وقيل: معانداً. وقيل: جاحداً.
وقيل: معرضاً, من قولهم: ناقة عنود: إذا نفرت (١) , وعَنَدَ العِرْق: إذا نفر (٢).
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾: سأحمله على شاقّ من العذاب (٣).
والإرهاق: إعجال بعنف.
وقيل: هو عقبة في النار يكلّف ارتقاؤها بضرب المقامع كلَّما وضع رجله ليرتقي ذابت ثم تعود.
وقيل: المراد به الحملُ على الأمر الشديد.
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾: أجمع المفسرون على أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة , وذلك إنَّه جمع رؤساء مكة , فقال لهم: إن الموسم قد دنا , وقد فشا (٤) أمرُ هذا الرجل في الناس وهم سائلوكم (٥) عنه , فماذا تردون عليهم، قالوا: نقول إنَّه مجنون يخنقُ، فقال: يأتونه ويكلمونه فيجدونه صحيحاً عاقلاً فيكذبونكم.
قالوا: نقول شاعرٌ , قال: وهم العرب وقد رأوْا الشعر وفيهمُ الشعراء , وقولُه لا يشبه الشعرَ فيكذبونكم.
قالوا: نقول كاهن، قال: الكهنة لا يذكرون الله تعالى , ولا يقولون: إن شاءَ الله , وهو يقوله , وأنا والله سمعتُ منه كلاماً آنفاً ما هو من كلامِ الإنسِ، ولا هو (٦) من كلام الجن , وإن أسفلَه لمغدق وإن أعلاه لمثمر , وإن له الحلاوة وإن له لطلاوة , وإنه يعلو ولا يُعلى , ثم انصرفَ إلى منزله. فقالت قريش: صبأ الوليد , وكان يقال للوليد: ريحانة قريش.
стр. 3432
فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكمُوه (١) , فجاء حزيناً , فقال له (٢) الوليد: مالك يا ابن أخي؟ فقال: إنَّ قريشاً تزعمُ أنك قد صبأت لتصيب من فضول أصحاب محمد , وهم يجمعون لك مالاً تستعين به على حاجتك، قال: ويحك ما يشبع أصحاب محمد من الطعام , وإني لأكثر قريشٍ مالاً، ولكنّي فكّرت في أمر هذا الرجل فوجدته ساحراً , أمَا تعلمون أنه فرَّق بين فلان وفلانة زوجته , وبين فلان وأبيه، وبين فلان وأخيه، وفلان وابنه، وفلان ومواليه (٣)، فلا ينفعهم ولا يلتفت إليهم , قالوا: بلى، فأجمع رأيهم على أن يقولوا: هو (٤) ساحرٌ يفرّق بين الناس , وما يقوله سحر، فأنزل الله هذه الآيات: ... ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَجَدْتُ﴾ أي (٥) في شأن محمد ﷺ وما أتى به , وقدَّر ماذا يمكنه أن يقول فيهما (٦).
﴿فَقُتِلَ﴾: لُعنَ وعُذبَ وعُوقبَ (٧).
﴿كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾: استفهام على وجه التعجيب (٨).
وقيل: على وجه (٩) الإنكار.
وقوله: ﴿قُتِلَ﴾: هو أشد دعاء (١٠) لا يدعى به (١١) إلاّ على من لا بقيّة في أمره (١٢).
والتكرار للتأكيد.
стр. 3433
[وقيل: أحدهما: لتقديره القول في محمد ﷺ .
والثاني: لتقديره القول في القرآن] (١).
وقيل: أحدهما: لنفيه عنه الجنون والكهانة والشعر لا على وجه قُصِدَ به الإيمان.
والثاني: لإثباتِ صفةِ السِّحْرِ لَهُ (٢).
﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾: فيما قدّر معجباً بذلك نَظرةَ تفكّر.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾: قبضَ ما بين عينَيه تكرُّهاً في وجوه المؤمنين (٣).
وقيل: عبسَ حيث عجزَ عن القول فيهما.
﴿وَبَسَرَ (٢٢)﴾: إتباع ومبالغة.
وقيل: تضاحكَ متعجّباً.
وقيل: نفرَ.
وقيل: تكرَّه.
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾: تولَّى إلى قومه.
﴿وَاسْتَكْبَرَ (٢٣)﴾: تكبَّر عن الإيمان.
﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾: ما هذا.
﴿إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾: يُروى (٤).
أي: يرويه محمد عن جَبْرٍ (٥) ويَسارٍ (٦).
стр. 3434
وقيل: عن مُسَيلمة.
وقيل: عن أهل بابِل (١)(٢).
صاحب النظم: ﴿يُؤْثَرُ﴾ يُتعلم ,من قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: (٤)] (٣).
﴿إِنْ هَذَا﴾: ما هذا.
﴿إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾: كما قالوا: إنما يعلّمُه بشرٌ.
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾: سأدخله.
والإصلاء: إلزام موضع النار.
ابن بحر: "أجعله صلاء لسقر " (٤). أي: وقوداً.
و ﴿سَقَرَ﴾: اسم علم لجهنم.
وقيل: الدركُ الرابعُ منها. واشتقاقه من سقرته الشمسُ , أي أذابته.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)﴾: تفخيم لشأنها.
﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾: لا تبقي لحماً ولا تذرُ عظماً.
وقيل: لا تبقي لحماً ولا عظماً إلا أكلتهما (٥) , ولا تذرهم كذلك، بل يعادون خلقاً جديداً.
стр. 3435
وقيل: لا تبقي حيّاً ولا تذر ميّتاً. كقوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤]. وقيل: لا تبقي من يدخلها ولا تذر أحداً خُلقَ لها حتى تأخذَه (١)(٢).
وقيل: هذا مثل يضربُ لمن يأتي على كلّ شيء.
﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾: مسوِّدةً لها.
وقيل: مُحرقة لها ثُمَّ تعُود (٣).
وقيل: يأتي على كلَّ شيء إلا الفؤاد.
والبشر: جمع بشَرَة: وهي ظاهر الجلد.
الأخفش: " معطِشة للخلق (٤) من اللَّوح وهو: العطش " (٥).
وقيل: لوحة تلوح للخلق إذا رأوها وهي بعيدة.
والبشر على هذين القولين: الناس.
﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾: الجمهور: تسعة عشر ملكاً (٦).
وقيل: تسعة عشر صنفاً من الملائكة.
وقيل: تسعة عشر صنفاً منهم.
الهاء تعود (٧) إلى ﴿سَقَرَ﴾.
فلما نزلت هذه الآية , قال أبو جهل: زعم ابن أبي كبشة: أن خزنة النار تسعةَ عشر , وأنتم الدهماء أفيعجزُ (٨) كل عشرة منكم أن يأخذوا واحداً ثم يخرجون (٩) من النار؟! وقال: أبو
стр. 3436
الأشدين كلدة بن الأسيد (١) - وكان يوصف بالقوة -: أنا أكفيكم سبعةَ عشر منهم فاكفوني اثنين، فأنزل الله - تعالى -:
﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ ... (٢).
﴿أَصْحَابَ النَّارِ﴾ ها هنا: الخزنة لا أهلها.
وقيل: تقديره وما جعلنا خزنة أصحاب النار، فحذف المضاف , وهذا في المعنى كقوله: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦] فمن ذا الذي يغلب الملائكة , والواحد منهم يأخذ أرواح جميع الخلق , وللواحد منهم قوة الثقلين.
﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾: عددهم (٣) في القلة.
﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بليَّة عليهم وضلالاً حتى قالوا فيهم ما قالوا. وقيل: محنةً ليظهر ما يقول كل واحدٍ (٤) منهم ويعتقدُه.
﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: ليوقنوا أنَّ عددُهم تسعة عشر إذا وافق ما في كتبهم.
وقيل: ليتيقَّنوا أن محمداً ﷺ نبي صادق حين أخبرهم بما يوافقُ كتبهم، وهو أُمِّيٌّ لا يكتب ولا يقرأ من الكتاب.
﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بإيمانهم بهذا ﴿إِيمَانًا﴾ أي (٥): يقيناً.
﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: هذا توكيد الاستيقان (٦) والزيادة في الإيمان.
﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: شَكٌّ.
وقيل: نفاق (٧). والأوّل أظهر في هذه الآية (٨).
﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: ليس في الآية مثل , ولكنهم استغربوا هذا العدد , فقالوا: العلة مثل مضروب , واللام لام كي.
وقيل: لام العاقبة.
وفي تخصيص (٩) خزنة النار بهذا العدد أقول: كلها ضعاف , لكني حكيت لك لأنها لا تخلو من فائدة:
أحدها (١٠): أن جهنم أطباق سبعة , مالك خازن (١١) النار في الطبقة الأولى , وفيها المذنبون من المؤمنين فيرفق بهم إلى أن يخلصهم الله منها , ثم في كل طبقة منها ثلاثة منهم يعذبون أهلها بأنواع العذاب , ومجموعهم تسعة عشر.
الثاني: ... ﴿الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ﴾ سبعة عشر حرفاً , عدد الزبانية تسعة عشر ملكاً , فيدفع المؤمن بكل حرفٍ منها واحداً منهم وقد سبقت رحمته غضبه.
стр. 3437
والثالث: حفظ الله - تعالى- نظام الملك (١) باثني عشر برجاً وسبع سيَّارات ومجموعها تسعة عشر , كذلك حفظ نظام جهنم بمثل هذا العدد ملائكة.
والرابع: أن ساعات الليل والنهار أربع وعشرون ساعة خمس منها جعلت للصلوات الخمس وبقيت تسعة عشر ساعة , فمن ضيعها عذب بتسعة عشر ملكاً في النار ومن حفظها ... بذكر الله - تعالى - ذَبَّتْ كُلُّ ساعةٍ منه (٢) مَلَكَاً منهم (٣).
الخامس: جعل الله - تعالى - أوتاد الأرض - وهي الجبال - تسعة عشر جبلاً ,كذلك جعل أوتاد النار تسعة عشر ملكاً , وزعم هذا القائل: أن جبال الأرض تسعة عشر والباقي يتشعب عنها , وقد عدت جبال الأرض المتشعّبة عنها فبلغت مائة وتسعين جبلاً.
السادس (٤): الأعداد على وجهين قليل وكثير , وحَدُّ القليل من الواحد إلى التسعة وهي آخر الآحاد , وحَدُّ الكثير من العشرة إلى مالا نهاية له , فجمع بين نهاية القليل وبداية ... الكثير , فصار (٥) تسعة عشر.
السابع (٦): أنَّ هذا السؤال ساقط؛ لأنه لا عدد إلاّ ويتجه عليه هذا السؤال , فصار دوراً وسؤال الدور ساقط (٧). والله أعلم.
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: كافتراقهم عند هذا الامتحان يفرّق بينهم بالإضلال والعذاب، والهداية والثواب.
وقيل: كافتتان أقوالهم في الخزنة , وإصابة البعض وإخطاء البعض يضل الله من يشاء، عن الصواب ويهدي من يشاء إليه.
وقيل: يعود إلى تعذيب العنيد (٨) في سقر , أي: كذلك يعذب من يشاء من الضالين , ويهدي من يشاء من المؤمنين.
стр. 3438
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾: أي: جموع ملائكة ربك.
وقيل: لا يعلم جميع الخلائق كَنههم وكيفيتهم وكميتهم إلا الله.
﴿وَمَا هِيَ﴾: أي: ﴿سَقَرَ﴾.
وقيل: نار الدنيا.
وقيل: عدّة الخزنة.
وقيل: السورة.
وقيل: الجنود أي: الجنود.
﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾: ليس إن الله - تعالى - محتاج إلى ناصر ومعين - تعالى - عن ذلك.
﴿كَلَّا﴾: رَدْعٌ لمن زعم أن جنوده لحاجته إليهم.
وقيل: ردع لمن زعم أنه يكفي أمر الخزنة , فيخرج منها , وهو أبو جهل , وأبو الأشدّ بن كلدة (١).
وقيل: ردع للوليد عائد إلى أوّل الكلام.
وقيل: معناه حَقَّاً.
وقيل: ﴿إِلَّا﴾ للتنبيه.
﴿وَالْقَمَرِ (٣٢)﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾: جاء بعد النهار.
و ﴿أَدْبَرَ﴾: ذهب، وقيل: جاء.
وقيل: هما لغتان.
وقيل: دَبَر: انقضى , وأدبرَ: ولى (٢).
стр. 3439
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾: أضاءَ.
﴿إِنَّهَا﴾: إنّ ﴿سَقَرَ﴾.
﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾: والكُبر العظائم , واحدتها الكبرى , وهي جماعة أطباق نار جهنم , ثم لظى , ثم الحُطمة , ثم السَّعير , ثم سقر , ثم الجحيم , ثم هاوية (١).
وقيل (٢): كناية عن جهنم.
وقيل: عن النار (٣).
وقيل: عن آيات القرآن.
وقيل: كناية عن الذكرى (٤).
الحسن: " إن تكذيبهم محمداً ﷺ من الكبائر " (٥)(٦).
﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾: منذراً.
وقيل: مصدراً كنكير وعذير , وهو حال عن " إحدى الكبر ", أو عن "الكبرى " (٧) , والعامل (٨) فيه معنى التفرد أو الكبر.
وقيل: حال عن النبي ﷺ أي: قم منذراً.
وقيل: عن القرآن.
وقيل: عن الله سبحانه.
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾: بالطاعة ﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾: بالمعصية (٩).
стр. 3440
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾: أي: عند الحساب , مرهونة بعملها إمّا يخلصها, وإما يُوبقُها (١)(٢).
﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾: قيل: هم الأطفال (٣).
وقيل: هم (٤) الملائكة.
وقيل: أصحاب الجنة.
وقيل: الميامين على أنفسهم (٥).
﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾: عن الكفّار.
وقيل: عن كلِّ من في النار.
﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾: أدخلكم ﴿فِي سَقَرَ (٤٢)﴾
﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾: قيل: لم نعتقد وجوبها وفرضها.
﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾: لم نأته , ولم نأمره (٦).
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾: نكذب مع المكذبين.
وقيل: ما غوى غاوٍ إلاّ وغوينا (٧) معه.
وقيل: هو قولهم: محمد ساحر , أو شاعر , أو مجنون (٨)(٩).
стр. 3441
﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾: القيامة.
﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾: الموت. وقيل: البعث.
وقيل: أصحاب النار يومئذ أربعة أصناف، وكل واحد من هذه الأربعة كلام صنف منهم.
﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾: أي ليس لهم من الملائكة والناس شفيع.
﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾: عن القرآن (١).
﴿مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾: مولِّين.
﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾: جمع حمار (٢).
﴿مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠)﴾: بالكسر نافِرة , يقوّيه قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾:
و ﴿مُسْتَنْفَرَةٌ﴾ بالفتح محمولة على النَّفار , أو موجودة (٣) نافرة (٤).
﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾: الأسد مشتق من قسره: أي قهره.
وقيل: الرِّجال القنَّاصون الرُّماة (٥).
ابن عباس: "﵄: رَكزُ النّاس , أي: صوتهم وحسَّهم " (٦).
وقيل: سواد الليل (٧).
стр. 3442
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾: وهو قولهم (١): إن أحببت يا محمد أن نَتَّبَعَكَ فأتنا بكتب من الله فيها من الله إلى فلان بن فلان أن اتبع ... محمداً (٢).
وقيل: كان من أذنب من بني إسرائيل ذنباً (٣) وجد ذنبه مكتوباً على بابه في غدٍ , فسألوا مثله لهم (٤).
وقيل: سألوا براءة من النار.
﴿كَلَّا﴾: ردع وزجر (٥) عن اقتراح الكتب.
وقيل: إعلام إنّهم لا يؤمنون وإن جاءهم الكتاب , كقوله: ﴿* وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ [الأنعام: ١١١].
وقيل: قَسَمٌ.
﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ (٥٣)﴾: لا يَقدرُون وقوعها وكونها.
﴿كَلَّا﴾: ردع وقسمٌ.
﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ القرآن ﴿تَذْكِرَةٌ (٥٤)﴾: تذكير للخلق.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥)﴾: إذ يسره للخلق.
﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾: أي: لا يؤمنون.
стр. 3443
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: إلا بمشيئة الله وإرادته.
﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾: أهل أن يُتقَى معصيته.
﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾: أهل أن يغفر للمتقي.
وقيل: هو أهل الانتقام وأهل الإنعام.
стр. 3444
سورة القيامة (١)
تسع وثلاثون آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾: فيه، وفي أمثاله خمسة أقوال:
أحدهما: وهو قول الجمهور: أن لا صلة , كقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] (٥). الثاني: المبرد: لا تأكيد للقسم , وأنشد:
فلا وأبيك ابنةَ (٦) العامري ... لا يدَّعي القومُ أنّي أَفِرّ (٧)(٨)
الثالث: الفرَّاء: " لا ردّ لإنكارِ المشركين البعث " (٩).
الرابع: أصله: (لأ قسم) اعتباراً بقراءة ابن كثير (١٠)(١١) , ثم أُشبعَ فظهرَ من الإشباع ... ألفٌ , وهذا اللام يصحبُه (١٢) نون التأكيد في الأغلب , وقد يفارقه (١٣).
стр. 3445
الخامس: لا نفي للإقسام؛ لأنَّ الناسَ يؤكدون (١) بنفي القسم كما يؤكدونها بالقسم , فإن ذكر ترك القسم يقومُ مقامَ القسم (٢).
﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾: الجمهور: على أنّه سبحانهُ أقسمَ بها (٣).
والحسن: " ذهب إلى أنه أقسمَ بيوم القيامة (٤)، ولم يقسم بالنفس اللوامة " (٥).
وذهب بعضهم: إلى أن التقدير في هذا وأخواتُه (لا أقسم بيوم القيامة بل أقسم برب القيامة). وهذا بعيدٌ ضعيفُ غير مطرد, لقوله (٦): ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] وأمثاله (٧).
ومعنى: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾ ما روي عن النبي ﷺ وهو أنه قال: ((ليس من نفسٍ بَرّةٍ ولا فاجرة إلاّ وتلومُ نفسها يومَ القيامة , إن عملتْ خيراً , قالت: كيف لم أزدد. وإنّ عملتْ شراً قالت: ليتني كنتُ قصّرت)) (٨).
стр. 3446
ابن عباس ﵄: اللوامة: المذمومة " (١).
قتادة: "الفاجرة " (٢).
وقيل: يريد: تلومُ نفسها (٣) في أمور الدنيا وغيرها. والزمان فهو: صفةُ ذمٍ , ومن جعل تقديرُه: تلومُ على اكتساب السيئات والتقصير في الخيرات , فهو: صفةُ مدحٍ (٤).
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾: يعني الكافر (٥).
﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾: خصَّ العظامَ بالذكر , كقوله: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨].
والآيةُ نزلت في عدي بن ربيعة (٦) خَتَنُ (٧) الأخنس بن شريق حين أتى النبي ﷺ فقال: حدثني عن يومِ القيامة متى تكونُ؟ وكيفَ أمرها وحالها؟ فأخبره بذلك. فقال: (٨) لو عاينتُ ذلكَ اليوم لم أصدقكَ ولم أؤمن به أويجمعُ الله هذه العظام)) , فأنزل الله هذه ... الآية (٩).
ثم قال: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾: معناه عند أكثرهم: نجعلها كَخُفِّ البعير أو حافر الفرس (١٠).
стр. 3447
الفَرَّاء: " نعيد أصغر العظام إلى ما كان " (١).
الزَّجَّاج: " نسوي بنانه الخمس فنجعلها كلها كالوسطى والخنصر والإبهام فلا ينتفع ... بها " (٢).
و ﴿قَادِرِينَ﴾: حال والعامل فيه نجمع أو نقدر.
وما ذكرَهُ الفرّاء القائل (٣) من قوله: " فليحسبنا قادرين " ضعيف؛ لأن المأمورَ في حقِّ الله - تعالى - العلمُ دون الحسبان , أو يحملُ (٤) على ازدواج اللفظ , وهذا (٥) أبعد لأنه ليس بملفوظ (٦).
﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾: ابن عباس ﵄: الكافرُ (٧) يكذَّب بالقيامة " (٨).
المبرد: " يسوِّفُ التوبة ويركبُ المعاصي " (٩).
أبو علي: " يعزمُ على المعصية في أوقاتٍ لعله لا يبلغُها " (١٠).
وقيل: يقدِّم ذنبه ويؤخِّر توبته (١١).
الحسن: " يمضي في معاصي الله قُدماً قُدماً لا ينزعُ عنها " (١٢).
стр. 3448
﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾: متى يكونُ (١) , استبعاداً واستهزاءً.
﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)﴾: ﴿بَرِقَ﴾ بالكسر: فرغَ (٢) , وبالفتح: شخصَ.
وقيل: هما بمعنى حارَ , أي: تحيَّر (٣).
﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾: ذهب ضوؤهُ (٤).
ابن كيسان: " غابَ , من قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ [القصص: ٨١] " (٥).
﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾: أي: جُمعا في ذهاب ضوئِهما (٦)(٧).
وقيل: يجمعان كالثورين العقيرين فيلقيان في النَّار (٨).
وقيل: يدركُ أحدهما الآخرَ بخلاف الدنيا , لقوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾، [يس: ٤٠] (٩).
مجاهد: "معناه: يكوران " (١٠)، من قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، [التكوير: ١] ".
وذَّكر الشمس حملاً على النور.
وقيل: لعطفِ (١١) القمر عليه , ويحتملُ إنَّه عطفَ فحملَ على المعنى , أي: فجمع القمران, وكرر ذكر القمر؛ لأن الخبر عنه مختلف (١٢)(١٣).
стр. 3449
وقيل: القمرُ الأوّل بياضُ العين (١). وفيه بعد.
﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ اسم الجنس يَوْمَئِذٍ ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾ قيل: عن الله استحياءً منه.
وقيل: عن جهنَّم (٢).
و ﴿الْمَفَرُّ﴾ المصدر.
و" المَفِر " بالكسر: المكان, و" المِفَر ": الجادّ (٣). وهما في القراءةِ من الشَّواذ (٤).
﴿كَلَّا﴾: ردعٌ عن تمنِّي الفرار (٥).
﴿لَا وَزَرَ (١١)﴾: لا حرزَ لهم.
والوزر: ما لجأ إليه الإنسان من ملجأ أو منجى أو جبل (٦)(٧) قال الشاعرُ (٨):
لعمرُكَ ما للفتى من وَزَرْ ... من الموتِ يلجئُهُ والكبَرْ (٩)
стр. 3450
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾: المنتهى , إذا جعلتَهُ مصدراً , وإن جعلتَهُ مكاناً: فالجنَّة أو النار, أي: لا ينزل أحدٌ منزله إلَاّ الله (١).
﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾: ابن عباس ﵄:
" ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ من خيرٍ وشرٍ. ﴿وَأَمَّا﴾ سنَّ سنَّةً فيعُملَ بها بعده " (٢).
عكرمة (٣): " ما قدَّم فعمل , وما أخر فلم يعمل به " (٤).
مجاهد: " بأوَّل عمله آخره " (٥).
وقيل: ما قدم لدنياه وأخر لآخرته (٦). وهو مسؤول عن الجميع؛ لأنَّ اللفظ عام (٧).
﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾: عالمٌ بعمله شاهدٌ عليه.
فالهاءُ دخلت للمبالغة كالعلامة (٨).
وقيل: عينٌ بصيرةٌ , فحذف الموصوف. وقيل: ذو بصيرةٍ , فحذف المضاف.
стр. 3451
وقيل: البصيرة: رفعَ بالابتداء , وخبُرهُ عَلَى ﴿نَفْسِهِ﴾ تقدم عليه , والجملة خبر المبتدأ الأوَّل كما تقول: زيد على رأسه عمامة , والبصيرة على هذا الوجه: الملكُ الموكلُ عليه أو جوارحُهُ (١).
وقيل: ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ علامة ودلالة , من قول الشاعر:
راحوا بصائرُهم على أكتافِهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأي (٢)(٣)(٤)
﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾: المعاذير: جمعُ معذار , وهو: العذر , أي: لو تكلمَ بعذره وجادلَ وأعتذرَ , وعذرَه قوله: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾، [الأحزاب: ٦٧] الآية (٥).
ابن عيسى: " المعاذير: (٦) ذكرُ موانع تقطعُ عن الفعل المطلوب " (٧).
الضحاك: " ﴿أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: أرخى ستورَه " (٨).
والمعذار: السِّتر (٩).
قال الشاعر:
ولكنَّها ضنَّتْ بمنزلِ ساعةٍ ... علينا وأطَّت فوقها بالمعاذرِ (١٠)
стр. 3452
ابن عباس ﵄: ﴿أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: " تجردَ عن ثيابه" (١).
وقيل: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ سكتَ عنها لم تنفعه " (٢).
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾: هذا اعتراضٌ بينَ قوله: ﴿أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ وبينَ قوله (٣): ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ , وذلكَ أنَّ النبيّ ﷺ كانَ إذا أتاهُ الوحي تلاهُ قبل فراغِ جبريل ﵇ مخافةَ أن ينفلتَ منه شيءٌ , فأنزل ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ , أي: بالقرآن ﴿لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ لتحفظَهُ مستعجلاً (٤).
وقيل: كانَ النبي ﷺ يكثرُ قراءةَ القرآن مخافةَ النسيان فأنزلَ الله هذه الآية (٥). والأوَّل أظهر. وقال بعضهم: هذا يقوي قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمّل: ٤] ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾.
﴿إِنَّ عَلَيْنَا﴾ جَمْعَهُ: أي: أن نجمعَهُ في صدركَ.
﴿وَقُرْآَنَهُ (١٧)﴾: وأن نقرأَهُ عليكَ حتى يمكنكَ تلاوتَهُ (٦).
стр. 3453
قتادة: " علينا تأليفُه على ما نزلَ عليك " (١).
﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (١٨)﴾: ابن عباس ﵄: إذا أنزلنَاه ... ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ "﴾ (٢)(٣).
قتادة: " إذا تليَ عليكَ فاتَّبع أحكامَهُ " (٤).
الحسن: " إن علينا أن نجزيَ به يومَ القيامة على ما قلنا في الدنيا من الوعدِ والوعيد " (٥). يريد (٦) بيان ما يتضمنه من الأخبار عما كانَ وسيكونُ , كقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، [ص: ٨٨].
وقيل: هذا خطابٌ للعبدِ يومَ القيامة , والهاء يعودُ إلى كتاب العبد , أي: لا تعجل فإنَّ علينا أن نجمعَ أفعالكَ في صحيفتكَ , وقد فُعل , وعلينا أن نقرأَ كتابكَ (٧) عليك , ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ﴾ هل غادر شيئاً , أو أحتوى على زيادة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾: إظهارُ الجزاء عليه.
﴿كَلَّا﴾: أي: لا تنسى القرآن. وقيل: يعودُ إلى إنكاره للبعث.
وقيل: افتتاحُ كلامٍ (٨).
﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠)﴾: الدنيا وشهواتَها ﴿وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (٢١)﴾: الدارَ الآخرة ونعيمَها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾: حسنةٌ متهللةٌ فيها أثرُ النعمةِ والحبورِ (٩).
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾: الجمهور: على أنَّ المرادَ به: رؤيةُ الله تعالى (١٠).
وقيل: هو بمعنى الانتظار (١١).
وهو بعيد من وجهين:
أحدهما: إنَّ ﴿إِلَى﴾ لا يستعمل مع النظر إذا كان معناه الانتظار, كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، [الحديد: ١٣].
والثاني: أنَّ الانتظار لا يضاف إلى الوجه.
وقول: من جعل ﴿إِلَى﴾ واحدُ الآلاء: إلغاز. وكلام الله (١٢) منَزّه عن ذلك (١٣)(١٤).
стр. 3454
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾: مقطبةٌ كريهةٌ (١).
﴿تَظُنُّ﴾: توقنُ (٢) , أي: أصحابَ الوجوه.
﴿أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾: نازلٌ بها أشدُ العذاب , والفاقرة: الداهية الكاسرة لفقار الظهر (٣).
الأخفش: " الفاقرة: من السَّمة التي تفقرُ الأنفَ , أي: تجزُّ فِيه " (٤).
يقال: فقر يفقِر ويفقُر" (٥)(٦).
﴿كَلَّا﴾: افتتاح.
﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾: أي: بلغت الروحُ , كنَّى عنها ولم يتقدم ذكرُها؛ لأن الآية تدلُ عليها.
و ﴿التَّرَاقِيَ﴾: جمع ترقوة وهي: العظمُ المشرف على الصدر وهما تَرْقُوتان (٧).
﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾: هذا قولُ من يحضرهُ , أي: هل طبيبٌ يداويه , أو هل راقٍ يرقى فيشفى برؤيته (٨).
وقيل: هذا من كلام المحتضر (٩).
стр. 3455
وقيل: إنه من كلام الملائكة , أي: (١) ملائكة الرحمة يؤمرون برقي روحه , أم ملائكة العذاب. وهذا قول ابن عباس ﵄ (٢).
وقيل: هذا على الإياس , أي: من هذه الحالة حالهُ (٣).
﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨)﴾: أيقنَ أنَّ الذي نزلَ به الفراقُ من الدنيا والأهلِ والمالِ (٤).
﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾: ﴿الْتَقَى﴾: التصقت (٥).
وأكثر المفسرين على أن المراد بـ ﴿السَّاقُ﴾: الشدَّة. والتفاف ﴿السَّاقُ﴾ نهاية الدنيا ﴿بِالسَّاقِ﴾ ببداية الآخرة (٦).
الحسن: " أي ماتت ساقاه فلم تحملاه (٧) إلى شيء , وكان عليهما جَوَّالاً (٨) " (٩).
وقيل: كثرتْ عليه الشدائد (١٠).
وقيل: لُفَّت ساقاه في الكفن (١١).
السُّدي: " أراد يبسها (١٢) عند الموت " (١٣).
стр. 3456
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾: هو مصدر ساقه , والمعنى: يسوقُ كاتبُ السيئات صاحبه إلى حكمِ الله في القيامة , ويشهدُ عليه كاتبُ الحسنات.
وقيل: مساقُ العباد إلى حيثُ أمر الله , إما إلى جنَّةٍ وإما إلى نار , وإما إلى عليين وإما إلى سجين (١).
﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾: الجمهور على أنَّها نزلت في أبي جهل (٢).
وقيل: راجع إلى السائل ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ (٣).
﴿لَا﴾ بمعنى لم , أي لم يصدق بكتاب الله ولا بنبيه ﷺ ﴿وَلَا صَلَّى﴾ لله عبادة (٤). وحسَّنَ دخول ﴿لَا﴾ على الماضي تكراره , كما تقول: لا قام ولا قعد (٥).
عن الحسن (٦): "لم يتصدق ولم يصلِّ " (٧).
وقيل: صلَّى , من قول الشاعر:
стр. 3457
. . . . . . . . . . . . . ... تلقَ السوابقُ منَّا والمصلِّينا (١)
والمعنى: لم يتبع الرسول (٢).
﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾: نبيَ الله وكتابَه (٣).
﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾: يتبختر , وأصلُه: يتمطط , قلبَ الأخير لاجتماع ثلاثة أحرف متماثلة ياءً , وهذا بابٌ واسع. وقيل: هو من المطا وهو الظهر (٤) أي: حرَّكَ مطاهُ في مشيته (٥).
﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾: العربُ تستعملُ هذه اللفظة للتهديد والوعيد , كما في الآية. وقد يستعملُ للتعجب (٦).
واختلفَ في وزنه: فذهبَ بعضهم إلى أنَّه فَعَلَ , أي: أولاك عملك أو الزبانية المكروه , واللام زيادة , كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾، [النمل: ٧٢] , وكذلك الثاني , لكنه حذف ﴿لَكَ﴾؛ لأنَّ الأوَّل يدلُ عليه. وقال بعضهم: هو اسم , ووزنه أفعل , وهو معرفة , والمعنى: الذمُّ أولى لك من تركه , فهو خبر المبتدأ.
وقيل: هو الذمُّ , أي: الذمُّ لكَ , فيكونُ مبتدأً و ﴿لَكَ﴾ خبره , وحذف من الثاني. وقال بعضهم: هو أفعل من الويل بعد القلب , كما قيل في أدنى أنَّه أفعل من لفظ دون. وقيل: هو فعلى من آلَ يؤل , أي: عقباكَ النَّار.
وقول الزَّجَّاج: "معناهُ وليكَ المكروه " (٧). وهو القول الأوّل , والتكرار للتأكيد.
стр. 3458
وقيل: ﴿أَوْلَى لَكَ﴾ الموت ﴿فَأَوْلَى﴾ لك العذاب في القبر , ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ﴾ هول القيامة ﴿فَأَوْلَى﴾ لك عذابُ النار على الدوام (١).
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾: ﴿أَيَحْسَبُ﴾ الكافرُ أن يتركَ مهملاً لا يؤمرُ ولا ينهى ولا يجازى بعمله (٢).
وقيل: أن لا يبعث (٣).
الحسن: " ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ سرمداً في الدنيا دائماً لا يموت " (٤).
﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ (٥): النطفة.
والمني: ماءُ الرجل , ﴿يُمْنَى﴾: يصبُ في الرحم.
والمنيّ: مشتقٌ من المنى , وهو القدر (٦)(٧).
﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾: أي: صارَ المني قطعة دم جامدٍ بعد أربعين يوماً.
﴿فَخَلَقَ﴾: أي فقدَّرَه الله - تعالى -.
﴿فَسَوَّى (٣٨)﴾: فسوَّاه إنساناً.
﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾: أي: من هذا الإنسان.
وقيل: منه يعود إلى المني (٨).
﴿الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾: أي: خلقَ منه أولاداً ذكوراً وإناثاً.
﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾: أي: من قدرَ على إيجادِه بهذه الصفة ابتداءً , يقدرُ على إعادتِه , إذ ليس إعادتَه بأصعب من ابتدائه.
وروي مرفوعاً أن النبي ﷺ كان إذا قرأَ هذه الآية قال: ((سبحانكَ اللهم بلى)) (٩).
стр. 3459
سورة الإنسان (١)
إحدى وثلاثون آية (٢)(٣) مدنية (٤).
وقيل: مكية (٥). وقيل: مكية إلى قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ﴾ , والباقي مدني (٦)(٧).
ويقال لها: سورة الدَّهر أيضاً (٨).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾: هذا استفهام تقرير , والمعنى: ألم يأتي (٩).
стр. 3460
وقيل: ﴿هَلْ﴾ هاهنا بمعنى: قد (١).
و ﴿الْإِنْسَانِ﴾: آدم ﵇ (٢).
والحين في الآية: زمان محدود وهو أربعون سنة.
قال ابن مسعود ﵁: " خلق الله آدم ﵇ من تراب فقام أربعين سنة , ثم من طين (٣) أربعين سنة , ثم من (٤) صلصال , ثم من حمأ مسنون أربعين سنة , ثم خلقه بعد ستين ومائة سنة " (٥).
ولو لم يكن محدوداً لما قال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
وقيل: هو غير محدود.
وقوله: ﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ أتى عليه في علم الله ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾. [وقيل: لم يكن شيئاً أصلاً. وقيل: كان ولم يكن مذكوراً] (٦).
وقيل: الإنسان بنو آدم.
والحين: مدة لبثه في بطن أمه تسعة أشهر , إلى أن صار شيئاً مذكوراً (٧).
أو يحتمل ﴿أنَّ الْإِنْسَانِ﴾ عام (٨).
стр. 3461
﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾: زمان فترة الرسل بعد عيسى ﵇
﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ أي: لم يذكروا بوحي , ولم يُبعث (١) إليهم رسول في تلك المدة (٢) والله أعلم.
و ﴿الدَّهْرِ﴾: أعمُّ من الحين , فإنَّ الحين (٣) جزءاً منه (٤)(٥).
الحسن: " خَلَق أصول الأشياء في الأيام الستة , ثم خَلَق آدم ﵇ فكان غير مذكور في جملة المخلوقات (٦) " (٧).
وقيل: آخر شيء خلقه الله آدم ﵇ (٨).
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: بني آدم (٩).
﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: من (١٠) مَنيّ.
﴿أَمْشَاجٍ﴾: أخلاط , واحدها مشج.
وقيل: مشيج (١١).
وقيل: مَشَجَ بفتحتين مشتق من مشجت الشيء (١٢) أي: خلطته، والمراد بها ماء الرجل وماء المرأة.
стр. 3462
وقيل: لأنها تنتقل (١) أحوالاً: نطفةً , ثم علقةً , إلى آخر تمام الخلق.
وقيل: لاختلاف ألوانها؛ لأن ماء الرجل أبيض , وماء المرأة أخضر , ثم يخضرَّان (٢).
وقيل: ماء المرأة أصفر.
وقيل: الأمشاج العروق التي ترى في النطفة (٣).
ابن عيسى: " الأمشاج: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ولهذا جُمِع " (٤).
وقيل: إنما جُمِعَ كقولهم: بُرْمَةُ أَعشارٍ (٥) وثَوْبُ أَسْمال (٦)(٧).
﴿نَبْتَلِيهِ﴾: نختبره بالتكليف , وهو حال , أي: خلقناه مبتلين , ويحتمل أن يكون حالاً من ﴿الْإِنْسَانِ﴾ , أي: خلقناه مبتلىً.
وقيل: لنبتليه , فحذف اللام وسكن الياء , والمعنى: عليه.
ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف , أي: نحن نبتليه.
﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾: هو السمع والبصر الظاهران.
وقيل: العقل (٨).
стр. 3463
قال الفَرَّاء (١) " فيه تقديم وتأخير , أي جعلناه سميعاً بصيراً [لنيتليه " (٢).
وزيَّفه بعضهم فقال: أرادة التكليف أوجبت كونه سميعاً بصيراً] (٣)(٤).
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾: سبيل الخير والشر.
وقيل: نصبنا الأدلة.
وقيل: سبيل المعاش.
وقيل: سبيل (٥) خروجه من الرَّحم (٦).
﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾: أي هديناه شاكراً أوكفوراً , فهما حالان من الهاء.
﴿وإِمَّا﴾ يأتي للجزاء , أي: شكراً أو كفراً (٧) فقد هديناه , ويأتي للتخيير , أي: فليختر إمَّا هذا وإما ذاك، فقد هُديَ للسبيل (٨)(٩).
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾: الإعتاد والإعداد في اللغة: تحصيل الشيء لوقت الحاجة
إليه (١٠).
﴿سَلَاسِلَ﴾: جمع سلسلة , الواحد منها سبعون ذراعاً.
﴿وَأَغْلَالًا﴾: جمع غُل , وهو: القيد الذي يجمع اليمين والعنق (١١).
﴿وَسَعِيرًا (٤)﴾: ناراً موقدة (١٢).
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾: جمع بار (١٣).
﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾: خمر.
وقيل: هي إناء فيه خمر يأخذونها كأساً (١٤) ويردونها إناء (١٥). (١٦)
﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾: ما يمزج بها.
﴿كَافُورًا (٥)﴾: قيل: هو اسم ماء.
وقيل: يمزج بالكافور (١٧)؛ لبرده وعذوبته وطيب عرفه.
وقيل: يخلط برائحة الكافور (١٨).
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾: أي: يروى , والعين: ينبوع الماء , ويستعمل للماء. ونصبه يجوز أن يكون بدلاً من الكافور , إذا جعلته اسم ماء أو صفة للكأس على المحل , ويجوز أن ينتصب بيشربون.
ويجوز أن يكون حالا من ضمير الكأس , ويجوز أن ينتصب على المدح (١٩).
وقوله: ﴿بِهَا﴾ الباء زيادة، أي يشربها (٢٠).
стр. 3464
وقيل: بمعنى من , أي: يشرب منها.
وقيل: بمعنى في , أي: يشرب في ذلك الموضع , كما تقول: شربتُ ببغداد , قال:
شربت بماء الدحرضين (١) فأصبحت (٢). . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾: يفتحونها إليهم ويجرونها حيث يريدون.
وقيل: يفجرونها في الكأس (٣).
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾: أي: يوفون بنذورهم التي نذروها في طاعة الله.
والنَّذر: وعد بطاعة مؤكد بعقد.
وقيل: النَّذر: هو الوفاء بما ألزم الله تعالى من العبادات (٤).
﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ﴾: شدائده.
﴿مُسْتَطِيرًا (٧)﴾: فاشياً ممتداً بالغاً أقصى المبالغ , من قولهم: استطار الفجر , واستطار النار (٥)(٦).
قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾: أي: على حب الطعام وعزته.
وقيل: هو على حب الإطعام.
стр. 3465
وقيل: على حب الله , فيكون المصدر مضافاً إلى المفعول (١).
ويحتمل: على حب الله الإطعام؛ فيكون المصدر مضافاً إلى الفاعل (٢)(٣).
﴿مِسْكِينًا﴾: هو: الذي ضم إلى فقره الذلة , وانقطاع المعونة (٤).
﴿وَيَتِيمًا﴾: هو الذي فقد أباه قبل الحلم إلى الحلم (٥).
﴿وَأَسِيرًا (٨)﴾: يريد: أسرى (٦) الكفار والمؤمنين.
وقيل: العبيد والإماء (٧).
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾: أي: يضمرون هذه الآيات في أنفسهم , وليس المعنى أنهم تكلموا بها.
قوله: ﴿لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ أي: لطلب ثوابه (٨).
المفضل: " الوجه: القصد إلى الشيء والعمل فيه " (٩).
﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً﴾: مكافأة.
﴿وَلَا شُكُورًا (٩)﴾: ولا أن (١٠) يثنى به علينا.
وهو مصدر شكر، وقيل: جمع شكر , أي: شكراً بعد شكر (١١).
стр. 3466
﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا﴾: عذاب يوم.
﴿عَبُوسًا﴾: تعبس (١) فيه الوجوه. وقيل: ضيقا كريهاً (٢).
﴿قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾: أشد ما يكون من الأيام وأطولها , وكذلك قماطر , أي: شرُّه ملتف.
وأصله من قول العرب: أقمطرت الناقة: إذا رفعت ذنبها، وجمعت بين طرفي ذنبها. وقيل: كلاهما من صفة وجه الإنسان في ذلك اليوم (٣).
والعبوس: بالشفتين , والقمطرير: بالجبهة والحاجبين. حكاه الماوردي (٤).
وسئل الحسن عن القمطرير , فقال: "سبحان الله! ما أشد اسمه؟! وهو أشد من اسمه" (٥).
﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾: أي صانهم من شدائده.
﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾: أي: في الوجوه , وهي: أثر النعمة وحسن اللون والبهاء.
﴿وَسُرُورًا (١١)﴾: وفرحاً في القلوب (٦).
﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾: أي بصبرهم.
﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾: أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير.
وقيل: الحرير كناية عن لين العيش (٧).
стр. 3467
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: على السُّرر في الحِجال (١) , واحدها أريكة , وهي: السرير عليه قبة من حرير (٢).
وقيل: الأريكة: مايتكأ عليه (٣).
و ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على الحال من ﴿وَجَزَاهُمْ﴾.
وقيل: حال عن الجنة , وفيه ضعف؛ لأنه يستدعى إبراز الضمير.
وقيل: نصب على المدح (٤).
﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾: أي لا ينالون فيها (٥) حراً ولا برداً. وقيل: لا يرون فيها شمساً؛ لأنهم في ضياء مستديم , لا شمس فيها ولا زمهرير، عطف على المعنى؛ لأنَّ الزَّمهرير لا يرى.
والتقدير: لا ينالون زمهريراً , وهو: البرد الذي يأتي على الأطراف من شدته (٦).
وقيل: الزَّمهرير: القمر، فيكون عطفا على الرؤية.
وأنشد ثَعْلب:
وليلة ظلامها فيها (٧) اعتكر ... قَطعتَها والزمهرير ما زَهَرْ (٨)(٩)
стр. 3468
﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾: أي: قربت أشجار الجنة منهم حتى صارت كالمظلة عليهم وإن لم يكن هناك شمس.
﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾: سهلت لهم فينالونها كيف شاءوا من الذَّلِّ ضدّ الصُّعُوبة.
و ﴿قُطُوفُهَا﴾: ثمارها.
﴿وَدَانِيَةً﴾: نصب على الحال عطف على ﴿مُتَّكِئِينَ﴾.
وقيل: صفة للجنة فيكون الواو زيادة.
أبو علي: "وجنة دانية (١) " (٢) , فحذف الموصوف , ومثله في المعنى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾، [الرحمن: ٤٦].
في نزول هذه الآيات قولان:
أحدهما: نزلت في على بن أبي طالب وفاطمة ﵄ (٣).
стр. 3469
والثاني: نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري (١).
﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾: الطوّف الدور بالتنقل من واحد إلى آخر , أي: يدير عليهم خدمهم كؤوس الشراب وهي من فضة.
وقيل: أواني بيوتهم من فضة.
﴿وَأَكْوَابٍ﴾: جمع كوب , وهو: الإبريق لا عروة له.
مجاهد: الأقداح (٢).
﴿كَانَتْ قَوَارِيرَ (١٥)﴾: القوارير: الزُّجاج.
﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾: أي: من صفاء فضة (٣) , فحذف المضاف.
وقيل: لها صفاء الزَّجاج ورقته وبياض الفضة فناهيك حسناً ولطافة.
وقيل: كانت قوارير فحولها الله فضة (٤).
وقيل: إذا شابه الشَّيءُ الشَّيءَ قيل: هُوَ هُوَ. قال:
. . . . . . . . . . . . . . ... فهن إضاء (٥) صافيات الغلائل (٦)(٧).
стр. 3470
الزجّاج: " قوارير الدنيا من الرَّمل ,وقوارير الجنة من الفضة ومن صفائها ونقائها" (١)(٢).
وقيل: القوارير جمع قارورة , وهي: ما استدار من الأواني ,وليست هاهنا اسماً للزُّجاج (٣).
مَن نوّن (٤) فلموافقة الآيات التي تقدمت والتي تأخرت.
وقيل: جاء بها على الأصل المرفوض , كاستحوذ وأخواته.
ومن قال: تشبيها كإنشاد بني تميم فسهو؛ لأنَّ ذلك يكون في الوقف، وهذا يكون في الوصل؛ لأن من نونها وقف بالألف عليها (٥).
﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾: الجمهور: جعلت على قدر رِيِّهم (٦).
ابن عباس ﵄: جعلت على قدر كفِّ الشارِب " (٧).
والواو ضمير الملائكة.
المبرد: " قدروا في أنفسهم شيئاً وتمنوه , فكان كما تمنوه " (٨).