← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا﴾: عذاب يوم. ﴿عَبُوسًا﴾: تعبس (١) فيه الوجوه. وقيل: ضيقا كريهاً (٢). ﴿قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾: أشد ما يكون من الأيام وأطولها , وكذلك قماطر , أي: شرُّه ملتف. وأصله من قول العرب: أقمطرت الناقة: إذا رفعت ذنبها، وجمعت بين طرفي ذنبها. وقيل: كلاهما من صفة وجه الإنسان في ذلك اليوم (٣). والعبوس: بالشفتين , والقمطرير: بالجبهة والحاجبين. حكاه الماوردي (٤). وسئل الحسن عن القمطرير , فقال: "سبحان الله! ما أشد اسمه؟! وهو أشد من اسمه" (٥). ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾: أي صانهم من شدائده. ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾: أي: في الوجوه , وهي: أثر النعمة وحسن اللون والبهاء. ﴿وَسُرُورًا (١١)﴾: وفرحاً في القلوب (٦). ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾: أي بصبرهم. ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾: أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير. وقيل: الحرير كناية عن لين العيش (٧).

стр. 3467

﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: على السُّرر في الحِجال (١) , واحدها أريكة , وهي: السرير عليه قبة من حرير (٢). وقيل: الأريكة: مايتكأ عليه (٣). و ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على الحال من ﴿وَجَزَاهُمْ﴾. وقيل: حال عن الجنة , وفيه ضعف؛ لأنه يستدعى إبراز الضمير. وقيل: نصب على المدح (٤). ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾: أي لا ينالون فيها (٥) حراً ولا برداً. وقيل: لا يرون فيها شمساً؛ لأنهم في ضياء مستديم , لا شمس فيها ولا زمهرير، عطف على المعنى؛ لأنَّ الزَّمهرير لا يرى. والتقدير: لا ينالون زمهريراً , وهو: البرد الذي يأتي على الأطراف من شدته (٦). وقيل: الزَّمهرير: القمر، فيكون عطفا على الرؤية. وأنشد ثَعْلب: وليلة ظلامها فيها (٧) اعتكر ... قَطعتَها والزمهرير ما زَهَرْ (٨) (٩)

стр. 3468

﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾: أي: قربت أشجار الجنة منهم حتى صارت كالمظلة عليهم وإن لم يكن هناك شمس. ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾: سهلت لهم فينالونها كيف شاءوا من الذَّلِّ ضدّ الصُّعُوبة. و ﴿قُطُوفُهَا﴾: ثمارها. ﴿وَدَانِيَةً﴾: نصب على الحال عطف على ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. وقيل: صفة للجنة فيكون الواو زيادة. أبو علي: "وجنة دانية (١) " (٢) , فحذف الموصوف , ومثله في المعنى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾، [الرحمن: ٤٦]. في نزول هذه الآيات قولان: أحدهما: نزلت في على بن أبي طالب وفاطمة ﵄ (٣).

стр. 3469

والثاني: نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري (١). ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾: الطوّف الدور بالتنقل من واحد إلى آخر , أي: يدير عليهم خدمهم كؤوس الشراب وهي من فضة. وقيل: أواني بيوتهم من فضة. ﴿وَأَكْوَابٍ﴾: جمع كوب , وهو: الإبريق لا عروة له. مجاهد: الأقداح (٢). ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَ (١٥)﴾: القوارير: الزُّجاج. ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾: أي: من صفاء فضة (٣) , فحذف المضاف. وقيل: لها صفاء الزَّجاج ورقته وبياض الفضة فناهيك حسناً ولطافة. وقيل: كانت قوارير فحولها الله فضة (٤). وقيل: إذا شابه الشَّيءُ الشَّيءَ قيل: هُوَ هُوَ. قال: . . . . . . . . . . . . . . ... فهن إضاء (٥) صافيات الغلائل (٦) (٧).

стр. 3470

الزجّاج: " قوارير الدنيا من الرَّمل ,وقوارير الجنة من الفضة ومن صفائها ونقائها" (١) (٢). وقيل: القوارير جمع قارورة , وهي: ما استدار من الأواني ,وليست هاهنا اسماً للزُّجاج (٣). مَن نوّن (٤) فلموافقة الآيات التي تقدمت والتي تأخرت. وقيل: جاء بها على الأصل المرفوض , كاستحوذ وأخواته. ومن قال: تشبيها كإنشاد بني تميم فسهو؛ لأنَّ ذلك يكون في الوقف، وهذا يكون في الوصل؛ لأن من نونها وقف بالألف عليها (٥). ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾: الجمهور: جعلت على قدر رِيِّهم (٦). ابن عباس ﵄: جعلت على قدر كفِّ الشارِب " (٧). والواو ضمير الملائكة. المبرد: " قدروا في أنفسهم شيئاً وتمنوه , فكان كما تمنوه " (٨).

стр. 3471

وقيل: قُدرت هذه الآنية من فضة على تقدير ما عهد من مثلها من القوارير. ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧)﴾: الفرَّاء: الزنجبيل: اسم للعين يشرب بها المقربون صرفاً , ويُمزج لسائر أهل الجنة (١). وقيل: دلَّ بذلك على لذاذة المقطع. ابن عيسى: " إذا مزج الشراب بالزنجبيل فاق في الإلذاذ " (٢). وقيل: إنما قال ذلك لشدة ميل العرب إلى الزنجبيل , وكثرة ولوعها به (٣). ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾: ﴿عَيْنًا﴾ بدل من الزنجبيل عند الفرَّاء (٤). الزَّجاج: " يسقون عيناً " (٥). وسلسبيل: اسم العين لقوله تعالى: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ , وحقه أن لا ينصرف؛ لاجتماع التعريف والتأنيث , لكنه صرف كما صرف ﴿قَوَارِيرَ﴾ (٦). وقيل: معناه سلس عذب ماؤها. وقيل: السلسبيل الحديد الجري (٧). وقيل: السَّهل الصافي , وإذا جعل صفة كان صفة للعين. ومعنى: ﴿تُسَمَّى﴾: تذكر , فيتعدى إلى مفعول واحد كما تقول لم يسم فاعله أي: لم يذكر (٨). وفي تفسير ابن المبارك [عن علي ﵁ هذه الرواية] (٩): معناه: سل من الله إليها سبيلا (١٠).

стр. 3472

ويحتمل: أن يكون العين مسمَّاه بهذه الجملة , كتأبط شراً وبرق نحره (١). ويحتمل: أنَّ يكون الكلام قد تمَّ على قوله: ﴿تُسَمَّى﴾ أي: تذكر , ثم أستأنف فقال: سل سبيلا , واتصاله (٢) في المصحف لا يمنع صحة هذا التأويل لكثرة أمثاله (٣). ﴿* وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾: الجمهور: على أنهم غلمان ينشؤهم الله لخدمة المؤمنين. فقيل: هم الأطفال لتسميتهم ولداناً , وهي من الولادة. ﴿مُخَلَّدُونَ﴾: دائمون لا يشيبون. وقيل: مقرَّطون، وقيل: من السّوار والخلدة يجمعها (٤). ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ﴾: لبياضهم وحسنهم وصفائهم. ﴿لُؤْلُؤًامَنْثُورًا (١٩)﴾: وجعلهم منثوراً , والمنظوم أحسن؛ لكثرتهم وترددهم في مجيئهم وذهابهم (٥). ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾: الفراء: " رأيت ما ثمَّ " (٦).

стр. 3473

وأنكره الزجاج , وقال: لا يجوز حذف الموصول وإقامة الصلة مقامه , وجعل ﴿ثَمَّ﴾ مفعولا به , ورأيت هو المتعدي إلى المفعول واحد (١). ويقويه قول المبَّرد: وإذا رأيت الجنة (٢). ابن عيسى: رأيت الأشياء ثَمَّ , فالأشياء مفعول بها , و ﴿ثَمَّ﴾ ظرف (٣). قوله: ﴿نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ جزاء الشرط. قيل: وكبر ملكهم أنه يدوم ولا ينقطع , ويسلّم عليهم الملائكة , ويستأذنون في الدخول عليهم , وأن أدناهم منزلة من ينظر في ملكه (٤) في مسيرة ألفي عام , يرى أقصاه كما يرى (٥) أدناه (٦). ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾: أي: يعلوهم ثياب الحرير. والسندس: ما رق منها , والإستبرق: ما غلظ (٧). ونصب ﴿عَالِيَهُمْ﴾ من وجهين: أحدهما: الظرف أي: فوقهم , كقوله ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]. والثاني: الحال , والعامل فيها ﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ أو ﴿جَزَاهُمْ﴾ هذا إذا جعلت الضمير ... للأبرار , فإن جعلت الضمير للولدان فالعامل في الحال رأيتهم. و ﴿ثِيَابُ﴾ يرتفع بما في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ من معنى الفعل؛ لأن إضافته في نية الانفصال, ومَن سكّن الياء جعله مبتدأ , و ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ خبره (٨).

стр. 3474

﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾: قيل الفضة للخدم والذهب للمخدوم. وقيل: الفضة للرجال والذهب للنساء. وقيل: يجمع بينهما. وَسَقَاهُمْ ﴿رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾: لا يبولون عنه ولا يتغوطون. وقيل: شراب الدنيا نجس، يعني الخمر , وشراب الآخرة طاهر (١). ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾: أي: كان عملكم محموداً يُثنى به (٢) عليكم. وقيل: سمَّى المكافأة شكراً (٣) على التوسع. قال الكلبي: " مقبولاً جُزيتُم به الجنة " (٤). ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾: نزهه عن الافتراء والسحر والكهانة. ابن جرير: " نزلنا عليك القرآن اختباراً " (٥). ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾: الآثم دون الكافر. وقيل: هو المنافق (٦). و ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو , وأفاد أن كل واحد منهم أهل أن يُعصى (٧) (٨).

стр. 3475

والآثم: الوليد بن المغيرة , والكفور: عتبة بن ربيعة. وقيل: نزلت في أبي جهل (١). ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾: صلاة الفجر. ﴿وَأَصِيلًا (٢٥)﴾: صلاة الظهر والعصر. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾: صلاة العشاءين. ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾: أي: التطوع بصلاة الليل. وقيل: المراد الإدامة على ذكر الله في الأوقات كلّها (٢). ﴿إِن هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾: أي: يحبِّون الدنيا ويؤثرونها على الآخرة (٣) , والاستعداد ليوم ثقيل على الكفار؛ لشدة عذابه عليهم، ولإنكارهم إيَّاه. ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾: وأحكمنا خلقهم ومفاصلهم وقواهم وربطنا بعضَها ببعض (٤). وقيل: قوينا أقوياءهم (٥). وقيل: شددنا مصرتيه يمسكهما متى شاء، ويرسلهما متى شاء (٦). ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)﴾: إذا شئنا أهلكناهم، وجئنا بآخرين بدلاً منهم. ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾: أي هذه السورة تذكير للخلق وتبيين ما هو خير لكم (٧).

стр. 3476

﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)﴾: بأن يسلك طريق طاعته باتِّباع أنبيائه ورسله. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أي: لا تقدرون (١) على المشيئة إلا بعد أن يشاء الله ذلك. وقيل: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ بالتكليف والأمر والنهي. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: يعني المطيعين في الجنة (٢). وقيل: من يشاء في رحمته (٣) في الدنيا، ومغفرته في الآخرة. وقيل: في رحمته، أي: في دينه (٤). ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾: نصب الظالمين بفعل مضمر دل عليه (٥) ﴿أَعَدَّ﴾ (٦) وقرئ في الشواذ بالرفع على الابتداء , ولا يؤخذ به (٧) لمخالفته الإمام (٨).

стр. 3477

سورة المُرْسَلات (١) خمسون آية (٢) (٣) مكِّية (٤). ابن عباس ﵄: مكِّية , إلَاّ قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ , فإنها مدنية " (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾: ابن عباس ﵄: " الرِّياحُ أرسلت عرفاً متتابعةً كعرفِ الفرس يتلوا بعضها بعضاً " (٦). وقيل: العُرف: جريها على التعارف وهو توسطها في الهبوب. ابن مسعود ﵁ والفرَّاء: " هم الملائكةُ , جبريل ومكائيل وإسرافيل " (٧). والعُرف: أمره ونهيه (٨). وقيل: هم الملائكة يتتابعون بوحي الله (٩).

стр. 3478

الزَّجَّاج: " ﴿الْمُرْسَلَاتِ﴾: الرُّسل" (١). ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢)﴾: هي الرَّياح (٢). الزَّجَّاج: "هي الملائكةُ تعصفُ (٣) بروح الكافر " (٤). ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾: الجمهور: هي (٥) الرِّياح (٦). وقيل: الأمطارُ تنشرُ النَّبات (٧). الرَّبيع (٨): " البعثُ للقيامة تنشرُ فيه الأرواح " (٩). الضحاك: "كتبُ الأعمال " (١٠). ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤)﴾: ابن عباس- ﵄: "الملائكة تفرق (١١) بين ... الأمور " (١٢). الحسن: " آيَّات القرآن " (١٣).

стр. 3479

الزَّجَّاج: " الرُّسُل " (١). مجاهد: "الرِّياح " (٢). وقيل: الرِّياح الحوامل من قولهم: ناقة فارق: إذا ضربها المخاضُ وذهبَتْ في الأرض (٣). ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥)﴾: الملائكةُ (٤). الزَّجَّاج: " الرُّسُل " (٥). الحسن: " ﴿الْمُرْسَلَاتِ﴾ السَّحاب " (٦). ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾: هما مصدران كالنُكر ويكونان جمعين (٧) لعذير ونذير (٨). والحركة والسكون بمعنى (٩).

стр. 3480

ونصبهما يجوزُ أن يكونَ على المفعول له , أي: للإعذار والإنذار , ويحتمل المفعول به من المصدر وهو: الذكر , ويحتمل البدل من الذكر والصفة أي: ذا عذر أو ذا نذر (١) , ويحتمل الحال من ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ﴾ (٢). وعطفَ بـ ﴿أَوْ﴾ لأن المعنى: جالبة للنعم وآتية بالنعم (٣). والأحسن أن يجعل الكلام متصلاً ومنظماً لمعنى واحد, فيكون الكل للملائكة، ويحتمل (٤) ﴿فَالْعَاصِفَاتِ﴾ على ما قاله الزَّجَّاج: يعصف بروح الكافر (٥). ويحتمل أنَّ يكونَ الكلّ للرِّياح , فتكون (٦) ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ معناها: يتعظُ بها ... ذو الإبصار , ويحتمل أن يكونَ الكلّ للرُّسل (٧). وعطفَ ﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾ بالواو؛ لأنه قسمها قسمين: عاصفاً للعذاب , وناشراً للرحمة. ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾: جوابٌ القسم , أي: ما وعدتم من البعث والحساب لكائن عن قريب (٨). ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾: ذهبَ ضوؤها ومحيتْ آثارها كما يمحى الكتاب (٩). ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾: صُدعتْ , وشُقّت , ووقعت فيها الفروج التي نفاها بقوله: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾، [ق: ٦]. وقيل: فتحت (١٠).

стр. 3481

﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠)﴾: حُركتْ وقُلعت (١) من أماكنها , وأُذهبتْ بسرعة , فنسفتْ نسفاً (٢). ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾: جعلَ يوم الفصلِ لهم وقتاً , كما قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠]. وقيل: أجلت لاجتماع (٣) لوقتٍ هو يوم القيامة. ابن عباس ﵄: " جمعت " (٤). وأصله: وقتت من الوقت , قلبت همزه (٥) لضمتها. وقيل: عرّفتْ وقتَ ثوابها وإنمّا نعرَّف (٦) ذلك يوم القيامة. وقيل: بُيّن لها مواقيتها ومواقيت أمتّهَا (٧) (٨). ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾: تعجبتُ من ذلكَ اليوم , أي: ما أعظمه (٩). وقيل: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ﴾ أعلمت (١٠) ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ , فيكون ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ﴾ في تقدير: مفعول ثانٍ لأعلمت (١١). ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾: يفصلُ بين المحسن والمسيء , وبين الرُّسل ومكذِّبيها. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾: من أين تعلمُ كنهه , ولم تعهدْ مثله.

стр. 3482

﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾: في التفاسير: وادٍ في جهنَّم. وقيل: عبارة عن أعظم البلايا والمكاره (١). وهذه الآية تتكرر في هذه السورة عشر مرات وفي ذلك أقوال: أحدهما: أن القرآن عربي , ومن عادتهم التكرار والإطناب , كما في عادتهم الاقتصار والإيجاز. والثاني: أن كل واحدة منها ذكرتْ عقيب آية غير الأولى، فلا يكون تكراراً مستهجناً، ولو لم يكرر كان متوعداً على بعض دون بعض. والثالث: إن بسط الكلامِ في الترغيب والترهيب أدعى إلى إدراكِ البُغيةِ من الإيجاز , وقد يجدُ كلّ واحد في نفسه من تأثير التكرار مالا خفاءَ به (٢). ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)﴾: يعني: قومَ نوح وعاداً وثموداً (٣). ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (١٧)﴾: أي: من سلكوا سبيلَهم. ذهبَ كثيرٌ من المفسرين إلى أنَّهم الذين أهلكوا في العصر الأقرب إلى أمة محمد ﷺ ، وذلك يستدعي جزم ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾. وهو شاذ (٤). و ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ في الآية: رفع بالاستئناف , أو خبر مبتدأ محذوف. وفي حرف ابن مسعود ﵁: ﴿وَسنُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ﴾ (٥). والوجه: ما ذكر أنهم الذين قُتلوا ببدر بعد نزول الآية. ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨)﴾: من كفَّار العرب , وسائر أمَّتك أجمعين (٦).

стр. 3483

﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾ ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾: نطفة ضعيفة , والمهين: الحقير الذليل. ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾: يعني الرَّحم يستقرُ فيه الماء ويتمكن. وقيل: يتمكن فيه الولد (١). وقيل: من المكانة والمنزلة؛ لكونها مكان خلقِ الولد وتصويرِ الحيوان (٢). ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾: إلى وقت الولادة (٣). ابن عيسى: " القدر: المقدار , وهو: خاصة التسوية من غير زيادة ولا نقصان " (٤). ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾: قُرِئَ: (قدرنا) (٥) بالتخفيف والتشديد , وهما بمعنى واحد , والتخفيف أكثر مشاكلة بقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، [المرسلات: ٢٣] , والتشديد على الجمع بين اللفظين , كقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾، ... [الطارق: ١٧] (٦). ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾ ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾: ﴿كِفَاتًا﴾: مصدر كفت, أي: جمع , والمعنى: تكفت (٧) الأحياء على ظهرها والأموات في بطنها , وهما منصوبان بالمصدر. وقيل: ﴿كِفَاتًا﴾ جمع كافتة (٨).

стр. 3484

ابن عيسى: الكفات: كلُّ ما ضمَّ شيئاً واحتوى عليه " (١). فيكون التقدير على هذين القولين. ﴿كِفَاتًا﴾ للخلق ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾، فيكون (٢) الأحياء والأموات حالين من الخلق. أبو عبيدة: " ﴿كِفَاتًا﴾: أوعية , جمع كفت وكفيت فيكون ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ حالين من الأرض , وهو ما ينبت وما لا ينبت" (٣) (٤). وقيل: الكِفات: اسم لما يُكفتُ به كالصِّمام (٥) والعقال (٦). ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾: أي: جبالاً ثوابتَ طوالاً (٧). ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧)﴾: مكنَّاكم من شربه وسقيه دوابكم ومزارعكم. ابن عباس ﵄: " أصول أنهار الأرض أربعة: سيحان , والفرات , والنيل , وجيحان , فسيحان: دجلة , وجيحان: نهر بلخ , وهي من الجنة وتنبع (٨) في الأرض من تحت صخرةٍ عند بيت المقدس " (٩). ومعنى الفرات: العذوبة ضدّ الأُجاج (١٠).

стр. 3485

﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾ ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩)﴾: تقول الخزنة (١): لهم أمضوا إلى النَّار التي كنتمْ بها تكذبون مَن أخبركم بها. قيل: (٢) انطلق مطاوع أطلق. وهذا شاذ. وقيل: مطاوع طلقَه قال: أطلق يديك تنفعاك يا رجل. وذهب بعضهم إلى: أنَّ هذا إياس من المأمول وليس بأمر بالانطلاق (٣). ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠)﴾: يعني: دخان جهنم , وسمي ظلاً لكثافته ومنعه رؤية ما وراءَه. وقيل: الظل: النَّار نفسها؛ لأنَّهم يصيرون إليها لا إلى ظلها , ولقوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾، [المرسلات: ٣٢] وأنثَ الضمير حملاً على المعنى. و ﴿ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾: شعبة عن اليمين , وشعبة عن اليسار , وشعبة من فوق فيحيط بهم , كقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. وقيل: ﴿ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾: ثلاث صفات: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾. وقيل: ﴿ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾: شعبة من النار , وشعبة من الدخان , وشعبة من الزمهرير (٤). واللهب: ما يعلو النَّار إذا اضطرمتْ من أحمر وأصفر وأخضر. والشَّرر: ما تطاير من النَّار إذا حركتْ (٥).

стр. 3486

﴿كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾: الحسن: " الحَطَبُ الجَزْلُ (١) " (٢) , جمع قصْرة، كتَمْر وتَمْرة (٣). وقيل: الغليظ من الشجر. الفرَّاء: " القَصْرُ: من قصور مياه العرب " (٤). وقيل: هو القصر المعروف (٥). ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ﴾: جمع جمالة (٦) , والجِمالة: جمع جَمَلٌ، كحجر وحجارة. الحُجَّة: " ﴿جِمَالاتٌ﴾ (٧) جَمْع جِمال " (٨). وقُرِئَ: ﴿جُمَالاتٌ﴾ بالضَّم (٩). الزَّجَّاج: " قَلَسُ (١٠) سُفُنُ البحر" (١١). ابن عباس: " قطع النُّحاس " (١٢).

стр. 3487

والشَّرر الواحدة (١) شبه القصر , فإذا تواتر صارت كالجمالات. وقيل: تفرقت فصارت كالجمالات. ﴿صُفْرٌ (٣٣)﴾: قيل: سُودٌ، وقيل: هو اللون المعروف (٢). ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾ ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾: يوم القيامة , يوم ممتدٌّ فيه حالاتٌ ومواقف , فيمكَّنون من الكلام في بعضها ويمنعونه في بعضها. وإضافته إلى الفعل يدل على أنَّ المراد منه: زمان أو ساعة , كقولك: آتيك يوم يقدم زيد وإنما يقدُم في ساعة (٣). وقيل: ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾ بحجَّة. ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)﴾: أي: ليس لهم عذرٌ فيؤذن لهم في الاعتذار , ولو كان لهم عذر لم يمنعوا (٤). وقيل: معنى (٥) ﴿لَا يُؤْذَنُ﴾: لا يسمع منهم (٦) عذر، من أذن له إذا أستمع. قوله: ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عطفَ على ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾ وليس بجواب. ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: للقضاء. ﴿جَمَعْنَاكُمْ﴾: يا مكذبي أمَّة محمد ﷺ ﴿وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾: من بني آدم (٧). ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ﴾: أي (٨): حيلة في التخلص من العذاب (٩). ﴿فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ فاحتالوا عليَّ. والكيد: متعدٍّ , تقول: كدتُ فلاناً إذا احتلت عليه. وهذا تقدير بالعجز والتوبيخ. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ﴾: أي: ظليل يصونُ من الحَرِّ، ولا يؤذي بالبرد (١٠). ﴿وَعُيُونٍ (٤١)﴾: عُيونُ ماءٍ. ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢)﴾: لذيذة مشتهاة. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾: لا يشوبُه مكروه ولا ينقطع. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤)﴾: أي: المؤمنين.

стр. 3488

﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)﴾ ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾: رجعَ عجز الكلام إلى صدره , فخاطب الكفار. أي: أنكم تتمتعوا بالأكل والشرب تمتعاً قليلاً. [وقيل: زماناً قليلاً] (١) وبعده عذابٌ لا انقطاعَ له. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ أي (٢): أطيعوا واخضعوا. ﴿لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾: لا يعبدونَ الله ولا يخضعونَ له. وقيل: هو في القيامة من قوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، [القلم: ٤٢] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾. (٣) ﴿ ... فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾: أي: ما على هذه البراهين من مزيدٍ , فإذا لم يؤمنوا عند سماعهم لها فبأي كلام يخاطبون به بعد القرآن يؤمنون.

стр. 3489

سورة عم يتساءلون (١) [أربعون آية (٢) مكية. ويقال: سورة التساؤل، ويقال: سورة النبأ] (٣) مكية (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ أصله (عن ما) فحذف الألف لما سبق اللفظ استفهام (٥) (٦) والمعنى تفخيمٌ للشأن (٧) (٨). ومعنى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: يسأل بعضهم بعضاً. ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾: الفرّاء ومجاهد (٩): " في القرآن " (١٠). ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾: اختلفوا فقالوا هو من الله , أم كلام البشر , أم سحر وكهانة , فآمن به بعضٌ وكفر بعض.

стр. 3490

قتادة والزجاج: "هو القيامة والبعث , بدليل قوله عقيبه: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ (١). وقيل: ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾: أمر محمد ﷺ ونبوته (٢). والضمير في ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: قيل: للكفار وحدهم. وقيل: للكفار والمؤمنين جميعاً. و ﴿عَنِ﴾ الأولى: متصل بالاستخبار. والثاني: بالخبر. وتقديره: عمَّ يتساءلون؟ يتساءلون عن النبأ العظيم، فحذف. الفرّاء الأولى بمعنى: لِمَ , أي لم يتساءلون عن النبأ (٣). ﴿كَلَّا﴾: ردع عن الاختلاف. وقيل: معناه حقَّاً. ﴿سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾: سيعرفون مشاهدةً وعياناً. والتكرار للتأكيد. وقيل: الأول للكفار , والثاني: للمؤمنين. وقيل: الأول في الدنيا عند النزع , والثاني في القيامة (٤). ثم عدد أفعالاً تدل (٥) على قدرته على البعث فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ﴾: استفهام تقريري. ﴿مِهَادًا﴾ (٦): فراشاً يمكن الاستقرار عليها.

стр. 3491

﴿مِهَادًا﴾ يجوز أن يكون واحداً , ويجوز أن يكون جمعَ مهدٍ , وجاز جمعه؛ لاختلاف أماكنها من القرى والبلاد (١). وقيل: لاختلاف التصرف فيها حفراً وزرعاً , وبناءً وسيراً. ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾: لولاها لارتجت بالزلازل والرياح. وقيل: هيئتها على الأرض كهيئة الأوتاد مرتفعة. ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾: ذكراً أو أنثى. وقيل: ضرباً وأصنافاً. ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾: قطعاً عن العمل , راحةً لأبدانكم، وأصله المدّ عند النوم. وقيل: أصله القطع , ومنه سبت رأسه , أي: حلقه (٢). المفضل: " ﴿نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ جعلنا له ابتدءاً لتأخذوا أهبته , ولم يصرعكم في مواضع تهلككم " (٣). ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾: الزجاج: " سكناً " (٤). وقيل: غطاءً ساتراً، مماسّاً لما ستر (٥). ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾: النهار وقت اتساع الضياء المنبثّ في الآفاق، ... جعله الله سبباً للمعاش , وهو (٦): مصدر عاش عيشاً ومعاشاً. وقيل: زماناً للعيش واللذة (٧).

стр. 3492

﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾: سبع سماوات وثاقاً، لا تبليهن الأيام والليالي. ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)﴾: أي وخلقنا سراجاً يعني: الشمس. ﴿وَهَّاجًا﴾: نيِّراً متلألأً (١) وقّاداً، من الوَهَج. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً﴾: قيل: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾: الرِّياح ذات الأعاصير , من قوله: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾، ... [البقرة: ٢٦٦]. وقيل: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾: السَّحاب، أي حان أن يعصر (٢)، كأحصد، وأجز , والعصير: السحاب. الحسن وقتادة: " ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾ السماوات " (٣) (٤). ومن على القول الأول بمعنى الباء. ﴿ثَجَّاجًا (١٤)﴾: دفاقاً دفّاعاً في انصبابه (٥). ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥)﴾: الحَبُّ: ما تضمنه كِمام الزرع (٦) , والنَّبات: ما يُرعى من الحشيش والزروع (٧). وقيل: الحب: اللؤلؤ , وأصله من المطر على ما ذكر، والنبات: ما ينبت على الأرض. وقيل: الحبُّ ما يُحرث ويُزرع , والنبات: ما يَنبتُ من الأرض بنفسه (٨).

стр. 3493

﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾: أي: وأشجار جنات , فحذف المضاف. والألفاف: التي التف (١) بعضها ببعض لتكاثفها , واحدها لَفٌّ، والجمع لِفٌّ، وجمع الجمع ﴿أَلْفَافًا﴾ (٢). ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾: يوم القيامة. ﴿كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾: وقتاً محدداً , ومنتهىً معلوماً لوقوع الجزاء. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: في القرن. وقيل: في الخلق. ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾: زمراً وجماعات. ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾: أي: شقت فكانت ذات أبواب وطرق وخلل وفروج , وما لها اليوم (٣) من فروج. ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾: أي: قلعت ونسفت فصارت بعد الشدة والثبات هباءً منبثاً (٤). قوله: ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ أي: هباءً تُخيِّلُ الشمسُ أنه ماءٌ. ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١)﴾: هو مِفعال من رصد , كالمِطْعان من طعن , أي: ترصد أهل الكفر. ومعنى رصده: أي (٥) حفظ عليه طريقه كي لا يجوز من غير إذنه.

стр. 3494

الحسن: " لا يتجاوزونها إلاّ بجواز " (١). وقيل: هو من أرصد كالمطعام من الطعم , وأرصد فلان فلاناً إذا كان له عنده يد فهو يترقب مكافأته عليها. وقيل: محبساً (٢) وموضع رصد كالمضمار كحلبة الخيل. وقيل: هو لفظ وضع للتهديد والوعيد (٣). ﴿لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (٢٢)﴾: للكافرين مرجعاً ومأوى. ﴿لَابِثِينَ فِيهَا﴾: ماكثين من اللبث , و ﴿لَبِثِينَ﴾ بمعناه (٤). وقيل: ﴿لَبِثِينَ﴾ أبلغ؛ لأنه البطيء فيها في جهنم. ﴿أَحْقَابًا (٢٣)﴾: جمع حُقُب , من قوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾، [الكهف: ٦٠]. وقيل: حِقبة وحِقَب كقِربة وقِرب (٥). أبو هريرة ﵁: " ثلاثون سنة " (٦). ابن عمر ﵄: " أربعون سنة " (٧). السُّدي: "سبعون سنة , كل يوم كألف سنة مما تعدون " (٨). وقيل: ﴿أَحْقَابًا﴾ في نوع من العذاب.

стр. 3495

وعن خالد بن معدان (١) قال: " هذه الآية في أهل القبلة؛ لأنهم لا يُخَلَّدون فيها " (٢). وقيل: إن ذلك حدٌّ لجميع أهل النار (٣). والله أعلم. وفي تفسير مقاتل: " إن هذه الآية منسوخة " (٤). وقيل: تم الكلام على قوله ﴿فِيهَا﴾ , ثم قال: ﴿أَحْقَابًا لَا يَذُوقُونَ فِيهَا﴾: في جهنم , ويحتمل (٥) في الأحقاب (٦). ﴿بَرْدًا﴾: برد الماء وبرد الهواء (٧). وقيل: راحة. وقيل: نوماً , ومنه: منع البرْد البَردَ (٨) (٩). ويحتمل الموت , من قولهم: ضربه بالسيف فبَرَدَ (١٠). ﴿وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾: يُبرِد غلَّتهم , ويسكن ظمأهم.

стр. 3496

﴿إِلَّا حَمِيمًا﴾: ماءً حارَّاً يحرق ما يأتي عليه. وقيل: هو دموع عيون أهل النار. ﴿وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾: ابن عباس ﵄: الزمهرير (١). غيره: غُسالةِ أهل النار. وقيل: هو المنتن. وقيل: هو الأسود (٢). ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾: أي جوزوا جزاءً فوافق الأعمال وفاقاً. وقيل: جمع وفِق (٣). ثم وصف أعمالهم فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾: لا يخافون محاسبة الله إياهم. الزجاج: "لا يؤمنون بالبعث فيرجون (٤) ثواب حساب " (٥). ﴿وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾: أي كذَّبوا رسلنا بردهم آياتنا , وتركهم تدبرها , والاعتبار بها. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾: كتبنا عدده وقدره لا يعزب عنه شيء. أي: في صحف الأعمال. وقيل: في اللوح المحفوظ. ﴿كِتَابًا﴾: مصدر فعل مضمر , أي: كتبنا كتابا.

стр. 3497

ويجوز أن ينتصب بقوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾؛ لأن الإحصاء أكثر ما يكون بالكتابة. ويحتمل أن يكون حالاً، أي: مكتوباً. ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾: أي عذاباً على عذاب. ابن عمر ﵄: "لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه " (١). الذوق استعارة وقد سبق. ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١)﴾: مِفعل من الفوز. يصلح للمصدر , أي: نجاة من كل مكروه , وظفر بكل محبوب , ويصلح للمكان: وهو الجنة (٢). ثم أبدل منه بدلَ الكل من البعض , فقال: ﴿حَدَائِقَ﴾: جمع حديقة، وهي: البستان المحيط به. ﴿وَأَعْنَابًا (٣٢)﴾: وأشجار العنب. ﴿وَكَوَاعِبَ﴾: جمع كاعبة، وهي: التي نهد ثدياها فتكعّبا (٣). ﴿أَتْرَابًا (٣٣)﴾: على سن واحد. وقد سبق. ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾: مترعة. وقيل: متتابعة. وقيل: صافية (٤). ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ قيل: في الجنة. وقيل: في الكأس، والمراد حالة شرب الكأس.

стр. 3498

﴿لَغْوًا﴾: باطلاً ومأثماً , وهو: ما يلغى من هُجر الكلام. ﴿وَلَا كِذَّابًا (٣٥)﴾: أي لا يتكاذبون. ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾: أي: جازاهم جزاء وأعطاهم عطاء. فهما ينصبان بالمصدر. وقوله: ﴿حِسَابًا﴾ أي: كافياً , من قولك: حسبي وكفاني. وقيل: على حساب العمل، وعند الله المزيد. ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧)﴾ ... : أي: لا يملكون خطاباً إلاّ بإذنه (١). نُصير (٢) صاحب الكسائي: هو كقولك: " لا أستطيع منه انتصاراً " (٣). ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾: الروح: جبريل (٤). مجاهد: " خلقٌ في صورة بني آدم، لهم أيد وأرجل ورؤوس (٥) , يأكلون ويشربون وليسوا بني آدم " (٦). الحسن: " أرواح بني آدم قبل وصولها إلى الأجساد " (٧). قتادة: " بنو آدم " (٨).

стр. 3499

ابن مسعود ﵁: " ملَك موصوف بالعظمة " (١) (٢). ومعنى ﴿صَفًّا﴾ صفوفاً. وقيل: قيل مصطفّين. ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾: أي أذن له بالتكلم. ﴿وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾: حقَّاً. وقيل: قال: لا إله إلا الله (٣). الحسن: " معناه: لا يشفعون لأحد إلاّ لمن أذن له الله أن يشفع له , وقال المشفوع له في الدنيا صوابا وصدقاً ولا إله إلا الله " (٤). ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾: لا باطل فيه ولا ظلم , وذلك اليوم حقٌّ كائنٌ لا محالة. ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا (٣٩)﴾: بطاعته في الدنيا ليكون المرجع إلى الثواب. ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾: قيل: في الدنيا. وقيل: هو يوم بدر. وقيل: عذاب الآخرة؛ لأنَّ ما هو آتٍ قريب (٥).

стр. 3500

﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾: أي: يرى الذي قدمه من خير وشر , أي: جزاء ذلك. الحسن (١): " قَدَّمَ فَقَدِمَ على ما قدَّم " (٢). وقيل: ﴿مَا﴾ للاستفهام (٣)، ومحله النصب بـ ﴿قَدَّمَتْ﴾ (٤) أي: أي شيء قدم أخيراً أم شراً (٥). ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾: أي: لم أنشر بعد الموت فبقيت تراباً. وقيل: يا ليتني (٦) لم أخلق وكنت تراباً. وقيل: لمّا رأى الكافر البهائم والوحوش والطيور صارت تراباً بعدما انتُصف للجَمَّاء (٧) (٨) من القرناء تمنى تلك المثابة (٩). ومن المفسرين من زعم أنَّ ما أحياه الله من البهائم لا يُميته ثانياً. ومنهم من زعم أن الأطفال يموتون مع البهائم؛ إذ ليس لهم ثواب ولا عليهم عقاب (١٠). وقيل: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾ يعني: إبليس ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، أي: خلقت من التراب ندماً على ما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾، [الأعراف: ١٢] (١١).

стр. 3501

سورة النازعات (١) سِتٌّ وأربعون آية (٢) مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾: المفسرون (٣) فسروا هذه الآيات على أربعة: الملائكة , والأرواح , والنجوم , والغزاة. فمن حمل على الملائكة قال: إنهم ينزعون نفوس بني آدم بإغراق كما يغرق النازع في القوس (٤). الفَرَّاء: " الغرق اسم أُقيم مقام المصدر , من أغرق , أي: والنازعات إغراقاً " (٥). المفضّل: " الغرق من صفة النفس وصفها بالمصدر "، أي: والنازعات نفساً (٦) غَرِقَت غرقاً " (٧).

стр. 3502

﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾: ينشطون نفوس المؤمنين بسهولة , من قول العرب: نشطت الدلو إذا أخرجتها من البئر (١). وحملها بعض المفسرين على الأنشوطة: وهي العقد يمد أحد (٢) طرفيها فينحلّ خلاف المبرم , وهذا يقتضي المُنَشِّطَات (٣). وحملها بعضهم على نشط، أي: بادر إلى الشيء فرحاً به , وهذا يقتضي: والنَّاشطات نشاطاً (٤). ﴿وَالسَّابِحَاتِ﴾ أي: تسبح (٥) بوحي الله. وقيل: تسبح بروح المؤمنين (٦)، ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ إلى (٧) ما أمره الله تعالى. ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ يعني: جبريل ,وميكائيل ,وعزرائيل ,وإسرافيل- ﵈، وحملها على الملائكة قول علي , وابن عباس , وابن مسعود ﵃ (٨). وللتأنيث (٩) بعد نفيه سبحانه منهم وإنكاره على قائليه وجهان: أحدهما: أنه محمول على الملائكة النازعة والتأنيث للجمع , ثم جمع النازعة فقال: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾. والثاني: محمول على أيدي الملائكة (١٠). وعطف ﴿فَالسَّابِقَاتِ﴾ ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾ بالفاء لما فيها من معنى التعقيب , أي: يسبح فيسبق (١١) فيدبّر (١٢). ومن حملها على الأرواح قال: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ من قولهم: نزع الخيل إذا جرت (١٣). قال: والخيل تنزع (١٤) قُبَّاً في أعنتها ... كالطير تنجو (١٥) من الشُّؤْبوب (١٦) ذي البَرَدِ (١٧) والمعنى: أنها تخرج من الصدور على كراهة. ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾: من نشط ينشُط بالضم والكسر إذا مضى من بلد إلى بلد , ومن قولهم: الهموم تَنْشُطُ بصاحبها (١٨) , قال: أمست همومي تنشط المناشطا ... الشام بي طوراً وطوراً واسطا (١٩) والمعنى: يخرج بسهولة ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٥)﴾ تسبح في الهواء , فتسبق إلى الحاجة فتدبر أمرها (٢٠) بعد البعث " , وهذا قول السُّدي (٢١).

стр. 3503

ومن حمَلهَا على النجوم قال: أنها تنزع من أماكنها طالعة غاربة , وخانسة وكانسة , ينشط من مكان إلى مكان ويسبح في فلك يسبحون فيسبق إلى الطلوع والغروب (١). وأمَّا ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ فقيل: هي النجوم والقائمات بإصلاح ما في العالم الأسفل وإفساده , وهذا لا يكاد يوافقه الشرع إلا أن يراد بالمُدَبِّرات المؤثِّرات , فإن تأثير النيّرين ظاهر (٢). كذلك الخمسة الباقية وسائرها , وهذا قول الحسن وقتادة , إلاّ المُدبِّرات، (٣) فإنهما حملا الآيات على النجوم , والمُدبِّرات على الملائكة (٤). ومعاذ بن جبل ذهب في" المُدبِّرات أمراً " إلى النجوم أيضاً " (٥). ومن يحملها على الغزاة قال: هم ينزعون القوس إغراقاً وينشطون بالسهم للرمي (٦) أو الأوهاق (٧) , فيسبحون (٨): أي يسعون في البر والبحر فتسبق خيلهم ويدبر أمراؤهم وقادتُهم أمور الحرب , وهذا قول عطاء (٩). فهذه الوجوه حسنة , فإنها (١٠) جمعت بين أولها وآخرها. وبعد فقد قيل في ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ و ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ أنها الوحش. وقيل: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ النفخة الأولى ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ النفخة الثانية.

стр. 3504

وقيل: ﴿السَّابِحَاتِ﴾ السُّفن. وقيل: هن جميعاً الموت (١). وقيل: تقديرها وربّ النازعات، وقد سبق. وجواب القسم عند الزَّجَّاج: "مضمر تقديره (لَتُبْعَثُنَّ) ودلَّ عليه ما بعده " (٢). المبرد: "جوابه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ , وما حيل بينهما اعتراض مؤكد غير فاصل " (٣). الحسن: " جوابه ﴿يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ " (٤). وأجاز الأخفش: أن يكون جوابه ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ على تقدير: ليوم (٥) " (٦). قال صاحب النظم: " جوابه ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾؛ لأن معنى (٧) ﴿هَلْ﴾ بمعنى قد " (٨). والأحسن قول المبرد لأنه لا يحتاج إلى إضمار يوم (٩). ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾: الرجف: شدة الحركة. ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ الصيحة الأولى. ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾: أي: التابعة من الردف والرديف وهي الصيحة الثانية (١٠). وجاء في الخبر: " بين أربعون" (١١) غير مفَسّرٍ , والأكثرون على أنه السُّنون (١٢).

стр. 3505

وقيل: ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ الأرض , من قوله ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤] (١). أبو هريرة ﵁: " النفخات ثلاث " (٢) , وقد سبق. ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾: نُكّر القلوب. والمراد بها: قلوب الكافرين والمنافقين. ﴿وَاجِفَةٌ﴾ قلقة , والوجف والوجيف: الحركة , ومنه الوجوف في السِّير والإيجاف , أي: السرعة والإسراع في السير (٣). ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾: خاضعة بِذُلِّ أصحابها وخوفهم , وأضاف الأبصار إلى القلوب، والمراد أصحابها؛ لأنها محل الخوف. ﴿يَقُولُونَ﴾: أي: منكرو البعث في الدنيا. ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠)﴾: أي: نعاد كما كنّا أحياء. ﴿الْحَافِرَةِ﴾: أول الأمر , من قول العرب: النقد عند الحافرة , وأصله في الفرس: يباع , أي ينقد الثمن قبل أن يزول حافره عن مكان العرض. وقيل: ﴿الْحَافِرَةِ﴾: الأرض التي فيها تحفر قبورهم , فيكون بمعنى المحفورة كـ ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] (٤).
следующие страницы →