﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾: يعني الكافرين , والتقدير: لنعلم (١) أنَّ منكم مُكَذِّبين ومنكم مؤمنين صادقين , فاكتفى بذكر أحدهما.
وقيل: ﴿مِنْكُمْ﴾ من المؤمنين، وهم قومٌ كفروا بعد إيمانهم.
﴿وَإِنَّهُ﴾: إنَّ (٢) التكذيب.
وقيل: إنَّ (٣) القرآن لحسرة عليهم حيث ضيعوا العملَ به.
وقيل: وإنَّ يومَ القيامة.
﴿لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾: فإنَّه يومُ الحسرةِ والندامة.
﴿وَإِنَّهُ﴾: إنَّ (٤) القرآن.
﴿لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾: أي (٥): اليقين حقُّ القين , كما تقول: هو الجوادُ عينُ الجواد. وقيل: أرادَ لحقٌّ يقين , فأضافه إلى وصفه , وهو قول الفَرّاء (٦).
وقيل: هو كقولك: هو حقُّ الشيء.
وقيل: ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ (٧) التحسر يوم القيامة لكائن لا محالة.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾: صلِّ له، ونَزِّهْهُ عما لا يليقُ بهِ سبحانَ الله دائماً.
стр. 3362
سورة المَعَارج (١)
أربع وأربعون آية (٢)(٣) مكية بالإجماع (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ
﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾: نزلتْ في النضر بن الحارث حين قال: إن كان هذا هو الحقِّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء (٥)(٦).
وقيل: نزلتْ في أبي جهل حين قال: فأسقط علينا كسفاً من السماء (٧)(٨).
وقيل: نزلت في جماعة من الكفار قالوا: " ربنا عجِّل لنا قطنا "، استهزاءً (٩)(١٠).
стр. 3363
وقيل: نزلت في النبيّ ﷺ حين سألَ نزولَ العذاب عليهم، والسائل: محمد ﷺ (١).
وقيل: المراد به نوح ﵇ حين سأل العذابَ على الكفار (٢).
وقيل: نزلت حين قالوا: متى الساعة؟
وقيل: نزلت حين سألوا عن وقتِ العذاب.
وفيه قراءتان: ﴿سَأَلَ﴾ بالهمز (٣) , و ﴿سَالَ﴾ بغيرِ همز (٤)(٥) , فمن همز جعله من سأل سؤالاً لا غير , ومن ترك الهمز فله وجهان: أحدهما: بمعنى الهمز. قال الشاعر:
سألتْ هذيلٌ رسولَ الله فاحشةً ... ضلتْ هذيلٌ بما قالتْ ولم تُصبِ (٦)
والثاني: من سال يسيل سيلاً. والسائل منهما بالهمز بعذاب (٧).
قيل: عن عذاب لقوله (٨): ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه. قال الشاعر:
فإن تسألوني بالنساءِ فإنَّني ... بصيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ (٩)
وقيل: الباء صلة , تقديره: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ عذاباً.
стр. 3364
وقيل: ﴿سَأَلَ﴾ بمعنى: دعا، أي: دعا الله بهذا.
وقيل: ﴿سَأَلَ﴾ بمعنى: طلب.
وقيل: بمعنى: نادى.
وقيل: ومن جعله من السيل فالباء متصل به، والسائل هو السيل (١).
وقيل: السائل وادٍ في جهنم , أي: سال الوادي بالعذاب (٢).
﴿وَاقِعٍ (١)﴾: نازل.
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: قيل: اللام لام الاستحقاق، متصل بالعذاب , أي: عذاب يستحقه الكفار. وقيل: متصل بـ ﴿وَاقِعٍ﴾ , أي: يقعُ لهم وينزلُ بهم.
وقيل: بمعنى على , أي: يقعُ عليهم ويحلُ بهم.
وقيل: ﴿سَائِلٌ﴾ للكفار.
وقيل: بمعنى من , أي: سائل من الكفار.
﴿لَيْسَ لَهُ﴾: لذلكَ العقاب (٣).
﴿دَافِعٌ (٢)﴾: مانع ورادٌ.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾: قيل (٤): ﴿مِنَ﴾ متعلق بـ ﴿وَاقِعٍ﴾ , أي: يقعُ من أمرِ الله. وقيل: متعلق (٥) ﴿دَافِعٌ﴾ , أي: يدفعُهُ من الله.
﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾: صفة لله (٦).
والمعارج: جمع مَعْرِج , وهو يصلحُ للمصدر. وجُمعَ لاختلاف ذلك (٧) , فإن الملائكة تعرج , والكلام الطيب يعرج (٨) , ورسل الله تعرج، وتصلح (٩) لموضع العروج , وإليه ذهب الحسن ومجاهد (١٠).
وعلى هذا يجوزُ أن يكونَ الواحد مِعرج (١١) بكسر الميم , أي: معارج الملائكة , ويصلح لموضع العروج إليه.
فقيل: السماوات. وقيل: الدرجات درجات أهل الجنة ومنازلهم.
ابن عباس: "هي الفواضلُ والنعمُ يؤتيها الله المؤمنين " (١٢).
﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ﴾: تصعدُ ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾.
﴿وَالرُّوحُ﴾: قيل: هو جبريل , خُصَّ بالذكر بعدَ العموم تشريفاً له (١٣).
وقيل: هو (١٤) أرواحُ المؤمنين عندَ الموت.
وقيل: هم قومٌ موكلون على الملائكة.
وقيل: هم قومٌ يشبهونَ الإنس وليسوا بهم (١٥)(١٦).
﴿إِلَيْهِ﴾: إلى محل الكرامة والزُّلفى.
وقيل: إلى حيث لا يكونُ لغير الله فيه حلٌّ ولا عقدٌ ولا أمرٌ ولا نهي.
﴿فِي يَوْمٍ﴾: من صلة ﴿وَاقِعٍ﴾، أي: يقع في يوم. وقيل: من صلة ﴿تَعْرُجُ﴾. وهذا أظهر (١٧).
﴿كَانَ مِقْدَارُهُ﴾: مقدارُ اليوم.
﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾: أي: من سني الدنيا , يعني: يومَ القيامة (١٨).
وجاء مرفوعاً: أنَّه قيل لرسول الله ﷺ : ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، ما أطول هذا؟! فقال (١٩) النبي ﷺ : ((والذي نفسي بيده إنَّه ليخفف على المؤمن حتى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبةٍ يصليها في الدنيا)) (٢٠).
وسئل ابن عباس ﵄ عن هذه الآية , وعن قوله: ﴿وَإِن يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾، [الحج: ٤٧] , فقال: هما يومانِ ذكرهما الله تعالى في كتابه , وأكرهُ أن أقولَ في كتاب الله ما لا أعلمُ (٢١).
وذهبَ جماعةٌ من المفسرين إلى: أنَّ المعنى أنَّ الله يفصلُ (٢٢) فيه من محاسبة العباد، والحكم بينهم، ويصيير أهل النَّار إلى النَّار وعقابها , ويصيير (٢٣) أهل الجنَّة إلى الجنَّة ومنازلها مالا يكون في الدنيا إلَاّ في ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٢٤).
стр. 3365
وذهب جماعة إلى: أنَّ الملك يصعدُ في يومٍ من أيام الدنيا ما لوصعدَ فيه آدمي لصعد (١) في خمسين ألف سنة، وذلك أنَّه يصعدُ من منتهى أسفل الأرض السابعة إلى ما فوقَ السماء السابعة إلى العرش وهو (٢) قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ إنَّما هو قدرُ مسيرِهم من السماء الدنيا إلى وجهِ الأرض مسيرة خمسمائة عامٍ هبوطاً ومثله صعوداً (٣).
وقيل: لو تولَّى حسابَ العباد غيرُ الله لفرغَ منها في ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٤).
وعن عكرمة وغيره: أنَّ اليوم في الآيةِ عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها (٥) , وأنَّها خمسون ألف سنة، لا يدري أحدٌ كم مضى وكم بقيَ إلاّ الله (٦).
وقال: بعضهم لا يمتنعُ أن يختلفَ تقديرُ السنةِ في الإضافة إلى أصناف خلق الله , فقد نجدُ المنَّ يختلف حكمه (٧) في تقدير: قومٍ وقوم , فإنَّه مائتان وستون درهماً في تقدير قوم، [وأربعمائة في تقدير قوم، وستمائة في تقدير قوم] (٨).
وذكر عن أهل الصين: أنَّهم يعدونَ كلَّ فصلٍ من الفصول الأربعة سنةً بانفرادها (٩).
وذهب بعضهم إلى: أنَّه خمسون موطناً , يبقى الخلق في كلِّ موطنٍ ألفَ سنة (١٠).
стр. 3366
وذهب بعضهم إلى: أنَّ أسماءه في القرآن: خمسون , كالحاقَّة والقارعة ويوم التغابن ويوم التناد ويوم الخروج ويوم الوعيد إلى تمام خمسين اسم، وأنَّ كل اسم ينبئ عن معنى يقعُ في ألف سنة (١).
وذهب بعضهم إلى: أنَّ المراد: شدةُ القيامة واستطالةُ أهله إيّاه كالعادةِ في استطالةِ أيام الشدةِ واستقصار زمان (٢) الرخاء والنعمة , وهو في أشعار العرب والعجم أكثر من أن يذكرَ (٣). وهذا أظهر ما قيل في الآية؛ للخبر الذي تقدمَ ذكرهُ. والله أعلم.
﴿فَاصْبِرْ﴾: على تكذيبهم إيّاك.
﴿صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾: لا جزعَ فيه , وهذا قبل أن أُمرَ (٤) بالقتال فنسخ.
وقيل: غير منسوخ , فإنَّ الصبرَ الجميل: الانتظار من غير استعجال.
وقيل: الصبرُ حبسُ النفسِ على ما يكرهه.
﴿إِنَّهُمْ﴾: إنَّ الكفارَ. ﴿يَرَوْنَهُ﴾: أي: العذاب. وقيل: اليوم (٥) المذكور.
﴿بَعِيدًا (٦)﴾: مستحيلاً لا يكون.
﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾: كائناً لا محالة؛ لأنَّ ما هو آتٍ قريب.
والرؤية بمعنى: العلم.
وقيل: يظنونَهُ (٦) بعيداً ونعلمهُ قريباً.
﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾: من صلة ﴿وَاقِعٍ﴾.
والمهل: هو المذابُ في مهلٍ كالذهب والفضة والصُّفْر والنحاس (٧) وسائر الفِلِزَّات.
стр. 3367
وقيل: هو دُرّديّ الزيت وعكره , ويقويه قوله: ﴿كَالدِّهَانِ﴾، [الرحمن: ٣٧] فيمن حملَهُ على الدهن (١).
ابن بحر: وقعَ التشبيه (٢) على الذَّوب، كقوله تعالى: ﴿تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾، [الطور: ٩]. والمور: والسيلان (٣) والذوب واحد " (٤).
[مجاهد] (٥): " كقيح من دم " (٦).
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾: كالصوف المندوف لخفةِ سيرها , وأنَّها تلينُ بعدَ الشدةِ وتتفرقُ بعدَ الاجتماعِ (٧).
﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾: لا يسألُ قريبٌ عن حالِ قريبهِ لاشتغالهِ بنفسهِ.
وقيل: لا يسألَهُ لبذلِ طاعتهِ ولا لتحمُّلِ معصيته.
وقرئ: ﴿ولا يُسئَلُ﴾ بضم الياء، أي لا يُسأل أي قرابة عن قرابته , والمعنى: لا يؤخذُ أحدٌ بذنب غيره (٨).
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: أي: يعرف بعضهم بعضاً. قيل: ببياضِ الوجوه وسوادها.
стр. 3368
والواو ضمير الحميم الأول. و ﴿هُم﴾ ضمير الحميم الثاني , وجمعَ؛ لأنَّ فعيلاً يقعُ موقعَ الجمعِ. وأصلُهُ: يبصرون بهم , فحذف الجار.
وقيل: لا تعلقَ له بالأول , والمعنى: يبصرُ الكافرون من أضلوهم , ويبصرُ المقتولُ قاتلَه , والمظلومُ من ظلمَهُ.
وقيل: يبصرُ الإنسانُ الملائكةَ (١).
﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١)﴾: بولدهِ وهم أعزُ الخلقِ إليه.
﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته وسكنه.
﴿وَأَخِيهِ (١٢)﴾: الذي كانَ له ناصراً ومعيناً.
ويحتمل أن قوله: ﴿أَخِيهِ﴾: جمع أخ , فقد جُمعَ أخ وأب جمعُ السلامة.
وقيل: أخيه لأمه (٢) وأبيه.
﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣)﴾: وقبيلتِه التي تضمُهُ لقرابته.
وقيل: يأوي إليها عند الخوف.
الفراء: " الفصيلة: أقربُ آبائه الذي ينتهي إليهم " (٣).
وقيل: أمُّه التي (٤) تربيه, رواه الماوردي لمالك (٥)(٦).
стр. 3369
﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: من الإنس.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾: ذلك الافتداء , والمعنى: يودُ لو يفتدي بجميع الخلائق فيدخلونَ النَّارَ مكانَهُ.
﴿كَلَّا﴾: أي لا ينجيهِ.
إِنَّهَا ﴿لَظَى (١٥)﴾: الهاء: كناية عن القصة والشأن.
وقيل: كناية عن النَّار.
[وقيل: كناية عن ﴿لَظَى﴾] (١)، و ﴿لَظَى﴾: بدل منه.
و ﴿لَظَى﴾: اسم لجهنم. ولهذا (٢) لا ينصرف.
وقيل: اسم الدركة الثانية.
الخليل: اللظى: اللهبُ الخالص (٣).
وقيل: مشتقٌ من اللزوم.
وأصلُهُ: لظظ من الإلظاظ قلبَ ياءً (٤).
﴿نَزَّاعَةً﴾: تنزعُ وتقلعُ وتكشطُ (٥).
﴿لِلشَّوَى (١٦)﴾ قيل: لأطراف الإنسان , كاليدين والرجلين.
وقيل: ما لم يكن مقتلاً , من قولهم: رماهُ فأشواهُ.
وقيل: جلدُ الرأس. وقيل: أمُ الدماغ.
الحسن: " مكارمُ الوجه " (٦).
وقيل: العصبُ والعقبُ.
وقيل: الجلدُ واللحمُ , أي: يفصّلُ الأعضاءَ بعضها من بعضٍ , ثم يعودُ إلى ما كان. ويحتمل: تنزع الكفارَ لتشويهم (٧)(٨).
واللام للعلة. و ﴿نَزَّاعَةٌ﴾ رفع بالخبر , أو بالخبر بعد الخبر , أو بخبر المبتدأ , أوبخبر (٩) مبتدأ محذوف.
ومن نصبَ فعلى الحال كقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] ... أو كقوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] (١٠).
﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧)﴾: أي: تدعو النَّارُ الكافرَ والمنافقَ فتقولُ: إليَّ إليَّ (١١) أيها الكافر، أيها المنافق.
ابن عباس ﵄: " تدعوهم بأسمائهم بلسانٍ فصيحٍ , ثمَّ تلتقطُهم كما يلتقطُ (١٢) الطيرُ الحبَ " (١٣).
стр. 3370
وقيل: الدعاء: عبارةٌ عن مصيرهم إليها.
وقيل: يدعوا الخزنةَ , فجعل ذلك كأنهُ منها (١).
﴿مَنْ أَدْبَرَ﴾ أي: عن الإيمان والطاعة , ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ عن الحق.
وقيل: أعرضَ عن الإيمان والطاعة ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ إلى الكفر.
المبرد: " ﴿تَدْعُوا﴾ أي: تعذبُ يقال دعاه (٢) أي: عذَّبَه " (٣).
﴿وَجَمَعَ﴾: المالَ عن غيرِ حلِه.
﴿فَأَوْعَى (١٨)﴾: جعله في الوعاء والكنوز ولم يؤدِ حقَّ الله تعالى منه.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾: اسم الجنس.
خُلِقَ ﴿هَلُوعًا (١٩)﴾: ضجوراً بخيلاً منوعاً فزعاً جزعاً.
مجاهد في جماعة: معنى الهلوع: ما فسره الله به , وهو قوله:
﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: الضرُ والفقرُ.
﴿جَزُوعًا (٢٠)﴾: جَزِعَ ولم يصبر.
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾: السعةُ والغنى.
﴿مَنُوعًا (٢١)﴾: منعَ حقَّ الفقراء (٤).
стр. 3371
وأصل الكلمة: السرعة , تقول (١): نعامةٌ هالعةٌ , أي: مسرعةٌ , وناقةٌ هلواعٌ , أي: مسرعةٌ أيضا. وهذه الأوصافُ طبائعٌ لها كالشهوة.
وقيل: حالاتٌ يصيرُ إليها , كقولهم: معه صقرٌ صائداً به غداً (٢).
﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾: في الاستثناء ثلاثةُ أقوال:
أحدهما: من قوله: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾.
والثاني: أنَّه منقطع , أي: لكن ﴿الْمُصَلِّينَ﴾.
والثالث: من قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾.
مقاتل: " الهلوع: دابةٌ من وراءِ جبلٍ قافٍ , تأكلُ كلَّ يومِ سبعَ صحاري من الحشيش , وتشربُ سبعَ بحار من ماء , لا تصبرُ مع الحرِ ولا مع البرد , تتفكرُ كلَّ ليلةٍ ماذا تأكل ... غداً؟ فشبَّهَ الله الإنسانَ بها " (٣).
وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾: أي: الصلوات الخمس.
﴿دَائِمُونَ (٢٣)﴾: مداومونَ لا يشغلهم عنها شاغلٌ.
وقيل: دائمونَ خاشعونَ.
وقيل: لا يزيلونَ وجوههم عن سمتِ القبلة. وأصلُهُ السكون , ومنه: "نهي عن البول في الماء الدائم " (٤)، أي: الساكن.
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)﴾: معينٌ , يعني الزكاة.
стр. 3372
وقيل: الصدقة وسائر أبواب البر سوى الزكاة.
﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾: قد سبق في الذاريات.
﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦)﴾: أي: يصدقونَ الأنبياءِ بسببِ إيمانِهم.
﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾: الجزاء والحساب , وهو: يوم القيامة.
وقيل: التصديقُ به: العملُ بالطاعات.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾: خائفونَ وجلونَ.
الحسن: " يشفقُ المؤمن أي: لا يقبلُ حسناته " (١).
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾: أن ينالَ من عصاه.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩)﴾: أي: يعفونَ عمَّا حُرِّمَ عليهم.
الحسن ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾ لثيابهم حافظون فلا يكشفونها على مُحرَّم " (٢).
﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: يعني الجواري.
و ﴿مَا﴾ بمعنى: مَن.
وقيل: ﴿مَا﴾ المصدر أي: أو ملك يمينهم.
﴿وعَلَى﴾ بمعنى: عن. كقول الشاعر (٣):
إذا رضيتْ عليَّ بنو قشيرٍ. . . ... لعمرُ الله أعجبَني رضاها (٤)
وقيل: محمولٌ على المعنى , أي: يلامونَ على ذلك إلَاّ على أزواجِهم وإيمائِهم (٥).
стр. 3373
والفرج: عند العرب جميعُ ما بينَ الفخذين (١).
﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾: على تركِ الحفظ.
﴿فَمَنِ ابْتَغَى﴾: طلب منكحاً وَرَاءَ ﴿ذَلِكَ﴾: سوى الزوجة والجارية (٢).
ومعنى ﴿وَرَاءَ ذَلِكَ﴾: أي: الخارج عن الحد المذكور.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾: المجاوزونَ (٣) من الحلال إلى الحرام.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ﴾: أي: ما ائتمنهم الله تعالى عليه , وعاهدهم به من أحكام الشرع ظاهراً وباطناً , ولأماناتهم وعهودهم في ما بينهم.
﴿رَاعُونَ (٣٢)﴾: حافظونَ غيرُ خائنينَ ولا ناقضين.
قيل (٤): الأمانة: ما يدلُّ عليه العقول , والعهدُ: ما أتى به الرسول.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾: أي: يقول: لا إلهَ إلَاّ الله (٥).
والجمهور: على أنَّ المعنى: يقيمونَ على ما استشهدوا عليه عندَ الحكام من غير ميلٍ إلى قريبٍ وبعيدٍ ووضيعٍ وشريفٍ (٦)(٧).
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾: كررَ ذكر (٨) الصلاةَ تأكيداً لها.
وقيل: أحدها (٩) للفرض , الثانية للنفل (١٠).
стр. 3374
﴿أُولَئِكَ﴾: أي: أهلُ هذهِ الصفات.
﴿فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾: بثواب الله فيها.
﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ﴾: نحوكَ ﴿مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾: مسرعين.
والإهطاع: الإسراع
الحسن: إنَّما أنكرَ عليهم الإسراع قبله؛ لأنهم أسرعوا ليأخذوا الحديثَ (١) منه , ثمَّ يتفرقوا عزين بالتكذيب عليه يأخذونَ يميناً وشمالاً (٢).
وقيل: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: ناظرينَ إليكَ عن اليمين وعن الشمال غير مطرقين.
وقيل: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مشرئبين إليك (٣).
وقيل: مقبليَن بأبصارهم إليكَ لا يزيلونها , ينظرون إليك نظرَ عداوةٍ؛ لأنهم كانوا كفاراً.
والآية نزلت في المستهزئين منهم (٤).
وقيل: في المنافقين , كانوا يجتمعونَ إليه ويسارعونَ في الكفر (٥).
وقالَ بعضُ المتأخرين: الظاهر أنَّها نزلت في نفرٍ من الكفار قبلت قلوبُهم صدقَ النبي ﷺ وكانوا يسرعونَ نحوهُ ويقصدونَ مجلسَهُ ويتحلَّقونَ حواليه ولا يؤمنونَ به , إما حياءً عن الرجوع عن دينِ آبائهم , وإما مساعدةً لعشائرهم , وكانوا يطمعونَ في دخول الجنَّة بالعذر الذي كانَ منهم (٦).
قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾: أي: عن يمين النبيِّ ﷺ وشمالِه.
﴿عِزِينَ (٣٧)﴾: جماعات حلقاً حلقاً , وأصلُه: من عزاه يعزو , أي: إضافة إلى غيره , وأصلُه عزوة , جُمع جَمع السلامة للخبر (٧)(٨).
و ﴿مُهْطِعِينَ﴾: حالٌ , والعاملُ فيه اللام, ﴿وعِزِينَ﴾: حالٌ , والعامل فيه الإهطاع. وقيل: بدل من الأوَّل. وقيل: صفةٌ للأوَّل. وفيه ضعف. وقيل: ﴿قِبَلَكَ﴾ حال.
﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)﴾: مَن حملَهُ على الكفار قال: كانوا يقولون: لئن كانَ ما يقولُ محمد وأصحابه حقاً لنحنُ أفضلُ فيها حظاً منهم , كما لنا الفضلُ عليهم في الدنيا.
ومن حمله على المنافقين: فلأنَّهم زعموا أنَّهم مؤمنونَ يرجونَ ما يرجو المؤمنون.
ومن حمله على القول الأخير: فقد سبق (٩).
﴿كَلَّا﴾: ردع وزجر. وقيل: تأكيد.
﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾: أي: من تراب. وقيل: من مَنِي قذر.
قتادة: " خُلقتَ يا ابن آدم من قذر، فاتَّقِ الله " (١٠).
وقيل: تقديرُهُ: من أَجْلِ ما يعلمونَ , وهو المجازاة على الأعمال إساءةً وإحساناً فحذف أَجْلُ.
وقيل: ﴿مَا﴾ بمعنى من , أي: مِن مَن يعلمون , أي: من العقلاء لا من البهائم والجماد. وقيل: خلقناهم من نطفة فهل يستوجبون على الله شيئاً من غير طاعة؟
وقيل: ﴿خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ فلمْ (١١) يتجبرون ويتكبرون (١٢).
стр. 3375
وقيل: تم الكلام على قوله: ﴿كَلَّا﴾ ثمَّ ذكر إنكارَهم البعث وقدرته على الإعادة , فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾.
ويحتملُ - والله أعلم - أنَّ ﴿مَا﴾ بمعنى " مَن " , كما قد قيلَ في الآية وفي غيرها , ويكون المراد به آدم ﵇.
والمعنى: أيطمعُ هؤلاءِ مع كفرهم ومعاصيهم أن يدخلوا الجنَّةَ وقد أخرجنا آبائهم منها بمعصيةٍ ﴿كَلَّا﴾ لا تطمعوا فيها (١). والعلم عند الله.
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾: سبق.
﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾: على أن نهلكَهم حيَن عصوكم ونأتي بخلقٍ أمثلَ منهم وأطوعَ لله تعالى وأرضى منهم.
﴿وَمَانَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾: بمغلوبين إن أردنا ذلكَ.
وقيل: ﴿لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ (٢) محمداً خيراً منهم , وهم (٣) أهلُ المدينة , وقد فعل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾. عاجزين؛ لأن من سبقَ إلى شيءٍ فقد عجز. وحقيقةُ السبق: التقدم إلى الشيء.
﴿فَذَرْهُمْ﴾: دعوهم (٤) , أمرُ تهديدٍ لهم.
قيل: منسوخٌ بالقتال.
﴿يَخُوضُوا﴾: في الباطل.
﴿وَيَلْعَبُوا﴾: يلهو (٥) في دنياهم.
﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾: فيه العذاب.
قيل: يومَ بدر.
وقيل: يومَ البعث (٦).
﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾: إلى الداعي , جمعُ سريع , والفعلُ منه أسرع.
﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ﴾: قرئ ﴿نَصْبٍ﴾ بفتح النون وسكون الصاد.
وفي تفسيره ثلاثة أقوال: أحدها: صنمٌ وكانوا يسارعون إلى عبادته.
وقيل: حجارةٌ طوال كانوا يعبدونها.
الحسن: " كانوا يبتدرونَ إلى الصنم أيهم يستلمُهُ أولاً " (٧).
والثاني: إلى علم.
والثالث: إلى غاية.
وقرئ ﴿نُصُبٍ﴾ بضمتين (٨).
والظاهر إنه الصنم , كقوله (٩): ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣].
وقيل: جمع نصب كَرَهن ورُهن (١٠).
стр. 3376
﴿يُوفِضُونَ (٤٣)﴾: يسرعونَ. والإفاضةُ: الإسراع (١).
﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾: محزونيَن مفكرينَ فيما دهاهم.
﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: تغشاهم وتعلوهم هوانٌ. وقيل: ذلٌّ.
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾: أي: في الدنيا وهم يكذبون. والله أعلم.
стр. 3377
سورة نوح (١)(٢)
ثماني وعشرون آية (٣)(٤) مكية (٥)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: قتادة: " أرسلَ من جزيرة" (٦).
أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: " هو أولُ نبيٍّ بعثَ " (٧).
ابن عباس ﵄: " بعثَ وهو ابن أربعينَ سنة " (٨).
وقيل: ابن ثلاثمائة وخمسينَ سنة. وقيل: ابن أربعمائة وثمانين سنة (٩) , ولبثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسين عاماً , وعاشَ بعد الطوفان تسعينَ سنةٍ. وقد سبق.
ونوح: اسمٌ أعجمي صرفَ لخفتهِ (١٠).
ومعناهُ في السُّريانية: " السَّاكن " (١١).
ومعنى الآية: أرسلنا نوحاً إلى قومهِ كما أرسلناكَ إلى قومكَ.
стр. 3378
﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾: خوّفهم عقابَ الله.
والتقدير: أن أنذرهم , فحذفَ الجارُ , ومحله عند الخليل خَفْضُ , وعند غيره نصب.
وقيل: ﴿أَنْ﴾ هي المفسرة بمعنى: أي (١).
وذكر المبرد: " أنَّها المخفّفة من المثقلة (٢) " (٣). وكذلك القول في الثانية (٤).
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)﴾: قيل: عذاب الآخرة (٥).
وقيل: الطوفانُ والغرقُ (٦).
﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾: مخوّفٌ.
﴿مُبِينٌ (٢)﴾: ظاهر. وقيل: أبينُ لكم رسالةَ الله تعرفونها.
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: وحدوهُ.
﴿وَاتَّقُوهُ﴾: واحذروا عصيانَهُ وعقابَهُ.
﴿وَأَطِيعُونِ (٣)﴾: فيما آمركم به وأنهاكم عنه.
وأسندَ الإطاعة إلى نفسه؛ لأنَّ الإجابة كانت تقعُ له في الظاهر , ولأنَّ طاعةَ الرسول ... طاعةً الله.
стр. 3379
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: في ﴿مِنْ﴾ أربعةَ أقوال:
أحدها: أنَّه للتبيين , كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].
والثاني: صلة , أي: ذنوبكم (١).
والثالث: للتبعيض , أي: ما سبقَ من ذنوبكم.
وقيل: بحسب ما يقعُ من الإقلاع عنها.
الرابع: أنَّ التقدير: يخرجكم من ذنوبكم (٢).
﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾:
الزجاج: " ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ عن العذاب فتموتوا غير ميتة المستأصلين بالعذاب " (٣).
الفَرَّاء: " ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ , أي: إلى أجل تعرفونه كذلك (٤) " (٥).
وقيل: يؤخر (٦) آجالكم فلا يغرقكم إلى الأجل الذي كتبَ (٧) " (٨).
وقيل: وعدهم أجلاً يعطيهم إن آمنوا , وعلمَ أنهم لا يؤمنون (٩).
الحسن: " أي: إن (١٠) آمنتم بي أُخِّرتُم بعدَ ذلك إلى يوم القيامة لا يؤاخذكم بذنب في الدنيا " (١١).
стр. 3380
ابن عيسى: " في الآية دليلٌ على إثبات أجلين؛ لأن الوعدَ بالأجل المسمى مشروطٌ في بالعبادة (١) والتقوى فلما لم يقع اقتلعوا بعذاب الاستئصال قبلَ الأجل الأقصى " (٢). والله أعلم.
﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ﴾: بحلول العذاب , وبالموت.
﴿لَا يُؤَخَّرُ﴾: وقيل: أجل الله القيامة (٣).
﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾: جوابُهُ , أي: لآمنتم.
وقيلَ: "لو كنتم تعلمونَ لعلمتم (٤) ذلك " (٥).
﴿قَالَ﴾: يعني نوحاً ﵇ يشكوا إلى الله ما قاساهُ من قومه ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾: أي: واصلتُ الدعوةَ.
وقيل: دعوتُهم أحياناً بالليل وأحياناً بالنهار.
وقيل: معناه سرَّاً وعلانيةً (٦).
وجاء في التفسير: " إنَّه كانَ يأتي بابَ أحدهم ليلاً فيقرعُ البابَ فيقول صاحبُ الدار: مَن على الباب؟ فيقول: أنا نوح , قل لا إله إلا الله " (٧).
وقيل: المرادُ بالليل والنهار فُرادى وجماعات.
﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾: أي: لم يزدادوا إلَاّ تمادياً في الغي وأعراضاً , ونسبَ ذلك إلى دعائه , لمَّا ازدادوا عنده (٨).
стр. 3381
﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أي: دعوتُهم إلى الإيمان ليؤمنوا فتغفرَ لهم (١).
﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾: أي: سدُّوا آذانهم كراهةَ استماعِ محاورتي ودعائي إيّاهم إلى الله.
﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: غَطّوا (٢) رؤوسهم بثيابهم كَيْلا يروني فضلاً عن سماع كلامي وقبولِ وعظي.
وقيل: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: تنكروا عني حتى لا أعرفَهم (٣).
الحسن: " نفضوا ثيابَهم وقاموا عني " (٤).
﴿وَأَصَرُّوا﴾: أقاموا (٥) على كفرهم (٦).
الحسن: " أصرَّ على الذنب: إذا أذنبَ عمداً " (٧).
﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾: تعظَّموا , وأخذتهم العزةُ عن قبول كلامي , وترفعوا عن الإذعان للحق , فقالوا: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].
﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨)﴾: ظاهراً يرى بعضهم بعضاً.
стр. 3382
﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾: أي: أعلنتُ الدعاءَ لبعضٍ.
﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾: أي: لبعضٍ.
وقيل: أعلنتُ (١) أحياناً وأسررتُ أحياناً.
وقيل: أعلنتُ لمن أسررتُ وأسررتُ لمن أعلنتُ (٢).
وفي بعضِ التفاسير: أنَّ نوحاً ﵇ لمَّا بلغَ قومه رسالة الله وآذوه (٣) إيذاءً شديداً حتى كانوا يضربونه في اليوم مرات عيلَ صبره وسألَ الله (٤) أن يواريهِ عن أبصارهم ويسترهُ عن أعينهم بحيث يسمعونَ كلامه ولا يرونهُ فينالوهُ بمكروه, ففعل الله ذلك به فدعاهم كذلك زماناً , فلم يؤمنوا فسألَ الله تعالى أن يعيدهُ إلى ما كان , وهو قوله ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ (٥) وهذا غريب. والله أعلم.
والمعنى: بالغتُ في طلبِ نجاحهم وتعجيلِ فلاحهم , وذهبت فيه كل مذهب , فلم ينتفعوا به بل أصروا على الكفر والعصيان واستكبروا عن قبول الإيمان.
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾: لمَّا دعاهم نوح ﵇ إلى الإيمان زماناً طويلاً فلم يؤمنوا وكذبوه , حبس الله عنهم القطر أربعين سنة , وأعقم أرحام نسائهم فيها, فقال لهم نوح ﵇ لحرصهم على الدنيا وركونهم إليها: استغفروا ربَكم عن ذنوبكم بإيمانكم (٦).
﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ دائم الغفران.
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾: أي: المطر.
﴿عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾: دريراً كثيراً دائماً (٧).
﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾: يزدكم أموالاً وأولاداً ذكوراً.
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾: بساتينَ وأشجاراً.
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾: مياهاً جاريةً في اتساع.
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾: ابن عباس ﵄: "لا ترون لله عظمةً " (٨).
الأخفش: " لا تخافونَ لله عظمةً " قال: " والرجاءُ ها هنا: خوفٌ , والوقار: عظمةٌ " (٩).
قتادة: "لا ترجونَ لله عاقبةً " (١٠).
الزجاج: " ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾: " عاقبةَ الإيمانِ ولا توحدونَ الله وقد جعلَ لكم من أنفسكم آيةً تدلُ على التوحيد من خلقهَ إياكم أطواراً " (١١).
الحسن: "ما لكم لا تشكرونَ لله نِعَمَهُ، ولا تعرفونَ له حَقاً " (١٢).
ابن بحر: معناه (١٣): مالكم لا تعتقدونَ تثبيت الله وتوحيدهُ وقد نصبَ الأدلة ". قال: والوقارُ: الثبات " (١٤).
ابن زيد: " لا تلزمونَ لله طاعةً " (١٥).
стр. 3383
وقد ذهبَ بعضهم إلى: أنَّ الوقارَ صفةٌ لله. قال: ومعنى: وقار الله: سعةُ علمه وعظمةُ عفوه وجوده (١).
ابن عيسى: " الوقار ها هنا: العظمة وسعة المقدور " (٢). وأنكره بعضهم , وقال: الوقارُ من صفة الهيئة والله سبحانه منزه عنهما (٣).
ويحتملُ بأن (٤) لله صفة لقوله (٥) ﴿وَقَارًا﴾ على ما فسِّر , ثم تقدمَ عليه وانتصبَ على الحال , ويحتملُ أن اللام زيادة , ﴿وَقَارًا﴾ مفعول له , أي: لا تخافونَ الله توقيراً. والله أعلم.
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾: نطفةً ثم علقةً إلى تمامِ الخلق.
وقيل: أرادَ بالأطوار اختلاف الأحوال حالاً بعد حال.
والطَّور: الحال. والطَّور: المرة.
وقيل: ﴿أَطْوَارًا﴾ أنواعاً مختلفي الأخلاق والمناظر (٦).
﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾: بعضها على بعض. الحسن: " كلُّ سماءٍ طبقٌ لأرضها، الأولى للأولى (٧) والثانية للثانية , ثم على الوِلاء (٨) " (٩).
وطباقاً: جمع طَبق (١٠): وهي صفةٌ لسبع (١١).
стр. 3384
وقيل: نصب على المصدر , أي: طابقها طباقاً، وقيل: حال (١).
﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾: أي: في أحديهن , وهي السَّماء الدنيا , كما قال الله - تعالى -: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [النحل: ١٥] , أي: في بعضها (٢).
وقيل: ﴿فِيهِمْ﴾ ظرف لنورِ القمرِ , لا لجرم القمر.
وقيل: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ﴾ أي: بيَن السَّماء والأرض؛ [لأن القمر ضوؤه بين السَّماء والأرض] (٣)، وليس له ضوءٌ في سائر السماوات (٤).
وقال بعضهم: لا نورَ لجرم (٥) القمر. والقَمرَآء شعاعُ الشمس انعكسَ عن القمر (٦).
وقيل: وجعلَ القمرَ معهن نوراً (٧).
﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾: مصباحاً , والتقدير: وجعلَ الشمسَ (٨) سراجاً فيهن , فحذفَ لأنَّ الأوَّل يدلُّ عليه (٩).
وفي التفسير: أنَّ وجهَ الشمس يضيءُ لأهلِ الأرض وقفاها لأهل السموات , وكذلك القمر (١٠).
وعن ابن عمر ﵄: على الضدِّ (١١).
стр. 3385
وأجمعوا على أنَّ الشمسَ في السَّماء الرابعة (١). والله أعلم.
﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾: أي: خلقَ آدم من ترابٍ وأنتم أولاده. وقيل: جعلَ نشأكم ونمَّاكم بالغذاءِ الذي من الأرض (٢).
و ﴿نَبَاتًا﴾: مصدر أنبتَ بحذف الزوائد.
وقيل: تقديره: تنبتون (٣) نباتاً (٤).
﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾: بعد الموتِ والبلى.
﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾: أي: من الأرض للبعث والجزاء , وأكدَ بالمصدر , أي: أيَّ إخراجٍ.
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾: مبسوطةً.
﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا﴾: لتنصرفوا عليها مجيئاً وذهاباً.
﴿سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ ﴿سُبُلًا﴾: أي (٥) طرقاً بينه.
وقيل: طرقاً مختلفة.
وقيل: واسعةً. وقيل: بعيدةً.
стр. 3386
وقيل: السُّبل: الطرق , والفجِاج: ما يتشعبُ منها (١).
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾: فيما أمرتَهم به من التوبة والإيمان.
﴿وَاتَّبَعُوا﴾: أي: تبعت السفلة.
﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)﴾: خسراناً وهلاكاً لأنَّه لم يقم بشكر ما أنعمتَ عليه.
قُرِئ (٢): ﴿وَلَدُهُ﴾ بفتحتين، و ﴿وُلْدُه﴾ بالضم والسكون (٣).
وقيل: هما لغتان كالحَزنِ والحُزْنِ.
وقيل: الوَلَد بالفتح: واحد , وبالضم: جمع , كالأسد والأُسدَ.
وقيل: الوَلدُ بالفتح: للصلب , وبالضم: العشيرة والقوم.
فمن جعله جمعاً قال: الهاء يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو جمع المعنى.
ومن وحّدَ وأضافَ إلى الجمع جعله كقوله: في بطنكم وخلقكم " (٤).
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾: جعلوا لله شريكاً وصاحبة وولداً.
و ﴿كُبَّارًا﴾ أبلغ من كبارٍ بالتخفيف , ﴿كُبَّارًا﴾ أبلغُ من كبير (٥).
﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾: أي: عبادتِها.
стр. 3387
﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ هذه أسماءٌ لقومٍ صالحين كانَ الناسُ يقتدونَ بهم بين آدم ونوح [﵉ , فلما ماتوا صورهم ليكون ذلك أدعى لهم إلى العبادة وأبعد من النسيان , فيتمثلوا بما كانوا يدعونهم إليه , فلما طالَ الزمان عُبدوا من دون الله إلى زمان نوح ﵇] (١) , ثم بعد الطوفان وهلاك ... قوم نوح (٢) صارت إلى العرب , فعبدوها كما كان يعبد قوم نوح ومن كان قبلهم (٣).
وكان ودّ لِكَلْب (٤)(٥) , والفتح والضم فيه لغتان (٦).
مجاهد: "ودّ: صورة شيت (٧) , وسواع: لهمدان (٨) , ويغوث: لِمَذْحِج (٩) , ويعوق: لكِنانة (١٠) , - وهما لا يصرفان لوزن الفعل والتعريف (١١) -, ونَسر: لِحِمْيَر (١٢) " (١٣).
стр. 3388
وقد أطنب الكَلْبِي (١) في ذكرَ هذه الأصنام ولا فائدة في ذكرها فأضربت عنه.
﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾: أي: أضلت الأصنام , والمعنى: ضلَّ بسببها (٢).
ابن بحر: الضميُر يعودُ إلى أكابر قومه الذي لم يزدهم مالهم وولدهم إلا خساراً" (٣).
﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾: هلاكاً. وقيل: عذاباً.
وقيل: عدولاً عن وجه (٤) الصواب , دعا عليهم حين قال الله له: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ﴾ [هود: ٣٦] " (٥).
стр. 3389
وجاء في التفسير: " أنَّ الرجلَ من قوم نوح ينطلق بولده إلى نوح , فيقول له: احذر من هذا (١) فإنه كذَّابٌ وإنَّ والدي قد حذَّرنيه , فيموتُ الكبيرُ على كفره وينشأُ الصغيرُ ... عليه " (٢).
﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾: أي: من خطاياهم, ﴿ومَا﴾: صلة أفاد التفخيم , أي من خطاياهم العظيمة.
وسمَّاها (٣) خطايا , وإن كانوا عامدين فيها؛ لأنَّها خلاف الحقِّ , وخلافُ الحقِّ خطأٌ , والمعنى: بسببِ خطاياهم.
وقيل: للتبعيض , أي: من (٤) بعض خطاياهم ﴿أُغْرِقُوا﴾ (٥).
﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾: دخولُ الفاء دليلٌ على إثباتِ عذابِ القبر؛ لأنَّها للتعقيب (٦).
﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥)﴾: أي: لم تنفعهم (٧) أصنامهم الخمسة ولا غيرها من عذاب الله.
﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾: أحداً. وهذه الكلمة يستعمل في النفي , وأصلُه (٨) دَيْوار , فيْعال (٩) من دار يدور , أي: ساكنَ دارٍ.
стр. 3390
وقيل: من لفظ دَيَرَ.
وقيل: من الدوران , أي: أحداً يدور في الأرض.
وأنكر هذا بعضهم , وقال: لو كانَ من الدوران لما بقي في الأرض جنٌّ ولا شيطانٌ (١).
وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه قال: " من كانَ بالغاً منهم فالغرقُ كان عقوبةً له، ومن لم يدرك كانَ ذلك لهم شهادةً وموتاً بآجالهم " (٢).
عن ابن عباس ﵄: " أنَّ قبلَ الغرق لم تلد لهم امرأةٌ أربعينَ سنة " (٣).
﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ﴾: ولا تهلكهم يُضِلُّوا ﴿عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾: قالَ بعضهم: في الآيةِ دليلٌ على أنَّ أطفالَ الكفار كفرةٌ مثلهم. وليس كذلك , فإنَّ هذا كما تقولُ لأبي المولود: ليهنك الفارس , أي: يصيرُ فارساً , كذلكَ الآية سمّاهم باسم ما يؤولُ إليه أمرهم , ولأنَّهم بالإجماع ليسوا كافرينَ ولا فاجرينَ , ولم يوجدُ منهم كفرٌ ولا فجورٌ.
وقيل: ﴿فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (٤): حالٌ للآباء. ووحّد كقوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ ... [البقرة: ٤١].
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾: وكانا (٥) مسلمين (٦).
واسم أبيه: لَمَكَ , واسم أمه: هيجل (٧)(٨).
стр. 3391
وقيل: آباءهُ وأجدادهُ إلى آدم (١) كلهم مؤمنين (٢).
﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾: " دخلَ داري " (٣).
ابن عباس ﵄: " يعني صديقي " (٤).
وقيل: معنى: " ﴿بَيْتِيَ﴾ مسجدي " (٥).
وقيل: سفينتي (٦).
وقيل: مؤمني أهل بيتي (٧).
ثمَّ عمَّم فقال: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: إلى يوم القيامة (٨).
قال (٩) ابن عبّاس ﵄: " كما استجابَ الله دعاءهُ في الكافرين ولم يذر منهم أحداً ,كذلك يستجيبُ في المؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة " (١٠).
﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾: أي الكافرين.
﴿إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾: هلاكاً وكسراً (١١).
والتبر: دقائق الذَّهب (١٢).
стр. 3392
وقال في الأولى:﴿بَلَغَ﴾,وفي الثانية: ﴿تَبَارًا﴾؛ لأنَّ في الآية الأولى: ﴿أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ , أي: جازهم بالإضلالِ ضلالاً , ثم دمرهم تدميراً (١).
стр. 3393
سورة الجنِّ (١)
ثمان وعشرون آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ﴾: يا محمد أي: أخبر قومَك ما ليس لهم به علمٌ , ثم بيّن.
فقال: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾: أُخبرت بالوحي من الله.
﴿أَنَّهُ﴾: أن الأمرَ والشأنَ.
﴿اسْتَمَعَ﴾: أي: استمع القرآن، فحُذف؛ لأن ما بعده يدلُّ عليه.
والاستماع: طلب السماع بالإصغاء إليه.
﴿نَفَرٌ﴾: جماعة. والنفر: من الثلاثة إلى العشرة (٥).
ابن عباس ﵄: كانوا سبعة (٦).
غيره: كانوا تسعة (٧).
﴿مِنَ الْجِنِّ﴾: الجنّ: جيل رِقاق الأجسام خفيّة , خُلق من النار، على صورة تخالف صورة الملَك والإنسان , موصوف بالعقل كالإنس والملك , ولا يظهرون للإنس ولا يكلِّمون إلَاّ صاحبَ (٨) معجزة , بل يوسوسون سائرَ الناس.
وهم أولاد إبليس , منهم مؤمن ومنهم كافر , والكافر منهم يسمى شيطاناً (٩).
ابن عباس- ﵄: " الجنّ ولد الجانّ وليسوا شياطين، والشياطين أولاد إبليس " (١٠).
وقد سبق في ذكر ليلة الجنّ في سورة الأحقاف (١١).
ونذكر ها هنا خبراً رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما , عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: قال: ما قرأ رسولُ الله ﷺ على الجنّ وما رآهم , انطلق رسولُ الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ , وقد حِيل بين الشياطين وبين خبر السَّماء , فرجعت الشياطين إلى قومهم , قالوا: مالكم؟ قالوا: حِيل بيننا وبين خبر السَّماء , وأُرسلت علينا الشهبُ , قالوا: ما ذاك (١٢) إلا من شيءٍ حدث في ... الأرض , فاضربوا مشارقَ الأرض ومغاربَها , فمرَّ النفرُ الذين أخذوا نحوَ تهامة بالنبي ﷺ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا بالقرآن (١٣) استمعوا له , وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السَّماء , فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: إنَّا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً "، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (١٤). مبايناً لكلام الخلق في النظم والمعنى ,لا يقدر أحد على الإتيان بمثله (١٥).
والعجب: ما يكون خارجاً من العادة المعروفة (١٦).
﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾: يدعو إليه ويدل عليه.
و ﴿الرُّومُ﴾: صلاح الأمر من جميع جهاته (١٧).
وقيل: إلى الإيمان والتوحيد (١٨)(١٩).
﴿فَآَمَنَّا بِهِ﴾ ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾: أي إبليس (٢٠).
وقيل: الصنم، كما كنا نشرك قبله.
استدل بعضهم بالآية على أنهم كانوا كافرين.
وقال بعضهم: تقديره: كما أشركت العرب.
وقال بعضهم: كانوا هوداً؛ لقولهم: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾، [الأحقاف: ٣٠].
﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾: عظمة ربنا , جلال ربنا، غناء ربنا عن الصاحبة والولد , أمر ربنا , مُلك ربنا وسلطانه، وقدرة ربنا (٢١) , هذا كله أقوال (٢٢).
стр. 3394
والجَدُّ: العَظمة.
ومنه قول أنس ﵁: " كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمرآن جدَّ فينا " (١) , أي عظُم, ورجُل مجدود، من هذا.
قال ابن عباس ﵄: " لو علمتِ الجنُّ أنَّ في الإنسان جَدَّاً ما قالت: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ " (٢).
الربيع بن أنس (٣): " ليس لله جد وإنما قالته (٤) الجنّ بالجهالة , فلم يؤخذوا به " (٥). وهذان القولان فيهما تَعَسُّفٌ.
стр. 3395
والجدُّ: القطع (١).
﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾: كما يقول كفار الجنّ والإنس.
قُرئ: ﴿وَأَنَّهُ﴾ إلى قَوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ عطفاً على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ (٢).
الفَرَّاء: " عطفاً على: ﴿فَآَمَنَّا بِهِ﴾ " (٣)، وهو ضعيف؛ لأن العطف على ضمير المجرور من غير إعادة الجارّ ممتنع.
والزَّجَّاج (٤): "حمله على معنى: ﴿فَآَمَنَّا بِهِ﴾، لأن معناه (٥): صدقناه " (٦).
وقُرئ بالكسر عطفاً على قوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا﴾.
стр. 3396
وأبو جعفر يزيد (١): فتح ﴿أَنَّهُ﴾ أنه عطفاً على ﴿أَنَّهُ﴾ وكسر ﴿إِنَّا﴾ عطفاً ... على ﴿إِنَّا﴾ (٢)(٣).
﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ﴾: أي: الجهال منَّا.
وقيل: ﴿سَفِيهُنَا﴾: هو إبليس , أي السفيه الذي ليس فوقه سفيه (٤).
﴿شَطَطًا (٤)﴾: كذباً وجوراً وزوراً وعُدواناً وقولاً عظيماً.
والشطط: البعيد , أي: ما هو بعيد من وصف الله.
تقول: أشطّ الرَّجُلُ (٥) أتى بما هو بعيد (٦).
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)﴾: هذا اعتذارٌ منهم, أي: اتبعناهم فيما قالوا على ظن أن أحداً لا يكذب على الله , تَمَّ كلام الجنّ ها هنا.
ثم أستأنف فقال الله:
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾: وذلك أن الرَّجل منهم كان (٧) إذا أمسى بأرض قَفْرٍ (٨) , وبات في مفازة يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه , فيكون في أمانهم تلك الليلة.
стр. 3397
والجمهور: على أنَّ في الجنّ رجالاً ونساءً كما في الإنس رجال ونساء (١).
وقيل: رجال من الإنس يعوذون برجال آدميين أيضاً (٢).
وقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ متعلق بـ ﴿يَعُوذُونَ﴾، كما تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكان أهل مكة يقول: أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي (٣).
ابن بحر: "هو انقطاعهم إلى الشيطان وحزبه بالطاعة لهم والقَبول منهم " (٤).
﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾: أي زاد الإنسُ الجنَّ عظمةً بذلك القول، فإنهم قالوا: قد سُدنا الإنسَ والجنَّ.
وقيل: فزاد الجنُّ الإنسَ خوفاً وفَرَقاً (٥).
الفرَّاء: " زادَ الجنّ فيهم ظلماً " (٦).
وقيل: فزاد الإنسُ أنفسَهم ظلماً بتلك الاستعاذة , وترك الاستعاذة بالله , وفيه ضعف. وقيل: هذا من كلام الجنّ أيضاً (٧). والقول هو الأوّل.
стр. 3398
وفسر ﴿رَهَقًا﴾: جُرأةً وإثماً وخوفاً وذلةً وهواناً وطغياناً وكفراً وجهلاً وقلةَ معرفةٍ وهلاكاً وبعداً عن الحقِّ.
وأصل الرهق: اللحُوق. وقيل: الخوف (١).
﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾: هذا أيضاً من كلام الله تعالى , أي: إنّ الجنَّ حسبوا كما حسبتم أيها الإنس ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ بعد الموت. وقيل: لن يبعث الله أحداً بالرسالة.
وقيل: لن يبعث الله نبياً بالرسالة (٢) بعد موسى؛ لأنهم كانوا هوداً (٣).
وقيل: هذا من كلام مؤمني الجنّ للكافرين منهم , أي إنّ بعض الإنس وهم الذين يعوذون بكم ظنّوا كما ظننتم ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ (٤) والأوّل أظهر.
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾: أي طلبنا خَبر السَّماء والمصير إليها , فحذف المضاف. واللمس: طلب إدراك الملموس بحاسة اللمس، وهو (٥) اليد في الغالب والرجل وظاهر الجسد.
وقيل: جعل مصيرهم إليها لمساً، وهو من الأوّل أيضاً.
وقيل: معنى: ﴿لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾: قاربنا السَّماء , وهذا كلام الجنِّ بعضهم ... بعضاً (٦)، أي أتينا السَّماء لنستمعَ إلى ما يكونُ فيها (٧).
﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾: أي السَّماء. وقيل: أبوابَها. وقيل: طرقَها.
стр. 3399
﴿مُلِئَتْ حَرَسًا﴾: حَفظة، جمع حارس.
وقيل: مصدر , أي: يحرسُهَا الملائكةُ حرساً (١).
﴿شَدِيدًا﴾: قوِيَّاً.
﴿وَشُهُبًا (٨)﴾: جمع شهاب , وهو المضيء المتوقد من النار.
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾: أي من السَّماء.
﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾: أي الاستماع من الملائكة (٢) ما يقولون فيما بينهم من الكوائن قبل اليوم.
﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ﴾: طلبَ السمع من جهة السَّماء.
﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ رصداً (٣): جمع راصد , أي: حفَظَةٌ تمنع من الاستماع , وهو بدل مِن قولهِ: ﴿شِهَابًا﴾.
وقيل: ﴿رَصَدًا﴾ يرصدونه ليرجموه به.
وقيل: نجماً رُصِدَ له أي (٤) يمنعُه ويزجُره عن الاستماع (٥).
والجمهور: على أن ذلك لم يكن قبل مبعث محمد ﷺ .
وقيل: كان الانقضاض. ولم يكن يرجم بها (٦) الشياطين حتى بعث محمد ﷺ .
الزُّهري: "كان يُرمى بالنجوم ويرجم بها (٧) الشياطين في الجاهلية لكن غُلِّظ وشُدّد أمرها حين بُعث الرسولُ ﷺ " (٨).
стр. 3400
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي عَذابٌ وهَلاكٌ حين اشتدتْ حراسةُ السَّماء.
﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾: خَيراً.
وقيل: ﴿رَشَدًا﴾: إرسال رسول يرشدهم.
وقيل: لا ندري أراد الله رشداً ببعث هذا الرسول فيرشدهم , أم أرادَ أن يكفروا به فيهلكَهُم؟.
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾: أَي: المؤمنون.
﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾: أي الكافرون.
وقيل: ﴿الصَّالِحُونَ﴾ أصحاب الخير , ﴿دُونِي ذَلِكَ﴾ أصحاب الشر.
﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾: كنا ذوي مَذاهبَ متفرّقة وأديان مختلفة.
وقيل: فرقاً شتىَّ ... (١).
ويقال لشريف القوم: الطريقة (٢).
والقدد: جمع قِدّة , وهي الطريقة , مشتقة من القَدِّ، وهو القطع (٣).
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾: علمنا وأيقنَّا.
﴿أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾: إنْ أرادَ بنا أمراً.
﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾: لن نفوته (٤)، ويحتمل ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ إن صعدنا إلى السَّماء.