سورة النازعات (١)
سِتٌّ وأربعون آية (٢) مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾: المفسرون (٣) فسروا هذه الآيات على أربعة: الملائكة , والأرواح , والنجوم , والغزاة.
فمن حمل على الملائكة قال: إنهم ينزعون نفوس بني آدم بإغراق كما يغرق النازع في القوس (٤).
الفَرَّاء: " الغرق اسم أُقيم مقام المصدر , من أغرق , أي: والنازعات إغراقاً " (٥).
المفضّل: " الغرق من صفة النفس وصفها بالمصدر "، أي: والنازعات نفساً (٦) غَرِقَت غرقاً " (٧).
стр. 3502
﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾: ينشطون نفوس المؤمنين بسهولة , من قول العرب: نشطت الدلو إذا أخرجتها من البئر (١).
وحملها بعض المفسرين على الأنشوطة: وهي العقد يمد أحد (٢) طرفيها فينحلّ خلاف المبرم , وهذا يقتضي المُنَشِّطَات (٣).
وحملها بعضهم على نشط، أي: بادر إلى الشيء فرحاً به , وهذا يقتضي: والنَّاشطات نشاطاً (٤).
﴿وَالسَّابِحَاتِ﴾ أي: تسبح (٥) بوحي الله.
وقيل: تسبح بروح المؤمنين (٦)، ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ إلى (٧) ما أمره الله تعالى.
﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ يعني: جبريل ,وميكائيل ,وعزرائيل ,وإسرافيل- ﵈، وحملها على الملائكة قول علي , وابن عباس , وابن مسعود ﵃ (٨).
وللتأنيث (٩) بعد نفيه سبحانه منهم وإنكاره على قائليه وجهان:
أحدهما: أنه محمول على الملائكة النازعة والتأنيث للجمع , ثم جمع النازعة فقال:
﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾.
والثاني: محمول على أيدي الملائكة (١٠).
وعطف ﴿فَالسَّابِقَاتِ﴾ ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾ بالفاء لما فيها من معنى التعقيب , أي: يسبح فيسبق (١١) فيدبّر (١٢).
ومن حملها على الأرواح قال: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ من قولهم: نزع الخيل إذا جرت (١٣).
قال:
والخيل تنزع (١٤) قُبَّاً في أعنتها ... كالطير تنجو (١٥) من الشُّؤْبوب (١٦) ذي البَرَدِ (١٧)
والمعنى: أنها تخرج من الصدور على كراهة.
﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾: من نشط ينشُط بالضم والكسر إذا مضى من بلد إلى بلد , ومن قولهم: الهموم تَنْشُطُ بصاحبها (١٨) , قال:
أمست همومي تنشط المناشطا ... الشام بي طوراً وطوراً واسطا (١٩)
والمعنى: يخرج بسهولة
﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٥)﴾ تسبح في الهواء , فتسبق إلى الحاجة فتدبر أمرها (٢٠) بعد البعث " , وهذا قول السُّدي (٢١).
стр. 3503
ومن حمَلهَا على النجوم قال: أنها تنزع من أماكنها طالعة غاربة , وخانسة وكانسة , ينشط من مكان إلى مكان ويسبح في فلك يسبحون فيسبق إلى الطلوع والغروب (١).
وأمَّا ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ فقيل: هي النجوم والقائمات بإصلاح ما في العالم الأسفل وإفساده , وهذا لا يكاد يوافقه الشرع إلا أن يراد بالمُدَبِّرات المؤثِّرات , فإن تأثير النيّرين ظاهر (٢).
كذلك الخمسة الباقية وسائرها , وهذا قول الحسن وقتادة , إلاّ المُدبِّرات، (٣) فإنهما حملا الآيات على النجوم , والمُدبِّرات على الملائكة (٤).
ومعاذ بن جبل ذهب في" المُدبِّرات أمراً " إلى النجوم أيضاً " (٥).
ومن يحملها على الغزاة قال: هم ينزعون القوس إغراقاً وينشطون بالسهم للرمي (٦) أو الأوهاق (٧) , فيسبحون (٨): أي يسعون في البر والبحر فتسبق خيلهم ويدبر أمراؤهم وقادتُهم أمور الحرب , وهذا قول عطاء (٩).
فهذه الوجوه حسنة , فإنها (١٠) جمعت بين أولها وآخرها.
وبعد فقد قيل في ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ و ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ أنها الوحش.
وقيل: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ النفخة الأولى ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ النفخة الثانية.
стр. 3504
وقيل: ﴿السَّابِحَاتِ﴾ السُّفن.
وقيل: هن جميعاً الموت (١).
وقيل: تقديرها وربّ النازعات، وقد سبق.
وجواب القسم عند الزَّجَّاج: "مضمر تقديره (لَتُبْعَثُنَّ) ودلَّ عليه ما بعده " (٢).
المبرد: "جوابه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ , وما حيل بينهما اعتراض مؤكد غير فاصل " (٣).
الحسن: " جوابه ﴿يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ " (٤).
وأجاز الأخفش: أن يكون جوابه ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ على تقدير: ليوم (٥) " (٦).
قال صاحب النظم: " جوابه ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾؛ لأن معنى (٧) ﴿هَلْ﴾ بمعنى قد " (٨).
والأحسن قول المبرد لأنه لا يحتاج إلى إضمار يوم (٩).
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾: الرجف: شدة الحركة.
﴿الرَّاجِفَةُ﴾ الصيحة الأولى.
﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾: أي: التابعة من الردف والرديف وهي الصيحة الثانية (١٠).
وجاء في الخبر: " بين أربعون" (١١) غير مفَسّرٍ , والأكثرون على أنه السُّنون (١٢).
стр. 3505
وقيل: ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ الأرض , من قوله ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤] (١).
أبو هريرة ﵁: " النفخات ثلاث " (٢) , وقد سبق.
﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾: نُكّر القلوب.
والمراد بها: قلوب الكافرين والمنافقين. ﴿وَاجِفَةٌ﴾ قلقة , والوجف والوجيف: الحركة , ومنه الوجوف في السِّير والإيجاف , أي: السرعة والإسراع في السير (٣).
﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾: خاضعة بِذُلِّ أصحابها وخوفهم , وأضاف الأبصار إلى القلوب، والمراد أصحابها؛ لأنها محل الخوف.
﴿يَقُولُونَ﴾: أي: منكرو البعث في الدنيا.
﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠)﴾: أي: نعاد كما كنّا أحياء.
﴿الْحَافِرَةِ﴾: أول الأمر , من قول العرب: النقد عند الحافرة , وأصله في الفرس: يباع , أي ينقد الثمن قبل أن يزول حافره عن مكان العرض.
وقيل: ﴿الْحَافِرَةِ﴾: الأرض التي فيها تحفر قبورهم , فيكون بمعنى المحفورة كـ ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] (٤).
стр. 3506
ابن عباس ﵄: " ﴿الْحَافِرَةِ﴾: الحياة " (١) , أي: نبعث ونعاد إلى حال حياتنا الأولى.
ابن زيد: ﴿الْحَافِرَةِ﴾: " من أسماء جهنم " (٢).
ابن جرير: " هو مثل لمن يرجع لما كان عليه , قال:
أحافرة على صلعٍ وشيبٍ ... معاذ الله من سفهٍ وطَيشِ " (٣)(٤)
وقيل: أصله من الفرس يرجع فيضع حافره على مواضعه الأولى ويدور عليها.
المبرد: "يقال: رجع عودُه على يديه ورجع على حافرته إذا رجع في الطريق (٥) الذي جاء منه " (٦).
وقيل: أصله الموضع الذي يضرب فيه خيمتك.
وقيل: هذا من كلام الكفار يوم القيامة , يتمنون أن يردوا إلى الدنيا وإلى الحياة الأولى بعد أن يصيروا عظاماً بالية. والجمهور على القول الأول.
﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١)﴾: و " ناخرة " هما لغتان (٧).
والمعنى: بالية عَفِنَة.
وقيل: ناخرة متجوِّفة بنخر إذا مَرَّتْ عليها الريح.
ونَخِرَةٌ: عَفِنَةٌ (٨).
стр. 3507
أبو عمرو: " الناخرة التي لم تُنْخَرْ بعد، والنَّخِرة التي قد بليت " (١).
﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾: ذات خسران , أي: أهلها خاسرون.
وقيل: ﴿خَاسِرَةٌ﴾ باطلة لا تكون. ثم أخبر عن سهولة البعث فقال:
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾: يعني النفخة الآخرة (٢).
الحسن: " غضب واحد " (٣).
﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾: قيل: بظاهر الأرض (٤).
أبو عبيدة: " السَّاهرة: الفلاة ووجه الأرض " (٥).
الحسن: " المكان المستوي " (٦).
وهب بن المنبه: "هي أرض بعينها في الشام إلى جنب (٧) بيت المقدس " (٨).
وعنه أيضاً: "جبل ببيت المقدس " (٩).
وعن ابن عباس ﵄ " السَّاهرة ": أرض مكة " (١٠).
قتادة: " هي اسم من أسماء جهنم " (١١).
الفرَّاء: " سميت الأرض ساهرة؛ لأنه (١٢) يسهر فيها ولا ينام " (١٣)(١٤).
стр. 3508
ابن عيسى: " أرض القيامة , وسميت ساهرة كالفلاة , سميت ساهرة: لأنه يُسهر فيها خوفاً منها " (١).
وقيل: "سميت أرض القيامة " السَّاهرة ": لكثرة ما توطؤ (٢) باجتماع الخلائق. كما قال:
إذا نحن سرنا بين شرقٍ ومغرب ... تحرك يقظانُ التراب ونائمه (٣)(٤)
وقيل: سميت الأرض ساهرة؛ لأن عملها في النبات (٥) ليلاً كعملها نهاراً (٦).
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾: هذا استفهام يتضمن التنبيه على أنَّ هذا مما يجب أن يعلم , ويتضمن التشريف للمخاطب به والحث على استماعه.
وقيل: بمعنى قد أتاك. وقد سبق.
وقيل: هذا أول قصة موسى ﵇.
﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ ما حُدِّث وعُومل به حين ناداه.
﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾: من ناحية الشام.
﴿طُوًى (١٦)﴾: هو اسمه (٧).
مَنْ صَرفَه جعله اسماً لموضع أو صفة ,كقوله: ﴿مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦].
стр. 3509
ومن لم يصرفه جعله اسم بقعة , أو معدولاً كعمر وزفر (١).
وقيل: معنى طوى مرتين، أي: قدّس مرتين.
وقيل: نودي مرتين (٢).
وقُرِئَ بالكسر في الشاذ (٣)، وهو بمعنى: مرتين لا غير.
وقيل: طُوىً: ليلاً , كما تقول: جئتك بعد طوى من الليل (٤).
ابن عباس ﵄: " طوى: بالعبرية يا رجل " (٥).
السُّدي: " طوى": جوعاً، أي: ذا جوع " (٦).
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: متعلق (٧) بالنداء، محمول على معنى القول؛ لأن النداء قول. وقيل: تقديره: بأن اذهب إلى فرعون (٨).
﴿إِنَّهُ طَغَى (١٧)﴾: تجاوز (٩) الحد في الكفر والفساد.
﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾: أي: هل لك ميل وحاجة إلى أن تصير زاكياً طاهراً عن العيب والدنس بترك العصيان والرجوع إلى الله (١٠).
стр. 3510
ابن عيسى: " التزكي طلب الزَّكاء، وهو النمو في الخير (١) " (٢).
﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾: أدلك على ما إذا فعلته كنت من الذين يخشونه، أي: يعظمونه باجتناب المعصية ولزوم الطاعة.
وقيل: أعرفك صفات ربك فأدلك على معرفته فتخشى من عذابه إذا عرفته.
﴿فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾: تقديره فذهب فأراه.
و ﴿الْآَيَةَ الْكُبْرَى﴾ قيل: هي العصا.
وقيل: هي اليد البيضاء. وقيل: جميع الآيات التي بعث بها (٣).
ويحتمل أن فاعل فأراه هو الله؛ لانقطاع الكلام الأول (٤).
﴿فَكَذَّبَ﴾: فرعون موسى ﴿وَعَصَى (٢١)﴾ فعصى (٥) الله ولم يطعه.
وقيل: ازداد بتكذيبه على معاصيه معصيةً.
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾: عن طاعة الله وإتباع موسى ﵇.
﴿يَسْعَى (٢٢)﴾: في إبطال الدين والنبوة.
وقيل: لما رأى الحية بعظمها (٦) خاف، فأدبر بسعي يشتد في الإدبار.
﴿فَحَشَرَ﴾: جنوده، أي: جمعهم.
﴿فَنَادَى (٢٣)﴾: بصوت رفيع.
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾: أي: أعلى كلَّ علاء (٧) قدرة وسلطاناً.
стр. 3511
وقيل: تقديره: فنادى فحشر السحرة ليغلب بهم موسى (١).
﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾: عذبه وعاقبه.
والنكال: عذاب ينكل لكل (٢) من رآه عن الإقدام علي المعصية خوفاً من مثله (٣).
ونصب (٤) على المصدر؛ لأن في الأخذ معنى النكال (٥).
ابن عباس ومجاهد: " الأولى، قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ القصص: ٣٨]. والآخرة قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤].
وبينهما أربعون سنة " (٦).
الحسن وقتادة: "نكل به (٧) في الدنيا بالغرق، وفي الآخرة بالنار " (٨).
وقيل: هما قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، أي: في الدنيا، ويوم تقوم الساعة.
وقيل: أول أعماله (٩) وآخرها (١٠).
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: أي: فيما فعل بموسى.
﴿لَعِبْرَةً﴾: عظة ﴿لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾: يخاف أن يعاقب.
وقيل: أن فيما قصصناه عبرة لمن يخشى الله.
стр. 3512
وقيل: يخشى الله، بمعنى يعلم الله.
﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾: رجع في الكلام إلى مُنْكِري (١) البعث، فقال: أأنتم أصعب أن تخلقوا في تقديركم، أم السماء بعظمها وكثرة أجزائها فمن قدر على خلقها، قدر على إعادتكم وإنشائكم.
﴿بَنَاهَا (٢٧)﴾: أي: بنى الله السماء ورصفها بالبناء.
وقوله: ﴿بَنَاهَا﴾ عند الزجاج صلة , وتقديره: التي بناها " (٢)، وهذا بعيد لا يجوز حذف الموصول وإقامة الصلة مقامه.
وقيل: حال من السماء، وفيه أيضاً بعد.
وقيل: استئناف. وهو الصواب.
وتقدير الآية: أم السماء أشدُّ خلقاً.
﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾: بعَّدَ ما بينها وبين الأرض ﴿فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾: جعل أجزاءها متلائمة، لا سقوف فيها ولا فطور (٣)(٤).
﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾: أظلمها، والغطش: الظلمة، والأغطش: الذي لا يبصر (٥).
﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)﴾: أظهر النهار بإخراج الشمس عند مغيبها، وأصل الضحى من البروز، تقول: ضحى الشمس إذا برز لها (٦).
وأضاف الليل والضحى إلى السماء؛ لأن منها ضياء النهار، ومنها ظلمة الليل بزوال الضياء (٧).
стр. 3513
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾: أبو عبيدة: " بسطها، يقال: دحوت ودحيت بالكرة، أي: قذفها " (١).
وقيل: ﴿دَحَاهَا﴾ خرَّبها (٢) وشقها، وكانت الأرض مثل الكرة فلما خلق السماء دحا الأرض (٣).
وقيل: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ , أي: مع ذلك كقوله: ﴿بَعْدِكَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٣]. أي: مع ذلك.
وقيل: قبل ذلك (٤)، وقد سبق.
وقيل: تقديره: أأنتم أشدُّ خلقاً أم السَّماء، أأنتم أشد خلقاً أم الأرض بعد ذلك، وانتصاب ﴿الْأَرْضَ﴾ يدفع ذلك التأويل (٥).
﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا﴾: بتفجير العيون
﴿وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ قيل: هو الكلأ الذي يرعى.
وقيل: موضع الرعي.
وقيل: مصدر، وفيه بعدٌ.
وقيل: المرعى يعمُّ الأشجار والثمار والزروع (٦).
﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾: أثبتها.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾: منفعة لكم ولدوابكم (٧).
стр. 3514
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾: ﴿الطَّامَّةُ﴾ في اللغة: الداهية الشديدة التي توفي على كل شيء شديد (١) , مشتق من طممت البئر إذا كبستها.
والطم: البحر؛ لأنه يعم كل شيء (٢)(٣).
ابن عباس ﵄: " هي القيامة " (٤).
الحسن والزَّجَّاج: " هي النفخة الثانية (٥) "؛ لأنها تنسي بشدتها ما تقدم من شدائد ... الدنيا , ولهذا قال: ﴿الْكُبْرَى﴾.
﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾: أي يذكره الله جميع ما عمله في الدنيا فيتذكر. وقيل: يذكره كتاب الحفظة.
و" ما " مع الفعل في تأويل المصدر , أي سعيه وهو كسبه.
﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾: أي أظهرت للناظرين فرأوها بعد أن كانوا يسمعون بها.
وقيل: معنى ﴿لِمَنْ يَرَى﴾: لكل راءٍ ولكل من له عين. والمراد للكل لا للبعض.
﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧)﴾: جاوز الحد في الكفر.
﴿وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾: فلم يسع إلاّ لها.
﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾: أي له، وهذا مذهب سيبويه والبصريين.
وتقديره عند الكوفيين: هي مأواه فَسَدَّ الألفُ واللامُ مَسَدَّ الإضافة (٦).
стр. 3515
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾: أي: مقامه بين يدي ربه , فحذف تخفيفاً للعلم به فإن باب الإضافة باب واسع.
وقيل: ﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ مسألة ربه إياه عن عمله.
وقيل: المقام الذي أعلمه ربه أنه يقوم للحساب (١).
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾: أي المرجع والتقدير هواه ومأواه , كما سبق.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢)﴾: أي متى زمان كونها وثباتها , استفهام إنكار واستبعاد.
﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣)﴾: متصل بالسؤال وتقديره: يسألونك عن الساعة أيَّان مرساها، ويقولون: أين أنت من ذكراها.
ثم استأنف فقال:
﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾: ويروى عن يعقوب الوقف على ﴿فِيمَ﴾ كأنه جعلها متصلة بالسؤال.
ويجوز أن يكون من كلام الله: أي: فيم تُسأل , أو فيم تَسأل , ثم ابتدأ فقال: ﴿أَمَرَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ يا محمد أي من أشراطها , كقوله ﷺ : ((بعثت (٢) أنا والساعة ... كهاتين)) (٣).
وقُرِئَ في الشَّواذِّ ﴿وإنه لَعَلَمٌ للساعة﴾ (٤) على هذا المعنى (٥).
стр. 3516
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾: المعنى إنما ينفع إنذارك من يخشاها ... بعلمها (١) فيخاف شدائدها (٢).
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾: أي: إذا صاروا إلى الساعة التي طلبوا معرفة وقتها استقصروا مدّة لبثهم في قبورهم لمّا دفعوا إليه.
وأضاف الضحى إلى العشية، كما تقول العرب: آتيك صباحاً ومساءً (٣).
الزَّجَّاج: " أي: مساء يلي ذلك الصباح " (٤)، والله أعلم (٥).
стр. 3517
سورة عَبَسَ (١)
اثنتان وأربعون آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿عَبَسَ﴾: قطب وجهه تكرُّهاً، يعني النبي ﷺ .
﴿وَتَوَلَّى (١)﴾: أعرض.
﴿أَنْ جَاءَهُ﴾: لأن جاءه ﴿الْأَعْمَى (٢)﴾: هو عبد الله بن أم مكتوم، وأم مكتوم اسم: أم أبيه، واسم أبيه: زائدة. وقيل: شريح (٥)، وذاك أن النبي ﷺ كان يدعو أشراف قريش , فأتاه عبد الله يكلمه ويسأله عن أمر يتعلق بالدِّين، وكان قد أسلم , فَكَرِه النبي ﷺ قطعَ كلامه مَنْ كان يدعوه وظهرت كراهةُ ذلك في وجهه , وأعرض عنه , فرجع عبد الله محزوناً
стр. 3518
خائفاً أن يكون عبوسه وإعراضه عنه إنما هو (١) لشيء أنكره الله منه، فعاتب اللهُ نَبِيَّهُ وأنكر عليه فعله بهذه الآيات (٢).
قال الأصم: " بقي النبي ﷺ وجهه كالرماد حزناً ينتظر ماذا يحكم الله عليه فيما عاتبه، فلما نزل ﴿كَلَّا﴾ سُرِّي عنه؛ لأن معناه لا تفعل ذلك بعد هذا " (٣).
وذكر المبرد: "بلغنا أن رسول الله ﷺ لما قام أُخِذَ ببصره حتى كان يُصادم جُدُر مكة " (٤).
وقيل: كان ذلك ساعة.
وقيل: بقي سبع ساعات (٥).
وكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يبالغ في إكرامه ويبسط له رداءه ويقول له: ((مرحباً بمن عاتبني الله فيه)) (٦).
واستخلفه على المدينة عند غزوه مرتين يخلفه في الإمامة ويؤذن له (٧).
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾: أخبر عن نيته في العبوس ولم يخاطبه معاتبةً له (٨).
وقيل: تعظيماً لحرمته.
ثم عاد إلى خطابه فقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أنك لا تدري لعل هذا (٩) الذي أعرضت عنه أكرم عند الله (١٠)؛ لأنه ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يطلب أن يكون زكيِّاً بالعمل الصالح.
стр. 3519
والزاكي: النامي في الخير.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾: يتعظ بما يتعلمه منك فينفعه ذلك.
الرفع على العطف والنصب على جواب التَّرَجِّي (١)(٢).
وعطف بـ ﴿أَوْ﴾ لأن التَّزكي أعلى درجةً من التذكر , والتذكر دونه فكأنه أراد مرتبةً دون مرتبة.
وقيل: ﴿أَوْ﴾ هاهنا بمعنى الواو (٣).
ثم فصّل (٤): ذكر ما عاتبه عليه من توفّره (٥) على الكافر الغني حرصاً على استمالته وغُفوله عن المؤمن الفقير استهانةً به فقال:
﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾: تتعرض له بالتوقير والإكرام.
والتصدي: التعرض للشيء على حرص كتعرض الصديان للماء (٦).
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ أي: لا حرج عليك ولا يضرك أن لا يؤمن هذا ... الكافر , وإنما عليك البلاغ.
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨)﴾: للإيمان.
﴿وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾: تغفل.
﴿كَلَّا﴾: ارتدع عن هذا ولا تفعله؛ فإنه غير مرضي عند الله.
стр. 3520
وقيل: هو بمعنى حقّا. وقيل: بمعنى ألا.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢)﴾
الزَّجَّاج: " هذه المواعظ التي وعظ بها النبي ﷺ " (١).
وذُكِّر حملاً على الوعظ.
الفرّاء: " إنَّ هذه السورةَ تذكرةٌ " (٢)، أي: تذكير، فمن شاءَ ذكره.
وقيل: إن آياتِ القرآن تذكرةٌ، فمن شاء ذكره: أي: القرآن.
﴿فِي صُحُفٍ﴾: أي، في (٣) اللوح المحفوظ، وهي صحيفة، وكلُّ مكتوبٍ عند العرب صحيفةٌ.
﴿مُكَرَّمَةٍ (١٣)﴾: أي: عند الله.
وقيل: مكرَّمةٌ بما جَعل فيها من العلم والحكمة.
﴿مَرْفُوعَةٍ﴾: رفيعة القدر.
﴿مُطَهَّرَةٍ (١٤)﴾: لا يمسُّها إلا طاهر.
وقيل: مطهرةٌ عن تنالها (٤) أيدي الكفار.
وقيل: مطهرةٌ لا يكونُ فيها ما ليس من كلام الله، فهو الوحي الخالص والحقُّ المحض.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾: ملائكة لأنهم يسفرون بين الله ورسله بالوحي.
ابن عباس: " كتَبَة "؛ لأنهم موكلون بحفظ كتب الله وهي الأسفار " (٥).
وقيل: السَّفرة الأنبياء.
وقيل: هم الصحابة.
стр. 3521
وقيل: المؤمنون (١).
﴿كِرَامٍ﴾: أي على الله.
وقيل: ﴿كِرَامٍ﴾ عن المعاصي , من قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ [الفرقان: ٧٢].
﴿بَرَرَةٍ (١٦)﴾: صادقين.
جمع بار قياساً , والمستعمل بَرّ وبَرّة (٢).
وقيل: السفرة من الملائكة: هم الذين يكتبون , والبررة: الذين لا يكتبون.
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾: لعن وعذب , وقيل: هذا تعليم , أي: قولوا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ وهو: عتبة بن أبي لهب بعينه , وذلك أنه قال: كفرتُ برب النجم إذا هوى , فقال النبي ﷺ (٣): ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك , فأخذه الأسد في طريق الشام)) [كما سبق في سورة النَّجم (٤)] (٥).
﴿مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾: قيل: استفهامٌ (٦) أي: أي شيء حمله على الكفر.
وقيل: معناه التعجب، والله لا يتعجب؟ (٧)(٨).
стр. 3522
ولكن المعنى هذا موضع التعجب لمن يتعجب (١) , وكقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾ [البقرة: ١٧٥] (٢).
﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨)﴾: هذا تقرير وتنبيه على القدرة.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: كلام كافٍ.
﴿خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾: أي: أحوالاً , نطفة , ثم علقة , إلى آخر تمام الخلقة.
الزَّجَّاج: "خلقه (٣) على استواء ,من قوله ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾ [الكهف: ٣٧] " (٤).
وقيل: قدّره على هذه الصورة التي عليها.
وقيل: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أي: جعله قادراً.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ﴾: طريق الدين.
وقيل: طريق خروجه من بطن أمِّه (٥).
﴿يَسَّرَهُ (٢٠)﴾: يَسَّرَ له , فحذف الجار.
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾: جعل له قبراً يوارى فيه , ولم يجعله مما يُطرح للسباع أو يُلقى في النواويس (٦).
стр. 3523
وقيل: أقبره، أمرَ بأن يقبر كما تقول: أبعت (١) الفرس (٢).
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾: أحياه , تقول: أنشر الله الميت , فنشر.
وقيل: أحياه في قَبره.
﴿كَلَّا﴾: ردع عن الكفر.
﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾: مجاهد: " لا يقضي أحدٌ أبداً ما افترض عليه " (٣).
الفرَّاء: "لم يقضي بعض ما أمر الله تعالى " (٤)، وتقديره: أمره به , فحذف الجار , ثم حذف أحد الهائين , والأولى بالحذف ضمير الموصول.
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾: أي: هذا الذي يستبعد الإعادة.
﴿إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾: وليأمل قدرتنا في ابتدائه وإتمامه.
وقيل: فلينظر الإنسان إلى طعامه عند خروجه من بطنه كيف كان ثم كيف صار؛ ليعلم أنه محل الأقذار، فلا يطغى.
وقيل: ليستدل على استحالة الأجسام فلا ينسى (٥).
وعن الحسن: "وُكِلَ بابن آدم ملك يثني رقبته في الخلاء؛ لينظر ماذا يخرج منه " (٦).
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥)﴾: الكسر: على الاستئناف , والفتح: على العلة (٧).
стр. 3524
الحُجَّة: " الفتح: بدل اشتمال من الطعام " (١).
ويحتمل أنه بمعنى كيف , فيجوز فيه الإمالة (٢).
والمعنى: صببنا من السماء الماء على السحاب , ثم أنزلناه من السحاب قطرة قطرة.
وقيل: الصَّب يستعمل في القليل والكثير.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)﴾: بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧)﴾: هو ما يقتات به.
﴿وَعِنَبًا﴾: ثمرة الكرم.
﴿وَقَضْبًا (٢٨)﴾: هو الرَّطْبة (٣).
الحسن: " المراد بالقضب العلف " (٤).
﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠)﴾: غلاظ الأشجار (٥).
قتادة: " الغُلْب: الكَرْم من الشجر " (٦).
الزَّجَّاج: " متكاثفة عظاماً " (٧).
﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾: الأبُّ: كل ما رعاه الأنعام.
وقيل: الأبُّ: المرعى ما كان رطباً.
وقيل: الفاكهة: الرطب من الثمار , والأبّ: اليابس منها.
стр. 3525
وقيل: الأبّ: ما لان من الثمار (١).
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: بين يدي عمر ﵁: " نبات الأرض سبعة فقال عمر: ما أفهم ما تقول، فقال: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ مرعى الأنعام. فقال: هكذا فتكلموا كما تكلم هذا الفتى. حكاه النحاس (٢).
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾: ابن عباس ﵄: " اسم من أسماء القيامة " (٣).
عكرمة: " النفخة الأولى " (٤).
الزَّجَّاج: "الصيحة التي يحي (٥) الناس عندها " (٦).
الحسن: " يصخّ لها كل شيء، أي يصمت " (٧).
وقيل: سميت صاخّة؛ لأنها تصخُّ الآذان فلا يسمع إلاّ ما دعي إليه لإحيائها (٨) , والأصخّ: الأصمُّ (٩).
المبرد: يقال: صخّ رأسه بصخرة , أي: شدخه , ويقال: صخّت عليهم صاخّة , أي: أتت عليهم داهية أفنتهم " (١٠).
стр. 3526
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾: لإتيان ما يشغله عنهم.
وقيل: يهرب منهم مخافة أن يتوجه عليه لأحدهم حقٌّ عليه فيطالبه ولا يحابيه.
وقيل: يهرب منهم كي لا يرى ما ينزل بهم.
وقيل: ليس ثمَّ فرار , وإنما المعنى لا يهمه أمر أقربائه لشدة ما ينوبه (١).
ويحتمل أن في هذا الترتيب فائدة وهي: أن هذا مثل ضُرب في حق الأقرب فالأقرب رؤية واتصالاً ومعرفة , والمراد بالأخ: التوأم فإنه يري الجنين في بطن أمه قبل كل أحد , ثم يرى أمه بعد الولادة , ثم أباه , ثم صاحبته , ثم بنيه (٢). والله أعلم.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾: يكفيه عن زيادة عليه (٣).
وقرئ ﴿يَعْنَيْه﴾ (٤) أي: لا يعنى معه بغيره.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)﴾: وجوه المؤمنين مضيئة حسنة بما لها (٥) من الفوز.
﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾: لما يرى من النعيم.
وقيل: ضاحكة من الكفار شماتة وغيظاً (٦).
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾: ذُكِرَ أنَّ التراب الذي يصير (٧) إليه البهائم يحول غبرة في وجوه الكفرة (٨).
стр. 3527
﴿تَرْهَقُهَا﴾: تعلو (١) الغبرة ﴿قَتَرَةٌ (٤١)﴾: سواد.
والقترة: ظلمة الدخان.
والقتار: ريح المرق؛ لارتفاعها مع الدخان (٢).
ابن جرير: "ما يعلو من الغبار فيلحق بالهواء قترة، وما يعود إلى الأرض فهو غَبَرة " (٣).
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾: أي أصحاب الغبرة والقترة , هم الكفار.
وترك ذكر أصحاب الوجوه الأخرى علماً بهم. والله أعلم بالصواب (٤).
стр. 3528
سورة التَّكوير (١)
تسع وعشرون آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾: ابن عباسٍ ﵄: "ذهب ضوؤها " (٥).
مجاهد: " اضمحلت وبطلت " (٦).
قتادة: "غُوِّرت (٧)، وقال: إنه فارسيّ (كوركرد). حكاه سعيد عنه " (٨).
الضحاك: " تكويرها: ذهابها " (٩).
الزجاج: "جُمع ضوؤها , ولُفّت كما تُلف العمامةُ " (١٠).
ابن عيسى: " تكويرها تلفيفها على جهة (١١) الاستدارة، تقول: كورت العمامة (١٢) , ومنه كارة القصّار " (١٣).
стр. 3529
وقيل: التكوير واللف والطيُّ واحدٌ، وقد قال : ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠٤].
وفي طيِّها تكوير للشمس (١).
وقيل: كأنَّها لذهاب ضوئها جُعلت في كارة.
وقيل: ينزع ضوؤها فيُكَوَّرُ ليلها على نهارها.
ويحتمل أن تكويرها جمعها ولفها مع القمر من قوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: (٩)]، ولهذا لم يذكر القمر في هذه الآيات (٢).
﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾: تناثرت وانصبت وتهافتت (٣)، من قول الشاعر:
آنس خِربان (٤) فضاءٍ فانكدر (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ومثله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢].
وقيل: ذهب ضوؤها من كدرت الماء فانكدر] (٦).
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾: أي من وجه الأرض , فصارت الأرض كما كانت قبل خلق الجبال.
стр. 3530
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾: جمع عشراء كالنفاس جمع نفساء , وهي التي أتى على حملها تسعة أشهر , وذلك أحب الأموال إليهم. عَطَّلَها أربابُها , وأهملها أصحابُها لفظاعة ما يحل بهم , وهذا مَثل (١).
وقيل: العِشار السَّحاب عطلت من المطر (٢).
وقيل: العِشار الأرض عطلت عن الحرث والزرع (٣).
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ " ابن عباس: حشر الوحوش موتها " (٤).
وقيل: يحشر في الدنيا فيجمع الوحوش المتعادية فلا يضر بعضها بعضاً من هول ذلك اليوم.
وقيل: يحشر لتصديق الوعد بالإحياء؛ لأن الله حكم بإحياء كل ميت.
وجاء في الحديث أنها تحشر للقصاص في الموقف فَيُقْتَصُّ للجمَّاء من القرناء، ثم يصرن تراباً (٥).
ومنهم من قال: إنَّ القصاص ساقط عنها فلا يؤلم بعضها بعضاً.
وأمّا ما ينالها من الآلام والشدائد فإنها لا محالة تعوض عنها , ثم إن منهم من يقول: إنها تعوض في الدنيا ومنهم من يقول في الآخرة، ومنهم من يقول في الجنة.
وقال بعضهم: يخلق الله لها رياضاً فترعى فيها (٦).
стр. 3531
وقال بعضهم: يُعنى (١) ما ليس لأهل الجنة في لقائها أنسٌ وما كان لهم في لقائها أو صوتها أنس يدخلها الله الجنة (٢)(٣).
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾: أُحميت وأُوقدت ناراً , من شدَّدَ أراد مرة بعد أخرى وكذلك ما بعدها إذا قرئ بالتشديد (٤).
وقيل: معنى ﴿سُجِّرَتْ﴾ مُلئت ففاضت , والسجر: الماء.
وقيل: يبست وغاضت ولم يبق فيها قطرة.
وقيل: ﴿سُجِّرَتْ﴾ خلطت، أي: العذب بالمالح وأحميت وجعلت شراباً لأهل النار. والسَّجير الخليط (٥).
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾: الجمهور: أعيدت الأرواح إلى الأبدان (٦).
стр. 3532
وقيل: ألحق كل أحد بجنسه وشكله من قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ ... [الصافات: ٢٢].
وقيل: يجمع بين المرء وزوجته التي يهويها (١) من قوله ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾ [الزخرف: ٧٠].
وقيل: هو من قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] ... (٢).
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾: كانت العرب تَئِدُ البنات خشية الإملاق وخوف الاسترقاق (٣).
و ﴿الْمَوْءُودَةُ﴾ هي المدفونة حيةً وسؤالها تهديد لوائدها كما قلنا في قصة عيسى ﵇
﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] , أي ينتصف لها ويطلب دمها (٤).
قتادة: " الضمير يعود إلى القَتَلَة , أي يسأل القَتَلَةُ لِمَ قتلوها؟ " (٥).
وقيل: أراد بـ ﴿الْمَوْءُودَةُ﴾ الوائد (٦).
وقيل: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ﴾ طلبت حتى تدعي (٧) على الوائد , من قولهم: سألت حقي أي طلبته منه (٨).
стр. 3533
وقرئ في الشواذ على وجوه لا نأخذ بها (١).
﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ كتب الأعمال تنشر (٢) ليقف كل على ما عمله بقراءة كتابه.
وقيل: ﴿نُشِرَتْ﴾ فرّقت بكثرة فأعطيت أصحابها.
وقيل: فيكون الكتاب كالذرّة أو الخردلة.
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾: نزعت وطويت.
وقيل: قلعت كما يقتلع السقف (٣).
ابن عيسى: " الكشط: القلع عن شدة التزاق (٤) " (٥).
وقيل: ينزع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم.
﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾: أوقدت وألهبت.
وقيل: سعَّرها غضب الله من خطايا بني آدم (٦).
﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾: قُرّبت من مستحقيها.
والازدلاف: الإدناء إلى المحبوب.
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾: هذا جواب ﴿وَإِذَا﴾.
قال ابن عباس ﵄: إنها اثنتا عشرة (٧) , ست منها في الدنيا، وست منها في الآخرة (٨) " (٩).
стр. 3534
والمعنى: أنها يجازى على عملها فتعلمه حاصلاً موجوداً.
قوله: ﴿مَا أَحْضَرَتْ﴾ جاءت به وفعلته , ويحتمل: حجة (١) وعذر فيما يسأل عنه.
﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: ﴿لَا﴾ صلة وتأكيد ورد ونفي للأقسام كما سبق.
﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾:
الخُنَّس: جمع خانس , والكُنَّس جمع كانس.
والخُنَّس: التأخر , والأخنس: المتأخر الأنف.
والكَنَس: الدخول في الكنَّاس , وهو بيت يتخذه الوحوش من أغصان الشجر (٢).
والمراد بها النجوم عند أكثرهم , أي: تجري دائماً , وخنوسها غيبوبتها (٣) نهاراً , وكنسها دخولها مغاربها (٤).
وقيل: هم الملائكة؛ لأنها تخنس فلا يرى (٥)(٦).
الفرّاء: " هي النجوم الخمسة: بهرام , وزحل , وعطارد , والزهرة , وبرجيس أي: المشتري " (٧).
ابن مسعود ﵁: " هي بقر الوحش " (٨).
стр. 3535
وقيل: الخُنَّس: البقر , والكنَّس: الظباء (١).
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾: أقبل بظلامه.
وقيل: أدبر (٢)(٣).
وحقيقته أظلم، والظلام (٤) بعد العتمة (٥).
وقيل: الفجر أشد منه في بُهرة الليل (٦).
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾: أضاء (٧).
الزجاج: " هو امتداده حتى يصير نهاراً " (٨).
المبرد: " تقول العرب: تنفس الصبح عن ريحانه , أي: عن نسيمه " (٩).
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾: جواب القسم , وهو ممتد إلى آخر السورة , فالسورة مشتملة على فعل , وفاعل , وقسم , وجواب (١٠). والله أعلم (١١).
والرسول الكريم: جبريل ﵇.
وقيل: محمد ﷺ (١٢).
стр. 3536
ومعنى قول ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ وحيهُ وتنزيلهُ , والقرآن قول الله وحياً , وقول جبريل تنزيلاً , وقول محمد ﷺ إنذاراً وإبلاغاً (١).
﴿ذِي قُوَّةٍ﴾: من صفة الرسول , أي قوي في نفسه , ومن قوة جبريل قلع المؤتفكات بقوادم جناحه.
وقيل: قوي على طاعة الله تعالى.
وقيل: القوة المنزلة , تقول: قوي أمر فلان عند السلطان أي: صارت له منزلة.
وعلى هذين القولين يجوز أن يكون صفة للنبي (٢) ﷺ .
﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾: هو الله - تعالى -.
﴿مَكِينٍ (٢٠)﴾: ذي مكانة ومنزلة وقدر (٣).
﴿مُطَاعٍ﴾: يُطيعه الملائكة فيما يأمرهم به , ينهاهم عنه , وطاعته واجبة على أهل السماوات , كطاعة النبي على أهل الأرض.
وقيل: إذا دعا استجيبت دعوته (٤).
والطاعة ها هنا الإسعاف من قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، فإن الطاعة جواب الأمر , والإسعاف جواب المسألة.
﴿ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾: على الوحي لا يخون.
وقوله: ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى مسكن الملائكة، وهو السَّماء.
﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾ محمد ﷺ ﴿بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾: كما زعم السُّفهاء (٥).
стр. 3537
وهو عطف على جواب القسم , وكذلك: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ﴾ (١): رأى محمد جبريل ﵇ على صورته ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ (٢).
الأفق: أحد أرجاء السماء , وجمعه آفاق.
والمراد به ها هنا: مطلع الشمس، عن مجاهد وقتادة (٣).
الحسن " رآه في الهواء إذا كانت الأرض لا تَسَعُهُ (٤) " (٥).
وقيل: رآه بأجياد , وهو مشرق مكة (٦).
و ﴿الْمُبِينِ﴾ صفة الأفق (٧).
وقيل: صفة لمن رآه ﴿رَأَى﴾ (٨) , وفيه بعدٌ.
أبو الدَّرداء ﴿رَأَى﴾: بقلبه (٩) , وهذا أبعد.
﴿وَمَا هُوَ﴾: وما محمد ﵇.
﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾: على الوحي.
﴿بِظَنِيْنٍ (٢٤)﴾: بمتهم (١٠) , أي: يجب أن لا يتهم بزيادة ونقصان فيما أتى به.
стр. 3538
وحكى الفرّاء: " أن بعضهم جعله بمعنى الضعف من قولهم رأي ظنين. وظُنون ضعيف , وبئر ظنون: قليل ماؤها " (١).
وقيل: هو من صفة جبريل.
ومن قرأ بالضاد، فهو النبي ﷺ أي: ليس ببخيل يطلب حُلواناً على ما يُعْلِمُ فِعْلَ الكاهن في إعلامه.
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥)﴾: طريد من قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] (٢).
﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾: أي: عن الحق حين تصفون (٣) محمداً ﷺ بالجنون , والقرآن بأنه قول شيطان رجيم (٤).
المبرد: " يقال لمن عدل عن الحق وتتبع بنيات الطرق (٥): أين تذهب؟ وأين يذهب ... بك؟ " (٦).
ابن عيسى: " أي طريق يسلكون أهدى لكم وأرشد " (٧).
وقيل: أين تذهبون عن عذاب الله أو عن ثواب الله.
﴿إِنْ هُوَ﴾: ما القرآن.
﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧)﴾: تذكير للخلق كلهم. ثم أبدل فقال:
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾: أي: القرآن يُدبّر (٨) لمن أحبَّ الاستقامة.
стр. 3539
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أي من استقام فلله المنّة عليه؛ لأنه شاء استقامته. الزجاج: " لا يقدرون على مشيئة الاستقامة إلاّ بتوفيق الله " (١).
قال ابن جرير: " لمّا نزلت ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل: ذلك إلينا, إن شئنا استقمنا وإن لم نشأ لم نستقم ,فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ " (٢). أي: لا تقدرون (٣) على الاستقامة إلاّ بمشيئة الله ذلك وبتوفيقه.
﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾: مالك الخلق أجمعين.
стр. 3540
سورة الانفطار (١)
تسعة عشر آية (٢)(٣)، مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾: تقطعت في بدء ما يريد الله إفناءها.
الزَّجاج: " تشقّقت بالغمام " (٥).
وقيل: سقطت.
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾: تساقطت متفرقةً في الجهات لا ضوءَ لها (٦).
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾: زال الحاجزُ بينهما , وهي سبعةٌ فصارت بحراً واحداً (٧). وقتادة: " امتزج العذب بالملح " (٨).
الحسن: "يبست " (٩).
وقيل: جمعت مياهها في بطن البَقَر الذي عليه الأرض (١٠).