ومعنى قول ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ وحيهُ وتنزيلهُ , والقرآن قول الله وحياً , وقول جبريل تنزيلاً , وقول محمد ﷺ إنذاراً وإبلاغاً (١).
﴿ذِي قُوَّةٍ﴾: من صفة الرسول , أي قوي في نفسه , ومن قوة جبريل قلع المؤتفكات بقوادم جناحه.
وقيل: قوي على طاعة الله تعالى.
وقيل: القوة المنزلة , تقول: قوي أمر فلان عند السلطان أي: صارت له منزلة.
وعلى هذين القولين يجوز أن يكون صفة للنبي (٢) ﷺ .
﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾: هو الله - تعالى -.
﴿مَكِينٍ (٢٠)﴾: ذي مكانة ومنزلة وقدر (٣).
﴿مُطَاعٍ﴾: يُطيعه الملائكة فيما يأمرهم به , ينهاهم عنه , وطاعته واجبة على أهل السماوات , كطاعة النبي على أهل الأرض.
وقيل: إذا دعا استجيبت دعوته (٤).
والطاعة ها هنا الإسعاف من قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، فإن الطاعة جواب الأمر , والإسعاف جواب المسألة.
﴿ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾: على الوحي لا يخون.
وقوله: ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى مسكن الملائكة، وهو السَّماء.
﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾ محمد ﷺ ﴿بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾: كما زعم السُّفهاء (٥).
стр. 3537
وهو عطف على جواب القسم , وكذلك: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ﴾ (١): رأى محمد جبريل ﵇ على صورته ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ (٢).
الأفق: أحد أرجاء السماء , وجمعه آفاق.
والمراد به ها هنا: مطلع الشمس، عن مجاهد وقتادة (٣).
الحسن " رآه في الهواء إذا كانت الأرض لا تَسَعُهُ (٤) " (٥).
وقيل: رآه بأجياد , وهو مشرق مكة (٦).
و ﴿الْمُبِينِ﴾ صفة الأفق (٧).
وقيل: صفة لمن رآه ﴿رَأَى﴾ (٨) , وفيه بعدٌ.
أبو الدَّرداء ﴿رَأَى﴾: بقلبه (٩) , وهذا أبعد.
﴿وَمَا هُوَ﴾: وما محمد ﵇.
﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾: على الوحي.
﴿بِظَنِيْنٍ (٢٤)﴾: بمتهم (١٠) , أي: يجب أن لا يتهم بزيادة ونقصان فيما أتى به.
стр. 3538
وحكى الفرّاء: " أن بعضهم جعله بمعنى الضعف من قولهم رأي ظنين. وظُنون ضعيف , وبئر ظنون: قليل ماؤها " (١).
وقيل: هو من صفة جبريل.
ومن قرأ بالضاد، فهو النبي ﷺ أي: ليس ببخيل يطلب حُلواناً على ما يُعْلِمُ فِعْلَ الكاهن في إعلامه.
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥)﴾: طريد من قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] (٢).
﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾: أي: عن الحق حين تصفون (٣) محمداً ﷺ بالجنون , والقرآن بأنه قول شيطان رجيم (٤).
المبرد: " يقال لمن عدل عن الحق وتتبع بنيات الطرق (٥): أين تذهب؟ وأين يذهب ... بك؟ " (٦).
ابن عيسى: " أي طريق يسلكون أهدى لكم وأرشد " (٧).
وقيل: أين تذهبون عن عذاب الله أو عن ثواب الله.
﴿إِنْ هُوَ﴾: ما القرآن.
﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧)﴾: تذكير للخلق كلهم. ثم أبدل فقال:
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾: أي: القرآن يُدبّر (٨) لمن أحبَّ الاستقامة.
стр. 3539
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أي من استقام فلله المنّة عليه؛ لأنه شاء استقامته. الزجاج: " لا يقدرون على مشيئة الاستقامة إلاّ بتوفيق الله " (١).
قال ابن جرير: " لمّا نزلت ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل: ذلك إلينا, إن شئنا استقمنا وإن لم نشأ لم نستقم ,فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ " (٢). أي: لا تقدرون (٣) على الاستقامة إلاّ بمشيئة الله ذلك وبتوفيقه.
﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾: مالك الخلق أجمعين.
стр. 3540
سورة الانفطار (١)
تسعة عشر آية (٢)(٣)، مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾: تقطعت في بدء ما يريد الله إفناءها.
الزَّجاج: " تشقّقت بالغمام " (٥).
وقيل: سقطت.
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾: تساقطت متفرقةً في الجهات لا ضوءَ لها (٦).
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾: زال الحاجزُ بينهما , وهي سبعةٌ فصارت بحراً واحداً (٧). وقتادة: " امتزج العذب بالملح " (٨).
الحسن: "يبست " (٩).
وقيل: جمعت مياهها في بطن البَقَر الذي عليه الأرض (١٠).
стр. 3541
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾: جعل أسفلها أعلاها , وقلب ترابها بإخراج موتاها (١). وقيل: يخرج ذهبها وفضتها - وهي من أشراط الساعة - ثم موتاها (٢).
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾: هذا جواب ﴿إِذَا﴾ أي: علم كل نفس مَا ﴿قَدَّمَتْ﴾ من خير وشر. ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ من سُنَّة عُمِل بها.
وقيل: ﴿مَا قَدَّمَتْ﴾ فعملت به , ﴿وَأَخَّرَتْ﴾ فلم تعمل به.
وقيل: ذلك عبارة عن جميع أحواله وأعماله أعماله وأحواله (٣)(٤). وقد سبق.
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ أي: خدعك وسوّل لك حتى أضعت ما يجب عليك , والمعنى: ما الذي حملك على هذا مع ربٍّ كريمٍ قد أنعم عليك بالخلْق والتسوية والتعديل؟! (٥)
وقيل: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ﴾ أي: أغفلك عنه , تقول العرب: ما غَرَّكَ مني، أي: لم وثقت بي؟ وما غرَّك بي (٦): أي ما أجرأك عليّ , وما أغرك عني: أي أغفلك.
والغِرَّة: الغفلة , والمعنى: ما حملك على الغفول عن طاعة ربٍّ خيره (٧) عندك كثير (٨).
عن ابن عباس ﵄: " نزلت في أُبيّ بن خلف (٩) " (١٠).
стр. 3542
وقيل: في أبي الأشدين بن كلدة (١)(٢).
وقيل: في الأعور بن أسيد بن خلف (٣).
وقيل: عامٌّ في جميع الكفار (٤).
وعن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية ثم قال: ((جهله)) , رواه الثعلبي (٥).
مقاتل: " غَرَّه عفوُ الله حين لم يعجل عليه بالعقوبة " (٦).
وقال آخَر: " غرّه كرم الكريم " (٧).
стр. 3543
﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾: جمع فيك كلَّ فضيلةٍ , كقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: (٤)].
﴿فَعَدَّلَك (٧)﴾: بالتَّشديد: قوَّم خلقك و "عَدَلَكَ ": بالتخفيف: أي عدل بعضك ببعض فكنت معتدلَ الخِلْقة متناسباً (١)(٢).
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ﴾: من دميم وجميل، وقصير وطويل.
﴿رَكَّبَكَ (٨)﴾: وقيل: إلى صورة خالك , أو عمك , أو قريب منك , أو غريب. وفي ﴿مَا﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون صلة , أي: في أي صورة شاءها.
الثاني: ﴿مَا﴾ شرط , و ﴿شَاءَ﴾ في محل الجزم ﴿رَكَّبَكَ﴾ جزاء الشرط , فلا يكون ﴿فِي﴾ صلة ﴿رَكَّبَكَ﴾؛ لأن ما بعد الشرط لا يتقدم عليه , ولا يجوز أن يكون صلةً ﴿عَدَلَكَ﴾ لأن أيَّاً للاستفهام، ولا يعمل في الاستفهام ما قبله، فهو إذاً متصل بمضمرٍ (٣).
﴿كَلَّا﴾: ردع عن الغفلة عن الله والاغترار.
﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾: أي بَلْ ستغفلون عن الحق والإسلام، وتغترون بالأباطيل وتكذّبون بالبعث (٤) والجزاء والعدل والقضاء.
стр. 3544
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾: أي ملائكة حفَظَة كرام على الله كَتَبَة (١) لا يخفى عليهم شيء من أفعال بني آدم، ولولا أنه يُبعث ويُجازى على أعماله لما كان يكتب له وعليه أفعاله.
وقيل: ﴿كِرَامًا﴾ يسارعون إلى كتْب الحسنات , ويتوقفون في كتب السيئات؛ رجاءَ أن يستغفرَ ويتوبَ فيكتبون الذنبَ والتوبةَ منه (٢) معاً.
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾: أي المؤمنين لَفِي ﴿نَعِيمٍ (١٣)﴾: في الجنة ولذّاتها.
﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ الكفار لَفِي ﴿جَحِيمٍ (١٤)﴾: في النّار وألمها.
وإنَّ واللام يأتيان للحال (٣) , لكن المعنى على الحُكم والاستحقاق (٤).
﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: يقاسون حرّها.
وقيل: يصيرون صلاها , أي حطبَها.
﴿يَوْمَ الدِّينِ (١٥)﴾: يوم الحساب والجزاء (٥).
﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾: لا يخرجون منها ولا يغيبون عنها.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾: استفهام على وجه التعجيب (٦)، والتكرار للتأكيد.
وقيل: أحدهما في حقّ الكفار , والآخَر في حقّ المؤمنين (٧).
стр. 3545
﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾: جذب (١) منفعة أو دفع أذية.
﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾: أي: لا يخلي الله في القيامة بين أحدٍ وبين الملك والتغلب كما خلّى في الدنيا , ولا يَجعل الملكَ لأحدٍ كما جعله لغير واحدٍ في الدنيا (٢).
стр. 3546
سورة المطَفِّفِين (١)
سِتٌّ وثلاثون آية (٢) مكية (٣).
الحسن: مدنية (٤).
مقاتل: هي أول سورة نزلت بالمدينة (٥).
وقيل: نزلت بين مكة والمدينة (٦).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾: عن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل المدينة من أخبث الناس كَيْلاً إلى أن أنزل الله (٧): ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل , فهم أوفى الناس كيلاً إلى يومهم " (٨).
قال السُّدِّيُّ: قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة وبها رجل يقال له: أبو جُهينة (٩) ,ومعه صاعان (١٠) , يكيل بأحدهما , ويكتال بالآخر , فنزلت فيه: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ " (١١).
стр. 3547
﴿وَيْلٌ﴾: اسم وادٍ في جهنم عن ابن عباس ﵄ (١).
أبو عبيدة: " هي كلمة تستعمل (٢) لمن لا يرجى فلاحه " (٣).
ويدخله الألف واللام , نحو قوله: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ ... [الأنبياء: ١٨]
خلافاً للمبرد , فإنه زعم أن الألف واللام لا يدخلانه (٤).
والمطَفِّفُ: المقلل حق صاحب الحق عمّا له من التمام , مفعل من الطفيف (٥) , كالمُحَقِّر من الحقير (٦).
ابن عيسى: " طفّ الشيء يطِفّ ويطُفّ إذا نقص فهو طفيف , وطفَّفه غيره إذا جعله ناقصاً " (٧).
قال الزَّجَّاج: إنما قيل له مطفف لأنه لا يكاد يسرق (٨) في الميزان والكيل إلا الشيء الطفيف , وإنما أخذ من طَفِّ الشيء، وهو جانبه " (٩).
وطفّ الصاع قُربُ مَلْئِه (١٠) , وإناء طفّان إذا لم يكن مملوءً (١١).
стр. 3548
﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾: أي إذا كالوا لأنفسهم يأخذون من الناس حقوقهم وافية تامة.
و" مَنْ و " على " يصحبان هاهنا لأنه حق عليه (١).
﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾: أي كالوا لهم أو وزنوا لهم الطعام , فحذف الجار , وحذف الجار من المفعول الثاني أكثر , وقد جاء من الأول أيضاً شعر (٢):
ولقد جنيتك أكمؤاً وعساقلاً ... ولقد نهيتك عن بنات (٣) الأوبر (٤)(٥)
وقيل: " هم " رفع بالبدل , وهو يستدعي إثبات الألف وهذا القول مروي عن بعض القرّاء , والمعنى: إذا أعطى غيره نقصه , والوعيد الثاني دون الأول (٦).
وقيل: عليهما جميعاً.
وقيل: الوعيد لاحق بمن طفف مقدار خمسة دراهم , أو عزم على تطفيف ذلك القدر , وكل من نقص حق الله من زكاة أو صلاة أو صوم فهو داخل تحت الوعيد , ولم يذكر في الأول الوزن اكتفاءً بالثاني.
قوله: ﴿يُخْسِرُونَ (٣)﴾: أي ينقصون. وخسر وأخسر لغتان (٧).
стр. 3549
﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)﴾: لمجيء يوم عظيم. أي: ليس هذا فعل من يعلم أنه يبعث ويجازى.
ذهب بعضهم إلى أنه في الكفار، فالظنُّ (١) في موضعه.
وذهب الحسن إلى أنه في المؤمنين , فيكون المعنى: أليس يعلمون أنهم يبعثون فما عُذرهم في التطفيف (٢).
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾: أي: يقومون من قبورهم لحكم رب العالمين فيهم (٣) , فيقفون في العرصات على أرجلهم ينتظرون (٤) حكم الله فيهم قدر ثلاثمائة عام لا يكلمهم أحد حتى إن أقلَّهم رشحاً يغيب فيه إلى أنصاف أذنيه.
وقيل: أربعين سنة (٥).
﴿يَوْمَ﴾: نصب بدل من الأول محمول على المحل (٦).
وقيل: مبني لإضافته إلى الجملة , وهذا قول الكوفيين (٧).
﴿كَلَّا﴾: ردعٌ عن (٨) التطفيف. وقيل: تأكيد.
﴿إِنَّكَ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾: صحائف أعمالهم.
ابن عباس ﵄: " أرواح الكفار " (٩).
وقيل: أعمال الفجّار.
﴿لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾: أبو عمرو: ﴿سِجِّينٍ﴾ فِعِّيل من السِّجن " (١٠).
غيره: من الشدَّة (١١).
كعب: " تحت خدِّ (١٢) إبليس؛ لأنه أضلهم " (١٣).
ابن عباس: "الأرض السابعة " (١٤).
وعنه أيضاً: " صخرة تحت الأرض السابعة " (١٥).
ابن زيد: السماء الثانية (١٦) , وفي هذا القول بعد.
وقيل: ((جُبٌّ (١٧) في جهنم مفتوح , والفلق جُبٌّ مغطى)) (١٨).
الأزهري: " معناه في خسار , والمعنى: أن مصير أصحابه إلى ضيق وشدّة وسفال " (١٩).
وقيل: معناه: ما كُتب عليهم لا يتبدل ولا يمحى كالنقش في الحجر (٢٠).
стр. 3550
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾: تعظيم لشأنه.
﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ [أي السِّجين: كتاب مرقوم] (١).
قيل: مكتوب، وقيل: مختوم , وهذا قول أكثر المفسرين (٢).
ويحتمل (٣) أن يكون التقدير: وما أدراك ما كتاب سجين , فحذف المضاف , ... ثم فَسَّره (٤) فقال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي: كتاب سجين كتابٌ مرقوم , هذا وجه.
وقيل: تقديره: محل ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي السجين محل كتاب , هذا وجه الآية.
أو ما قيل (٥): من التقديم والتأخير أي: إنَّ كتاب الفجَّار لكتاب مرقوم في سجين , فلما تقدم الصلة وتأخر الخبر دخل اللام الصلة , كما تقول: إن زيداً لطعامك آكل (٦).
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾: أي: يوم يخرج المكتوب ويبعث المدفون.
﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾: الجزاء والحساب.
﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾: بذلك اليوم.
﴿إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾: متجاوز الحق إلى الباطل.
﴿أَثِيمٍ (١٢)﴾: آثم , ثم بين كيف تكذيبه بيوم القيامة فقال:
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا﴾: يعني القرآن.
﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾: أحاديثهم وأباطيلهم.
﴿كَلَّا﴾: ردع عن هذا القول.
﴿بَلْ﴾: نفي لما قالوه.
﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾: أي غطَّاها كسبهم.
والرَّين: التغطية.
وقيل: ﴿رَانَ﴾ طبع (٧).
أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه (٨) قال: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكِتَ في قلبه نُكْتَةٌ سوداء , فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت. وإن عاد (٩) عادت , حتى يُغطَّى , وهو ما ذكر الله تعالى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٠).
الحسن: " الذنب ثم الذنب حتى يموت القلب " (١١).
المبرد: " أي غلب على قلوبهم وغطاها ذنب على ذنب حتى اسودَّ القلبُ بأعمال السوء (١٢). الضحاك: الرين: " موت القلب " (١٣). وهو قول الحسن (١٤).
﴿كَلَّا﴾: تكرار للردع. وقيل: حقّاً.
﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ﴾: أي عن رُؤية ربهم.
стр. 3551
وقيل: عن كرامة ربهم.
﴿يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾: ممنوعون. والحجب المنع.
وقيل: مردودون غير مقبولين ولا مرضييّن.
الزَّجَّاج: " في الآية دليل على أن الله سبحانه يُرى في القيامة ولولا ذلك لم يكن في هذه الآية فائدة " (١).
﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾: لازموا النار.
وقيل: يصيرون صلاها وهو الوقود.
﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾: أي: ﴿هَذَا﴾ جزاء ما كنتم به تكذبون.
وقيل: ﴿هَذَا﴾ العذاب وهو الذي كنتم تُنكرون وقوعه.
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾: الحسن: " هم الذين لا يؤذون الذَّرَّ " (٢).
وقيل: هم الذين صدّقوا فيما وعدوا، والبرّ الصِّدق (٣).
﴿لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾: في (٤) مكانٌ عليٌّ.
وقيل: معناه في عُلو مضاعف , ورفعة مكرّرة , فجمع جمع السلامة. تقول العرب إذا أصابها الوابل بعد الوابل: أصابنا الوابلون , وتقول: للمرّقة يطبخ فيها اللحم مرة بعد مرة أخرى: أصابنا مرقة مرقين.
وقيل: هو اسمٌ مفرد لا واحد له من لفظه , كقولهم: قِنسرون ويَبرون , وقنسرين ويبرين , وكذلك عشرون وثلاثون.
وقيل: صفة للملائكة جمع عليّ (٥)(٦).
стр. 3552
والجمهور على أنه السَّماء السابعة (١).
قتادة: " قائمة العرش اليمنى " (٢).
ابن عباس ﵄: " الجنة " (٣).
الضَّحاك: " سدرة المنتهى " (٤).
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)﴾: تعظيم لشأنه.
وقيل معناه: ليس هذا من علمكم ولا من علم قومكم.
﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠)﴾: تقديره: وما أدراك ما كتاب علييّن , ثم فسر فقال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي: كتاب عليين كتاب مرقوم.
وقيل: تقديره: عليون محلُّ كتاب مرقوم.
وقيل تقديره: إن كتاب الأبرار لكتاب مرقوم في علييّن , وفيه ضعف؛ لأن ما يتعلق بالصفة لا يتقدم على الموصوف , ويجوز أن يكون خبر بعد خبر لـ ﴿إِنَّ﴾.
ويجوز أن يكون تقديره: هو كتاب مرقوم، على أن يكون الكناية تعود (٥) إلى ﴿كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ , ولم يكن تفسيراً لِعِلِّيِين , وكذلك الكلام في ﴿كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾. والله أعلم.
﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾: يحضره الملائكة.
وذكر في التفاسير: " أنه يشهد عمل الأبرار مقربو كلّ سماء " (٦).
стр. 3553
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)﴾: تنعم (١) في الجنان.
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾: إلى ما يسرهم مما أنعم (٢) الله عليهم من النعيم والحور العين.
وقيل: ينظرون إلى النار وما أعد الله للكفار من العذاب.
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾: برِيقه ونداه (٣).
و ﴿النَّعَمِ﴾: لين العيش واتساع الملاذ.
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾: الخمر الصافية (٤).
الزَّجَّاج: " الشراب الذي لا غش فيه " (٥).
الخليل: " أفضل الخمر وأجودها " (٦).
﴿مَخْتُومٍ (٢٥)﴾: أمر الله بالختم عليه إكراماً لأصحابه.
﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: أي: ما ختم به مسك رطب يتطبع فيه الخاتم.
ابن مسعود ﵁: "مزاجه مسك " (٧).
وقيل: عاقبته (٨) مِسك (٩).
стр. 3554
وقُرِئَ ﴿خَاتَمُهُ مِسْكٌ﴾ (١).
الفَرَّاء: " الخاتم الاسم , والختام المصدر " (٢).
الخليل: " الختام: الطين الذي يختم عليه , والخاتم: ما يختم به " (٣).
ويحتمل أن المعنى: يفوح من شاربه ريح المسك من غير خمار وتغيير نكهة وصداع.
﴿وَفِي ذَلِكَ﴾: قيل إشارة إلى الرحيق، وقيل: إلى نعيم الجنة.
﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾: التنافس في الشيء: أن يضنّ به على الغير لنفاسته.
وقيل: يطلبه كل أحد لنفسه.
وقيل: فليرغب الراغبون (٤).
﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾: ابن عباس وابن مسعود ﵄: اسم لماء ينحدر من تحت العرش , وهو أشرف شراب في الجنة يمزج به شراب أصحاب اليمين والمقربون [يسقون صرفاً غير ممزوج, وهو قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ " (٥).
стр. 3555
يجوز أن تكون الباء زيادة] " (١)، ويجوز أن يكون بمعنى " مِن "، ويجوز أن يكون للظرف (٢).
والـ ﴿تَسْنِيمٍ﴾ في اللغة: تفعيل من تسنّمه , أي: عَلاه (٣).
و ﴿عَيْنًا﴾: " منصوب عند الأخفش بـ ﴿يُسْقَوْنَ﴾ " (٤).
الفرَّاء " ﴿تَسْنِيمٍ﴾ مصدر عمل في العين بعدَ ما نُوِّنَ , كقوله: ﴿إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا .. ﴾ [البلد: ١٥,١٤] " (٥). فعين مفعول به عنده.
المبرد: " منصوب بإضمار أعني " (٦).
وقيل: نصب على الحال , أي جارياً والحال ﴿تَسْنِيمٍ﴾ (٧)، وهو اسم علم للماء عند هذا القائل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾: كفروا.
نزلت في أبي جهل وأصحابه (٨).
﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)﴾: في الدنيا.
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾: وإذا اجتاز بهم مؤمن ,ويجوز وإذا اجتازوا بمؤمن.
﴿يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾: غمز بعضهم إلى بعض إشارة إليه، أي تأمل هذا الرفيع (٩) اتبع محمداً وترك ملاذه لجنة لا تكون أبداً (١٠).
стр. 3556
﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ﴾: رجعوا إلى منازلهم.
﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾: يتفكهون بعيب المؤمن (١).
وقيل: معجبين، وقيل: لاهين.
وقيل: الفَكِه: المَرحُ , والفاكه الطالب (٢) المعجب بما فبه.
وقيل: هما بمعنى كطمع وطامع.
ابن عيسى: " الفاكه (٣): الطالب ما يتفكه به من نوادر الأمور , والفكه: المتمتع بالمأكول من غير أخذه للقوت" (٤).
﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾: أي: إذا رأوا المؤمنين قالوا: خدع محمد هؤلاء فضلوا.
﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾: أي: لم يجعلِ اللهُ هؤلاء الكفار رسلاً يحفظون أعمال الناس وذمهم باشتغالهم بما لم يُكلفوا وتركهم ما يعنيهم من الإيمان.
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)﴾ ابن عباس ﵄: " إذا رأوا أعداءهم وقد حل بهم العذاب سرّوا بذلك وكان أحد لذاتهم " (٥).
وقيل: يُقَرِّرون الكفّار أنهم كانوا بالضحك منهم في دار الدنيا أولى.
стр. 3557
وقيل: هو قوله: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣].
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾
التثويب: الدعاء بعد الدعاء , ثم جعل كل مكافأة ثواباً (١).
ويجوز (٢) أن يكون ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ في موضع مفعول.
﴿يَنْظُرُونَ﴾ أي: يَنْظُرُون هل عذبوا تشفياً منهم بذلك , ويجوز أن يكون استئنافاً , والمعنى: إذا فعل بالكفار ما ذكر فهل جوزوا على سوء صنيعهم (٣). والله أعلم.
стр. 3558
سورة الانشقاق (١)
خمس وعشرون آية (٢)(٣) ويقال: سورة الكدح مَكِّية (٤)(٥).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾: تشققت وتقطعت ذاتها.
وقيل: تشققت بالغمام من قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥].
وعن علي ﵁: "يتشقق من المجرة " (٦).
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾: سمعت وأطاعت.
وحقيقته من إذن للشيء إذا أصغى إليه أذنه للاستماع , والسماع يستعمل للإسعاف والإجابة ,كذلك الإذن , أي: أجابت ربها إلى الانشقاق وما أراده منها.
وقال: هي (٧) مجاز وكناية (٨) عن حصولها على مراد الله - تعالى-.
﴿وَحُقَّتْ (٢)﴾: صيّرت محقوقة بالسمع والطاعة، أي ذلك منه حقٌّ غير باطل.
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾:
الفَرَّاء: " بسطت ومدت كما يمد الأديم " (٩).
الزَّجَّاج: "أزيلت عن هيئتها فبُدّلت " (١٠).
ابن عيسى: "بسطت باندكاك (١١) جبالها وأكمامها حتى يصير كالصحيفة الملساء " (١٢).
ابن بحر: "مدُّها تفريجها (١٣) عمَّا يتضمن حتى يخرج ما في بطنها "، قال: ومعنى ذلك معنى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة: ١ - ٢] " (١٤).
وعن النبي ﷺ : ((إذا كان يوم القيامة مدّ الله الأرض مدّ الأديم , فأكون أول من يدعي , فأرى جبريل ﵇ فأقول: يا رب هذا جبريل أرسلته إليّ، فيقول الله: صدق، ثم أشفع فأقول: عبادك عبدوك في أطراف الأرض وهو المقام المحمود)) (١٥).
﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾: أخرجت الأموات والكنوز.
مجاهد وقتادة: " أخرجت الأموات " (١٦).
وقيل: أخرجت المعادن والكنوز المدفونة فيها قبيل القيامة , وذلك أحد أشراط الساعة.
﴿وَتَخَلَّتْ (٤)﴾: خلّت منها ومنهم.
стр. 3559
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾: أي الأرض ﴿وَحُقَّتْ (٥)﴾: وليس هذا بتكرار.
واختلف المفسرون والنحاة في جواب ﴿إِذَا﴾ فقيل: تقديره: اذكر إذا السَّماء.
الفَرَّاء: " جوابه ﴿وَأَذِنَتْ﴾ والواو زيادة (١) ".
وقيل: قاس هذا على ﴿حَتَّى إِذَا﴾ [آل عمران: ١٥٢] وفيه ضعف.
الزَّجَّاج: " جوابه ما يدل عليه ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ " (٢).
وقيل: فيه تقدير وتأخير , تقديره ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ , ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ أي: جزاءه.
وقيل: جوابه ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ على إضمار الفاء ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ تجد ما تعمل به.
وقيل: العامل فيه ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾: اعتراض.
﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾: عامل ناصب، ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: أن تصير إلى ربك.
﴿كَدْحًا﴾: عملاً، والكدح: السعي المتعب.
وقيل: الكدح سعي يبقى له أثر.
﴿فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾: فملاق: كدخل , أي: جزاه خيراً كان أو شراً.
وقيل: فملاق ربك.
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾: عن النبي ﷺ أنه قال: ((الحساب اليسير التجاوز عن السيئات والاحتساب بالحسنات)) (٣).
стр. 3560
وقيل: هو العرض.
﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾: (١) بهم أتم السرور.
وقيل: هم إخوانه من المؤمنين يُدعى من بينهم للمحاسبة فيرجع إليهم مسروراً , ولفظ ... ﴿وَيَنْقَلِبُ﴾ يدل على المعنى الثاني من أن (٢) يكون بعد المفارقة.
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾: قيل: لأن يديه غلتا إلى عنقه فيؤتى كتابه وراء ظَهْرِه.
الكلبي: " يغل يمين الكافر إلى عنقه ويلوي شماله وراء ظهره " (٣).
وقيل: يصير وجهه قفاه فيقرؤه كذلك.
وقيل: المراد بقوله ﴿وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ ما سَنَّ من سُنَّةٍ سيئة فُعُمِلَ بها بعده , تقول العرب: أظهرت بفلان أي: فعلت بعده ما يفعل هو , وهذا تعسّف.
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١)﴾: هلاكاً , وهو قوله: واهلاكاه.
وقيل: هو لفظه (٤) يستعمل لمن أيقن بالهلاك.
﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾: يدخلهم (٥) جهنم.
﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ﴾ في الدنيا ﴿مَسْرُورًا (١٣)﴾ أي: بالكفر والباطل اللذين كان فيهما.
وقيل: ﴿مَسْرُورًا﴾ بمعاصي الله لا يندم عليها (٦).
стр. 3561
وقيل: ﴿مَسْرُورًا﴾: نافعاً (١) لهواه.
﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾: لن يرجع ولن يبعث.
﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾: أي: عالماً بعمله , وبما يصير إليه.
ابن عيسى: " ﴿ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ والله يخبر أنه يحور , والله عالم بذلك وبجميع ... أموره" (٢).
﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: سبق.
﴿بِالشَّفَقِ (١٦)﴾: هو الحمرة.
وقيل: البياض.
وقيل: النهار كله؛ ولهذا قرنه بالليل.
وقيل: الشفق الشمس (٣).
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾: جمع، من وسق الناقة.
﴿وَسَقَ﴾ طرد من الواسقة (٤) أي: رجع كلّ شيء إلى مستقره ومأواه.
وقيل: طرد بإظهار ما خفاه ضوء الشمس بالنهار والنجوم مطرودة بالنهار.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾: تمَّ بدراً. افتعل من الوسق (٥).
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾: جواب القسم.
стр. 3562
الجمهور (١): حالاً بعد حال , وأمراً بعد أمر ,ومنزلةً بعد منزله , من عز وذل , وفقر وسعة , وإحياء وإماتة , وبعث ومحاسبة , والدخول في الجنة أو نار (٢).
أبو عبيدة: " سنة الأوّلين وسنة من كان قبلهم" (٣).
وقيل: شدّة بعد شدّةٍ من الموت والحشر والحساب , من قولهم للدواهي: بنات طبق وأم طبق.
وقيل: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ طفولة , وشباب , وشيخوخة , وهرم , وموت , وإحياء , وثواب , وعقاب (٤).
وقُرِئ ﴿لتَرْكَبَنَّ﴾ (٥) أي: لتَركَبَنَّ يا محمد طبقاً بعد (٦) طبقٍ من أطباق السماء , يعني ليلة المعراج , عن ابن مسعود ﵁ (٧).
وقيل: الآخرة بعد الأولى، وقيل: ﴿عَنْ﴾ ها هنا للمجاورة.
وقيل: ﴿عَنْ﴾ بمعنى بعد , قال:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وكابراً سادوك عن كابر (٨)
أي بعد كابر (٩).
стр. 3563
﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾: الفَرَّاء: " ما يمنعهم من ذلك " (١).
الكسائي: " ما لهم في أن لا يؤمنوا " (٢).
﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾: قيل: سجدة التلاوة.
وقيل: لا يخضعون ولا يطيعون. والمراد به (٣) الكفار.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾: يخفون في صدورهم ويجمعون من التكذيب بالنبيّ ﷺ
وقيل: المراد: بما يفعلون؛ لأن أعمال الإنسان خيرها وشرها كالذخيرة في الوعاء.
تقول: أوعيت المتاع في الوعاء إذا جعلته فيه , وأوعيت في أذنه فوعت , والأذن واعية.
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾: استهزاء.
وقيل: أخبرهم خبراً يظهر أثره على بشرتهم.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: قيل استثناء منقطع أي: لكن المؤمنين لهم أجر.
وقيل: متصل وهو من الضمير في ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾.
﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾: غير منقطع.
وقيل: غير منقوص.
وقيل: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ به عليهم فإن المنّة تكدّر النعمة (٤).
стр. 3564
سورة البروج (١)
اثنتان وعشرون آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾: قيل المراد بها جميع السماوات.
وقيل: السماء الدنيا؛ فإنها ذات البروج.
ابن عباس ﵄: " ﴿الْبُرُوجِ﴾ قصور في السماء " (٥).
الزَّجَّاج: " ﴿الْبُرُوجِ﴾ النجوم والكواكب " (٦).
ابن جُرير وابن عيسى (٧): " منازل الشمس والقمر " (٨).
وقسمت العرب مجاري الكواكب اثني (٩) عشر قسماً , وهي جملة عرض الفلك: الجمل , والثور والجوزاء , والسرطان , والأسد , والسنبلة , والميزان , والعقرب , والقوس, والجدي والدلو والحوت (١٠).
وقيل: ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ الظهور.
стр. 3565
وقيل: ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ الخَلْق الحسن.
وقيل: ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ (١) الرمل والماء , حكاه أبو مسلم ولا أعرف لذلك وجهاً (٢).
﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢)﴾: هو يوم القيامة , وعد الأولين والآخرين به القضاء (٣) والجزاء والثواب والعقاب.
﴿وَشَاهِدٍ﴾: يوم الجمعة ﴿وَمَشْهُودٍ (٣)﴾: يوم عَرَفة.
وقيل: الشاهد يوم النحر, والمشهود يوم عَرفة.
وقيل: الشاهد النبي , والمشهود أُمَّته , من قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ... [النساء: ٤١].
وقيل: الشاهد: هو (٤) الله من قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] , والمشهود: أنه لا إله إلاّ هو , يعني التوحيد.
وقيل: الشاهد: الملائكة , والمشهود: الناس.
وقيل: الشاهد: الناس , والمشهود: عَمَلُه.
ابن بحر: الشاهد: "من يشهد القيامة ويحضره , والمشهود: ما يحضره " (٥).
وقيل: المشهود القيامة , والشاهد النبي ﷺ .
وقيل: الشاهد عيسى، وقيل: آدم ﵉، وقيل: ابن آدم.
وقيل: الشاهد المُدركات , والمشهود المدرَكات.
وقيل: الشاهد جوارح الإنسان , والمشهود الإنسان (٦). والله أعلم.
стр. 3566
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾: جواب القسم , والتقدير: لقد قُتل , ومثله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩].
الزَّجَّاج: " جوابه: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ " (١).
صاحب النظم: جوابه: ﴿إِن الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
وقيل: تقديره: قُتِلَ أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج.
ومعنى قُتل: لُعن وعُذّب.
وقيل: أراد به حقيقة القتل والإهلاك.
وقيل: ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾: هم المؤمنون، فيكون القتل حقيقة أيضاً (٣).
واختلفوا في ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ , فروي عن ابن عباس ﵄: إنهم ناس من بني إسرائيل آمنوا بدانيال النبي ﵇ فأخذهم ملك من بني إسرائيل وأحرقهم بالنار في الأخدود (٤).
وذكر الكلبي: أن ملكاً بنجران أحرق قوماً من المؤمنين فخدَّ لهم سبعة أخاديد فجمع (٥) فيها نفطاً وحطباً ثم ألقاهم فيها فارتفعت النار حتى أحرقت أصحاب الأخدود (٦).
وذكر الفرّاء: أحرقت أصحاب الأخدود ونجَّى المؤمنين (٧).
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ (٨): أنهم قوم من بقاياهم المجوس كانوا يستحلون نكاح البنات والأخوات (٩).
стр. 3567
قتادة: " كانوا من الحبش " (١).
الحسن والربيع: ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ قوم آمنوا في الفترة واعتزلوا عبدة الأصنام وكانوا بضعة وثمانون رجلاً وامرأة , فعلم قومهم بهم وخدّوا الأخدود, فتوعدوهم (٢) بالإلقاء فيها إن لم يرجعوا , وبقيت عجوز معها ابن لها طفل (٣) فنكصت فصاح بها الابن: يا أمُّاه قفي ولا تنافقي , واسم الطفل قيل: الناقوس (٤).
السُّدي: " ﴿الْأُخْدُودِ﴾ ثلاثة , خدٌّ بالشام , وخدٌّ بالعراق , وخدٌّ باليمن , وجمعه أخاديد " (٥).
المبرد: " ﴿الْأُخْدُودِ﴾ كانت في مشهدين: أحدهما: لبخت نصَّر على نصف فرسخ من الكوفة نصب عليها تمثالاً ودعا إلى السجود لها , فمن أبى قذف في النار , والأخرى: في ديار نجران خدّها يوسف ذو نواس الحِمْيَرِي " (٦). والله أعلم.
﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾: بدل من ﴿الْأُخْدُودِ﴾ بدل اشتمال.
وقيل: بالنار فحذف الباء , وهذا القول لا وجه له.
و ﴿الْوَقُودِ﴾ ما يوقد به النار من الحطب وغيره , وكل نار ذات وقود، وإنما ذكر ها هنا ليدل على عِظَمِ النار بكثرة وقودها.
وقيل: احتراز عن نار الحجر وغيره.
﴿إِذْ هُمْ﴾: يعني الكفار ﴿عَلَيْهَا﴾: على حافة النار.
﴿قُعُودٌ (٦)﴾: جُلُوس على الكرسي.
стр. 3568
﴿وَهُمْ﴾: أي الكفار ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾: حضور يرون ذلك.
مقاتل: " ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ يشهدون عليهم بالضلال حين تركوا عبادة الأصنام " (١).
ابن بحر: "ظاهر الآية تقضي أن هناك جماعة كانوا يصطلون على حفيرة فيها نار , وبين أيديهم قوم آخرون كانوا يعيبون (٢) نفراً من المؤمنين يفزع (٣) من العذاب فلم ينكروا عليهم ولم ينصرهم (٤) فمقتهم الله مع الكفار وجعل لجميعهم عذاب جهنم وعذاب ... الحريق " (٥).
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾: أي: رأوا منهم مذموماً وجبت نصرتهم (٦) له , أي: لم يكرهوا منهم دينا.
﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾: أي: إيمانهم. وذكر بلفظ المستقبل إلاّ أن يديموا (٧) على الإيمان.
﴿بِاللَّهِ الْعَزِيزِ﴾: الذي لا يرام ﴿الْحَمِيدِ (٨)﴾: المستحق للحمد.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾: عالم بكل ما يجري فيهن.
﴿إِن الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: أي أحرقوهم بالنار في الأخدود. وقيل: امتحنوهم ليرجعوا إلى الكفر.
﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾: من الكفر والقتل ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾: بكفرهم.
﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾: في الدنيا , وهو ما سبق أن النار ارتفعت من الأخدود فأهلكتهم.
وقيل: في الآخرة.
ومعنى ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ أي: بإحراقهم المؤمنين.
وقيل: إنما قال: ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ بعد قوله عَذَابٌ ﴿جَهَنَّمَ﴾ لأن في جهنم سوى ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ أنواعاً من العذاب.
وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ دليل على أن التوبة تزيل عقاب القتل وعقاب كل ذنب.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١)﴾: أي النجاة العظيم.
قيل: هذا وصف للمؤمنين الذين صبروا على تعذيب أصحاب الأخدود. وقيل: عام. وهذا أظهر ... .
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾: أي أخذه بالانتقام والعنف متضاعف مكرُوهُه وإيلامُه.
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣)﴾: ابن عباس ﵄: " ﴿يُبْدِئُ﴾ العذاب ويعيده " (٨).
غيره: " يُبدئ الخلق من العدم فيوجده ابتداءً ثم يعيده بعد أن صيّره تراباً " (٩).
وقيل: يوجده من العدم ثانياً.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾: لمن تاب من ذنبه.
стр. 3569
﴿الْوَدُودُ (١٤)﴾: المحب لأوليائه.
﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: خالقُهُ وموجده.
وقيل: ﴿الْعَرْشِ﴾ الملك.
﴿الْمَجِيدُ (١٥)﴾: الجامع لخلال (١) الشرف والكرم , والعظم والرفعُ صفة الله , والجر أيضاً صفة الله (٢) في قوله: ﴿إِنَّ بَطْنِي رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ذكره أبو علي في الحُجَّة (٣).
وقيل: صفة العرش (٤).
وقيل: معنى ﴿الْوَدُودُ﴾ المحبوب المودود، كالركوب والحلوب.
وقيل: المحبّ نفسه إلى أوليائه بالإنعام.
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾: من أفعال نفسه ولما يريد من أفعال عباده.
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨)﴾: أي: تذكر ما كان من حديثهما وتجندهما وحذر قومك مثل ما أصابهم واصبر فالعاقبة لك (٥).
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾: أي لا يتذكرون.
﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾: لا يفوتونه ولا يعجزونه.
الزَّجَّاج: " قدرته مشتمله عليهم " (٦).
стр. 3570
وقيل: الإحاطة بالشيء: ملكه والقدرة عليه.
﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾: ذو خير كثير , لا يناسب السحر والكهانة.
﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾: أي (١): محفوظ من أن يُغيّره أو يُبدّل فيه.
وقيل: ما يحفظه (٢) الملائكة.
وقُرِئ بالرفع (٣) صفة للقرآن كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ... [الحجر: ٩].
стр. 3571
سورة الطَّارق (١)
سبعة عشر آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢)﴾: في سبب النزول إنها نزلت في أبي طالب وذلك أنه أتى النبي ﷺ فأتحفه بخبز ولبن , وبينما هو جالس يأكل إذ انحطّ نجم , وامتلأ (٥) ماءً ثمّ ناراً ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ فقال: نجم رُمي به وهو آية من آيات الله. فتعجب أبو طالب , وأنزل الله هذه الآيات (٦).
قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾: هو ما طرق ليلاً , وأصله الطرق وهو الدَقّ من (٧) أتى ليلاً احتاج إلى الدَقّ للتنبيه , ومنه المِطْرَقة والطريق يدُقّهُ (٨) المارة , وأطرق أمسك , والألف للسلب (٩).
وقيل: ﴿الطَّارِقُ﴾ الساكن.
стр. 3572
والمراد بالآية فيما ذهب إليه الجمهور: ﴿النَّجْمُ﴾: وهو اسم للجنس (١) , وطرُوقها: ظهورها بالليل (٢).
وذهب بعضهم إلى أنه الثُّريّا , كما سبق في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١].
وقال بعضهم: هو زحل.
وعن ابن عباس ﵄: " أن زُحَلْ إذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة " (٣).
وجاء عن علي ﵁ أيضاً: ولعلّهما أرادا هبط من حيث مرأى العين فإنها كلها في العين تُضِيء (٤) من السماء الدنيا فإن لا تفارق أفلاكها (٥) " (٦). والله أعلم.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣)﴾: المضيء من الثقوب , وهو الإضاءة.
وقيل: المرتفِع من قولهم: ثَقُبَ الطائرُ إذا لَحِقَ ببطن السماء ارتفاعاً.
وقيل: ﴿الثَّاقِبُ﴾: من الثقب وهو النفوذ ونفوذه قيل: إضاءته من السماء السابعة إلى الأرض.
وقيل: نفوذه طلوعه.
وقيل: ﴿الثَّاقِبُ﴾: الشيطان حين يرمى به , فلا يكون وصفاً لزحل بل يكون وصفاً لنجوم القذف.
وقيل: ﴿الثَّاقِبُ﴾: المتضح.
وقيل: المبيض.
стр. 3573
وكلٌّ قريب (١).
﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾: جواب للقسم.
﴿لَمَّا عَلَيْهَا﴾ " ما " زيادة , أي لعليها , والمعنى: أن على كل نفس حافظاً يحفظ عمله ورزقه وأجله ونفسه (٢).
وقيل: بمعنى إلاّ.
[قال سيبويه: " يأتي ﴿لَمَّا﴾ بمعنى إلا] (٣): تقول نشدتُك اللهَ لما فعلتَ كذا ... وإلاّ فعلتَ " (٤).
والمعنى: ما نفسٌ إلاّ عليها (٥).
﴿حَافِظٌ (٤)﴾: من ربها.
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾: يعني الكافر المنكر قدرة الله على البعث.
﴿مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾، ثم بين فقال:
﴿خُ ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٦] قٍ (٦)﴾: أي مابين ماء الرجل وماء المرأة فوحد لامتزاجهما. ومعنى ﴿دَافِقٍ﴾ : منصب باعتماد شديد , تقول: دفقت الماء فاندفق وتدفق.
﴿دَافِقٍ﴾ بمعنى مدفوق عند الكوفيين , وكذلك ليل نائم وسر كاتم.
стр. 3574
وعند البصريين: تقديره ذو دفق كتامر ولابن (١).
﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾: ﴿الصُّورِ﴾ الظهر.
و ﴿التَّرَائِبِ﴾ عظام الصدر. قال:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ترائبها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ (٢)(٣).
فماء الرجل من الصلب , وماء المرأة من الترائب.
وقيل: من بين صلب الرجل وترائبه (٤).
وعن الضحاك: " ﴿التَّرَائِبِ﴾ العينان واليدان والرجلان " (٥).
وعن سعيد: " ﴿التَّرَائِبِ﴾: " الأضلاع إلى (٦) أسفل الصلب , أربع من هذا الجنب وأربع من هذا الجنب " (٧).
مجاهد: " من بين المنكبين والصدر " (٨).
وقيل: هي عصارة الولد (٩) ومنه يكون الولد.
﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾: عكرمة ومجاهد: " على ردِّ الماء في الإحليل بعد دفوقه " (١٠).
стр. 3575
الضحاك: " أي (١) هو قادر على أن يرده ماء كما كان , فيرد من الشيخوخة إلى الشباب , ومن الشباب إلى الطفولة والصغر حتى يصير كما كان " (٢).
قتادة: " على بعثه وإعادته بعد موته لقادر (٣) " (٤).
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾: يمتحن ويستخرج المكتوم.
قيل: فرائض (٥) الله من الأعمال التي لو شاء العبد أن يقول فعلتها ولم يكن فعلها أمكنه كالصوم والوضوء (٦) وغسل الجنابة (٧).
﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ﴾: في نفسه ﴿وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾: عشيرة ومنعة.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١)﴾: يرجع بالغيث وأرزاق العباد كل عام.
وقيل: ﴿الرَّجْعِ﴾ المطر والماء. قال:
أبيض كالرجع رَسُوب إذا ... ما ثَاخَ في محتفلٍ يختلي (٨).
عن ابن عباس- ﵄: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ السَّحاب فيه المطر " (٩).
وقيل: رجعها طلوع شمسها كل نهار ونجومها كل ليل (١٠).