذي يغتاب الناس ويقع فيهم من ورائهم. وقيل: الذي يهمز الناس، أي يكسر عينه إذا ولَّى صاحبه. وقيل: العيَّاب (٦). ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ نقَّال للحديث، وهو الواشي. والنميم: جمع نميمة، والنميم والنميمة واحدٌ، والاسم النَّمَّام (٧). ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ يبخل بماله. وقيل: يمنع الناس عن الإيمان (٨). ﴿مُعْتَدٍ﴾ على النَّاس من غير عدلٍ وإنصافٍ. ﴿أَثِيمٍ (١٢)﴾ كثير الإثم (٩).

стр. 3327

﴿عُتُلٍّ﴾ جاء مرفوعاً: " الفاحش اللئيم " (١). وقيل: العتل: الشديد الخصومة. وقيل: الأكول الشَّروب القوي الشديد. وقيل: الأكول الأشِر. وقيل: الغليظ الجافي، من قوله: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان: (٤٧)]، أي جرُّوه على عُنفٍ (٢). ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ أي بعد هذه الخصائل، ومع هذه الرذائل ملصق بالقوم ليس منهم، مأخوذ من زنمتي الشاة. وقيل: له زنمة في الشَّرِّ يُعرف بها كما تُعرف الشاةُ بزنمتيها (٣). وجاء مرفوعاً: " إنه اللئيم " (٤). ابن عباس ﵄: " الفاجر " (٥). الضَّحَّاك: " كانت للوليد أسفل من أذنه زُنْمة كزنمَة الشاة " (٦). عكرمة: " ولد الزِّنا "، وأنشد: زَنِيمٌ ليس يُعْرفُ مَنْ أبوه ... بَغِيُّ الأمِّ ذو حَسَبٍ لئيمٍ (٧) (٨)

стр. 3328

وقيل: هو الذي يُعرف بالأبنة (١). رواه الماوردي (٢). ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ لأن كان، أي لأجل كونه ذا مالٍ وأولاد (٣). ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا﴾ أي القرآن ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ أي: كذبهم وما كتب عنهم ولا حقيقة له. والعامل في ﴿أَنْ كَانَ﴾ عند الزَّجَّاج أحد الفعلين، أحدهما قوله: ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. والثاني: ﴿لَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾، لأجل أن كان ذا مال وبنين، أي لا تطعه ليساره (٤). ولم يُجز أبو علي الوجه الأول، قال: لأنَّ حكم الجواب أن يكون بعد ما هو جواب له (٥). وقرئ بالاستفهام، والتقدير: أَلِأَن كان (٦) ذا مالٍ تُطيعه (٧). وجاء في التفسير: أنَّ الوليد كان له عشرة بنين، وتسعة آلاف مثقال فضة (٨). الضحاك: " كانت له حديقة في الطائف واثنا عشر ابناً " (٩). ﴿سَنَسِمُهُ﴾ من الوسْم، وهو الكيُّ.

стр. 3329

﴿عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ وهو الأنف (١). والمتدلي من وجه الفيل أنفه، وهو من السِّباع الشفة، وفيه أقوال: أحدها: أنَّه الأنف في الحقيقة وقد أصابه يوم بدرٍ جراحة فبقي أثرها عليه. وقيل: المراد به الوجه، أي يسودُّ وجهه يوم تبيضُّ وجوه وتبيضُّ وجوه. وقيل: يسودُّ وجهه ويجعل على أنفه علامة لعداوته محمداً ﷺ . وقيل: استعارة عن لزوم العار والشنار بما وصفه الله به، كما قال الشاعر (٢): لمَّا وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل (٣) فإن الله لم يصف أحداً بمثل ذلك (٤). وقال النضر بن شميل (٥): " ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ سنحده على شُرْبِ الخمر، وأنشد: تظلُّ يومك في لهوٍ وفي طربٍ ... وأنت بالليل شرَّاب الخراطيم (٦) حكاه الثعلبي (٧)، وفيه تعسُّفٌ.

стр. 3330

﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ أي: بلونا قريشاً وأهل مكة بالجوع والقحط بدعاء النبي ﷺ : ((اللهم اشدد وطأتك على مُضر، واجعلها سنين كَسِنيَّ ... يوسف)) (١) (٢). وأمر أهل هجر أن لا يحملوا إلى أهل مكة طعاماً وانقطع عنهم الطريق من قِبَل العراق. وأمَّا أصحاب الجنة، فقال المفسرون: هي جنَّة بصنعاء. ويقال: دون صنعاء بفرسخين اسمها حَرْد، وقيل: صوران (٣). وكان أهل القرية قوماً بين عيسى ومحمد ﵉ متمسكين بشرائع الإنجيل (٤). الحسن: " كانوا كفَّاراً " (٥). والجمهور على القول الأول. وكان (٦) فيهم رجل، وله بستان فيها زرعٌ ونخل وعنبٌ. مجاهد: زرع وعنب يخرج وقت الصِّرام إلى جنَّتِه، وينادي الفقراء والمساكين، فيخرجون معه، فما أذرته الريح وألقته الطير، وأخطأه المنجل، أو بعد من البساط الذي يُبسط تحت النَّخلة جعله للفقراء، ثم يخرج بعد ذلك صدقة ماله وثماره فيُقْسِمها لهم، وكان في ذلك فضل كثير، وكان على ذلك حتى مات، وكان له بنون ثلاثة، فقالوا لو صنعنا ما كان يصنع أبونا ضاق علينا، فقد كثر عيالنا، فتعالوا لا نُعْلِمُ المساكين إذا خرجنا لصرام جنتنا يكن ذلك الفضل لنا فاجتمعوا على ذلك، فقال أوسطهم أعدلهم قولاً، وقيل: خيارهم من قوله: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾
следующие страницы →