← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وقيل: معانداً. وقيل: جاحداً. وقيل: معرضاً, من قولهم: ناقة عنود: إذا نفرت (١) , وعَنَدَ العِرْق: إذا نفر (٢). ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾: سأحمله على شاقّ من العذاب (٣). والإرهاق: إعجال بعنف. وقيل: هو عقبة في النار يكلّف ارتقاؤها بضرب المقامع كلَّما وضع رجله ليرتقي ذابت ثم تعود. وقيل: المراد به الحملُ على الأمر الشديد. ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾: أجمع المفسرون على أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة , وذلك إنَّه جمع رؤساء مكة , فقال لهم: إن الموسم قد دنا , وقد فشا (٤) أمرُ هذا الرجل في الناس وهم سائلوكم (٥) عنه , فماذا تردون عليهم، قالوا: نقول إنَّه مجنون يخنقُ، فقال: يأتونه ويكلمونه فيجدونه صحيحاً عاقلاً فيكذبونكم. قالوا: نقول شاعرٌ , قال: وهم العرب وقد رأوْا الشعر وفيهمُ الشعراء , وقولُه لا يشبه الشعرَ فيكذبونكم. قالوا: نقول كاهن، قال: الكهنة لا يذكرون الله تعالى , ولا يقولون: إن شاءَ الله , وهو يقوله , وأنا والله سمعتُ منه كلاماً آنفاً ما هو من كلامِ الإنسِ، ولا هو (٦) من كلام الجن , وإن أسفلَه لمغدق وإن أعلاه لمثمر , وإن له الحلاوة وإن له لطلاوة , وإنه يعلو ولا يُعلى , ثم انصرفَ إلى منزله. فقالت قريش: صبأ الوليد , وكان يقال للوليد: ريحانة قريش.

стр. 3432

فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكمُوه (١) , فجاء حزيناً , فقال له (٢) الوليد: مالك يا ابن أخي؟ فقال: إنَّ قريشاً تزعمُ أنك قد صبأت لتصيب من فضول أصحاب محمد , وهم يجمعون لك مالاً تستعين به على حاجتك، قال: ويحك ما يشبع أصحاب محمد من الطعام , وإني لأكثر قريشٍ مالاً، ولكنّي فكّرت في أمر هذا الرجل فوجدته ساحراً , أمَا تعلمون أنه فرَّق بين فلان وفلانة زوجته , وبين فلان وأبيه، وبين فلان وأخيه، وفلان وابنه، وفلان ومواليه (٣)، فلا ينفعهم ولا يلتفت إليهم , قالوا: بلى، فأجمع رأيهم على أن يقولوا: هو (٤) ساحرٌ يفرّق بين الناس , وما يقوله سحر، فأنزل الله هذه الآيات: ... ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَجَدْتُ﴾ أي (٥) في شأن محمد ﷺ وما أتى به , وقدَّر ماذا يمكنه أن يقول فيهما (٦). ﴿فَقُتِلَ﴾: لُعنَ وعُذبَ وعُوقبَ (٧). ﴿كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾: استفهام على وجه التعجيب (٨). وقيل: على وجه (٩) الإنكار. وقوله: ﴿قُتِلَ﴾: هو أشد دعاء (١٠) لا يدعى به (١١) إلاّ على من لا بقيّة في أمره (١٢). والتكرار للتأكيد.

стр. 3433

[وقيل: أحدهما: لتقديره القول في محمد ﷺ . والثاني: لتقديره القول في القرآن] (١). وقيل: أحدهما: لنفيه عنه الجنون والكهانة والشعر لا على وجه قُصِدَ به الإيمان. والثاني: لإثباتِ صفةِ السِّحْرِ لَهُ (٢). ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾: فيما قدّر معجباً بذلك نَظرةَ تفكّر. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾: قبضَ ما بين عينَيه تكرُّهاً في وجوه المؤمنين (٣). وقيل: عبسَ حيث عجزَ عن القول فيهما. ﴿وَبَسَرَ (٢٢)﴾: إتباع ومبالغة. وقيل: تضاحكَ متعجّباً. وقيل: نفرَ. وقيل: تكرَّه. ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾: تولَّى إلى قومه. ﴿وَاسْتَكْبَرَ (٢٣)﴾: تكبَّر عن الإيمان. ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾: ما هذا. ﴿إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾: يُروى (٤). أي: يرويه محمد عن جَبْرٍ (٥) ويَسارٍ (٦).

стр. 3434

وقيل: عن مُسَيلمة. وقيل: عن أهل بابِل (١) (٢). صاحب النظم: ﴿يُؤْثَرُ﴾ يُتعلم ,من قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: (٤)] (٣). ﴿إِنْ هَذَا﴾: ما هذا. ﴿إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾: كما قالوا: إنما يعلّمُه بشرٌ. ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾: سأدخله. والإصلاء: إلزام موضع النار. ابن بحر: "أجعله صلاء لسقر " (٤). أي: وقوداً. و ﴿سَقَرَ﴾: اسم علم لجهنم. وقيل: الدركُ الرابعُ منها. واشتقاقه من سقرته الشمسُ , أي أذابته. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)﴾: تفخيم لشأنها. ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾: لا تبقي لحماً ولا تذرُ عظماً. وقيل: لا تبقي لحماً ولا عظماً إلا أكلتهما (٥) , ولا تذرهم كذلك، بل يعادون خلقاً جديداً.

стр. 3435

وقيل: لا تبقي حيّاً ولا تذر ميّتاً. كقوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤]. وقيل: لا تبقي من يدخلها ولا تذر أحداً خُلقَ لها حتى تأخذَه (١) (٢). وقيل: هذا مثل يضربُ لمن يأتي على كلّ شيء. ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾: مسوِّدةً لها. وقيل: مُحرقة لها ثُمَّ تعُود (٣). وقيل: يأتي على كلَّ شيء إلا الفؤاد. والبشر: جمع بشَرَة: وهي ظاهر الجلد. الأخفش: " معطِشة للخلق (٤) من اللَّوح وهو: العطش " (٥). وقيل: لوحة تلوح للخلق إذا رأوها وهي بعيدة. والبشر على هذين القولين: الناس. ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾: الجمهور: تسعة عشر ملكاً (٦). وقيل: تسعة عشر صنفاً من الملائكة. وقيل: تسعة عشر صنفاً منهم. الهاء تعود (٧) إلى ﴿سَقَرَ﴾. فلما نزلت هذه الآية , قال أبو جهل: زعم ابن أبي كبشة: أن خزنة النار تسعةَ عشر , وأنتم الدهماء أفيعجزُ (٨) كل عشرة منكم أن يأخذوا واحداً ثم يخرجون (٩) من النار؟! وقال: أبو

стр. 3436

الأشدين كلدة بن الأسيد (١) - وكان يوصف بالقوة -: أنا أكفيكم سبعةَ عشر منهم فاكفوني اثنين، فأنزل الله - تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ ... (٢). ﴿أَصْحَابَ النَّارِ﴾ ها هنا: الخزنة لا أهلها. وقيل: تقديره وما جعلنا خزنة أصحاب النار، فحذف المضاف , وهذا في المعنى كقوله: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦] فمن ذا الذي يغلب الملائكة , والواحد منهم يأخذ أرواح جميع الخلق , وللواحد منهم قوة الثقلين. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾: عددهم (٣) في القلة. ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بليَّة عليهم وضلالاً حتى قالوا فيهم ما قالوا. وقيل: محنةً ليظهر ما يقول كل واحدٍ (٤) منهم ويعتقدُه. ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: ليوقنوا أنَّ عددُهم تسعة عشر إذا وافق ما في كتبهم. وقيل: ليتيقَّنوا أن محمداً ﷺ نبي صادق حين أخبرهم بما يوافقُ كتبهم، وهو أُمِّيٌّ لا يكتب ولا يقرأ من الكتاب. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بإيمانهم بهذا ﴿إِيمَانًا﴾ أي (٥): يقيناً. ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: هذا توكيد الاستيقان (٦) والزيادة في الإيمان. ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: شَكٌّ. وقيل: نفاق (٧). والأوّل أظهر في هذه الآية (٨). ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: ليس في الآية مثل , ولكنهم استغربوا هذا العدد , فقالوا: العلة مثل مضروب , واللام لام كي. وقيل: لام العاقبة. وفي تخصيص (٩) خزنة النار بهذا العدد أقول: كلها ضعاف , لكني حكيت لك لأنها لا تخلو من فائدة: أحدها (١٠): أن جهنم أطباق سبعة , مالك خازن (١١) النار في الطبقة الأولى , وفيها المذنبون من المؤمنين فيرفق بهم إلى أن يخلصهم الله منها , ثم في كل طبقة منها ثلاثة منهم يعذبون أهلها بأنواع العذاب , ومجموعهم تسعة عشر. الثاني: ... ﴿الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ﴾ سبعة عشر حرفاً , عدد الزبانية تسعة عشر ملكاً , فيدفع المؤمن بكل حرفٍ منها واحداً منهم وقد سبقت رحمته غضبه.

стр. 3437

والثالث: حفظ الله - تعالى- نظام الملك (١) باثني عشر برجاً وسبع سيَّارات ومجموعها تسعة عشر , كذلك حفظ نظام جهنم بمثل هذا العدد ملائكة. والرابع: أن ساعات الليل والنهار أربع وعشرون ساعة خمس منها جعلت للصلوات الخمس وبقيت تسعة عشر ساعة , فمن ضيعها عذب بتسعة عشر ملكاً في النار ومن حفظها ... بذكر الله - تعالى - ذَبَّتْ كُلُّ ساعةٍ منه (٢) مَلَكَاً منهم (٣). الخامس: جعل الله - تعالى - أوتاد الأرض - وهي الجبال - تسعة عشر جبلاً ,كذلك جعل أوتاد النار تسعة عشر ملكاً , وزعم هذا القائل: أن جبال الأرض تسعة عشر والباقي يتشعب عنها , وقد عدت جبال الأرض المتشعّبة عنها فبلغت مائة وتسعين جبلاً. السادس (٤): الأعداد على وجهين قليل وكثير , وحَدُّ القليل من الواحد إلى التسعة وهي آخر الآحاد , وحَدُّ الكثير من العشرة إلى مالا نهاية له , فجمع بين نهاية القليل وبداية ... الكثير , فصار (٥) تسعة عشر. السابع (٦): أنَّ هذا السؤال ساقط؛ لأنه لا عدد إلاّ ويتجه عليه هذا السؤال , فصار دوراً وسؤال الدور ساقط (٧). والله أعلم. ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: كافتراقهم عند هذا الامتحان يفرّق بينهم بالإضلال والعذاب، والهداية والثواب. وقيل: كافتتان أقوالهم في الخزنة , وإصابة البعض وإخطاء البعض يضل الله من يشاء، عن الصواب ويهدي من يشاء إليه. وقيل: يعود إلى تعذيب العنيد (٨) في سقر , أي: كذلك يعذب من يشاء من الضالين , ويهدي من يشاء من المؤمنين.

стр. 3438

﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾: أي: جموع ملائكة ربك. وقيل: لا يعلم جميع الخلائق كَنههم وكيفيتهم وكميتهم إلا الله. ﴿وَمَا هِيَ﴾: أي: ﴿سَقَرَ﴾. وقيل: نار الدنيا. وقيل: عدّة الخزنة. وقيل: السورة. وقيل: الجنود أي: الجنود. ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾: ليس إن الله - تعالى - محتاج إلى ناصر ومعين - تعالى - عن ذلك. ﴿كَلَّا﴾: رَدْعٌ لمن زعم أن جنوده لحاجته إليهم. وقيل: ردع لمن زعم أنه يكفي أمر الخزنة , فيخرج منها , وهو أبو جهل , وأبو الأشدّ بن كلدة (١). وقيل: ردع للوليد عائد إلى أوّل الكلام. وقيل: معناه حَقَّاً. وقيل: ﴿إِلَّا﴾ للتنبيه. ﴿وَالْقَمَرِ (٣٢)﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾: جاء بعد النهار. و ﴿أَدْبَرَ﴾: ذهب، وقيل: جاء. وقيل: هما لغتان. وقيل: دَبَر: انقضى , وأدبرَ: ولى (٢).

стр. 3439

﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾: أضاءَ. ﴿إِنَّهَا﴾: إنّ ﴿سَقَرَ﴾. ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾: والكُبر العظائم , واحدتها الكبرى , وهي جماعة أطباق نار جهنم , ثم لظى , ثم الحُطمة , ثم السَّعير , ثم سقر , ثم الجحيم , ثم هاوية (١). وقيل (٢): كناية عن جهنم. وقيل: عن النار (٣). وقيل: عن آيات القرآن. وقيل: كناية عن الذكرى (٤). الحسن: " إن تكذيبهم محمداً ﷺ من الكبائر " (٥) (٦). ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾: منذراً. وقيل: مصدراً كنكير وعذير , وهو حال عن " إحدى الكبر ", أو عن "الكبرى " (٧) , والعامل (٨) فيه معنى التفرد أو الكبر. وقيل: حال عن النبي ﷺ أي: قم منذراً. وقيل: عن القرآن. وقيل: عن الله سبحانه. ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾: بالطاعة ﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾: بالمعصية (٩).

стр. 3440

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾: أي: عند الحساب , مرهونة بعملها إمّا يخلصها, وإما يُوبقُها (١) (٢). ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾: قيل: هم الأطفال (٣). وقيل: هم (٤) الملائكة. وقيل: أصحاب الجنة. وقيل: الميامين على أنفسهم (٥). ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾: عن الكفّار. وقيل: عن كلِّ من في النار. ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾: أدخلكم ﴿فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾: قيل: لم نعتقد وجوبها وفرضها. ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾: لم نأته , ولم نأمره (٦). ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾: نكذب مع المكذبين. وقيل: ما غوى غاوٍ إلاّ وغوينا (٧) معه. وقيل: هو قولهم: محمد ساحر , أو شاعر , أو مجنون (٨) (٩).

стр. 3441

﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾: القيامة. ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾: الموت. وقيل: البعث. وقيل: أصحاب النار يومئذ أربعة أصناف، وكل واحد من هذه الأربعة كلام صنف منهم. ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾: أي ليس لهم من الملائكة والناس شفيع. ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾: عن القرآن (١). ﴿مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾: مولِّين. ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾: جمع حمار (٢). ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠)﴾: بالكسر نافِرة , يقوّيه قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾: و ﴿مُسْتَنْفَرَةٌ﴾ بالفتح محمولة على النَّفار , أو موجودة (٣) نافرة (٤). ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾: الأسد مشتق من قسره: أي قهره. وقيل: الرِّجال القنَّاصون الرُّماة (٥). ابن عباس: "﵄: رَكزُ النّاس , أي: صوتهم وحسَّهم " (٦). وقيل: سواد الليل (٧).

стр. 3442

﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾: وهو قولهم (١): إن أحببت يا محمد أن نَتَّبَعَكَ فأتنا بكتب من الله فيها من الله إلى فلان بن فلان أن اتبع ... محمداً (٢). وقيل: كان من أذنب من بني إسرائيل ذنباً (٣) وجد ذنبه مكتوباً على بابه في غدٍ , فسألوا مثله لهم (٤). وقيل: سألوا براءة من النار. ﴿كَلَّا﴾: ردع وزجر (٥) عن اقتراح الكتب. وقيل: إعلام إنّهم لا يؤمنون وإن جاءهم الكتاب , كقوله: ﴿* وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ [الأنعام: ١١١]. وقيل: قَسَمٌ. ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ (٥٣)﴾: لا يَقدرُون وقوعها وكونها. ﴿كَلَّا﴾: ردع وقسمٌ. ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ القرآن ﴿تَذْكِرَةٌ (٥٤)﴾: تذكير للخلق. ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥)﴾: إذ يسره للخلق. ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾: أي: لا يؤمنون.

стр. 3443

﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: إلا بمشيئة الله وإرادته. ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾: أهل أن يُتقَى معصيته. ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾: أهل أن يغفر للمتقي. وقيل: هو أهل الانتقام وأهل الإنعام.

стр. 3444

سورة القيامة (١) تسع وثلاثون آية (٢) (٣) مكية (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾: فيه، وفي أمثاله خمسة أقوال: أحدهما: وهو قول الجمهور: أن لا صلة , كقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] (٥). الثاني: المبرد: لا تأكيد للقسم , وأنشد: فلا وأبيك ابنةَ (٦) العامري ... لا يدَّعي القومُ أنّي أَفِرّ (٧) (٨) الثالث: الفرَّاء: " لا ردّ لإنكارِ المشركين البعث " (٩). الرابع: أصله: (لأ قسم) اعتباراً بقراءة ابن كثير (١٠) (١١) , ثم أُشبعَ فظهرَ من الإشباع ... ألفٌ , وهذا اللام يصحبُه (١٢) نون التأكيد في الأغلب , وقد يفارقه (١٣).

стр. 3445

الخامس: لا نفي للإقسام؛ لأنَّ الناسَ يؤكدون (١) بنفي القسم كما يؤكدونها بالقسم , فإن ذكر ترك القسم يقومُ مقامَ القسم (٢). ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾: الجمهور: على أنّه سبحانهُ أقسمَ بها (٣). والحسن: " ذهب إلى أنه أقسمَ بيوم القيامة (٤)، ولم يقسم بالنفس اللوامة " (٥). وذهب بعضهم: إلى أن التقدير في هذا وأخواتُه (لا أقسم بيوم القيامة بل أقسم برب القيامة). وهذا بعيدٌ ضعيفُ غير مطرد, لقوله (٦): ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] وأمثاله (٧). ومعنى: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾ ما روي عن النبي ﷺ وهو أنه قال: ((ليس من نفسٍ بَرّةٍ ولا فاجرة إلاّ وتلومُ نفسها يومَ القيامة , إن عملتْ خيراً , قالت: كيف لم أزدد. وإنّ عملتْ شراً قالت: ليتني كنتُ قصّرت)) (٨).

стр. 3446

ابن عباس ﵄: اللوامة: المذمومة " (١). قتادة: "الفاجرة " (٢). وقيل: يريد: تلومُ نفسها (٣) في أمور الدنيا وغيرها. والزمان فهو: صفةُ ذمٍ , ومن جعل تقديرُه: تلومُ على اكتساب السيئات والتقصير في الخيرات , فهو: صفةُ مدحٍ (٤). ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾: يعني الكافر (٥). ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾: خصَّ العظامَ بالذكر , كقوله: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. والآيةُ نزلت في عدي بن ربيعة (٦) خَتَنُ (٧) الأخنس بن شريق حين أتى النبي ﷺ فقال: حدثني عن يومِ القيامة متى تكونُ؟ وكيفَ أمرها وحالها؟ فأخبره بذلك. فقال: (٨) لو عاينتُ ذلكَ اليوم لم أصدقكَ ولم أؤمن به أويجمعُ الله هذه العظام)) , فأنزل الله هذه ... الآية (٩). ثم قال: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾: معناه عند أكثرهم: نجعلها كَخُفِّ البعير أو حافر الفرس (١٠).

стр. 3447

الفَرَّاء: " نعيد أصغر العظام إلى ما كان " (١). الزَّجَّاج: " نسوي بنانه الخمس فنجعلها كلها كالوسطى والخنصر والإبهام فلا ينتفع ... بها " (٢). و ﴿قَادِرِينَ﴾: حال والعامل فيه نجمع أو نقدر. وما ذكرَهُ الفرّاء القائل (٣) من قوله: " فليحسبنا قادرين " ضعيف؛ لأن المأمورَ في حقِّ الله - تعالى - العلمُ دون الحسبان , أو يحملُ (٤) على ازدواج اللفظ , وهذا (٥) أبعد لأنه ليس بملفوظ (٦). ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾: ابن عباس ﵄: الكافرُ (٧) يكذَّب بالقيامة " (٨). المبرد: " يسوِّفُ التوبة ويركبُ المعاصي " (٩). أبو علي: " يعزمُ على المعصية في أوقاتٍ لعله لا يبلغُها " (١٠). وقيل: يقدِّم ذنبه ويؤخِّر توبته (١١). الحسن: " يمضي في معاصي الله قُدماً قُدماً لا ينزعُ عنها " (١٢).

стр. 3448

﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾: متى يكونُ (١) , استبعاداً واستهزاءً. ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)﴾: ﴿بَرِقَ﴾ بالكسر: فرغَ (٢) , وبالفتح: شخصَ. وقيل: هما بمعنى حارَ , أي: تحيَّر (٣). ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾: ذهب ضوؤهُ (٤). ابن كيسان: " غابَ , من قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ [القصص: ٨١] " (٥). ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾: أي: جُمعا في ذهاب ضوئِهما (٦) (٧). وقيل: يجمعان كالثورين العقيرين فيلقيان في النَّار (٨). وقيل: يدركُ أحدهما الآخرَ بخلاف الدنيا , لقوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾، [يس: ٤٠] (٩). مجاهد: "معناه: يكوران " (١٠)، من قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، [التكوير: ١] ". وذَّكر الشمس حملاً على النور. وقيل: لعطفِ (١١) القمر عليه , ويحتملُ إنَّه عطفَ فحملَ على المعنى , أي: فجمع القمران, وكرر ذكر القمر؛ لأن الخبر عنه مختلف (١٢) (١٣).

стр. 3449

وقيل: القمرُ الأوّل بياضُ العين (١). وفيه بعد. ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ اسم الجنس يَوْمَئِذٍ ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾ قيل: عن الله استحياءً منه. وقيل: عن جهنَّم (٢). و ﴿الْمَفَرُّ﴾ المصدر. و" المَفِر " بالكسر: المكان, و" المِفَر ": الجادّ (٣). وهما في القراءةِ من الشَّواذ (٤). ﴿كَلَّا﴾: ردعٌ عن تمنِّي الفرار (٥). ﴿لَا وَزَرَ (١١)﴾: لا حرزَ لهم. والوزر: ما لجأ إليه الإنسان من ملجأ أو منجى أو جبل (٦) (٧) قال الشاعرُ (٨): لعمرُكَ ما للفتى من وَزَرْ ... من الموتِ يلجئُهُ والكبَرْ (٩)

стр. 3450

﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾: المنتهى , إذا جعلتَهُ مصدراً , وإن جعلتَهُ مكاناً: فالجنَّة أو النار, أي: لا ينزل أحدٌ منزله إلَاّ الله (١). ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾: ابن عباس ﵄: " ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ من خيرٍ وشرٍ. ﴿وَأَمَّا﴾ سنَّ سنَّةً فيعُملَ بها بعده " (٢). عكرمة (٣): " ما قدَّم فعمل , وما أخر فلم يعمل به " (٤). مجاهد: " بأوَّل عمله آخره " (٥). وقيل: ما قدم لدنياه وأخر لآخرته (٦). وهو مسؤول عن الجميع؛ لأنَّ اللفظ عام (٧). ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾: عالمٌ بعمله شاهدٌ عليه. فالهاءُ دخلت للمبالغة كالعلامة (٨). وقيل: عينٌ بصيرةٌ , فحذف الموصوف. وقيل: ذو بصيرةٍ , فحذف المضاف.

стр. 3451

وقيل: البصيرة: رفعَ بالابتداء , وخبُرهُ عَلَى ﴿نَفْسِهِ﴾ تقدم عليه , والجملة خبر المبتدأ الأوَّل كما تقول: زيد على رأسه عمامة , والبصيرة على هذا الوجه: الملكُ الموكلُ عليه أو جوارحُهُ (١). وقيل: ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ علامة ودلالة , من قول الشاعر: راحوا بصائرُهم على أكتافِهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأي (٢) (٣) (٤) ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾: المعاذير: جمعُ معذار , وهو: العذر , أي: لو تكلمَ بعذره وجادلَ وأعتذرَ , وعذرَه قوله: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾، [الأحزاب: ٦٧] الآية (٥). ابن عيسى: " المعاذير: (٦) ذكرُ موانع تقطعُ عن الفعل المطلوب " (٧). الضحاك: " ﴿أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: أرخى ستورَه " (٨). والمعذار: السِّتر (٩). قال الشاعر: ولكنَّها ضنَّتْ بمنزلِ ساعةٍ ... علينا وأطَّت فوقها بالمعاذرِ (١٠)

стр. 3452

ابن عباس ﵄: ﴿أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: " تجردَ عن ثيابه" (١). وقيل: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ سكتَ عنها لم تنفعه " (٢). ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾: هذا اعتراضٌ بينَ قوله: ﴿أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ وبينَ قوله (٣): ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ , وذلكَ أنَّ النبيّ ﷺ كانَ إذا أتاهُ الوحي تلاهُ قبل فراغِ جبريل ﵇ مخافةَ أن ينفلتَ منه شيءٌ , فأنزل ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ , أي: بالقرآن ﴿لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ لتحفظَهُ مستعجلاً (٤). وقيل: كانَ النبي ﷺ يكثرُ قراءةَ القرآن مخافةَ النسيان فأنزلَ الله هذه الآية (٥). والأوَّل أظهر. وقال بعضهم: هذا يقوي قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمّل: ٤] ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا﴾ جَمْعَهُ: أي: أن نجمعَهُ في صدركَ. ﴿وَقُرْآَنَهُ (١٧)﴾: وأن نقرأَهُ عليكَ حتى يمكنكَ تلاوتَهُ (٦).

стр. 3453

قتادة: " علينا تأليفُه على ما نزلَ عليك " (١). ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (١٨)﴾: ابن عباس ﵄: إذا أنزلنَاه ... ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ "﴾ (٢) (٣). قتادة: " إذا تليَ عليكَ فاتَّبع أحكامَهُ " (٤). الحسن: " إن علينا أن نجزيَ به يومَ القيامة على ما قلنا في الدنيا من الوعدِ والوعيد " (٥). يريد (٦) بيان ما يتضمنه من الأخبار عما كانَ وسيكونُ , كقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، [ص: ٨٨]. وقيل: هذا خطابٌ للعبدِ يومَ القيامة , والهاء يعودُ إلى كتاب العبد , أي: لا تعجل فإنَّ علينا أن نجمعَ أفعالكَ في صحيفتكَ , وقد فُعل , وعلينا أن نقرأَ كتابكَ (٧) عليك , ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ﴾ هل غادر شيئاً , أو أحتوى على زيادة. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾: إظهارُ الجزاء عليه. ﴿كَلَّا﴾: أي: لا تنسى القرآن. وقيل: يعودُ إلى إنكاره للبعث. وقيل: افتتاحُ كلامٍ (٨). ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠)﴾: الدنيا وشهواتَها ﴿وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (٢١)﴾: الدارَ الآخرة ونعيمَها. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾: حسنةٌ متهللةٌ فيها أثرُ النعمةِ والحبورِ (٩). ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾: الجمهور: على أنَّ المرادَ به: رؤيةُ الله تعالى (١٠). وقيل: هو بمعنى الانتظار (١١). وهو بعيد من وجهين: أحدهما: إنَّ ﴿إِلَى﴾ لا يستعمل مع النظر إذا كان معناه الانتظار, كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، [الحديد: ١٣]. والثاني: أنَّ الانتظار لا يضاف إلى الوجه. وقول: من جعل ﴿إِلَى﴾ واحدُ الآلاء: إلغاز. وكلام الله (١٢) منَزّه عن ذلك (١٣) (١٤).

стр. 3454

﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾: مقطبةٌ كريهةٌ (١). ﴿تَظُنُّ﴾: توقنُ (٢) , أي: أصحابَ الوجوه. ﴿أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾: نازلٌ بها أشدُ العذاب , والفاقرة: الداهية الكاسرة لفقار الظهر (٣). الأخفش: " الفاقرة: من السَّمة التي تفقرُ الأنفَ , أي: تجزُّ فِيه " (٤). يقال: فقر يفقِر ويفقُر" (٥) (٦). ﴿كَلَّا﴾: افتتاح. ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾: أي: بلغت الروحُ , كنَّى عنها ولم يتقدم ذكرُها؛ لأن الآية تدلُ عليها. و ﴿التَّرَاقِيَ﴾: جمع ترقوة وهي: العظمُ المشرف على الصدر وهما تَرْقُوتان (٧). ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾: هذا قولُ من يحضرهُ , أي: هل طبيبٌ يداويه , أو هل راقٍ يرقى فيشفى برؤيته (٨). وقيل: هذا من كلام المحتضر (٩).

стр. 3455

وقيل: إنه من كلام الملائكة , أي: (١) ملائكة الرحمة يؤمرون برقي روحه , أم ملائكة العذاب. وهذا قول ابن عباس ﵄ (٢). وقيل: هذا على الإياس , أي: من هذه الحالة حالهُ (٣). ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨)﴾: أيقنَ أنَّ الذي نزلَ به الفراقُ من الدنيا والأهلِ والمالِ (٤). ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾: ﴿الْتَقَى﴾: التصقت (٥). وأكثر المفسرين على أن المراد بـ ﴿السَّاقُ﴾: الشدَّة. والتفاف ﴿السَّاقُ﴾ نهاية الدنيا ﴿بِالسَّاقِ﴾ ببداية الآخرة (٦). الحسن: " أي ماتت ساقاه فلم تحملاه (٧) إلى شيء , وكان عليهما جَوَّالاً (٨) " (٩). وقيل: كثرتْ عليه الشدائد (١٠). وقيل: لُفَّت ساقاه في الكفن (١١). السُّدي: " أراد يبسها (١٢) عند الموت " (١٣).

стр. 3456

﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾: هو مصدر ساقه , والمعنى: يسوقُ كاتبُ السيئات صاحبه إلى حكمِ الله في القيامة , ويشهدُ عليه كاتبُ الحسنات. وقيل: مساقُ العباد إلى حيثُ أمر الله , إما إلى جنَّةٍ وإما إلى نار , وإما إلى عليين وإما إلى سجين (١). ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾: الجمهور على أنَّها نزلت في أبي جهل (٢). وقيل: راجع إلى السائل ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ (٣). ﴿لَا﴾ بمعنى لم , أي لم يصدق بكتاب الله ولا بنبيه ﷺ ﴿وَلَا صَلَّى﴾ لله عبادة (٤). وحسَّنَ دخول ﴿لَا﴾ على الماضي تكراره , كما تقول: لا قام ولا قعد (٥). عن الحسن (٦): "لم يتصدق ولم يصلِّ " (٧). وقيل: صلَّى , من قول الشاعر:

стр. 3457

. . . . . . . . . . . . . ... تلقَ السوابقُ منَّا والمصلِّينا (١) والمعنى: لم يتبع الرسول (٢). ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾: نبيَ الله وكتابَه (٣). ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾: يتبختر , وأصلُه: يتمطط , قلبَ الأخير لاجتماع ثلاثة أحرف متماثلة ياءً , وهذا بابٌ واسع. وقيل: هو من المطا وهو الظهر (٤) أي: حرَّكَ مطاهُ في مشيته (٥). ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾: العربُ تستعملُ هذه اللفظة للتهديد والوعيد , كما في الآية. وقد يستعملُ للتعجب (٦). واختلفَ في وزنه: فذهبَ بعضهم إلى أنَّه فَعَلَ , أي: أولاك عملك أو الزبانية المكروه , واللام زيادة , كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾، [النمل: ٧٢] , وكذلك الثاني , لكنه حذف ﴿لَكَ﴾؛ لأنَّ الأوَّل يدلُ عليه. وقال بعضهم: هو اسم , ووزنه أفعل , وهو معرفة , والمعنى: الذمُّ أولى لك من تركه , فهو خبر المبتدأ. وقيل: هو الذمُّ , أي: الذمُّ لكَ , فيكونُ مبتدأً و ﴿لَكَ﴾ خبره , وحذف من الثاني. وقال بعضهم: هو أفعل من الويل بعد القلب , كما قيل في أدنى أنَّه أفعل من لفظ دون. وقيل: هو فعلى من آلَ يؤل , أي: عقباكَ النَّار. وقول الزَّجَّاج: "معناهُ وليكَ المكروه " (٧). وهو القول الأوّل , والتكرار للتأكيد.

стр. 3458

وقيل: ﴿أَوْلَى لَكَ﴾ الموت ﴿فَأَوْلَى﴾ لك العذاب في القبر , ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ﴾ هول القيامة ﴿فَأَوْلَى﴾ لك عذابُ النار على الدوام (١). ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾: ﴿أَيَحْسَبُ﴾ الكافرُ أن يتركَ مهملاً لا يؤمرُ ولا ينهى ولا يجازى بعمله (٢). وقيل: أن لا يبعث (٣). الحسن: " ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ سرمداً في الدنيا دائماً لا يموت " (٤). ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ (٥): النطفة. والمني: ماءُ الرجل , ﴿يُمْنَى﴾: يصبُ في الرحم. والمنيّ: مشتقٌ من المنى , وهو القدر (٦) (٧). ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾: أي: صارَ المني قطعة دم جامدٍ بعد أربعين يوماً. ﴿فَخَلَقَ﴾: أي فقدَّرَه الله - تعالى -. ﴿فَسَوَّى (٣٨)﴾: فسوَّاه إنساناً. ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾: أي: من هذا الإنسان. وقيل: منه يعود إلى المني (٨). ﴿الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾: أي: خلقَ منه أولاداً ذكوراً وإناثاً. ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾: أي: من قدرَ على إيجادِه بهذه الصفة ابتداءً , يقدرُ على إعادتِه , إذ ليس إعادتَه بأصعب من ابتدائه. وروي مرفوعاً أن النبي ﷺ كان إذا قرأَ هذه الآية قال: ((سبحانكَ اللهم بلى)) (٩).

стр. 3459

سورة الإنسان (١) إحدى وثلاثون آية (٢) (٣) مدنية (٤). وقيل: مكية (٥). وقيل: مكية إلى قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ﴾ , والباقي مدني (٦) (٧). ويقال لها: سورة الدَّهر أيضاً (٨). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾: هذا استفهام تقرير , والمعنى: ألم يأتي (٩).

стр. 3460

وقيل: ﴿هَلْ﴾ هاهنا بمعنى: قد (١). و ﴿الْإِنْسَانِ﴾: آدم ﵇ (٢). والحين في الآية: زمان محدود وهو أربعون سنة. قال ابن مسعود ﵁: " خلق الله آدم ﵇ من تراب فقام أربعين سنة , ثم من طين (٣) أربعين سنة , ثم من (٤) صلصال , ثم من حمأ مسنون أربعين سنة , ثم خلقه بعد ستين ومائة سنة " (٥). ولو لم يكن محدوداً لما قال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. وقيل: هو غير محدود. وقوله: ﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ أتى عليه في علم الله ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾. [وقيل: لم يكن شيئاً أصلاً. وقيل: كان ولم يكن مذكوراً] (٦). وقيل: الإنسان بنو آدم. والحين: مدة لبثه في بطن أمه تسعة أشهر , إلى أن صار شيئاً مذكوراً (٧). أو يحتمل ﴿أنَّ الْإِنْسَانِ﴾ عام (٨).

стр. 3461

﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾: زمان فترة الرسل بعد عيسى ﵇ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ أي: لم يذكروا بوحي , ولم يُبعث (١) إليهم رسول في تلك المدة (٢) والله أعلم. و ﴿الدَّهْرِ﴾: أعمُّ من الحين , فإنَّ الحين (٣) جزءاً منه (٤) (٥). الحسن: " خَلَق أصول الأشياء في الأيام الستة , ثم خَلَق آدم ﵇ فكان غير مذكور في جملة المخلوقات (٦) " (٧). وقيل: آخر شيء خلقه الله آدم ﵇ (٨). ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: بني آدم (٩). ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: من (١٠) مَنيّ. ﴿أَمْشَاجٍ﴾: أخلاط , واحدها مشج. وقيل: مشيج (١١). وقيل: مَشَجَ بفتحتين مشتق من مشجت الشيء (١٢) أي: خلطته، والمراد بها ماء الرجل وماء المرأة.

стр. 3462

وقيل: لأنها تنتقل (١) أحوالاً: نطفةً , ثم علقةً , إلى آخر تمام الخلق. وقيل: لاختلاف ألوانها؛ لأن ماء الرجل أبيض , وماء المرأة أخضر , ثم يخضرَّان (٢). وقيل: ماء المرأة أصفر. وقيل: الأمشاج العروق التي ترى في النطفة (٣). ابن عيسى: " الأمشاج: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ولهذا جُمِع " (٤). وقيل: إنما جُمِعَ كقولهم: بُرْمَةُ أَعشارٍ (٥) وثَوْبُ أَسْمال (٦) (٧). ﴿نَبْتَلِيهِ﴾: نختبره بالتكليف , وهو حال , أي: خلقناه مبتلين , ويحتمل أن يكون حالاً من ﴿الْإِنْسَانِ﴾ , أي: خلقناه مبتلىً. وقيل: لنبتليه , فحذف اللام وسكن الياء , والمعنى: عليه. ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف , أي: نحن نبتليه. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾: هو السمع والبصر الظاهران. وقيل: العقل (٨).

стр. 3463

قال الفَرَّاء (١) " فيه تقديم وتأخير , أي جعلناه سميعاً بصيراً [لنيتليه " (٢). وزيَّفه بعضهم فقال: أرادة التكليف أوجبت كونه سميعاً بصيراً] (٣) (٤). ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾: سبيل الخير والشر. وقيل: نصبنا الأدلة. وقيل: سبيل المعاش. وقيل: سبيل (٥) خروجه من الرَّحم (٦). ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾: أي هديناه شاكراً أوكفوراً , فهما حالان من الهاء. ﴿وإِمَّا﴾ يأتي للجزاء , أي: شكراً أو كفراً (٧) فقد هديناه , ويأتي للتخيير , أي: فليختر إمَّا هذا وإما ذاك، فقد هُديَ للسبيل (٨) (٩). ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾: الإعتاد والإعداد في اللغة: تحصيل الشيء لوقت الحاجة إليه (١٠). ﴿سَلَاسِلَ﴾: جمع سلسلة , الواحد منها سبعون ذراعاً. ﴿وَأَغْلَالًا﴾: جمع غُل , وهو: القيد الذي يجمع اليمين والعنق (١١). ﴿وَسَعِيرًا (٤)﴾: ناراً موقدة (١٢). ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾: جمع بار (١٣). ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾: خمر. وقيل: هي إناء فيه خمر يأخذونها كأساً (١٤) ويردونها إناء (١٥). (١٦) ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾: ما يمزج بها. ﴿كَافُورًا (٥)﴾: قيل: هو اسم ماء. وقيل: يمزج بالكافور (١٧)؛ لبرده وعذوبته وطيب عرفه. وقيل: يخلط برائحة الكافور (١٨). ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾: أي: يروى , والعين: ينبوع الماء , ويستعمل للماء. ونصبه يجوز أن يكون بدلاً من الكافور , إذا جعلته اسم ماء أو صفة للكأس على المحل , ويجوز أن ينتصب بيشربون. ويجوز أن يكون حالا من ضمير الكأس , ويجوز أن ينتصب على المدح (١٩). وقوله: ﴿بِهَا﴾ الباء زيادة، أي يشربها (٢٠).

стр. 3464

وقيل: بمعنى من , أي: يشرب منها. وقيل: بمعنى في , أي: يشرب في ذلك الموضع , كما تقول: شربتُ ببغداد , قال: شربت بماء الدحرضين (١) فأصبحت (٢). . . . . . . . . . . . . . . . . . ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾: يفتحونها إليهم ويجرونها حيث يريدون. وقيل: يفجرونها في الكأس (٣). ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾: أي: يوفون بنذورهم التي نذروها في طاعة الله. والنَّذر: وعد بطاعة مؤكد بعقد. وقيل: النَّذر: هو الوفاء بما ألزم الله تعالى من العبادات (٤). ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ﴾: شدائده. ﴿مُسْتَطِيرًا (٧)﴾: فاشياً ممتداً بالغاً أقصى المبالغ , من قولهم: استطار الفجر , واستطار النار (٥) (٦). قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾: أي: على حب الطعام وعزته. وقيل: هو على حب الإطعام.

стр. 3465

وقيل: على حب الله , فيكون المصدر مضافاً إلى المفعول (١). ويحتمل: على حب الله الإطعام؛ فيكون المصدر مضافاً إلى الفاعل (٢) (٣). ﴿مِسْكِينًا﴾: هو: الذي ضم إلى فقره الذلة , وانقطاع المعونة (٤). ﴿وَيَتِيمًا﴾: هو الذي فقد أباه قبل الحلم إلى الحلم (٥). ﴿وَأَسِيرًا (٨)﴾: يريد: أسرى (٦) الكفار والمؤمنين. وقيل: العبيد والإماء (٧). ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾: أي: يضمرون هذه الآيات في أنفسهم , وليس المعنى أنهم تكلموا بها. قوله: ﴿لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ أي: لطلب ثوابه (٨). المفضل: " الوجه: القصد إلى الشيء والعمل فيه " (٩). ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً﴾: مكافأة. ﴿وَلَا شُكُورًا (٩)﴾: ولا أن (١٠) يثنى به علينا. وهو مصدر شكر، وقيل: جمع شكر , أي: شكراً بعد شكر (١١).

стр. 3466

﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا﴾: عذاب يوم. ﴿عَبُوسًا﴾: تعبس (١) فيه الوجوه. وقيل: ضيقا كريهاً (٢). ﴿قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾: أشد ما يكون من الأيام وأطولها , وكذلك قماطر , أي: شرُّه ملتف. وأصله من قول العرب: أقمطرت الناقة: إذا رفعت ذنبها، وجمعت بين طرفي ذنبها. وقيل: كلاهما من صفة وجه الإنسان في ذلك اليوم (٣). والعبوس: بالشفتين , والقمطرير: بالجبهة والحاجبين. حكاه الماوردي (٤). وسئل الحسن عن القمطرير , فقال: "سبحان الله! ما أشد اسمه؟! وهو أشد من اسمه" (٥). ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾: أي صانهم من شدائده. ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾: أي: في الوجوه , وهي: أثر النعمة وحسن اللون والبهاء. ﴿وَسُرُورًا (١١)﴾: وفرحاً في القلوب (٦). ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾: أي بصبرهم. ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾: أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير. وقيل: الحرير كناية عن لين العيش (٧).

стр. 3467

﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: على السُّرر في الحِجال (١) , واحدها أريكة , وهي: السرير عليه قبة من حرير (٢). وقيل: الأريكة: مايتكأ عليه (٣). و ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على الحال من ﴿وَجَزَاهُمْ﴾. وقيل: حال عن الجنة , وفيه ضعف؛ لأنه يستدعى إبراز الضمير. وقيل: نصب على المدح (٤). ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾: أي لا ينالون فيها (٥) حراً ولا برداً. وقيل: لا يرون فيها شمساً؛ لأنهم في ضياء مستديم , لا شمس فيها ولا زمهرير، عطف على المعنى؛ لأنَّ الزَّمهرير لا يرى. والتقدير: لا ينالون زمهريراً , وهو: البرد الذي يأتي على الأطراف من شدته (٦). وقيل: الزَّمهرير: القمر، فيكون عطفا على الرؤية. وأنشد ثَعْلب: وليلة ظلامها فيها (٧) اعتكر ... قَطعتَها والزمهرير ما زَهَرْ (٨) (٩)

стр. 3468

﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾: أي: قربت أشجار الجنة منهم حتى صارت كالمظلة عليهم وإن لم يكن هناك شمس. ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾: سهلت لهم فينالونها كيف شاءوا من الذَّلِّ ضدّ الصُّعُوبة. و ﴿قُطُوفُهَا﴾: ثمارها. ﴿وَدَانِيَةً﴾: نصب على الحال عطف على ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. وقيل: صفة للجنة فيكون الواو زيادة. أبو علي: "وجنة دانية (١) " (٢) , فحذف الموصوف , ومثله في المعنى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾، [الرحمن: ٤٦]. في نزول هذه الآيات قولان: أحدهما: نزلت في على بن أبي طالب وفاطمة ﵄ (٣).

стр. 3469

والثاني: نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري (١). ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾: الطوّف الدور بالتنقل من واحد إلى آخر , أي: يدير عليهم خدمهم كؤوس الشراب وهي من فضة. وقيل: أواني بيوتهم من فضة. ﴿وَأَكْوَابٍ﴾: جمع كوب , وهو: الإبريق لا عروة له. مجاهد: الأقداح (٢). ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَ (١٥)﴾: القوارير: الزُّجاج. ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾: أي: من صفاء فضة (٣) , فحذف المضاف. وقيل: لها صفاء الزَّجاج ورقته وبياض الفضة فناهيك حسناً ولطافة. وقيل: كانت قوارير فحولها الله فضة (٤). وقيل: إذا شابه الشَّيءُ الشَّيءَ قيل: هُوَ هُوَ. قال: . . . . . . . . . . . . . . ... فهن إضاء (٥) صافيات الغلائل (٦) (٧).

стр. 3470

الزجّاج: " قوارير الدنيا من الرَّمل ,وقوارير الجنة من الفضة ومن صفائها ونقائها" (١) (٢). وقيل: القوارير جمع قارورة , وهي: ما استدار من الأواني ,وليست هاهنا اسماً للزُّجاج (٣). مَن نوّن (٤) فلموافقة الآيات التي تقدمت والتي تأخرت. وقيل: جاء بها على الأصل المرفوض , كاستحوذ وأخواته. ومن قال: تشبيها كإنشاد بني تميم فسهو؛ لأنَّ ذلك يكون في الوقف، وهذا يكون في الوصل؛ لأن من نونها وقف بالألف عليها (٥). ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾: الجمهور: جعلت على قدر رِيِّهم (٦). ابن عباس ﵄: جعلت على قدر كفِّ الشارِب " (٧). والواو ضمير الملائكة. المبرد: " قدروا في أنفسهم شيئاً وتمنوه , فكان كما تمنوه " (٨).
следующие страницы →