وأبو جعفر يزيد (١): فتح ﴿أَنَّهُ﴾ أنه عطفاً على ﴿أَنَّهُ﴾ وكسر ﴿إِنَّا﴾ عطفاً ... على ﴿إِنَّا﴾ (٢)(٣).
﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ﴾: أي: الجهال منَّا.
وقيل: ﴿سَفِيهُنَا﴾: هو إبليس , أي السفيه الذي ليس فوقه سفيه (٤).
﴿شَطَطًا (٤)﴾: كذباً وجوراً وزوراً وعُدواناً وقولاً عظيماً.
والشطط: البعيد , أي: ما هو بعيد من وصف الله.
تقول: أشطّ الرَّجُلُ (٥) أتى بما هو بعيد (٦).
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)﴾: هذا اعتذارٌ منهم, أي: اتبعناهم فيما قالوا على ظن أن أحداً لا يكذب على الله , تَمَّ كلام الجنّ ها هنا.
ثم أستأنف فقال الله:
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾: وذلك أن الرَّجل منهم كان (٧) إذا أمسى بأرض قَفْرٍ (٨) , وبات في مفازة يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه , فيكون في أمانهم تلك الليلة.
стр. 3397
والجمهور: على أنَّ في الجنّ رجالاً ونساءً كما في الإنس رجال ونساء (١).
وقيل: رجال من الإنس يعوذون برجال آدميين أيضاً (٢).
وقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ متعلق بـ ﴿يَعُوذُونَ﴾، كما تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكان أهل مكة يقول: أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي (٣).
ابن بحر: "هو انقطاعهم إلى الشيطان وحزبه بالطاعة لهم والقَبول منهم " (٤).
﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾: أي زاد الإنسُ الجنَّ عظمةً بذلك القول، فإنهم قالوا: قد سُدنا الإنسَ والجنَّ.
وقيل: فزاد الجنُّ الإنسَ خوفاً وفَرَقاً (٥).
الفرَّاء: " زادَ الجنّ فيهم ظلماً " (٦).
وقيل: فزاد الإنسُ أنفسَهم ظلماً بتلك الاستعاذة , وترك الاستعاذة بالله , وفيه ضعف. وقيل: هذا من كلام الجنّ أيضاً (٧). والقول هو الأوّل.
стр. 3398
وفسر ﴿رَهَقًا﴾: جُرأةً وإثماً وخوفاً وذلةً وهواناً وطغياناً وكفراً وجهلاً وقلةَ معرفةٍ وهلاكاً وبعداً عن الحقِّ.
وأصل الرهق: اللحُوق. وقيل: الخوف (١).
﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾: هذا أيضاً من كلام الله تعالى , أي: إنّ الجنَّ حسبوا كما حسبتم أيها الإنس ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ بعد الموت. وقيل: لن يبعث الله أحداً بالرسالة.
وقيل: لن يبعث الله نبياً بالرسالة (٢) بعد موسى؛ لأنهم كانوا هوداً (٣).
وقيل: هذا من كلام مؤمني الجنّ للكافرين منهم , أي إنّ بعض الإنس وهم الذين يعوذون بكم ظنّوا كما ظننتم ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ (٤) والأوّل أظهر.
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾: أي طلبنا خَبر السَّماء والمصير إليها , فحذف المضاف. واللمس: طلب إدراك الملموس بحاسة اللمس، وهو (٥) اليد في الغالب والرجل وظاهر الجسد.
وقيل: جعل مصيرهم إليها لمساً، وهو من الأوّل أيضاً.
وقيل: معنى: ﴿لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾: قاربنا السَّماء , وهذا كلام الجنِّ بعضهم ... بعضاً (٦)، أي أتينا السَّماء لنستمعَ إلى ما يكونُ فيها (٧).
﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾: أي السَّماء. وقيل: أبوابَها. وقيل: طرقَها.
стр. 3399
﴿مُلِئَتْ حَرَسًا﴾: حَفظة، جمع حارس.
وقيل: مصدر , أي: يحرسُهَا الملائكةُ حرساً (١).
﴿شَدِيدًا﴾: قوِيَّاً.
﴿وَشُهُبًا (٨)﴾: جمع شهاب , وهو المضيء المتوقد من النار.
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾: أي من السَّماء.
﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾: أي الاستماع من الملائكة (٢) ما يقولون فيما بينهم من الكوائن قبل اليوم.
﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ﴾: طلبَ السمع من جهة السَّماء.
﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ رصداً (٣): جمع راصد , أي: حفَظَةٌ تمنع من الاستماع , وهو بدل مِن قولهِ: ﴿شِهَابًا﴾.
وقيل: ﴿رَصَدًا﴾ يرصدونه ليرجموه به.
وقيل: نجماً رُصِدَ له أي (٤) يمنعُه ويزجُره عن الاستماع (٥).
والجمهور: على أن ذلك لم يكن قبل مبعث محمد ﷺ .
وقيل: كان الانقضاض. ولم يكن يرجم بها (٦) الشياطين حتى بعث محمد ﷺ .
الزُّهري: "كان يُرمى بالنجوم ويرجم بها (٧) الشياطين في الجاهلية لكن غُلِّظ وشُدّد أمرها حين بُعث الرسولُ ﷺ " (٨).
стр. 3400
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي عَذابٌ وهَلاكٌ حين اشتدتْ حراسةُ السَّماء.
﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾: خَيراً.
وقيل: ﴿رَشَدًا﴾: إرسال رسول يرشدهم.
وقيل: لا ندري أراد الله رشداً ببعث هذا الرسول فيرشدهم , أم أرادَ أن يكفروا به فيهلكَهُم؟.
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾: أَي: المؤمنون.
﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾: أي الكافرون.
وقيل: ﴿الصَّالِحُونَ﴾ أصحاب الخير , ﴿دُونِي ذَلِكَ﴾ أصحاب الشر.
﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾: كنا ذوي مَذاهبَ متفرّقة وأديان مختلفة.
وقيل: فرقاً شتىَّ ... (١).
ويقال لشريف القوم: الطريقة (٢).
والقدد: جمع قِدّة , وهي الطريقة , مشتقة من القَدِّ، وهو القطع (٣).
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾: علمنا وأيقنَّا.
﴿أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾: إنْ أرادَ بنا أمراً.
﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾: لن نفوته (٤)، ويحتمل ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ إن صعدنا إلى السَّماء.
стр. 3401
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ﴾: أي لما سمعنا القرآن آمنا به، أي: ... [بالقرآن. وقيل: بمحمد ﵇ , ولن يبعث الله نبياً إلى الجن إلاّ محمداً ﷺ .
وقيل: ﴿آَمَنَّا بِهِ﴾ أي (١):] بالله.
﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾: نقصاً في الحسنات ﴿وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾ زيادة في السيئات. ولا زيادة في السيئات (٢).
ويقال: الرهق العذاب ها هنا.
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾: أي (٣) المؤمنون.
﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾: أي: الكافرون (٤) الجائرون.
والقَسَط، بالفتح: الجور.
﴿فَمَنْ أَسْلَمَ﴾: أخلصَ إيمانه.
﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤)﴾: قصدوا وتوجَّهوا صَوَاباً من القول والفعل.
﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾: الجائرون.
﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾: أي: كانوا في علم الله , فيكون كذلك وقود النار.
﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾: فيه أقوال:
أحدها: لو استقامَ الإنسُ والجنُّ (٥) على طريقة الإسلام.
﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾: أي لجعلنا لهم (٦) سقياً وهو: الماء العتيد (٧) لوقت الحاجة.
والمعنى: لو وسّعنا عليهم الرزق وكثرنا مواشيهم وأموالهم (٨).
وقيل: أراد به نعيم الجنّة.
الثاني: قال ابن عباس ﵄: لو استقام أهل مكة على طريقة الإسلام وآمنوا ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ أي (٩) لهديناهم إلى الصراط المستقيم , فهو مثل (١٠). والثالث: لو استقام أهل الكفر على كفرهم ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾: وسّعنا عليهم الدنيا (١١).
والرابع: لو كفروا ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾: كناية عن الإهلاك بالماء، كما كان لقوم نوح ﵇ (١٢).
﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: لنعذبَهم به ولنختبرهم بذلك.
﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾: أي عن (١٣) القرآن (١٤).
وقيل: عن التوحيد (١٥).
стр. 3402
﴿يَسْلُكْهُ﴾: يدخله (١).
عَذَابًا ﴿صَعَدًا (١٧)﴾: شاقاً. كقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧].
وهو: كناية عن غاية الشدة (٢).
ابن عيسى: " متصعداً في العِظَم " (٣)(٤).
ابن عباس: " الصَّعَد (٥): جبل في جهنم " (٦).
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾: تقديره: ولأنّ المساجدَ لله (٧) فَلَا ﴿تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾. وقيل: ﴿أَنَّ﴾ عطف على ما تقدم.
وقيل: محله رفع بالابتداء. وهذا بعيد؛ لأن ﴿أَنَّ﴾ مع ما بعده إذا وقع مبتدأ تقدم الخبر عليه البتة (٨).
و ﴿الْمَسَاجِدَ﴾: جمع مسجِد بالكسر , وأراد به: بيوتَ العبادة (٩).
قتادة: "كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبَيَعهم أشركوا بالله , فأمر الله تعالى المؤمنين بتوحيده " (١٠).
стр. 3403
وقيل: ﴿الْمَسَاجِدَ﴾: المواضع التي يسجد عليها العبد.
وقيل: هو (١): جمع مسجَد بالفتح , أي: الأعضاء السبعة التي يسجد عليها الإنسان , اليدان , والرجلان , والركبتان , والجبهة.
وقيل: جمع مسجِد الذي هو المصدر , والمعنى: السجدات لله.
وقيل: أراد بالمساجد وُجُوهَ العبَادَة والخُضُوع.
ويحتمل أنّ المرادَ بالمساجد الأرض، لقوله ﷺ : ((جُعِلتْ لي الأرضُ (٢) مسجداً وطهوراً)) (٣)، والمعنى: لا تعبدوا غيرَ الله في أرض الله.
﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ أي: لا تُراؤوا فيها.
ومَن حَملهُ على الأعضاء أي: لا تضعوا جباهَكم ولا أيديَكم على الأرض خدمةً إلاّ لله (٤). سعيد بن جبير وسُفيان قالا: قالت الجنُّ: كيف لنا بمسجدك ونحن بالبعد منك؟! فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (٥).
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾: محمد ﷺ ببطن نخلة ليلة الجنّ (٦).
﴿يَدْعُوهُ﴾: يقول لا إله إلاّ الله. وقيل: يقرأ القرآن. وقيل: يصلي (٧).
стр. 3404
﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾: أي يسقطون عليه جماعَات حرصاً على ما (١) سمعوا من القرآن , ورغبة في الإسلام (٢).
مكحول: "إنّ الجنّ بايعوا رسول الله ﷺ في هذه اللّيلة وكانوا سبعين ألفاً، وفرغَ من البيعة عند انشقاق القمر " (٣).
سعيد بن جبير: " هذا أيضاً من كلام الجنّ، أي: قالت الجنّ لإخوانهم: رأينا أصحابَ محمد ﷺ يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده وكانوا ينثالون (٤) عليه مجتمعين " (٥).
قتادة: " أراد: كاد الإنس والجنّ يجتمعون على إبطال الحق ويأبى الله إلا أن يُتمَ نورَه" (٦).
و ﴿لِبَدًا﴾: جمع لبدة، وهي: الرِجل من الجراد , وأصله من الجمع (٧).
﴿قَالَ﴾: يعني: محمداً ﷺ (٨).
﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾: في صلواتي.
﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)﴾: من الأوثان , فكونوا أنتم كذلك.
وقرئ: ﴿قُلْ﴾ على الأمر موافقة لما بعده.
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾: في دينكم ودنياكم.
﴿وَلَاتَ رَشَدًا (٢١)﴾: أرشدكم. وقيل: عذاباً ولا نعيماً.
وقيل: لا موتاً ولا حياةً.
وقيل: لا ضلالاً ولا هدايةً؛ لأني عبد مثلكم , بل ذلك إلى الله تعالى القادر على كل شيء.
﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾: لن يمنعني من عذابه مانع إنْ عصيته.
وقيل: لن يمنعني مما قَدّر عليَّ.
وجاء في التفسير: إن جنِّياً (٩) من أشراف الجنّ ذا تبع (١٠) قال: إن محمد ﷺ يريد أن يجيره أحدٌ فأنا أجيره , فأنزل الله تعالى هذه الآية (١١).
وروى الماوردي: " أنَّ ابن مسعود ﵁: لما تقدّم النبيُّ ﷺ إلى الجنّ ازدحموا عليه , فقال سيّدٌ لهم يقال له: وردان (١٢): أنا أزجلهم (١٣)(١٤) عنك , فقال له (١٥): ﴿إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ " (١٦).
وقوله: وَلَنْ ﴿أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾: مذهباً ومدخلاً في الأرض.
وقيل: ولياً ومَوئِلاً.
الحسن: " مستنداً يوم القيامة " (١٧).
والملتحد: الموضع أو الشيء يميل إليه الإنسان , من اللحد والإلحاد , وهو: الميل.
стр. 3405
والمُلتجأ: مثله (١).
﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ﴾: ﴿بَلَاغًا﴾ نصب على البدل من قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾ , والمعنى: لا ينجيني إلاّ أن أُبلِّغَ عن الله ما أرسلتُ به.
وقيل: المعنى (٢): لا أملك لكم ضراً ولا رشداً إلاّ أن أُبلغكم ما أُرسلت به.
الفرّاء: " هذا شرط وجزاء وليس باستثناء , وأن منفصلة من لا وتقديره: أن لا بلاغاً، والمعنى: إن لم أبلّغ فلا مجيرَ لي , كما تقول العرب: إنْ لا أعطاء فردَّاً جميلاً، والمعنى: إنْ لم تعطِ فردَّ " (٣).
وقيل: تقديره: لا أملك لكم ضرَّاً ولا رشداً إلا بلاغاً من الله ورسالاته (٤).
والبلاغ في هذه الوجوه واقع موقع التبليغ.
ابن بحر: " لن يجيرني إلا العمل بما يبلغني من الله " (٥).
﴿وَرِسَالَاتِهِ﴾: أوامره ونواهيه.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: فيما يدعوه إليه من التوحيد.
﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾: في الآخرة وقيل: يوم بدر (٦).
﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾ (٧): هذا جواب لمشركي مكة حين استعجلوا العذاب (٨)، وقالوا: هم بالإضافة إلينا كالحصاة من جبل (٩)(١٠).
стр. 3406
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾ ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾: من العذاب في الدنيا.
وقيل: هو يوم القيامة.
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾: غايةً يَطُول مُدّتها.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: صفة لربي، وقيل: بدلٌ (١).
وقيل: هو عالم السر.
وقيل: الغيب ما هو كائن لم يكن.
وقيل: الغيب أمر القيامة.
ابن زيد: "الغيب القرآن " (٢).
﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾: لا يُطلع.
﴿عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾: من خلقه فيعلمه.
﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾: أي: إلا رسولاً قد ارتضَاهُ ليعلم بعض الغيب، ليكون إخباره عن الغيب مُعجزةً له.
وقيل: هو جبريل ﵇ " (٣).
﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾: حرساً من الملائكة
стр. 3407
يحفظون الوحي.
وقيل: يحفظون الرسُولَ ويزجرون الشياطينَ (١) عنه فلا يقربُوه (٢).
وقيل: يحفظون جبريل؛ لأن جبريل ﵇ إذا بُعث إلى نبي من الأنبياء انحدر معه عدّة من كلِّ سماء إلى التي تليها (٣) , وينحدر من السَّماء الدنيا عدّة، فيحيطون به وبالوحي حتى يفرُغَ مِن وحيه؛ كي لا يقربه شيطانٌ ولا جانٌّ فيذهب به إلى الكاهن حتى يكون الرسولُ هو أوّلُ مَن يتكلمُ به (٤).
الزَّجَّاج في جماعة: يُنْزِلُ اللهُ مع جبريلَ ﵇ أربعةً من الملائكة يحفظونه من الجنّ " (٥).
ابن بحر: ﴿رَصَدًا﴾: طريقاً , يعني: فإنه يجعل للرسول (٦) إلى علم بعض ما كان قبله وما يكون بعده طريقاً؛ فيكون له عوناً ومعجزةً على صدق ما أتى به " (٧).
﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾: قيل: ليعلم الرسولُ أنّهُ أتاه (٨) ولم يأت غيره.
وقيل: ليعلم الرّسُول أن الرُسلَ قد أبلغوا رسالات ربهم.
وقيل: (٩) ليعلم محمدٌ ﷺ .
وقيل: ليعلم الجنّ.
وقيل: ليعلم من كذب الرُسُل أنّ الرسلَ قد بلّغت عن الله ما أمرهم به (١٠).
стр. 3408
الزَّجَّاج: " ليعلم الله، أن قد أبلغوا، أي: الرسلُ رسالات ربهم " (١).
وَأَحَاطَ ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾: الفعلُ لله تعالى بالإجماع (٢).
وهو: عطف على قوله: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾.
﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾: علم عدد الأشياء كُلّها.
وأجاز الزجاج أن ينتصب قوله (٣): ﴿عَدَدًا﴾ على الحال، وعلى المصدر" (٤). والله أعلم (٥).
стр. 3409
سورة المُزَّمِّل (١)
عشرون آية (٢)(٣) مكية (٤)
ابن عباس ﵄: إلاّ آيتين (٥) منهما , وهما: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ إلى آخرها " (٦).
وقيل: "مكية إلا قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ والتي بعدها " (٧).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾: أي المتَزَمّل بثيابِه.
والتَّزمُّل: التلفّف، فأدغم التّاء في الزَّاي (٨).
стр. 3410
ابن عباس ﵄: يريد النبيَّ ﷺ , وكان يَفرَقُ مِن جبريل ﵇ , ويَتزمّل في الثياب أوّل ما جاءه - ويأتي بيانه في المدثر- فأتاه وهو متلفّف في قطيفَة " (١) هذا فيمن لم يجعله من أوائل القرآن.
عائشة ﵂: "كان ملفّفاً (٢) في مِرْطٍ (٣) له طولُه أربعةَ عشرَ ذراعاً، نصفه عليَّ وأنا نائمة، ونصفه على رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي " (٤).
السُّدي: " يا أيها النائم، قال: وكان متلففاً بثيابه للصلاة " (٥).
وعن ابن عبّاس أيضا: "المتزمّل (٦) بالقرآن " (٧).
عكرمة: "المتزمّل بالنبوّة " (٨).
وقيل: هو من الزُّمَل بمعنى الحمل (٩) , ومنه الزَّاملة، أي: المتحمل (١٠) بأعباء النبوة، وإلى هذا المعنى ذهب عكرمة (١١).
وقيل: ناداه بالمزمل والمدثر في أوّل أمره؛ لأنه لم يكن قد شرع بعدُ في الأمر , فلما شرع خاطبه بالنبوة والرسالة (١٢).
стр. 3411
وقيل: بدء (١) إيناس وإزالة وحشة، كما قال لموسى ﵇ (٢): ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾، [طه: ١٧].
وقيل: معناه يا خاملَ الذكر (٣) سنرفع لك ذكرك (٤).
﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾: أي للصلاة (٥) عند الجمهور.
وقيام الليل: عبارة عن الصلاة فيه (٦).
وقيل: قم الليل لقراءة القرآن , لقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾.
﴿إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾: أي من الليل تنامُ فيه , وكان قيامُ الليلِ فرضاً عليه وحده لقوله: ... ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٧).
وقيل: عليه وعلى أصحابه , لقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ , حتى نسخ بالصلوات الخمس بعد سنة.
وقيل: بعد ثمانية أشهر.
وقيل: بعد ستة عشر شهراً.
وقيل: نسخ بآخر السورة لقوله (٨): ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾.
ابن عباس ﵄: " بين أوّل سورة المزمّل وآخرها سنة " (٩).
стр. 3412
وقيل: بقي في حقّ النبي ﷺ فرضاً إلى عشرِ سنيَن ثم خَفّف عنه.
وقيل: كان فرضاً عليه إلى أن قُبض ﷺ (١).
وقيل: لم يكن قيام الليل فرضاً عليه بل كان تطوعاً؛ لأنه جعل الاختيار إليه في المقدار.
في (٢) قوله: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾: الجمهور: على أن الله تعالى خيّره بين أن يقوم (٣) ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه (٤).
واختلفوا , فذهب بعضهم: إلى أن نصفه بدل من القليل. وفيه ضعف؛ لأنَّ أحد النصفين مساوٍ للنصف الآخر , فلا يكون أحدهما قليلاً والآخر كثيراً.
وقيل: بدل من الليل بعد الاستثناء. وهذا أيضاً ضعيف لتلك العلة.
وقيل: بدل من الليل قبل الاستثناء , وتقديره: قم الليل نصفه إلا قليلاً.
وقال بعضهم: تقديره: قم الليل نصفه إلا قليلا من النصف , فقدّم المستثنى على المستثنى منه. كقوله:
ومالي إلا آل أحمدَ شيعة ... ومالي إلا مذهبَ الحقِّ مذهبُ (٥)
وعلى هذين القولين لا يكون في الآية نصٌّ على النصف.
وقال بعضهم: إلا قليلاً هو الثلث , ثم قال: قم نصفه.
وقال بعضهم: لما قال: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ كان مبهماً ففسره بما بعده , فقال: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ﴾ من النصف إلى الثلث ﴿أَوْ زِدْ﴾ على النصف إلى الثلثين.
стр. 3413
وقال بعضهم: أَوِ ﴿انْقُصْ﴾ من النص قليلا إلى الربع , قاس القليل الثاني على القليل الأول , فجعله نصف النصف , ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ على الربع إلى الثلث , فيكون الختم ثلث الليل.
وقال بعضهم: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعود إلى أعداد الليل ,وجاز لأن الليل للجنس , وتقديره: قم الليالي جميعاً إلا قليلاً من الأعداد يقع لك فيها أعذار.
ثم بين مقدار ما يقوم من الليل , فقال: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾
وقال الأخفش (١): " تقديره: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أو ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ , فحذف أو؛ لأن ما بعده يدل عليه , كما تقول: له عليَّ درهم درهمان أو ثلاثة " (٢).
وقال بعضهم: هذا على حسب طول الليل وقصرها (٣) , فالنصف: إذا استوى الليل والنهار , أَوْ ﴿انْقُصْ﴾: إذا قصر الليل , ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾: إذا طال الليل (٤). والله أعلم.
﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾: ابن عباس ﵄: " بينه تبييناً " (٥).
أي: بَيِّنِ الحروفَ ووَفِّ حَقَّها , كأنك تفصل بين الحرف والحرف , مشتق من قولهم: ثغر رتل ورتِل (٦) , إذا كان مفلَّجاً (٧).
والترتيل: أداء (٨) الحروف وحفظ الوقوف (٩).
стр. 3414
وقيل: معناه: اقرأ ثلاث آيات وأربع آيات (١)؛ لأنَّ ذلك أبلغ في التدبّر والتفكّر.
سعيد بن جبير: "معناه: فسِّره تفسيراً " (٢).
وقيل: اقرأ على ترتيبه لا تقدّم مؤخراً ولا تؤخّر مقدماً.
وقيل: تُفهّمه تالياً له.
وقيل: فصله تفصيلاً ولا تعجل في قراءته.
قُطرب: " ﴿رَبُّكَ﴾: أي ضَعِّفْ صوتَك واقرأْه (٣) بصوت حزين " (٤).
أمُّ سَلَمَة ﵂: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته آية آية " (٥).
أنس ﵁: "كان النبي ﷺ يمدُّ (٦) صوته مَدَّاً " (٧).
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ﴾: سننزلُ عليك.
﴿قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾: يريد القرآن , أي: رَصِيناً رَزِيناً ليس بسفسافٍ خفيفٍ.
وقيل: في الميزان يوم الحساب.
وقيل: ﴿ثَقِيلًا﴾ حقاً , لأنَّ الحق ثقيل.
وقيل: ﴿ثَقِيلًا﴾ (٨) على الكفار والمنافقين.
стр. 3415
وقيل: ﴿ثَقِيلًا﴾ على النبي ﷺ لما يلحقه من المشاق في إبلاغه والمجاهدة به مع الكفار. وقيل: ﴿ثَقِيلًا﴾ بالأمر والنهي والحدود والحكام (١).
ويحتمل أن ﴿ثَقِيلًا﴾ صفة للمصدر أي: إلقاءً ثقيلاً. لما روي عن عائشة ﵂ قالت: لقد رأيته - تعني (٢) النبي ﷺ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصمُ عنه وإنّ جبينه ليتفصَّدُ (٣) عَرَقاً " (٤).
وعنها: أيضاً أنها (٥) قالت: ((إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فيضرب بجرانها (٦))) (٧).
وعن عائشة ﵂: أنَّ الحارث بن هشام (٨) سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحياناً يأتيني مثل صلصلةِ الجرس، وهو أشدُّ عليّ، فينفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل الملك رجلاً فأعي ما يقول " (٩).
стр. 3416
﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ ابن عباس وعكرمة: " الليل كُلُّه ناشئةً؛ لأنها تنشأ بعد النهار " (١).
أنس ﵁: "مابين المغرب والعشاء " (٢).
وقيل: أوّل الليل. وقيل: بعد العشاء الآخرة إلى الصبح ﴿نَاشِئَةَ﴾.
وقيل: الصلاة بعد النوم ﴿نَاشِئَةَ﴾.
وقيل: ما أحياه المصلي من الليل فهو ﴿نَاشِئَةَ﴾.
ابن مسعود ﵁: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: " قيام الليل بلغة الحبشة " (٣).
يقولون: نشأ إذا قام، والوجه: الساعات. تقول العرب: نشأت إذا ابتدأت وأقبلت شيئاً فشيئاً.
وقيل: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ مصدر , أي: ما ينشئه الرجل بالليل من القراءة والصلاة (٤).
ابن بحر: " المعاني المستنبطة من القرآن " (٥).
قوله (٦): ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أثقل على البدن. من قوله: ﷺ ((أشدد وطأتك على مُضر)) (٧)؛ لأنَّ الليل للنوم والدَّعَة فإذا صُرِفَ (٨) إلى الصلاة ثَقُلُ على المصلي.
وقيل: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أبلغ في الثواب.
وقيل: أشد ثباتاً من النّهار وأثبت في القلب.
стр. 3417
وقيل: أبلغ (١).
ابن عيسى: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أي: قوة الفكر فيه أمكن وقعاً (٢)(٣).
﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾: أصحُّ قولاً.
﴿قُرِئَ أَشَدُّ وِطَاءً﴾ بالمدِّ (٤)، أي: موافقة.
والمعنى: يواطئ السَّمع والبصر القلبُ (٥) فيها أكثر مما يواطئ في ساعات النهار (٦).
﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ أشدّ استقامةً وصواباً لفراغ البال.
وقيل: أكثر نشاطاً.
ابن بحر: " ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ المعاني المستنبطة من القرآن بترتيله ليلاً ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أثبت وأبين أثراً , وَأَقْوَمُ ﴿قِيلًا﴾ أصح مما يخرجه الأفكار نهاراً لخلوة السمع والبصر عن الاشتغال بالمدركات لأجل الظلمة " (٧).
وقيل: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: أعجل إجابة للدعاء (٨).
﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾: تصرفاً في حوائجك وإقبالاً وإدباراً.
وقيل: فراغاً طويلاً لنومك وراحتك.
ابن عيسى: " السبح المرُّ السهل في الشيء كالمرور في الماء، ومنه السبح في الماء " (٩).
стр. 3418
وقيل: السبح العمل والتقلب (١).
وقرئ بالخاء (٢) , أي: تخفيفاً من قوله ﷺ " لا تُسَبِّخي عنه دعائك عليه " (٣)، أي: لا تخفّفي عنه بدعائك عليه (٤).
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: اُدْعُهُ بأسمائه الحسنى.
وقيل: اُذْكُره (٥) في صلاتك التي أمرت بها (٦).
وذهب جماعة إلى أن المعنى: أذكر ﴿الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ﴾ إذا أردت قراءة القرآن أو الصلاة (٧).
﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾: انقطع إليه بعبادتك وأخلص إليه إخلاصاً (٨).
والقياس تبتُّلاً، ولكن لما كان التبتل من حروفه عدل إليه لموافقة رؤوس الآي؛ لأنَّ ... خَطَّ (٩) القرآن من أحسن النظم (١٠)، والوصف فوق كل خط.
стр. 3419
ويحتمل أن المعنى ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾ تُبتلك تبتيلا، كما قال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] أي: وتنبتون نباتاً.
والتبتل: الانقطاع إلى الله بتأميل الخير منه دون غيره (١).
﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾: أي: هو رب المشرق ورب المغرب.
وقيل: رفع بالابتداء.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبره، وقرئ بالجر بدل من قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١].
وقيل: بدل من الهاء في قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ (٢).
والمعنى: رب العالم بما فيه (٣).
وقيل: رب الليل والنهار. وقد سبق.
﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾: حفيظاً يحفظك ويتولاك.
وقيل: كفيلاً بما وعدك. وقيل: قيماً بأمورك.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: أي لله من الولد والصاحبة والشريك.
وقيل: على ما يقولون لك: من الساحر والكاهن والمجنون (٤).
﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾: قيل: هو كقوله: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، وكقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩].
وقيل: هو إظهار الجفوة من غير ترك الدعوة.
стр. 3420
وقيل: هو لقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣].
الكلبي وقتادة: "منسوخة بآية السيف " (١).
﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾: أي: دعني وإياهم , ولا تهتم بشأنهم (٢)، فأني أكفيكهُ.
﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾: التنعّم بالنِّعمة، والنِّعمة بالكسر الثروة، والنُّعمة بالضم: السرور (٣).
وهذا وعيد للمطعمين يوم بدر. وقد سبق.
وقيل (٤): في صناديد قريش.
وقيل: في بني المغيرة , ووصفهم بالنعمة توبيخاً لهم على ترك الشكر , وتبيينا إنه أطغاهم استغناؤهم (٥).
﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾: إلى يوم بدر , وكان بين نزول الآية , وبين يوم بدر زمان يسير. وقيل: إلى يوم القيامة (٦).
﴿إِنَّ لَدَيْنَا﴾: أي للكافرين.
﴿أَنْكَالًا﴾: قيوداً (٧)، وأغلالاً إهانةً لهم لا خوفاً من فرارهم (٨).
مقاتل: " أنواعاً من العذاب يوجب النُّكول عن ما يوجب ذلك " (٩).
﴿وَجَحِيمًا (١٢)﴾: ناراً عظيماً (١٠).
стр. 3421
﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾: الضَّريع والزقوم يغص في الحلق ولا يسوغ.
﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾: يخلص وجعه إلى القلب (١).
وجاء في التفسير، أنه لما نزلت هذه الآية خرَّ النبي ﷺ مغشياً عليه (٢).
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾: تتحرّك أغلظ حركة بمن عليها، ... وهي: الزلزلة (٣).
﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾: وتصير الجبال رملاً مصبوباً.
وقيل: سائلاً (٤).
الفَرَّاء: " هو الذي إذا حركت أسفله ينهال عليك " (٥).
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾: يا أهل مكة ﴿رَسُولًا﴾: يعني محمد ﷺ .
﴿شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾: يوم القيامة بالإجابة والامتناع.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾: يعني موسى ابن عمران (٦) ﵇.
﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾: ثقيلاً شديداً (٧).
стр. 3422
وقيل: متتابعاً وقيل: مهلكاً.
وقيل: من قوله: استوبلت: استثقلتُ (١).
والوابل: الشديد من المطر (٢)(٣).
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا﴾: أي كيف تتقون عذاب يوم، فحذف المضاف , ويوم مفعول به.
وقيل: معناه: كيف لكم التقوى في يوم القيامة وقد كفرتم في الدنيا , أي: لا ينفع التقوى إذا وافيتم القيامة كفاراً , فيكون اليوم ظرفاً.
وقوله: ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾: صفة لليوم , والفاعلُ مضمرٌ يعودُ إليه (٤).
وقيل: تقديره يجعل الله فيه الولدان شيبا من هَوله وشدّته , وذلك حين يقال لآدم ﵇: قم
فابعث بعث النار من ذريتك (٥).
قيل: هم أولاد الزنا.
وقيل: أولاد الكفار (٦).
وقيل: يجعل الولدان شباباً. وهذا خطأ حكاهُ النقاش (٧).
وهذا مَثل ضربه الله للشدة (٨)(٩).
﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ﴾: أي منشقةٌ واهية.
﴿بِهِ﴾: قيل: الباء بمعنى: في , أي في ذلك اليوم. وقيل: بسبب ذلك اليوم (١٠).
الزَّجَّاج: " متعلقة بالله " (١١).
الحسن: " متعلقة بيوم القيامة " (١٢).
﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾: كائِناً.
﴿إِنَّ هَذِهِ﴾: أي السورة والموعظة (١٣).
﴿تَذْكِرَةٌ﴾: تذكير للخلق (١٤).
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾: أي بالإيمان (١٥).
وقيل: من شاءَ أن يرغب فليرغب.
وقيل: فليعمل عملاً صالحاً.
﴿* إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾: معنى (١٦) ﴿أَدْنَى﴾: أقرب. وقيل: أسفل , من قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. وقيل: معناه (١٧) أقل قُربى (١٨)(١٩).
﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: بالنصب والجر (٢٠). فمن جرَّه: جعل المعنى ﴿تَقُمْ﴾ (٢١) قريباً من هذه المقادير.
ومن نصبه: عطفه على ﴿أَدْنَى﴾ , فيكون المعنى: ﴿تَقُمْ﴾ أقل من الثلثين , و ﴿تَقُمْ﴾ (٢٢) نصفه وثلثه (٢٣).
وقال بعضهم: لم يعرفوا (٢٤) المقادير فقاموا الليل كله , فيكون المعنى: إن ربك يعلم أنك أمرت أن تقوم أدنى من هذه المقادير وتقوم أنت الليل كله (٢٥).
وقيل: ﴿أَدْنَى﴾ من ثلثيه مرة ووقتاً، ومن نصفه وقتاً، ومن ثلثه وقتاً (٢٦)(٢٧).
ابن بحر: " معناه أنه أدّاه كما أمر أوّل السورة " (٢٨).
﴿وَطَائِفَةٌ﴾ أي: ويقوم طائفة.
﴿مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾: أي آمنوا معك , يعني الصحابة.
﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: أي هو سبحانه يعلم مقاديرها ومواقيتها , وليس تحقيق ذلك في طوق البشر.
﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾: لن تطيقوا (٢٩) على هذه المقادير.
стр. 3423
وقيل: لن تقدروا على إحصاء أجزاء الليل ودقائقه (١).
ويحتمل لن تعلموا مواقيته من الحصَاة , وهي: العقل (٢).
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: فخفف عليكم ووضع عنكم.
وقيل: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ إن لزمكم ذنب بتركه.
وقيل: رَخَّصَ لكم في ترك ذلك (٣).
﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾: ما أحببتم وأردتم.
﴿مِنَ الْقُرْآَنِ﴾: أي من السور القصار، يريد في الصلاة النافلة.
وقيل: في الفرض. وقيل: خارج الصلاة. وهذا حُجّة من قال: قم الليل لقراءة ... القرآن (٤).
السُّديّ: " ما تيسّر: مائتا آية " (٥).
ابن عباس ﵄ مائة آية " (٦).
الحسن: " من قرأ مائة آية في ليلة (٧) لم يحاجّه القرآن " (٨).
وقيل: ثلاث آيات كأقصر سورة (٩). ثم ذكر سبب التَّخفيف فقال:
﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ أي: أنه سيكون مخفّف, ﴿مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ فيشق عليهم قيام الليل.
﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ﴾: يريد يسافرون ... للتجارة (١٠).
وجاء مرفوعاً " من فضل الله لطلب العلم " (١١).
﴿وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: هم المجاهدون.
﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: في صلاة المغرب والعشاء (١٢).
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: (١٣) المفروضة.
﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾: الواجبة.
وقيل: صدقة الفطر.
ابن عباس ﵄: "الطاعة والإخلاص له " (١٤).
﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: النوافل من الصدقة , أي وسماه (١٥) قرضاً تأكيداً للجزاء.
وقيل: القرضُ الحسن يقع على جميع الطاعات.
وقوله: ﴿حَسَنًا﴾ أي (١٦): خالصاً.
وَمَا ﴿تُقَدِّمُوا﴾: تسلفوا ﴿لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾: حسنة.
﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾: لأنَّ الله يعطي المؤمنين (١٧) أجرهم بغير حساب.
وقيل: خيراً من الشح والمنع.
﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾: من تقصير وذنب وقع منكم.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: لمن تاب.
﴿رَحِيمٌ (٢٠)﴾: لمن استغفر.
стр. 3424
سورة المُدَّثِّر (١)
خمسون آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾: في سبب النزول: قال جابر ﵁: أحدثكم ما حدثنا رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : ((إنّي جاورتُ بحراء شهراً , فلمَّا قضيتُ جواري نزلتُ فاستبطنت بطن الوادي (٥) , فنوديتُ فنظرتُ أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، ثم نظرتُ إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء - يعني جبريل ﵇ فأخذتني رجفةٌ فأتيتُ خديجة, فأمرتهم فدثروني، ثم صبوا عليَّ الماءَ فأنزلَ الله - تعالى - عليَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾)) (٦).
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾: فهو خطاب للنبي ﷺ وأصله [المتدثر فأدغم، والمعنى] (٧): المتدثر للنوم , واشتقاقه: من الدثار وهو ما يعلوا الشِّعار (٨).
стр. 3425
عكرمة: " يا أيها المدَّثِّر بالنبوة وأثقالها قد تدثّرتَ هذا الأمرَ فقم به " (١).
المبرد: " المُدَّثِّر: (٢) هو الملقى عليه الدثار " (٣).
ابن عيسى: " هو من: دثر الرسم: إذا انمحى أثرُهُ , كأنه قيل: يا أيها الطالب صرفَ الأذى بالدِّثار أطلبه بالإنذار " (٤).
وقيل: معناه لا تنم عما أمرتك به , ولا تستعمل الهوينا فيه , بل قم , وارفض (٥) الراحةَ , وبلَّغ الرسالةَ, وأنذر الكفرةَ موضع المخافة مما هم (٦) عليه ليتّقوه بطاعتي.
وقيل: أنذرهم عذاب الله ووقائعه في الأمم الخالية.
وهو أول ما نزل (٧).
وقيل: أول ما نزل بعد "سورة اقرأ " (٨).
وقيل: لمّا قال الوليد بن المغيرة في دار الندوة: ليس كلامه شعراً ولا هو كاهنٌ ,إن هذا إلا سحرٌ يؤثر، إن هذا إلا قول البشر، عاد إلى منزله , وقال: ((دثروني، فألقيت عليه قطيفة حمراء استراحة إلى النوم من الغم)) , فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ "﴾ (٩).
стр. 3426
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾: صِفْهُ بِكِبَرِ الشَّأن , وجلالة السُّلطان (١).
﴿وَثِيَابَكَ﴾: أي: الثياب الملبوسة.
﴿فَطَهِّرْ (٤)﴾: نقّها مما يفسدُ الصلاة.
وقيل: طَهِّرها من الذنوب فيها , من قولهم: فلان نقى الثياب , وضده خبيث الثياب. وقيل: لا تكن غادراً , فإنَّ الغادر (٢) يسمى: دَنِس الثياب.
قيل: لا تلبس من مكتسبٍ غير طيّب. وقيل: قصّرها.
وقيل: ﴿وَثِيَابَكَ﴾: قلبك , أي: فرّغ قلبك من قول الوليد بن المغيرة.
وقيل: عملك.
قال النبي ﷺ : ((يحشر المرءُ في ثوبيه اللذين مات فيهما)) (٣) , يعني عمله (٤) الصالح أو الطالح.
وقيل: كناية عن النساء , أي: اختر أزواجاً مؤمنات , من قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾، [البقرة: ١٨٧].
وقيل: من الحيض.
وقيل: نفسك , أي: أصلح نفسك من قولهم: فداك ثوبي أي نفسي.
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾: أي: فاهجر ما يؤدي إلى العذاب.
وقيل: ﴿الرُّشْدُ﴾ الصَّنم.
والكسر والضم لغتان (٥).
стр. 3427
وقيل: الكسر العذاب , من قوله: لَئِنْ ﴿كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾، [الأعراف: ١٣٤].
﴿الرُّشْدُ﴾ الصَّنم، وسمي الصَّنم رجزاً؛ لأنه [يؤدي إلى العذاب.
وقيل: لأنه] (١) يُعَذَّبُ الكافرُ به، من قوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤].
وقيل: الرجز الشرك.
وقيل: الذنب والإثم.
وقيل: الظلم.
ومعنى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ أي: أترك.
والهجران: يأتي بمعنى الدوام على الترك. وهذا منه.
﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾: أي: لا تعطِ أحداً عطيةً تلتمسُ بها أفضلَ منها , فإنَّك مأمورٌ بأجلِّ (٢) الأخلاق.
وقيل: لا تمنن على الله بحسناتك.
وقيل: لا تمنن على الناس بأداء الرسالة مستكثراً بها الأجر منهم.
وقيل: معنى: لا تمنن: لا تضعف أن تستكثر من الخير.
و ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾: حكاية حال , أو تقدير حال.
﴿وَلِرَبِّكَ﴾: أي لأمره.
وقيل: لوعده.
وقيل: لوجهه.
﴿فَاصْبِرْ (٧)﴾: على أداء الرسالة وتعظيم الحق.
стр. 3428
وقيل: على (١) انتظار ثواب عملك من الله.
﴿فَإِذَا نُقِرَ﴾: نفخَ.
﴿فِي النَّاقُورِ (٨)﴾: في الصور , فاعول من النقر , أي: من شأنه أن ينقر (٢).
وأصله التصويت كنقر الطائر الشيء بمنقاره.
قيل (٣): هي النفخة الأولى.
وقيل: الثانية يجيء الناس عندها.
وهذا حجة لمن جعل الصُّور ما يُنْفَخُ فيه لا جمع صورة , كما ذهب إليه بعضهم (٤).
وقيل: فِي ﴿النَّاقُورِ﴾ القلب , فهو كقوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] (٥).
﴿فَذَلِكَ﴾: إشارة إلى وقت النقر , وهو مبتدأ و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبره (٦).
وقيل: إشارة إلى النقر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ من صلته و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبره على تقدير نقره يوم عسير تشتد فيه الكلفة (٧).
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾: توكيد وهو القليل الكلفة.
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾: نزلت في الوليد بن المغيرة , أي: لا تهتم بأمره فإني أكفيكه (٨)(٩).
стр. 3429
وقوله: ﴿وَحِيدًا﴾ يجوز أن يكون من صفة الله - تعالى -، أي خلقته بلا معين.
ويجوز أن يكون من صفة الوليد , أي خلقته وحيداً صغيراً ضعيفاً لا مال له ولا ولد (١).
وقيل: ﴿وَحِيدًا﴾ لغير رشدة، كما نزل فيه ﴿زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] , أي: ملحق بالقوم ليس منهم (٢).
قال الحسن: " كان يُدعى الوليد الوحيد " (٣).
وأنكر صاحب النظم أن يكون ﴿وَحِيدًا﴾ صفةً لله - تعالى -؛ لأنه على تفرّد بعد ... تجمع (٤) , والله - تعالى - لا يوصف بذلك (٥). والجمهور على الأول.
﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢)﴾ ابن عباس ﵄: "ألف ... دينار " (٦).
وقيل: أربعة آلاف دينار.
وقيل: مائة ألف.
وقيل: الأنعام تنمى بالنتاج وتمتدّ في الأرض بالرعي.
وقيل: أرض مُغلّة لا تنقضي لها غلّة حتى تأتي (٧) لها أخرى.
وقيل: نخيلاً وأشجاراً (٨).
стр. 3430
﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾: حضورا معه يستمتع برؤيتهم ويستمتعون لا يغيبون (١) في
طلب المعاش لغناه.
وكانوا عشرة.
وقيل: اثني عشر.
وقيل: شهوداً نجباء أخياراً يشهدون مواضع (٢) الفِخَار وبقاع النِّزال.
وقيل: إذا ذُكر ذُكروا معه.
﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)﴾: بسطت له في الأرض ورئاسة القوم ومكنته، من التمتع في صحة البدن.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ﴾: تقديره: فعاند , وكفر , ثم يطمع.
﴿أَنْ أَزِيدَ (١٥)﴾: فحذف لأن أوّل الكلام يدلّ عليه.
وقيل: ﴿يَطْمَعُ﴾ أن أدخله الجنة.
وقيل: ﴿يَطْمَعُ﴾ أن أنصره.
﴿كَلَّا﴾: ردع وزجر , أي: لا يجمع له بعد اليوم بين الكفرِ والمزيد من النعم , فلم يزل بعد نزولِ الآية في نقصانٍ من المال والجاه وماتَ فقيراً (٣).
وقيل: زجرَ عن الطمع في الجنة.
﴿إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾: للقرآن.
وقيل: لمحمد ﷺ .
وقيل: للحق.
والعنيد: الذاهب عن الشيء على طريق الغباوة (٤).
стр. 3431
وقيل: معانداً. وقيل: جاحداً.
وقيل: معرضاً, من قولهم: ناقة عنود: إذا نفرت (١) , وعَنَدَ العِرْق: إذا نفر (٢).
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾: سأحمله على شاقّ من العذاب (٣).
والإرهاق: إعجال بعنف.
وقيل: هو عقبة في النار يكلّف ارتقاؤها بضرب المقامع كلَّما وضع رجله ليرتقي ذابت ثم تعود.
وقيل: المراد به الحملُ على الأمر الشديد.
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾: أجمع المفسرون على أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة , وذلك إنَّه جمع رؤساء مكة , فقال لهم: إن الموسم قد دنا , وقد فشا (٤) أمرُ هذا الرجل في الناس وهم سائلوكم (٥) عنه , فماذا تردون عليهم، قالوا: نقول إنَّه مجنون يخنقُ، فقال: يأتونه ويكلمونه فيجدونه صحيحاً عاقلاً فيكذبونكم.
قالوا: نقول شاعرٌ , قال: وهم العرب وقد رأوْا الشعر وفيهمُ الشعراء , وقولُه لا يشبه الشعرَ فيكذبونكم.
قالوا: نقول كاهن، قال: الكهنة لا يذكرون الله تعالى , ولا يقولون: إن شاءَ الله , وهو يقوله , وأنا والله سمعتُ منه كلاماً آنفاً ما هو من كلامِ الإنسِ، ولا هو (٦) من كلام الجن , وإن أسفلَه لمغدق وإن أعلاه لمثمر , وإن له الحلاوة وإن له لطلاوة , وإنه يعلو ولا يُعلى , ثم انصرفَ إلى منزله. فقالت قريش: صبأ الوليد , وكان يقال للوليد: ريحانة قريش.
стр. 3432
فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكمُوه (١) , فجاء حزيناً , فقال له (٢) الوليد: مالك يا ابن أخي؟ فقال: إنَّ قريشاً تزعمُ أنك قد صبأت لتصيب من فضول أصحاب محمد , وهم يجمعون لك مالاً تستعين به على حاجتك، قال: ويحك ما يشبع أصحاب محمد من الطعام , وإني لأكثر قريشٍ مالاً، ولكنّي فكّرت في أمر هذا الرجل فوجدته ساحراً , أمَا تعلمون أنه فرَّق بين فلان وفلانة زوجته , وبين فلان وأبيه، وبين فلان وأخيه، وفلان وابنه، وفلان ومواليه (٣)، فلا ينفعهم ولا يلتفت إليهم , قالوا: بلى، فأجمع رأيهم على أن يقولوا: هو (٤) ساحرٌ يفرّق بين الناس , وما يقوله سحر، فأنزل الله هذه الآيات: ... ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَجَدْتُ﴾ أي (٥) في شأن محمد ﷺ وما أتى به , وقدَّر ماذا يمكنه أن يقول فيهما (٦).
﴿فَقُتِلَ﴾: لُعنَ وعُذبَ وعُوقبَ (٧).
﴿كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾: استفهام على وجه التعجيب (٨).
وقيل: على وجه (٩) الإنكار.
وقوله: ﴿قُتِلَ﴾: هو أشد دعاء (١٠) لا يدعى به (١١) إلاّ على من لا بقيّة في أمره (١٢).
والتكرار للتأكيد.
стр. 3433
[وقيل: أحدهما: لتقديره القول في محمد ﷺ .
والثاني: لتقديره القول في القرآن] (١).
وقيل: أحدهما: لنفيه عنه الجنون والكهانة والشعر لا على وجه قُصِدَ به الإيمان.
والثاني: لإثباتِ صفةِ السِّحْرِ لَهُ (٢).
﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾: فيما قدّر معجباً بذلك نَظرةَ تفكّر.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾: قبضَ ما بين عينَيه تكرُّهاً في وجوه المؤمنين (٣).
وقيل: عبسَ حيث عجزَ عن القول فيهما.
﴿وَبَسَرَ (٢٢)﴾: إتباع ومبالغة.
وقيل: تضاحكَ متعجّباً.
وقيل: نفرَ.
وقيل: تكرَّه.
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾: تولَّى إلى قومه.
﴿وَاسْتَكْبَرَ (٢٣)﴾: تكبَّر عن الإيمان.
﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾: ما هذا.
﴿إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾: يُروى (٤).
أي: يرويه محمد عن جَبْرٍ (٥) ويَسارٍ (٦).
стр. 3434
وقيل: عن مُسَيلمة.
وقيل: عن أهل بابِل (١)(٢).
صاحب النظم: ﴿يُؤْثَرُ﴾ يُتعلم ,من قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: (٤)] (٣).
﴿إِنْ هَذَا﴾: ما هذا.
﴿إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾: كما قالوا: إنما يعلّمُه بشرٌ.
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾: سأدخله.
والإصلاء: إلزام موضع النار.
ابن بحر: "أجعله صلاء لسقر " (٤). أي: وقوداً.
و ﴿سَقَرَ﴾: اسم علم لجهنم.
وقيل: الدركُ الرابعُ منها. واشتقاقه من سقرته الشمسُ , أي أذابته.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)﴾: تفخيم لشأنها.
﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾: لا تبقي لحماً ولا تذرُ عظماً.
وقيل: لا تبقي لحماً ولا عظماً إلا أكلتهما (٥) , ولا تذرهم كذلك، بل يعادون خلقاً جديداً.
стр. 3435
وقيل: لا تبقي حيّاً ولا تذر ميّتاً. كقوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤]. وقيل: لا تبقي من يدخلها ولا تذر أحداً خُلقَ لها حتى تأخذَه (١)(٢).
وقيل: هذا مثل يضربُ لمن يأتي على كلّ شيء.
﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾: مسوِّدةً لها.
وقيل: مُحرقة لها ثُمَّ تعُود (٣).
وقيل: يأتي على كلَّ شيء إلا الفؤاد.
والبشر: جمع بشَرَة: وهي ظاهر الجلد.
الأخفش: " معطِشة للخلق (٤) من اللَّوح وهو: العطش " (٥).
وقيل: لوحة تلوح للخلق إذا رأوها وهي بعيدة.
والبشر على هذين القولين: الناس.
﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾: الجمهور: تسعة عشر ملكاً (٦).
وقيل: تسعة عشر صنفاً من الملائكة.
وقيل: تسعة عشر صنفاً منهم.
الهاء تعود (٧) إلى ﴿سَقَرَ﴾.
فلما نزلت هذه الآية , قال أبو جهل: زعم ابن أبي كبشة: أن خزنة النار تسعةَ عشر , وأنتم الدهماء أفيعجزُ (٨) كل عشرة منكم أن يأخذوا واحداً ثم يخرجون (٩) من النار؟! وقال: أبو