← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

والفعل: مهَنَ بالفتح مَهناً ومِهنة. والماهِنُ: العبد، وليس من الهوان (١). الحسن: " المَهينُ: المكثار في الشِّرِّ " (٢). الفرَّاء: " الفاجر " (٣). وقيل: الضعيف القلب. وقيل: من أكثر الحلف الكاذبة بالله فهو عند الناس مهين (٤). النَّحَّاس: " ويجوز أن يكون بمعنى: مهان " (٥)، وفيه تعسُّفٌ. ﴿هَمَّازٍ﴾ هو الذي يغتاب الناس ويقع فيهم من ورائهم. وقيل: الذي يهمز الناس، أي يكسر عينه إذا ولَّى صاحبه. وقيل: العيَّاب (٦). ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ نقَّال للحديث، وهو الواشي. والنميم: جمع نميمة، والنميم والنميمة واحدٌ، والاسم النَّمَّام (٧). ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ يبخل بماله. وقيل: يمنع الناس عن الإيمان (٨). ﴿مُعْتَدٍ﴾ على النَّاس من غير عدلٍ وإنصافٍ. ﴿أَثِيمٍ (١٢)﴾ كثير الإثم (٩).

стр. 3327

﴿عُتُلٍّ﴾ جاء مرفوعاً: " الفاحش اللئيم " (١). وقيل: العتل: الشديد الخصومة. وقيل: الأكول الشَّروب القوي الشديد. وقيل: الأكول الأشِر. وقيل: الغليظ الجافي، من قوله: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان: (٤٧)]، أي جرُّوه على عُنفٍ (٢). ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ أي بعد هذه الخصائل، ومع هذه الرذائل ملصق بالقوم ليس منهم، مأخوذ من زنمتي الشاة. وقيل: له زنمة في الشَّرِّ يُعرف بها كما تُعرف الشاةُ بزنمتيها (٣). وجاء مرفوعاً: " إنه اللئيم " (٤). ابن عباس ﵄: " الفاجر " (٥). الضَّحَّاك: " كانت للوليد أسفل من أذنه زُنْمة كزنمَة الشاة " (٦). عكرمة: " ولد الزِّنا "، وأنشد: زَنِيمٌ ليس يُعْرفُ مَنْ أبوه ... بَغِيُّ الأمِّ ذو حَسَبٍ لئيمٍ (٧) (٨)

стр. 3328

وقيل: هو الذي يُعرف بالأبنة (١). رواه الماوردي (٢). ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ لأن كان، أي لأجل كونه ذا مالٍ وأولاد (٣). ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا﴾ أي القرآن ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ أي: كذبهم وما كتب عنهم ولا حقيقة له. والعامل في ﴿أَنْ كَانَ﴾ عند الزَّجَّاج أحد الفعلين، أحدهما قوله: ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. والثاني: ﴿لَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾، لأجل أن كان ذا مال وبنين، أي لا تطعه ليساره (٤). ولم يُجز أبو علي الوجه الأول، قال: لأنَّ حكم الجواب أن يكون بعد ما هو جواب له (٥). وقرئ بالاستفهام، والتقدير: أَلِأَن كان (٦) ذا مالٍ تُطيعه (٧). وجاء في التفسير: أنَّ الوليد كان له عشرة بنين، وتسعة آلاف مثقال فضة (٨). الضحاك: " كانت له حديقة في الطائف واثنا عشر ابناً " (٩). ﴿سَنَسِمُهُ﴾ من الوسْم، وهو الكيُّ.

стр. 3329

﴿عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ وهو الأنف (١). والمتدلي من وجه الفيل أنفه، وهو من السِّباع الشفة، وفيه أقوال: أحدها: أنَّه الأنف في الحقيقة وقد أصابه يوم بدرٍ جراحة فبقي أثرها عليه. وقيل: المراد به الوجه، أي يسودُّ وجهه يوم تبيضُّ وجوه وتبيضُّ وجوه. وقيل: يسودُّ وجهه ويجعل على أنفه علامة لعداوته محمداً ﷺ . وقيل: استعارة عن لزوم العار والشنار بما وصفه الله به، كما قال الشاعر (٢): لمَّا وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل (٣) فإن الله لم يصف أحداً بمثل ذلك (٤). وقال النضر بن شميل (٥): " ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ سنحده على شُرْبِ الخمر، وأنشد: تظلُّ يومك في لهوٍ وفي طربٍ ... وأنت بالليل شرَّاب الخراطيم (٦) حكاه الثعلبي (٧)، وفيه تعسُّفٌ.

стр. 3330

﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ أي: بلونا قريشاً وأهل مكة بالجوع والقحط بدعاء النبي ﷺ : ((اللهم اشدد وطأتك على مُضر، واجعلها سنين كَسِنيَّ ... يوسف)) (١) (٢). وأمر أهل هجر أن لا يحملوا إلى أهل مكة طعاماً وانقطع عنهم الطريق من قِبَل العراق. وأمَّا أصحاب الجنة، فقال المفسرون: هي جنَّة بصنعاء. ويقال: دون صنعاء بفرسخين اسمها حَرْد، وقيل: صوران (٣). وكان أهل القرية قوماً بين عيسى ومحمد ﵉ متمسكين بشرائع الإنجيل (٤). الحسن: " كانوا كفَّاراً " (٥). والجمهور على القول الأول. وكان (٦) فيهم رجل، وله بستان فيها زرعٌ ونخل وعنبٌ. مجاهد: زرع وعنب يخرج وقت الصِّرام إلى جنَّتِه، وينادي الفقراء والمساكين، فيخرجون معه، فما أذرته الريح وألقته الطير، وأخطأه المنجل، أو بعد من البساط الذي يُبسط تحت النَّخلة جعله للفقراء، ثم يخرج بعد ذلك صدقة ماله وثماره فيُقْسِمها لهم، وكان في ذلك فضل كثير، وكان على ذلك حتى مات، وكان له بنون ثلاثة، فقالوا لو صنعنا ما كان يصنع أبونا ضاق علينا، فقد كثر عيالنا، فتعالوا لا نُعْلِمُ المساكين إذا خرجنا لصرام جنتنا يكن ذلك الفضل لنا فاجتمعوا على ذلك، فقال أوسطهم أعدلهم قولاً، وقيل: خيارهم من قوله: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾

стр. 3331

[البقرة: (١٤٣)]، أي خياراً لا تفعلوا فإن الله - تعالى - كان (١) يبارك لأبينا؛ لإخراجه حقَّ الله تعالى فأبوا عليه " (٢). ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ ليقطعنَّ ثمارها (٣). ﴿مُصْبِحِينَ (١٧)﴾ وقت الصبح. ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾ لم يقولوا إن شاء الله، وقد أمرهم أوسطهم بالاستثناء. عكرمة: " لا يستثنون حقَّ المساكين " (٤). وقيل معنى: ﴿يَسْتَثْنُونَ﴾ لم يقولوا سبحان الله (٥). والاستثناء: أن يشرط الحالف في فعله مشيئة الله تعالى فيصرفه عن الوقوع. ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ ابن عباس-﵄: " أمرٌ من أمر ربك " (٦). قتادة: عذاب ربك " (٧). ابن جريج: " عُنُق من النار " (٨). وقيل: إعصار فيه نارٌ فاحترقت. ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ أي: بالليل.

стр. 3332

﴿فَأَصْبَحَتْ﴾ أي الجنة ﴿كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ أي محترقة سوداء (١) كالليل. وقيل: بيضاء لم يبق فيها سود زرع ولا شجر، كالنَّهار. والصريم: الليل، والصريم النهار؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما ينصرم عن صاحبه. وقيل: كالصريم: كالبستان الذي صُرمَ زرعه وثماره صريم بمعنى مصروم، ولهذا لم يدخله التاء، ككفٍّ خضيب وعين كحيل (٢). المؤرج: " كالرملة الصَّرِمة من معظم الرمل" (٣). ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)﴾ نادى بعضهم بعضاً عند الصباح. ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ أخرجوا إليه عند الغداة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢)﴾ أي قاطعين. ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)﴾ يتسارُّون (٤) بينهم ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا﴾ أي الجنة ﴿الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾. وقيل: يخفون أنفسهم من الناس. وقيل: يخفون كلامهم. وقيل: يتكلَّفون ذلك (٥). ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ على قصدٍ من قول الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . ... يحرد حرد الجنة المُغِلَّة (٦)

стр. 3333

وقيل: على غضبٍ على المساكين (١). والحرد الغضب، والفتح فيه أكثر. وقيل: على منعٍ من قولهم: حاردت السنة، إذا لم يكن فيها مطرٌ. وقيل: على قدرة ونشاطٍ وجدٍّ في أنفسهم. الحسن: " على فاقة وحاجة " (٢). وقيل: على أمرٍ أسَّسوه وأجمعوا عليه. وقيل: على حرصٍ، وقيل: هو اسم جنَّتهم، والأقوال الثلاثة الأولى، أقوال اللغة (٣). ﴿قَادِرِينَ (٢٥)﴾ على جنتهم لا يحول بينهم وبينها أحدٍ، أي عند أنفسهم. [وقيل: قادرين: خرجوا في الوقت الذي قدَّروه] (٤). وقيل: قادرين على المساكين (٥)، وفيه ضعفٍ. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ أي: الجنة بخلاف ما تركوها. ﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)﴾ أي ضللنا طرق جنتنا. وقيل: ﴿لَضَالُّونَ﴾ بمنعنا حقَّ المساكين. فلمَّا عرفوا أنَّها جنتهم قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)﴾ حُرمنا خير جنتنا وثمرها. وقيل معنى: ﴿مَحْرُومُونَ﴾ حُوْرِفْنَا (٦) طريقنا (٧).

стр. 3334

﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أعدلهم، وخيرهم، وأفضلهم، وأعقلهم، كلُّها أقوالٌ (١). ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾ لولا تستثنون عند قولكم: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾. والاستثناء تسبيحٌ؛ لأنَّه تنزيه الله، والإقرار بأنَّه لا يقدر أحدٌ أن يفعل فعلاً إلا بمشيئة الله؛ ولأنَّ التسبيح ذكر الله، وهو موجود في الاستثناء. وقيل: لولا تذكرون نعم الله عليكم، فتؤدُّوا (٢) حقَّ الله من أموالكم (٣). ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠)﴾ أي يحيل بعضهم باللائمة على بعضٍ، ثُمَّ أقروا جميعاً أنَّهم تجاوزوا ما حدَّ الله لهم، وهو قوله: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١)﴾ الويل غلظ المكروه، والشَّاق على النَّفس. ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢)﴾ أي راغبون (٤) في المسألة أن يتوب علينا، وأن يرزقنا خيراً منها. وقيل معناه: تائبون. قال المفسرون: تابوا فأبدلهم بها جنة خيراً منها، واسمها الحيوان. ابن مسعود ﵁: " أبدلهم فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً " (٥). قال الدِّمياطي (٦): " حدثني من رأى تلك الجنة، وقال: رأيت فيها كل عنقودٍ منها كالرجل الأسود القائم " (٧) (٨). وذهب بعضهم إلى أنَّ هذا قول الفقراء والمساكين، أي عسى أن يرزقنا خيراً من جنتهم (٩) إنا إلى ربنا راغبون راجون واثقون (١٠). والجمهور على القول الأول. ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي كما ذكرنا يقع العذاب في الدنيا لمن سلك (١١) سبيلهم ... ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ لأنَّه دائم لا ينقطع ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ لما أقاموا على ما يؤدِّيهم إلى هذا العذاب. ابن بحر: " أي نعذِّب الهمازين المشَّائين بالنمائم بمثل ما عذَّبنا أصحاب الجنة " (١٢). ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)﴾ أي للذين (١٣) يتقون الشرك في الآخرة أي بساتين نعيمها مقيم، لا يبيد ولا يفنى، خلافاً لبساتين الدنيا؛ فإنَّها فانية هالكة صاحبها في عناء من عمارتها، فلا ترغبوا بها عنها، فلمَّا نزلت هذه الآية أو ما بمعناها قال عتبة بن ربيعة وامرأته لئن كان ما يقوله محمد حقَّاً من الثواب في الجنة (١٤) لنكونن أكثر ثواباً

стр. 3335

منهم، كما نحن اليوم أفضل منهم في الدنيا، فأنزل الله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ استفهام إنكاري، أي (١) لا نفعل، فإنَّ المسلمين في الجنة، ... والمجرمون، وهم الكافرون في النار (٢). ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ أي من أين حكمتم بالسوية بين المطيع والعاصي، وأي عقل (٣) اقتضى ذلك. ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧)﴾ تقرؤون. ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨)﴾ أم قلتم ذلك من كتاب أنزله الله إليكم، وفيه إنَّ لكم من الله ما تختارون لأنفسكم، و ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ مفعول ﴿تَدْرُسُونَ﴾. وكسر ﴿إِنَّ﴾ للام. وقيل: استئناف على وجه الإنكار (٤). ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩)﴾ أي أم لكم عهود ومواثيق بالغة مؤكدة باليمين، فلا يحسبن نقضها إن لكم لما تحكمون به لأنفسكم. وفي ﴿إِنَّ﴾ وجهان كالأول. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ في أكثر التفاسير: إنَّ لكم حكمكم إلى آخر الدنيا. وفي بعضها: إنَّ لكم حكمكم إلى أن ينتهي إلى يوم القيامة فيجتمع لكم بتلك الأيمان ما تحكمون في الدنيا والآخرة.

стр. 3336

وفي بعضها: الأيمان بالغة لا يصحُّ نقضها (١) إلى يوم القيامة، وهذا أولى؛ لأن ما بعدَ أنْ لا يتقدم عليه، ويكون المعنى: بالغة لا يجوز نقضها أبداً (٢). ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ﴾ أي بما يقولون: إن لكم لما تخيرون وتحكمون ﴿زَعِيمٌ (٤٠)﴾ كفيل بأنه يكون لهم، فإن من كان على بصيرة من شيء تكفل به (٣). وإذا لم يتكفلوا دلَّ على أنهم غير واثقين بما يقولون. الحسن: " الزعيم: في الآية بمعنى الرسول " (٤)، أي أفيهم رسول أو جاءهم رسول بصحة ما يقولون. الأصم: " أي أيكم يقوم بالحجة والدعوى " (٥). ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ يريد الأصنام يقولون لهم ذلك. وقيل: شركاء جعلوا فيه ما تحكمون. وقيل: شهداء يشهدون لهم بصدق ما يدعون (٦). ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾ فيما زعموا. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ عن أمرٍ فظيعٍ شديد، وهو ظهور أمر الآخرة. والجمهور على أنَّ كشف الساق عبارة عن شدَّة الأمر وصعوبته، وأنشدوا أبياتاً منها: قد شَمَّرت عن ساقها فشُدُّوا ... وجدَّت الحرب بكم فجدُّوا (٧) (٨)

стр. 3337

وتوصف سنة الجدب به، قال: في سَنة قد كشفت عن ساقها ... حمراء تبري اللحم عن عُراقها (١) ابن عباس ﵄ أشد ساعة في القيامة " (٢). أبو موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: ((عن نورٍ عظيم يخرون له سجَّدا)) (٣). وعن الحسن: "عن ساق الآخرة " (٤). وهو الستر الذي بين الدنيا والآخرة. وقيل: عن ساق العرش (٥). وقيل: يُكشف ما كان خفيِّاً كقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق: (٩)]. عن ابن مسعود ﵁: "يوم يكشف الرب عن ساقه " (٦)، وهذا يؤول كما يؤول غيره مما جاء في القرآن، ولا يوصف الله تعالى بالأعضاء والأجزاء والأبعاض (٧).

стр. 3338

وروى أبو بُردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا كان يوم القيامة مُثِّلَ لكل قومٍ ما كانوا يعبدون في الدنيا، وذهب كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون في الدنيا، فيبقى (١) أهل التوحيد، فيقال لهم: ما تنتظرون قد ذهب الناس، فيقولون إنَّ لنا ربَّاً كنَّا نعبده في الدنيا لم نره، قال: وتعرفونه إذا رأيتموه، فيقولون: ... نعم، فيقال له: وكيف تعرفونه ولم تروه، قالوا: إنَّه لا شبيه له، فيكشف لهم ... الحجاب فينظرون إلى الله - تعالى -، فيخرِّون له سُجَّداً، ويبقى أقوامٌ ظهورهم مثل صياصي البقر (٢)، فيريدون السجود فلا يستطيعون، فيقول الله: عبادي ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كلِّ واحدٍ منكم واحداً من اليهود والنصَّارى في النار)) (٣). قال أبو بردة: فحدَّثُتُ بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال، آلله الذي لا إله إلا هو لحدَّثك (٤) بهذا الحديث أبوك، فحلفت له ثلاثة أيمان فقال عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثاً هو أحبُّ إليَّ من هذا " (٥). وقيل: هذه استعارة؛ لأنَّ الرَّجل إذا وقع في الشِّدة يقال: شَمَّر ساقه. ويحتمل: أنَّ هذا في الدنيا وقت النَّزع من قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: (٢٩)]. وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ أي: دعتهم أنفسهم إلى الإيمان ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ ... لذهاب زمان التكليف، والعلم عند الله.

стр. 3339

قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ ذليلة ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ يعلوها صغار. ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ في الدنيا، وقيل قبل المعاينة (١). ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ فلم يسجدوا. قوله: ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ يدل على الوجه الذي أولْناه؛ لأنَّ المعنى وهم أصحاء. ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ أي بالقرآن. وقيل: بالقيامة. أي دع هؤلاء الذين لا يؤمنون وفوِّض أمرهم إليَّ، فإنِّي كافيك، وإني قادر على أخذهم متى شئت (٢). ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾ ندنيهم من العذاب درجة درجة من حيث (٣) لا يعلمون أن العذاب نازل بهم (٤). السُّدي: " كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها " (٥). وقيل: كان ذلك يوم بدر (٦). وأصله من الدُّرجة. ابن بحر: " نأخذهم (٧) حيث دبُّوا ودرجوا، أي يسلكونه فنحن بهم محيطون " (٨). مشتق من المدرجَة وهي الطريق، وهم لا يعلمون أين (٩) نأخذهم ومتى نأخذهم.

стр. 3340

ابن عيسى: "سنستدرجهم إلى العقاب حالاً بعد حال " (١). وقيل: نرقِّيهم إلى العذاب درجة درجة بانقضاء أعمارهم، تقول: دَرَّجَهُ تدريجاً أوصله إليه شيئاً فشيئاً. واستدرجه أمر غيره أن يُرقى إليه درجة بعد أخرى (٢). ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أبقيهم ملاوة من الدهر (٣). ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ لا يحال بيني وبين عذابهم. ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦)﴾ سبق، وهو عطف على قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾. ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أكثرهم على أن المراد بالغيب اللوح المحفوظ ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾ منه (٤). وقيل: أم لأنهم يعلمون الغيب فهم يكتبون ذلك علموا أنك لست بمحقٍّ فيما أتيتهم به (٥). ابن بحر: " أم عندهم الغيب الذي هو من آيات إعجاز القرآن فهم يكتبون كتاباً مثله (٦) يأتون فيه بما في القرآن من الأخبار عمَّا كان وعمَّا يكون " (٧). ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ على تبليغ الوحي وتحمل الأذى.

стр. 3341

﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ يونس ﵇ (١). قيل: لا تضجر كما ضجر. وقيل: لا تغضب كما غضب. وقيل: لا تعجل كما عجل (٢). وقيل: لا تجبن كما جبن (٣). ﴿إِذْ نَادَى﴾ ربه تعالى من بطن الحوت، وقال: لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين (٤). ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ قيل (٥): مجهود. وقيل: مكروبٌ. وقيل: مغمومٌ. وقيل: مملوء من الغضب (٦). وقيل: محبوس عن التصرف، وهو من كَظَمَ غَيْظَه أي حَبَسه، وكان القياس وهو كاظمٌ، لكن التقدير: فهو مكظوم غيظه (٧). ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قيل: هو النبوة. وقيل: عبادته السابقة. وقيل: قوله: لا إله إلا أنت سبحانك. وقيل: رحمة ربه بقبول توبته (٨).

стр. 3342

﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ حيث لا شجر ولا غيره (١) من جبل (٢). وقيل: العراء: وجه الأرض. وقيل: العراء: أرض المحشر (٣). وقال أبو القاسم: " النبذ بالعراء تستعملها العرب في موضع الذِّم، وفي الشيء يُستخف به ويطرح " (٤). وهو وجه لولا قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: (١٤٥)]. وقوله: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)﴾ مذنب مبعدٌ من الرحمة. وقيل: مليم لكي تداركه النعمة، فنبذ غير مذموم (٥). ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ اختاره لرسالته ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾ من الأنبياء. وقيل: حكم له بالصلاح. ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ نزلت حين أراد الكفار أن يُعِينوا رسول الله ﷺ فيصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش، وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حُجَجِه، وكانت العين في بني أسد حتى إنَّ الرجل منهم ينظر إلى الناقة السمينة أو البقرة السمينة، ثم يَعِينها، ثم يقول للجارية: خذي المكتل والدرهم فأتينا من لحم هذه، فما تبرح حتى تقع فتنحر (٦).

стр. 3343

وكان الواحد إذا أراد أن يَعِين شيئاً يجوع له ثلاثة أيام، ثم يعرض له فيقول: تالله ما رأيت مالاً أكثر ولا أحسن من هذا فيتساقط (١) ذلك الشيء، فأرادوا مثل ذلك برسول الله ﷺ فعصمه الله من ذلك (٢). هذا قول الجمهور. وقال بعضهم: إنما يصيب الإنسان بالعين ما يستحسنه وتميل نفسه إليه، وكان نظرهم إلى النبي ﷺ نظرة البغض والغيظ، وذلك ضدَّه (٣) (٤). وأنكر بعضهم العين أصلاً، وقالوا معنى الآية: نظروا إليك نظر عداوة وتوعّد كما يقال: نظر إليَّ نظراً كاد يأكلني به (٥). والقول هو الأول؛ فإنَّ النبي ﷺ قال: ((إن العين حقُّ، ولو كان شيء يسبق القدر لكان ذلك العين)) (٦). وقال ﷺ : ((العينُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ القبر، والجمل القِدْرَ)) (٧). وجاء في الشِّعر: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وإخال أنك سيد معيون (٨).

стр. 3344

و " يَزلقونك " بالفتح والضمِّ لغتان، تقول: أزلقته رميتُه، وأزلق رأسه حلقه من أصله، ويقال أيضاً: زلقته فزَلِق، كما تقول: حزنته فحزن، وشترت عينه فشترت (١) (٢). ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أي القرآن. ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾ معه جنِّيٌّ يُعلمه الكتاب. وقيل: مختلط العقل، قالوه حسداً. وقيل: يطلب مالا يليق به، فهو مجنون. ختم السورة بذكر ما بدأ به (٣). ﴿وَمَا هُوَ﴾ ما القرآن، وقيل: ما محمد ﷺ ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾ الجن والإنس. قال الحسن: " دواء إصابة العَين ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخر السورة " (٤). [وبالله التوفيق والعون] (٥).

стр. 3345

سورة الحاقة (١) اثنان وخمسون آية (٢) (٣)، مكية بالإجماع (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾: فيها ثلاثةُ أقوال: أحدها: أنَّها اسمٌ من أسماء القيامة. والثاني: أنَّها الصيحة التي تقوم (٥) عندها القيامة ويموت الخلق. وقيل: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الكلمة التي حقّت، من قوله تعالى: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، ... [يونس: ٣٣] في مواضع , وهي: كلمةُ العذاب الواجب بوعيدِ الله. والجمهور على القول الأول (٦). واختلفوا في لفظها. وقيل: هو مصدر كالكاذبة والعافية (٧). والجمهور على أنَّها اسم الفاعل، وفيها خمسة أقوال:

стр. 3346

أحدها: أنَّها من حقَّ يحِقُّ بالكسر، أي: وجبَ، وصحَّ مجيؤها للجزاء: على الطاعة ثواباً وعلى المعصية عقاباً. وقيل (١): فيها الثوابُ وحواقُّ الأمور. والثاني (٢): من حقَّ يحُقُّ بالضم، تقول: حقّقت عليه القضاءَ: أوجبته، والمعنى: توجب لكل أحدٍ ما استحقه. والثالث: أحقَّ فهو حاقٌّ. وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ حقّقت القضاءَ وأحققته بمعنىً , فلا حاجةَ إلى أنْ يقال: أفعل فهو فاعل. والرابع: من حقّه يحُقُّه إذا جعله جديراً وحقيقاً، والشيء محقوق. والخامس: من حاقّه فحقّه، أي: غلَبة؛ لأنَّها تحقُّ كلّ مُحاقٍّ (٣) في دين الله بالباطل (٤). و ﴿الْحَاقَّةُ﴾: رفع بالابتداء. وقيل: بالخبر , والتقدير: هذه ﴿الْحَاقَّةُ﴾. ﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾: أيُّ شيءٍ هي؟ على التعظيم لشأنها والتهويل لها، أي: حقُّها أن يُستفهم (٥) عنها لعظمها. ﴿مَا﴾ رفعَ بالابتداء , ﴿الْحَاقَّةُ﴾ خبره , والجملة خبر المبتدأ الأوَّل , وهذا قول جميع المفسرين والنحاة (٦). ويحتمل أن يرتفعَ ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الثانية بالابتداء , و ﴿مَا﴾ يرتفعُ بالخبر؛ لأنَّها نكرة وجبَ تقديمها لمكان معنى الاستفهام , كقولك: أين بيتك؟ ومتى الساعة؟ فإذا قلت: ما معك؟ ارتفع بالابتداء؛ إذ ليس لقوله: معك صلاحيّة الابتداء (٧). وَمَاءٍ ﴿أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾: أي شيء أعلمك ما هي؟ ومن أين علمت ذلك؟ وقيل: معناه ليس ذلك من علمك ولا من علم قومك (٨). و ﴿مَا﴾ رفعَ بالابتداء، وكذلك: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ على ما سبق. والفعل قبله معلّق؛ لأنه بمعنى (٩): ما أعلمك. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَاد بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾: أي: بـ ﴿الْحَاقَّةُ﴾ فَوَضَع القارعة موضعهما؛ لأنهما من أسماء القيامة. وفيها أقوال: أحدها: تَقرَع القلوب بأهوالها. والثاني: قرعتْ كلّ شيء، أي: كسرته وأهلكته. وقيل: يقرع الله العباد فيها. وقيل: من القُرْعة، أي: يقرع بعضهم بعضاً، فيعلو بعضٌ ويسفل بعضٌ. وقيل: القارعة: العذابُ الذي أهلكَ عاد وثمود به (١٠). ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾: أهلكَ الله قومَ صالح بسبب طغيانهم ومجاوزتهم الحدّ في كفرهم. وقيل: الطاغية: الصاعقة من قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾، [البقرة: ٥٥]. وقيل: الطاغية: الطّاغي، وهو: قُدَار بن سالف عاقر الناقة , والهاء للمبالغة. وقيل: الفرقة الطاغية، وهم: قدار وأتباعه. وقيل: الطاغية: الصيحة التي أهلكوا بها. وقيل: الطاغية: اسمُ البقعة التي أهلكوا فيها , حكاه ابن الهيصم (١١).

стр. 3347

وقيل: سمّيت طاغية ازدواجاً كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] (١). ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ﴾: وهي (٢): الدَّبور , من قوله ﷺ : ((نصرتُ بالصبا وأهلكتْ عاد بالدَّبُور)) (٣). ﴿صَرْصَرٍ﴾: باردة في النهاية. والتضعيف يدل على المبالغة. وقيل: لها صَرْصَرٌّ: أي صوت. وقيل: شديد السموم (٤). والريح: الهواء المتحرك , واشتقاقها من يروح إذا رجع. ﴿عَاتِيَةٍ (٦)﴾: عاصيةٍ عتتْ خُزَّانها غضباً على أعداء الله , أذن (٥) الله تعالى لها من دون الخُزاّن. قتادة: " لم تخرج (٦) إلا مقدار خاتم " (٧). ابن عباس ﵄: "ما خرجتْ الريح إلَاّ بمكيال وميزان بأمر خزانها " (٨). وقيل: العاتية: القاهرة. وقيل: الشديدة (٩). وقيل: ازدواج. كما سبق. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾: وهب (١٠) (١١): سلطها عليهم (١٢).

стр. 3348

وقيل: أدماها. وقيل: حبسها عليهم ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (١). وهب: " كانت الأيامُ التي تسميها العرب: أيام العجوز , وهي ذاتَ بردٍ وريحٍ شديدة، قال: وإنما نسبت إلى العجوز؛ لأن عجوزاً دخلت سرباً فتبعتها الريح فقتلتها اليومَ الثامن من نزول العذاب " (٢). وقيل: سميت أيام العجوز لأنها تكون في عجزة الشتاء , أي: أواخرها. وكانَ ابتداءُ العذاب يوم الأربعاء آخر (٣) الشهر إلى الأربعاء الآخر " (٤). وجاء مرفوعاً " أنَّ الأربعاء من الشهر يوم نحس " (٥). وأسماء أيام (٦) العجوز عند العرب سبعة , يجمعها قول الشاعر أنشده ثعلب: كُسعَ الشتاءُ (٧) بسبعةٍ غبر ... أيامِ شهلتنا (٨) من الشهرِ فإذا مضتْ أيامَ شهلتنا ... (٩) بالصِنِّ والصنبرِ والوبرِ وبآمرِ وأخيهِ مؤتمرٍ ... ومعللٍ وبمطفئِ الجمرِ ذهبَ الشتاءُ مولِّياً هرباً. . . ... وأتتكَ واقدةً (١٠) من النجرِ (١١)

стр. 3349

واسم اليوم الثامن: مكفئ الظعن (١) (٢). قولة (٣): ﴿حُسُومًا﴾: تذهبهم (٤) وتفنيهم , فهو نصب على المصدر. وقيل: ﴿حُسُومًا﴾ تباعاً , من حَسَمْت الدابة إذا تابعت بين كِيها. الضحاك: الحسوم: المشائيم أي: نحوساً (٥). وقيل: ﴿حُسُومًا﴾: جمع حاسم وهو القاطع , أي: قاطعة لدابر أولئك الكفرة، فيكون نصباً على الصفة (٦). المبرد: الفُعُول في التعدّي لا يكون إلاّ جمعاً (٧). ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾: أي: لو كنتَ حاضراً هناكَ لرأيتَ القومَ فيها في تلك الأيّام. وقيل: في الريح. وقيل: في بيوتِهم (٨). وقيل: في الطاغية , فيمن جعلها اسم بقعة (٩). ﴿صَرْعَى﴾: جمع صريع , أي: سقوطاً.

стр. 3350

﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾: جذوع ﴿نَخْلٍ﴾. وقيل: أصول ﴿نَخْلٍ﴾ , وهو ما يبقى على المكان بعدَ قطعِ الجذعِ. ﴿خَاوِيَةٍ (٧)﴾: قيل: فارغةٌ متآكلة , من قولهم: خويَ بطنُه إذا خلا , وخويَ المنزلُ عن القُطَّان. وقيل: ساقطة. وصفهم بعظم الأجسام وأنَّ الريحَ قطعتهم وقلعت رؤوسَهم. وقيل: كانَ طولُهم اثني عشر ذراعاً. وقيل: ﴿خَاوِيَةٍ﴾: الأجواف من الحياة. وقيل: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ من الأحشاء؛ لأن الريحَ أخرجت ما في بطونها. وهذان القولان ضعيفان؛ لأن قوله: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ بالجر: صفة للنخل (١). أو يقال: لخلوها من الحياة أو من الأحشاء , شبههم (٢) بنخلٍ خاوية. (٣) ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾: أي: نفسٍ باقية. وقيل: مصدر , أي: هل ترى لهم من (٤) بقاء. ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾: أتباعه (٥). سيبويه: يقال قبل: لمن وليَ الشيء , تقول: اذهب قِبَل المشرق (٦).

стр. 3351

وقرئ ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ أي تقدمه. والواو للجمع. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩)﴾: فيها قولان: أحدهما: أنَّها قرياتُ قومِ لوط ائتفكتْ بهم أي انقلبتْ. وقيل: قرون وكنوز (١). والثاني: هم الذين أؤتفكوا بذنوبهم (٢). والخاطئة والخطأ: الذنب الكبير (٣) (٤). ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾: قيل: قوم لوطٍ لُوطاً. وقيل: رُسل ربهم. وقيل: كل أمة رسولهم. وقيل: رسالة ربهم (٥). ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾: شديدة تربوا وتعظم وتزيد على الأخذات. وقيل: مرتفعة سمع بها (٦) الخلق. ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾: ارتفعَ وتجاوزَ الحد المعتاد. وقيل: ﴿طَغَى﴾ ظهر. مجاهد: " طغا الماء على كل شيءٍ بمقدار خمسةَ عشرَ ذراعاً " (٧).

стр. 3352

ابن عباس: " طغا على خُزّانه فخرج من الكيل والوزن " (١). وقيل: سمي طاغياً ازدواجاً. وقد سبق. ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾: يا ذريةَ نوح. ﴿فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾: وقيل: حملنا آباءَكُم وأنتم في أصلابهم في الجارية، ... أي (٢): السفينة؛ لأنَّ من شأنها الجري في الماء. ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾: أي: السفينة الجارية؛ فإنها بقيت ألوَاحُها دهراً. وقيل: لنجعل ما اتخذ على مثالها. وقيل: لنجعل هذه الحالات التي تقدمت (٣). ﴿لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾: عبرة وعظة. ﴿وَتَعِيَهَا﴾: تحفظها (٤) ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾: أذنُ إنسانٍ شأنه أن يحفظَ ما يحبُ حفظه (٥). تقول: وعيته في قلبي , وواعيتُه في وِعَائي (٦). وعن مكحول (٧) قال: لما نزلت ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال رسول الله ﷺ : ((دعوتُ الله أن يجعلها أُذُنَك يا علي)). قال علي ﵁: فما نسيتُ شيئاً بعدَ ذلك وما كانَ لي أن أنساه , رواه الثعلبي والنقاش (٨).

стр. 3353

قتادة: " هي أذن عَقلت عن الله وانتفعت بما سمعتْ " (١). ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾: النفخةُ والنفخُ واحدٌ للتأكيد؛ لأن النفخة لا تكونُ إلاّ واحدة , وهي النفخةُ الأولى , فيمن جعل النفخة نفختين: أحداهما يموت عندها الناس. والثانية: يبعثون عندها. ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾: قلعت من أماكنِها. ﴿فَدُكَّتَا﴾: أي الأرضُ والجبالُ. ﴿دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾: كسرتا كسراً شديداً فصارت غباراً. وقيل: ﴿فَدُكَّتَا﴾ قلعتا. وقيل: جُعلتا بساطاً. والدَّك: البسط , وناقة دكاء مفترشة السنام. والدَّكاء: الأرض المتسعة (٢). الفراء: " دكُّها: زلزلتُها ". (٣)

стр. 3354

ابن بحر: " دكُّها: أن تصيرَ قطعةً واحدة لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً " (١). المبرد: دكَّتا: أُلصِقتا فجعلتا مثل الدكة الواحدة , وهي (٢) الدُكان " (٣). ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: حينئذٍ. ﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾: أي ﴿الْوَاقِعَةُ﴾ التي توعدون وهي قيامُ الساعة وصحتها (٤). ووقعت جواب ﴿إِذَا﴾. و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من ﴿إِذَا﴾ كرر لمَّا طال الكلام. ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾: قال عليٌّ: " عن المجرة " (٥). ابن جريح: " فتحت أبواباً " (٦). والانشقاق: وقوعُ الفُرجةِ بينَ أجزاء الشيء. ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾: ﴿وَاهِيَةٌ﴾ كالغزل المنقوض. وقيل: متخرقة. وقيل: ساقطةٌ متشققة (٧). ﴿وَالْمَلَكُ﴾: اسم جنس. ﴿أَرْجَائِهَا﴾: نواحيها وأطرافها. وقيل: أبوابها. واحدها رجاً. وقيل: (٨) أرجاءَ السماء. وقيل: أرجاء الأرض. وقيل: أرجاء الدنيا. وقيل: على قطعها التي ليست بمتشققة. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾: فوقَ الخلق. وقيل: فوقَ الثمانية؛ لأنَّها في نيّة التقديم. ﴿يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾: أي ثمانيةَ أملاك أرجلُهم تحتَ الأرض السابعة. وقيل: ورؤوسُهم فوق السابعة. وقيل: الخلقُ عشرة أجزاء: جزء للإنس والجن وسائر الحيوان (٩) , وجزء ملائكةُ السماوات والأرض , وثمانية أجزاء: حملةُ العرش , وهم الكَرّوبيون (١٠) (١١). وجاءَ مرفوعاً: ((أنهم اليوم أربعةٌ , وإذا جاءَ يومُ القيامة أمدهم بأربعةٍ آخرين)) (١٢). مجاهد: هم اليوم أربعة: " فواحدٌ وجههُ وجه رجل , وواحدٌ وجههُ وجه ثور , وواحدٌ وجهه وجه نسر , وواحدٌ وجههُ وجه أسد , وكلُّ واحدٍ يشفعُ لما يشبهه " (١٣). وقيل: لكلِّ واحدٍ أربعةُ أوجهٍ على الوصف المذكور (١٤). وروي أنه أنشد بين يدي الرسول ﷺ قول أميَّةَ بن أبي الصلت: رَجُلٌ وثورٌ تحتَ رجل يمينه ... والنسرُ للأخرى وليثٌّ مرصد فقال (١٥) النبي ﷺ : صدق (١٦). والفائدةُ من ذكرِ العرش عقيب ما تقدم: أنَّ العرش بحاله خلافَ السماءِ والأرض. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾: روى أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: ((يعرضُ الناسُ يومَ القيامةِ ثلاث عرضات (١٧) , فأمَّا عرضتان فجدال ومعاذير , وأما العرضةُ الثالثة فعندها تطيرُ الصحفُ في الأيدي , فآخذٌ باليمين وآخذٌ بالشمال)) (١٨). وليس يعرضهم ليعلمَ ما لم يكنْ عالماً به , ولكنهم يعرضونَ مبالغةً ومظاهرةً في العدلِ. وقيل: معنى العرض: أن يعرفَ كلُّ واحدٍ ما يستحقه من ثوابٍ وعقاب (١٩). ابن بحر: "يعرضونَ بأعمالهم وأقوالهم كما يعرضُ السلطان جنده بأسلحتهم ودوابهم (٢٠). ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾: ما أسررتموه (٢١) أو أعلنتموه. ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾: هذا إخبارٌ عن قولِ الفريقين إذا وصلَ إليهم كتابُ الحفظة. ﴿فَيَقُولُ﴾: المؤمنون (٢٢): ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾: تقديره: ﴿هَاؤُمُ﴾ كتابي , واقرؤوا كتابي , فحذف المفعول (٢٣) الأول؛ لأن الثاني يدل عليه. وفي (هاء) لغات: أحدها (٢٤): هاء , هاؤما , هاؤم , هائي , هاؤا (٢٥) , هاؤنَّ. ومنهم من قال: هاء , هاؤا , هائي. ومنهم من قال: هاك هاكما. وقيل: معنى ﴿هَاؤُمُ﴾: تعالوا. وقيل: معناه (٢٦) يا هؤلاء. والوجه هو الأوَّل (٢٧). والهاء في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ للاستراحة, وخفة الحذف في الوصل , فمن أثبته فلموافقة الإمام (٢٨). والمعنى: يقول (٢٩) ذلك سروراً به لما يرى فيه من الخيرات وأن لا يكونَ فيه ما يفضحه. وقيل: ذلك كتاب سوى كتاب الحفظة فيه البشارة من الله؛ لأن كتاب الحفظة بينه وبين الله. ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾: أي علمتُ. ﴿أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾: أني (٣٠): معاين حسابي فكنتُ استعد له. قال (٣١) الكلبي والضحاك: نزلتْ في أبي سلمة بن عبد الأسد (٣٢) (٣٣) , فيكونُ هو سببُ النزول ويعم المعنى جميعَ أهلِ الإيمان. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾: أي أنواعٍ من العيش مرضية. وقيل: ذاتُ رضىً. وقيل: تامّة كأنَّها أعطيتْ حتى رضيتْ فتمتْ (٣٤). الفرَّاء: " إنَّما يصرفُ من لفظ المفعول " (٣٥). ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾: عالية المكان. وقيل: عاليةَ القدر والشأن.

стр. 3355

و ﴿فِي﴾ متعلقة بالعيشة. وقيل: خبرٌ بعدَ خبر. والأوَّل ضعيف (١). ﴿قُطُوفُهَا﴾: ثمارُها , جمع قِطف بالكسر. والقَطف بالفتح: المصدر , وهو: أخذُ الثمرة بسرعة. ﴿دَانِيَةٌ (٢٣)﴾: قريبة تنال (٢) بالأفواه والأيدي قياماً وقعوداً. وقيل: دنت فلا يردُّ أيديهم عنها بعدٌ ولا شوك (٣). ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾: من نعيمِ الجنَّةِ. ﴿هَنِيئًا﴾: سليماً من الآفات والمكاره لا تنغيص فيها ولا تكدير لها (٤). ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾: بسبب (٥) ما قدمتم من الخيرات والطاعات. ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾: الماضيةِ في الدنيا. وقيل: بدل ما أسلفتم. وعن ابن عباس ﵄: أنَّها نزلت في الصائمين خاصة في الأيام ... الخالية (٦) , أي: الجائعة , كما تقول: نهارهُ صائم. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥)﴾: يقول ذلك لما يرى فيه من الفضائح. وقيل: لم أوت كتابي بشمالي. وقيل: يا ليتني لم أبعثْ ولم أحاسبْ. ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾: ولم أدري ما جزاء عملي. وقيل: هو كتاب البراءة من الله تعالى. وقيل: نزلت في أبي جهل. وقيل: الأسد بن عبد الأسد (٧) , فيكون هو سبب النزول , والمعنى يعمُّ جميع الكفار (٨)، كما سبق. ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾: الفارغة القاطعة عن الحياة ولم أحي بعدها. قيل: (٩): الهاء (١٠) تعودُ (١١) إلى الشدائد التي دفع إليها. وقيل: يعودُ إلى الصيحة التي بعث عندها. وقيل: كنايةً عن السَّاعة التي هو فيها , أي: ليتني متُ الآن. وقيل: يعودُ إلى ﴿الْقَاضِيَةَ﴾ , أي: يا ليت ﴿الْقَاضِيَةَ﴾ وقعت يعني الموت. وقيل: كناية عن الحياة الدنيا , أي يا ليتها كانت موتاً ولم أكن قط حتى لا أرى ما أراهُ اليوم (١٢). ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾ أي: ما نفعني مالي ولا دفعَ عني. يجوز أن يكون ﴿مَا﴾ (١٣) للاستفهام ومحله نصب , ويجوز أن يكونَ خفياً والمفعول محذوف, أي: شيئاً , والمعنى لم ينفعني ما جمعتُهُ في الدنيا. ﴿هَلَكَ عَنِّي﴾: ذهبَ عني. ﴿سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾: كثرةُ مالي وأسبابُ ملكي.

стр. 3356

وقيل: سلطاني: حجَّتي وبرهاني. واختار لفظُ الهلاك وإن كان يستعملُ (١) مع الأعيان؛ لأنَّ مع الذهاب يبقى رجاءَ العود ولا يبقى مع الهلاك. وقيل: شبابي وعمري في الدنيا. وقيل: زالَ عزي وصرتُ ذليلاً (٢). ﴿خُذُوهُ﴾: يقول الله لخزنةِ النَّار. ﴿فَغُلُّوهُ (٣٠)﴾: أجْمِعُوا يدَهُ (٣) إلى عنقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾: أي: أدخلوهُ فيها. وقيل: أوقدوا النَّار واشووهُ بها. وقيل: اجعلوهُ يصلى. ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا﴾: طولُها. ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾: " ابن جريج: بذراعِ الملك " (٤). الحسن: " الله أعلم بأي ذراعٍ هو " (٥). نوف (٦): الذراع: سبعونَ باعاً , كلُّ باعٍ ما بيَن الكوفةِ إلى مكة أو أبعد " (٧). وجاء لو أنَّ حلقةً منها وضعت على ذروةِ جبلٍ لذابَ كما يذوبُ الرصاص (٨).

стр. 3357

الذَّرع: طولُ يدِ الإنسان وانبساطها. والذرع: المصدر أيضاً (١). ﴿فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾: له وجهان: أحدهما: إذا شدَّ بها فقد اشتملت عليه؛ لأنَّه يدخلُ عنقه فيها ويجرُّ بها. والثاني: أنَّه من باب القلب , أي: فاسلكوها فيه , كما تقول: جعلت الخاتم في الإصبع , والخفّ في الرِّجل (٢). قال الضحاك: " يدخلُ في فيه ويخرجُ من دبره " (٣). ابن بحر: " اجعلوا هذه السلسلةُ له بمنزلة الخيط يسلكُ فيه الخرز " (٤). وسلكته وأسلكته لغتان , ولغة القرآن سلكَ. ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾: جزاء (٥) على كفرهِ وبخلهِ , وهو قوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾: أي: لا يطعمُ ولا يأمرُ به. ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥)﴾: أي: قريبٌ يغتمُ لمكروه قريبه أو يهتم , وهما بمعنى, والمعنى: لا ينتفع بحميمه كما كان ينتفع في (٦) الدنيا. ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾: الغسلين: غسالةُ ما يغسلُ , والمراد به (٧) ها هنا: مايسيلُ من أجسامِ المعذبين من القيح والصديد (٨). الأصمّ (٩): " الغسلين الطحلب " (١٠).

стр. 3358

وقيل: هو شر طعام وأبشعه (١). والنار دركات ولكلِّ دركة نوع طعام وشراب. ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾: الكافرون الجائرون عن طريق الحقِّ عمداً. ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: قيل: ﴿لَا﴾ صلة. وقيل: ردٌّ لإنكارهم القرآن. وقيل: نفي للقسم. وهو يجري مجرى القسم في التأكيد. ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨)﴾: في (٢) الدنيا وَمَا ﴿لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾: الآخرة. وقيل: ﴿مَا تُبْصِرُونَ﴾: السَّماء والأرض وما فيها, ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾: ما وراءهما (٣). وقيل: ﴿مَا تُبْصِرُونَ﴾: البرَّ وَمَا ﴿لَا تُبْصِرُونَ﴾ البحر. وقيل: ﴿مَا تُبْصِرُونَ﴾: ما على (٤) وجه الأرض , [﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ ما في بطنها. ابن عباس ﵄: " ﴿مَا تُبْصِرُونَ﴾: الكعبة ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ البيت المعمور] (٥) (٦). وقيل (٧) ﴿مَا تُبْصِرُونَ﴾ (٨) تبليغ محمد ﷺ ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ تبليغ (٩) جبريل ﵇ (١٠).

стр. 3359

﴿إِنَّهُ﴾: إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾: بلاغُ رسولٍ , يعني محمد ﷺ . وقيل: وحي جبريل ﵇ (١). ﴿كَرِيمٍ (٤٠)﴾: على الله تعالى. وفي لفظ الرسول: دليل , على (٢) أنَّّه يبلغ عن الله ويحكيه. والقول يقع على الحكاية. ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾: أي: ليسَ بشعرٍ ولا كهانةٍ كما زعموا. ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾: ﴿مَا﴾ صلة , ﴿قَلِيلًا﴾ صفة مصدر محذوف , أي: يؤمنون (٣) إيماناً قليلاً من قوله (٤): ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. وقيل: القلة: عبارة عن النفي. وقد سبق. وقيل: يجوزُ أن يكونَ هذا نعتاً للمؤمنين , وأرادَ أنَّ المؤمنينَ به قليلٌ. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾: نزلَ به جبريل على محمد ﵉. ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾: أي: كذبَ الرسول (٥) ﷺ علينا , وتكلَّفَ القول وأخترعَهُ ثمَّ أضافَهُ إلينا (٦). ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾: لانتقمنا منهُ بالقوة والقدرة (٧).

стр. 3360

وقيل: لسلبنا منهُ (١) قوته. قال الشاعر (٢): إذا ما رايةٌ رفعتْ لمجدٍ ... تلقَّاها عرابَةُ باليمينِ (٣) وقيل: لقطعنا يدَهُ اليمنى , عن الحسن (٤). وقيل: لأذللناهُ واستخففنا به , كما تقول: خذ بيده وأخرجهُ من مجلسه. وقيل: ﴿بِالْيَمِينِ﴾ بالحقّ. وقيل: سلبنا منهُ يمينَه (٥). ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾: أمتناهُ وأهلكناهُ. و ﴿الْوَتِينَ﴾: نياطَ القلب. وقيل: عرق بالقلب متصل بالظهر إذا قطعَ ماتَ صاحبه (٦). ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ أي: لو تقوَّل لأهلكناهُ ولم يكن ﴿مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (٧) يحجزه عن القطعِ وعن عذاب الله , وجمع ﴿حَاجِزِينَ﴾ لأنَّ ﴿أَحَدٍ﴾ للعموم ومحله جر بالصفة. وقيل: نصبَ على أنَّه خبر: ﴿مَا﴾ و ﴿أَحَدٍ﴾ اسم ﴿مَا﴾ , ﴿مِنْ﴾ صلة , و ﴿مِنْكُمْ﴾ حال يقدم عليه. والوجه الأول. ﴿وَإِنَّهُ﴾: إنَّ القرآن. ﴿لَتَذْكِرَةٌ﴾: تذكيرٌ (٨) ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾: خصَّهم (٩) بالذكر لانتفاعِهم به.

стр. 3361

﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾: يعني الكافرين , والتقدير: لنعلم (١) أنَّ منكم مُكَذِّبين ومنكم مؤمنين صادقين , فاكتفى بذكر أحدهما. وقيل: ﴿مِنْكُمْ﴾ من المؤمنين، وهم قومٌ كفروا بعد إيمانهم. ﴿وَإِنَّهُ﴾: إنَّ (٢) التكذيب. وقيل: إنَّ (٣) القرآن لحسرة عليهم حيث ضيعوا العملَ به. وقيل: وإنَّ يومَ القيامة. ﴿لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾: فإنَّه يومُ الحسرةِ والندامة. ﴿وَإِنَّهُ﴾: إنَّ (٤) القرآن. ﴿لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾: أي (٥): اليقين حقُّ القين , كما تقول: هو الجوادُ عينُ الجواد. وقيل: أرادَ لحقٌّ يقين , فأضافه إلى وصفه , وهو قول الفَرّاء (٦). وقيل: هو كقولك: هو حقُّ الشيء. وقيل: ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ (٧) التحسر يوم القيامة لكائن لا محالة. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾: صلِّ له، ونَزِّهْهُ عما لا يليقُ بهِ سبحانَ الله دائماً.

стр. 3362

سورة المَعَارج (١) أربع وأربعون آية (٢) (٣) مكية بالإجماع (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾: نزلتْ في النضر بن الحارث حين قال: إن كان هذا هو الحقِّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء (٥) (٦). وقيل: نزلتْ في أبي جهل حين قال: فأسقط علينا كسفاً من السماء (٧) (٨). وقيل: نزلت في جماعة من الكفار قالوا: " ربنا عجِّل لنا قطنا "، استهزاءً (٩) (١٠).

стр. 3363

وقيل: نزلت في النبيّ ﷺ حين سألَ نزولَ العذاب عليهم، والسائل: محمد ﷺ (١). وقيل: المراد به نوح ﵇ حين سأل العذابَ على الكفار (٢). وقيل: نزلت حين قالوا: متى الساعة؟ وقيل: نزلت حين سألوا عن وقتِ العذاب. وفيه قراءتان: ﴿سَأَلَ﴾ بالهمز (٣) , و ﴿سَالَ﴾ بغيرِ همز (٤) (٥) , فمن همز جعله من سأل سؤالاً لا غير , ومن ترك الهمز فله وجهان: أحدهما: بمعنى الهمز. قال الشاعر: سألتْ هذيلٌ رسولَ الله فاحشةً ... ضلتْ هذيلٌ بما قالتْ ولم تُصبِ (٦) والثاني: من سال يسيل سيلاً. والسائل منهما بالهمز بعذاب (٧). قيل: عن عذاب لقوله (٨): ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه. قال الشاعر: فإن تسألوني بالنساءِ فإنَّني ... بصيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ (٩) وقيل: الباء صلة , تقديره: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ عذاباً.

стр. 3364

وقيل: ﴿سَأَلَ﴾ بمعنى: دعا، أي: دعا الله بهذا. وقيل: ﴿سَأَلَ﴾ بمعنى: طلب. وقيل: بمعنى: نادى. وقيل: ومن جعله من السيل فالباء متصل به، والسائل هو السيل (١). وقيل: السائل وادٍ في جهنم , أي: سال الوادي بالعذاب (٢). ﴿وَاقِعٍ (١)﴾: نازل. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: قيل: اللام لام الاستحقاق، متصل بالعذاب , أي: عذاب يستحقه الكفار. وقيل: متصل بـ ﴿وَاقِعٍ﴾ , أي: يقعُ لهم وينزلُ بهم. وقيل: بمعنى على , أي: يقعُ عليهم ويحلُ بهم. وقيل: ﴿سَائِلٌ﴾ للكفار. وقيل: بمعنى من , أي: سائل من الكفار. ﴿لَيْسَ لَهُ﴾: لذلكَ العقاب (٣). ﴿دَافِعٌ (٢)﴾: مانع ورادٌ. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: قيل (٤): ﴿مِنَ﴾ متعلق بـ ﴿وَاقِعٍ﴾ , أي: يقعُ من أمرِ الله. وقيل: متعلق (٥) ﴿دَافِعٌ﴾ , أي: يدفعُهُ من الله. ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾: صفة لله (٦). والمعارج: جمع مَعْرِج , وهو يصلحُ للمصدر. وجُمعَ لاختلاف ذلك (٧) , فإن الملائكة تعرج , والكلام الطيب يعرج (٨) , ورسل الله تعرج، وتصلح (٩) لموضع العروج , وإليه ذهب الحسن ومجاهد (١٠). وعلى هذا يجوزُ أن يكونَ الواحد مِعرج (١١) بكسر الميم , أي: معارج الملائكة , ويصلح لموضع العروج إليه. فقيل: السماوات. وقيل: الدرجات درجات أهل الجنة ومنازلهم. ابن عباس: "هي الفواضلُ والنعمُ يؤتيها الله المؤمنين " (١٢). ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ﴾: تصعدُ ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾. ﴿وَالرُّوحُ﴾: قيل: هو جبريل , خُصَّ بالذكر بعدَ العموم تشريفاً له (١٣). وقيل: هو (١٤) أرواحُ المؤمنين عندَ الموت. وقيل: هم قومٌ موكلون على الملائكة. وقيل: هم قومٌ يشبهونَ الإنس وليسوا بهم (١٥) (١٦). ﴿إِلَيْهِ﴾: إلى محل الكرامة والزُّلفى. وقيل: إلى حيث لا يكونُ لغير الله فيه حلٌّ ولا عقدٌ ولا أمرٌ ولا نهي. ﴿فِي يَوْمٍ﴾: من صلة ﴿وَاقِعٍ﴾، أي: يقع في يوم. وقيل: من صلة ﴿تَعْرُجُ﴾. وهذا أظهر (١٧). ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ﴾: مقدارُ اليوم. ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾: أي: من سني الدنيا , يعني: يومَ القيامة (١٨). وجاء مرفوعاً: أنَّه قيل لرسول الله ﷺ : ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، ما أطول هذا؟! فقال (١٩) النبي ﷺ : ((والذي نفسي بيده إنَّه ليخفف على المؤمن حتى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبةٍ يصليها في الدنيا)) (٢٠). وسئل ابن عباس ﵄ عن هذه الآية , وعن قوله: ﴿وَإِن يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾، [الحج: ٤٧] , فقال: هما يومانِ ذكرهما الله تعالى في كتابه , وأكرهُ أن أقولَ في كتاب الله ما لا أعلمُ (٢١). وذهبَ جماعةٌ من المفسرين إلى: أنَّ المعنى أنَّ الله يفصلُ (٢٢) فيه من محاسبة العباد، والحكم بينهم، ويصيير أهل النَّار إلى النَّار وعقابها , ويصيير (٢٣) أهل الجنَّة إلى الجنَّة ومنازلها مالا يكون في الدنيا إلَاّ في ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٢٤).

стр. 3365

وذهب جماعة إلى: أنَّ الملك يصعدُ في يومٍ من أيام الدنيا ما لوصعدَ فيه آدمي لصعد (١) في خمسين ألف سنة، وذلك أنَّه يصعدُ من منتهى أسفل الأرض السابعة إلى ما فوقَ السماء السابعة إلى العرش وهو (٢) قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ إنَّما هو قدرُ مسيرِهم من السماء الدنيا إلى وجهِ الأرض مسيرة خمسمائة عامٍ هبوطاً ومثله صعوداً (٣). وقيل: لو تولَّى حسابَ العباد غيرُ الله لفرغَ منها في ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٤). وعن عكرمة وغيره: أنَّ اليوم في الآيةِ عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها (٥) , وأنَّها خمسون ألف سنة، لا يدري أحدٌ كم مضى وكم بقيَ إلاّ الله (٦). وقال: بعضهم لا يمتنعُ أن يختلفَ تقديرُ السنةِ في الإضافة إلى أصناف خلق الله , فقد نجدُ المنَّ يختلف حكمه (٧) في تقدير: قومٍ وقوم , فإنَّه مائتان وستون درهماً في تقدير قوم، [وأربعمائة في تقدير قوم، وستمائة في تقدير قوم] (٨). وذكر عن أهل الصين: أنَّهم يعدونَ كلَّ فصلٍ من الفصول الأربعة سنةً بانفرادها (٩). وذهب بعضهم إلى: أنَّه خمسون موطناً , يبقى الخلق في كلِّ موطنٍ ألفَ سنة (١٠).
следующие страницы →