سورة الطَّارق (١)
سبعة عشر آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢)﴾: في سبب النزول إنها نزلت في أبي طالب وذلك أنه أتى النبي ﷺ فأتحفه بخبز ولبن , وبينما هو جالس يأكل إذ انحطّ نجم , وامتلأ (٥) ماءً ثمّ ناراً ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ فقال: نجم رُمي به وهو آية من آيات الله. فتعجب أبو طالب , وأنزل الله هذه الآيات (٦).
قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾: هو ما طرق ليلاً , وأصله الطرق وهو الدَقّ من (٧) أتى ليلاً احتاج إلى الدَقّ للتنبيه , ومنه المِطْرَقة والطريق يدُقّهُ (٨) المارة , وأطرق أمسك , والألف للسلب (٩).
وقيل: ﴿الطَّارِقُ﴾ الساكن.
стр. 3572
والمراد بالآية فيما ذهب إليه الجمهور: ﴿النَّجْمُ﴾: وهو اسم للجنس (١) , وطرُوقها: ظهورها بالليل (٢).
وذهب بعضهم إلى أنه الثُّريّا , كما سبق في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١].
وقال بعضهم: هو زحل.
وعن ابن عباس ﵄: " أن زُحَلْ إذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة " (٣).
وجاء عن علي ﵁ أيضاً: ولعلّهما أرادا هبط من حيث مرأى العين فإنها كلها في العين تُضِيء (٤) من السماء الدنيا فإن لا تفارق أفلاكها (٥) " (٦). والله أعلم.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣)﴾: المضيء من الثقوب , وهو الإضاءة.
وقيل: المرتفِع من قولهم: ثَقُبَ الطائرُ إذا لَحِقَ ببطن السماء ارتفاعاً.
وقيل: ﴿الثَّاقِبُ﴾: من الثقب وهو النفوذ ونفوذه قيل: إضاءته من السماء السابعة إلى الأرض.
وقيل: نفوذه طلوعه.
وقيل: ﴿الثَّاقِبُ﴾: الشيطان حين يرمى به , فلا يكون وصفاً لزحل بل يكون وصفاً لنجوم القذف.
وقيل: ﴿الثَّاقِبُ﴾: المتضح.
وقيل: المبيض.
стр. 3573
وكلٌّ قريب (١).
﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾: جواب للقسم.
﴿لَمَّا عَلَيْهَا﴾ " ما " زيادة , أي لعليها , والمعنى: أن على كل نفس حافظاً يحفظ عمله ورزقه وأجله ونفسه (٢).
وقيل: بمعنى إلاّ.
[قال سيبويه: " يأتي ﴿لَمَّا﴾ بمعنى إلا] (٣): تقول نشدتُك اللهَ لما فعلتَ كذا ... وإلاّ فعلتَ " (٤).
والمعنى: ما نفسٌ إلاّ عليها (٥).
﴿حَافِظٌ (٤)﴾: من ربها.
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾: يعني الكافر المنكر قدرة الله على البعث.
﴿مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾، ثم بين فقال:
﴿خُ ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٦] قٍ (٦)﴾: أي مابين ماء الرجل وماء المرأة فوحد لامتزاجهما. ومعنى ﴿دَافِقٍ﴾ : منصب باعتماد شديد , تقول: دفقت الماء فاندفق وتدفق.
﴿دَافِقٍ﴾ بمعنى مدفوق عند الكوفيين , وكذلك ليل نائم وسر كاتم.
стр. 3574
وعند البصريين: تقديره ذو دفق كتامر ولابن (١).
﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾: ﴿الصُّورِ﴾ الظهر.
و ﴿التَّرَائِبِ﴾ عظام الصدر. قال:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ترائبها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ (٢)(٣).
فماء الرجل من الصلب , وماء المرأة من الترائب.
وقيل: من بين صلب الرجل وترائبه (٤).
وعن الضحاك: " ﴿التَّرَائِبِ﴾ العينان واليدان والرجلان " (٥).
وعن سعيد: " ﴿التَّرَائِبِ﴾: " الأضلاع إلى (٦) أسفل الصلب , أربع من هذا الجنب وأربع من هذا الجنب " (٧).
مجاهد: " من بين المنكبين والصدر " (٨).
وقيل: هي عصارة الولد (٩) ومنه يكون الولد.
﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾: عكرمة ومجاهد: " على ردِّ الماء في الإحليل بعد دفوقه " (١٠).
стр. 3575
الضحاك: " أي (١) هو قادر على أن يرده ماء كما كان , فيرد من الشيخوخة إلى الشباب , ومن الشباب إلى الطفولة والصغر حتى يصير كما كان " (٢).
قتادة: " على بعثه وإعادته بعد موته لقادر (٣) " (٤).
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾: يمتحن ويستخرج المكتوم.
قيل: فرائض (٥) الله من الأعمال التي لو شاء العبد أن يقول فعلتها ولم يكن فعلها أمكنه كالصوم والوضوء (٦) وغسل الجنابة (٧).
﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ﴾: في نفسه ﴿وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾: عشيرة ومنعة.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١)﴾: يرجع بالغيث وأرزاق العباد كل عام.
وقيل: ﴿الرَّجْعِ﴾ المطر والماء. قال:
أبيض كالرجع رَسُوب إذا ... ما ثَاخَ في محتفلٍ يختلي (٨).
عن ابن عباس- ﵄: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ السَّحاب فيه المطر " (٩).
وقيل: رجعها طلوع شمسها كل نهار ونجومها كل ليل (١٠).
стр. 3576
﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾: الشق بالنبات، ومثله: ﴿شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦].
مجاهد: " هما السدّان بينهما طريق نافد , مثل مأزمي (١) عرفة " (٢).
وقيل: ذات الأودية (٣).
﴿إِنَّهُ﴾: أي القرآن.
﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣)﴾: حقٌّ وجدٌّ وجزل يفصل بين الحق والباطل.
ويحتمل أن ذكر القيامة: قولٌ فصلٌ: قاطع لا مَثْنَويَّة فيه ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾: بالكذب واللعب والباطل.
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥)﴾: يعني أهل مكة , من قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنفال (٣٠)].
﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ قيل: هو استدراج الله أتاهم (٤) من حيث لا يعلمون.
وقيل: انتقم منهم في الآخرة بالنار، وبالسيف في الدنيا.
وقيل: نقض الله كيدهم وإبطاله عليهم كيد (٥).
﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾: اجعل لهم مهلة وأجلاً لا تستعجل هلاكهم.
والتمهيل والإمهال لغتان (٦).
﴿رُوَيْدًا (١٧)﴾: صفة مصدر محذوف. أي: إمهالاً قليلاً.
قال ابن جنّي: " هذه ألفاظ مختلفة والمعنى واحد إنمّا اختلفت (٧) اجتناباً للتكرار" (٨) , وتقديرها: مهّل ثم أمهل ثم رويداً , أي أرودهم رويداً , وأروَد وأمهل بمعنى.
ورويد تصغير أرواد (٩) بالترخيم.
قيل: هو ما وقع بهم يوم بدر.
وقيل: هو يقع في القيامة.
وقيل: هذا منسوخ.
وقيل: محكمٌ (١٠). والله أعلم.
стр. 3577
سورة الأعلى (١)
سبع عشرة آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾: أصل التسبيح التنزيه , وقد تقدم , والاسم زيادة , والتقدير: سبّح ربك.
وقيل: اسمه صفته وقيل: ومعناه نزّه وصفه عمّا لا يليق به.
وقيل: نزه اسمه عن أن يسمى به غيره.
وقيل: صَلِّ.
وجاء مرفوعاً أن النبي ﷺ لمّا نزلت هذه الآية قال: "اجعلوها في سجودكم " (٥).
وعن أُبيّ ﵁: " إنه كان يفتتح هذه السورة بسبحان ربي الأعلى , ويقول: معناه: قل سبحان ربي الأعلى " (٦).
وقيل: ارفع صوتك بقراءته. قال الشاعر:
قبَّحَ (٧) الإله وجوه تغلب كلما ... سَبحَ الحجيج وكبروا إهلالا (٨)(٩)
стр. 3578
﴿الْأَعْلَى﴾: علا كل شيء قُدْرَهً وسلطاناً , والألف للمبالغة لا للمقابلة.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾: أي الخلائق.
﴿فَسَوَّى (٢)﴾: مستوياً أشهدَه على نفسه أنه (١) خلقه على الفطرة.
وقيل ﴿فَسَوَّى﴾: أحسن.
ابن جرير: " عدّل، والتسوية التعديل " (٢).
﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ أي ﴿قَدَّرَ﴾ الأشياء , والتخفيف والتشديد بمعنى.
وقيل: ﴿قَدَّرَ﴾ بالتَّخفيف: ملك.
و ﴿قَدَّرَ﴾ بالتشديد جعله قادراً ﴿فَهَدَى﴾ (٣).
الفَّراء: " فهدى وأضل فاقتصر على أحد الضدين " (٤).
الزَّجَّاج: " فهداه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً " (٥).
وقيل: هدى الإنسان لمصالحه والبهائم لمراتعه.
وقيل: هدي الذكر لمأتى الإناث.
وقيل: هداه لمعاشه (٦).
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾: أنبت ما ترعاه الدواب.
стр. 3579
﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾: هو ما جفَّ من النبت وهشم فحمله السيل.
وقيل: الغثاء: الأخلاط من أصناف شتى.
﴿أَحْوَى (٥)﴾: أسود محترقاً (١).
الفَرَّاء والزَّجَّاج: فيه تقديم وتأخير , تقديره: أخرج المرعى أحوى أسود من شدة خضرته وكثرة رِيِّه (٢).
وقيل: من كل لون.
و ﴿أَحْوَى﴾ على هذا الوجه: حال لـ ﴿الْمَرْعَى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾.
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾: عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه مخافة أن ينساه , فأنزل الله - تعالى -: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ (٣) أي: نُعلّمك ونَحفظُ عليك ما تقرؤه ولا تنساه , أي: وأنت لا تنساه أخبار.
وقيل: نهي، وألفه ألف الفواصل , كقوله: ﴿الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] و ﴿السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] , وهذا تعسفٌ (٤).
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: الفَرَّاء: " وهو لا يشاء وما نسي ﷺ شيئاً من القرآن " (٥).
الحسن وقتادة: " إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه (٦) إذا تركت قراءته " (٧).
ابن جرير: لا تنساه (٨) إذا درسته ولم تترك قراءته حتى نسخ (٩) " (١٠).
стр. 3580
وقيل: معنى لا ينسى: لا يترك (١) العمل بما أمرت به إلا ما شاء الله أن لا تعمل به بالنسخ (٢).
الزَّجَّاج: " ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ثم تذكره (٣) " (٤) من قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].
ابن عيسى: " ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يؤخر إنزاله " (٥).
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾:
ابن جرير: " ﴿الْجَهْرَ﴾: ما ظهر , ﴿وَمَا يَخْفَى﴾: الوسوسة " (٦).
وقيل: ﴿الْجَهْرَ﴾: ما تحفظه (٧) , ﴿وَمَا يَخْفَى﴾: ما تنساه بعد النسخ.
وقيل: ﴿الْجَهْرَ﴾: قراءته , ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ مخافة نسيانه (٨).
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨)﴾: للخلّة اليسرى , وهو سهولة عمل الخير.
وقيل: اليسرى الجنة , أي ييسر لك (٩) أسباب دخولها (١٠).
﴿فَذَكِّرْ﴾: أي بالقرآن. وقيل: بالله رغبة ورهبة.
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾: أي الذكرى نافعة. ﴿وإِنْ﴾ مخففة من المثقلة.
وقيل: تقديره ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ وإن لم تنفع (١١) فيكون الشرط غير معتد به , وقد سبق أمثاله.
وقيل: ذكرهم إن طمعتَ في قبولهم.
وقيل: ﴿إِنْ﴾ بمعنى النفي.
﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)﴾: سيتعظ من يخشى الله.
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١)﴾: ويتجنب الذكرى الأشقى الكافر.
﴿الَّذِي يَصْلَى﴾: (١٢) يدخل.
﴿النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)﴾: نار جهنم. والصغرى: نار الدنيا.
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم , غسلت بماء البحر مرتين ولولا ذلك لما خُلقت فيها منفعة)) (١٣).
وقيل: الطبقة السفلى منها.
﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾: نفي موتاً بصفة, وحياةً بصفة.
وقيل: أي لا يموت موتاً مريحاً ولا يحيا حياة مَلَذَّة.
وقيل: هي عبارة عن شِدَّةٍ بلغت النهاية.
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ صادق البقاء (١٤) ونال الفوز.
стр. 3581
﴿مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾: عكرمة: " قال لا إله إلا الله " (١).
الزَّجَّاج: " تَكَثَّر بالتقوى " (٢).
وقيل: يتطهر من المعاصي.
قتادة: "أخرج الزكاة المفروضة " (٣).
وقيل: صدقة الفطر.
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾: أي التكبير يوم العيد.
﴿فَصَلَّى (١٥)﴾: صلاة العيد.
وقيل: الصلوات الخمس.
وقيل: صلاة الليل (٤).
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾: على الآخرة , والضمير للأشقين (٥).
وقرئ بالتاء (٦) على تقدير: قل لهم , فالخطاب لهم أيضاً.
وقيل: الخطاب للمؤمنين.
وقيل: أي: بل تؤثرون الاستكثار من الدنيا على الاستكثار من الآخرة (٧).
﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾: أي ﴿خَيْرًا﴾ للمؤمنين.
و ﴿وَأَبْقَى﴾ للجزاء والثواب.
стр. 3582
قتادة: " ﴿خَيْرًا﴾ في الخير , و ﴿وَأَبْقَى﴾ في البقاء " (١) وهذا تفسير لا يخفى على أحد.
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨)﴾: هذا إشارة إلى فلاح المتزكي وكون الآخرة خيرٌ وأبقى.
وقيل: إشارة إلى ما في السورة أجمع.
وقيل: إشارة إلى جميع القرآن (٢).
والصُّحُف: جمع صَحِيفة.
ثم أبدل فقال:
﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ أي ما أنزل عليهما.- صلوات الله عليهم أجمعين -.
стр. 3583
سورة الغَاشِيَة (١)
سِتٌّ وعشرون آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾: ﴿هَلْ﴾ استفهام , ومعناه ها هنا: تعظيم المستفهم عنه , أي: ينبه (٥) الغاشية.
الزَّجَّاج: أي: لم يكن هذا من علمك ولا من علم قومك حتى أعلمتكم " (٦).
﴿الْغَاشِيَةِ﴾ القيامة؛ لأنها تغشى القلوب بشدائدها (٧).
سعيد: " ﴿الْغَاشِيَةِ﴾ النار " (٨)، من قوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ [إبراهيم: ٥٠] ".
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾: أي وجوه الكفار، وعَبَّرَ بها عن أصحابها؛ لأنها تشمل (٩) على الحواس الخمس.
стр. 3584
﴿خَاشِعَةٌ (٢)﴾: ذليلة.
﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾: تعالج السلاسل والأغلال.
وقيل: تقاسي (١) الشدائد وتكابد المكاره.
السُّدي: " ﴿عَامِلَةٌ﴾ في الدنيا ﴿نَاصِبَةٌ﴾ في الآخرة " (٢).
وقيل: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ في الدنيا , أي في غير ما أمره الله.
وقيل: هم نُسَّاك (٣) اليهود والنصارى من الرهبانيّة وغيرهم (٤).
﴿تَصْلَى نَارًا﴾: تدخل , من صَلِيَ يَصْلَى، و ﴿تَصْلَى﴾، من أصلاه الله (٥).
﴿حَامِيَةً (٤)﴾: أي متناهية في الحرارة.
﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (٥)﴾: بلغت إنائها في نضجها (٦) وإدراكها.
وقيل: بلغت وقتها وحان شرابها من آناء الليل.
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾:
سعيد: " الضريع: الحجارة " (٧).
الحسن: " الضريع: هو الذي يضرعون عنده ويذلّون لما في أكله من الشدة " (٨).
стр. 3585
الضحاك: "شجرة في النار من جنس النار يشبه الضريع , أو من جنس لا تفنيه النار " (١). وقيل: هذا مثلٌ.
والضريع عند العرب: نبت لاطئ بالأرض له شوك يقال لرطبه: الشبرق , فإذا يبس سمي ضريعاً , ويقال: إنه يسمن الإبل رطباً (٢).
وذكر أنّ أبا جهل قال لما نزلت هذه الآية: استهزأ وقال: وما بال الضريع سيسمننا في الدنيا كما يسمن إبلنا؟! , فأنزل الله: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾: فضلاً عن السِّمن (٣).
المبرد: هو أبشمُ مطعم وأخبثه (٤).
وقيل: الضريع: سُمٌّ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾: أي وجوه المؤمنين.
قيل: أراد و ﴿وُجُوهٌ﴾ بواو العطف , فحذف الواو.
﴿نَاعِمَةٌ﴾ متنعمة في لين العيش.
﴿لِسَعْيِهَا﴾: طاعتها وعملها في الدنيا. والمعنى: لأجل سعيها.
﴿رَاضِيَةٌ (٩)﴾: (٥) رضيت عملها إذ أرادت حميد عاقبتها.
وقيل: فيه تقديم , والتقدير: راضية لسعيها , واللام زيادة , كما تقول: ضارب لزيد , وأنت تريد: ضارب زيد.
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾: غرف فوق غرف.
стр. 3586
وقيل: عالية الشأن.
﴿لَا تَسْمَعُ﴾: أي الوجوه.
﴿فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾: كلمة ذات لغو , وهو الكلام الساقط غير المرضي.
الفَرَّاء: " نفس لاغية تحلف كاذبة " (١).
قتادة والزجاج: " مأثما " (٢).
﴿فِيهَا﴾: في الجنة.
﴿عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾: عين ماءٍ جارية على وجه أرضها من غير أخدود لا ينقطعُ أبداً.
﴿فِيهَا سُرُرٌ﴾: جمع سرير.
﴿مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾: أي: طوال قوائمها منصوبة (٣) على أنشازٍ يطّلعُ القاعدُ عليه على ما خوّله الله - تعالى - من النعيم , طوله مائة فرسخ.
﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)﴾: جمع كوب , وهو الآنية لا عروة لها ولا خرطوم.
وقيل: الكوب القدح.
﴿مَوْضُوعَةٌ﴾: وضعت على حافات الأنهار.
وقيل: وضعت تزييناً للمجالس.
﴿وَنَمَارِقُ﴾: جمع نمرقَة بالفتح والضم , وهي الوسادة. وقيل: أنصافها.
﴿مَصْفُوفَةٌ (١٥)﴾: موضوعة بعضها إلى جنب بعض على الطول.
﴿وَزَرَابِيُّ﴾: جمع زربيّ , وهو البساط (٤).
стр. 3587
﴿مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾: متفرقة في المجالس مختلفة الألوان.
وقيل: مفروشة.
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾: خَصَّ الإبل بالذِّكر؛ لِحُبُّ العرب إيَّاها , وممارستهم أحوالها , وأنها تنقاد (١) مع عِظم جسمها (٢) , وكثرة أجزائها للصبي الطفل.
وقيل: تلفيقها بالأول من وجه وهو: إنهم قالوا: كيف يصعد المؤمن السرير الموصوف بالطول المذكور , فذكر الله الإبل؛ أي أن السرير تطأطئ للمؤمن كما تطأطئ الإبل رأسها لراكبها (٣).
ابن عيسى: " الإبل: السَّحاب , ذكره في كتاب الاشتقاق " (٤).
﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾: أي رفعت عن الأرض غير منفصلة.
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)﴾: على الأرض غير منفصلة.
المبرد: الفائدة في ذكر الجبل: أنهم يصعدون إلى الجبل الصيخود (٥) عامّة يوم (٦) , فإذا أفضوا إلى أعلاه أفضوا إلى عيون منفجرة وثمار مُتَهَدِّلة لم تحرثها (٧) الأيدي نعمة من الله وبُلْغَةً إلى أجل , أليس الذي خلق هذا بقادر على أن يخلق ما أراد في الجنة " (٨).
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾: بسطت.
стр. 3588
استدل بعضهم بهذا على أن الأرض مبسوطة وليست على شكل الكرة، [ومن قال: إنها على شكل الكرة] (١) , أجاب فقال: بسطت في مرأى العين (٢).
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾: أي: ذكرهم الأدلة , وحثهم على التفكير فيها , ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ليس عليك إلاّ الدعاء والتذكير.
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ : مُسَلَّط (٣) جَبَّار (٤).
وقيل: حفيظ يكتب (٥) عليهم ما يفعلون.
الحسن: " برب يخبرهم ما يريد " (٦).
﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣)﴾: أي: ﴿تَوَلَّى﴾ عنك ﴿وَكِيلًا﴾ بالله.
والاستثناء عند الجمهور منقطع , تقديره: لكن من تولى وكفر فيعذبه الله.
وقيل: متصل , تقديره: لَسْتَ عليهم بمُسلّط إلاّ الكافر فإنك مُسَلَّط عليه بالجهاد (٧).
الفَرَّاء: " يجوز أن يكون استثناءً متصلاً من ﴿مُذَكِّرٌ﴾ أي: إلاّ من لا يقبل فلست بمذكر له إذا لم ينفعه ذلك " (٨).
الزَّجَّاج: " الآية منسوخة بآية السيف " (٩).
стр. 3589
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾: أي في النار.
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾: رجوعهم لا يفوتوننا (١) وإن طال المدى.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾: في القيامة , فنجازي المحسن بإحسانه , والمسيء بإساءته.
стр. 3590
سورة الفَجْر (١)
ثلاثون آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾: هو شق عمود الصبح , والمراد به: فجر كل يوم.
وقيل: فجر يوم النحر.
وقيل: فجر يوم عرفة.
ابن عباس ﵄: " صلاة الفجر " (٥).
علي ﵁: " فجر أول يوم من المحرم " (٦).
وقيل: فجر أول يوم من ذي الحجة.
﴿وَالْفَجْرِ﴾ فجران: مستطيل وهو من الليل.
وقيل: ومعترض وهو من النهار , والقسم واقع عليه (٧).
وقيل: انفجار الماء من العيون , والنبات من الأرض (٨).
قتادة: " انفجار الماء من بين (٩) أصابع رسول الله ﷺ يوم الطائف " (١٠).
стр. 3591
الحسن: " انفجار الناقة من الصخرة لصالح ﵇ " (١).
﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾: الجمهور على أنها: (٢) عشر ذي الحجة.
وقيل: العشر الأولى من محرم.
وقيل: العشر الآخِر من شهر رمضان (٣).
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾: ابن عباس ﵄: ﴿وَالشَّفْعِ﴾ الخلق , ﴿وَالْوَتْرِ﴾ الخالق " (٤).
وعنه أيضاً: " ﴿وَالشَّفْعِ﴾ يوم النحر , ﴿وَالْوَتْرِ﴾ يوم عرفة " (٥).
وقيل: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ الصلوات , فإن فيها شفعاً ووتراً.
[وقيل: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ الخلق، فإن فيهم شفعاً ووتراً] (٦).
وقيل: ﴿الشَّفْعِ﴾ أيام الدنيا , ﴿وَالْوَتْرِ﴾ يوم القيامة.
وقيل: ﴿الشَّفْعِ﴾ أبواب الجنة , ﴿وَالْوَتْرِ﴾ أبواب النار.
الحسن: " ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ العدد كله " (٧).
وقيل: ﴿الشَّفْعِ﴾ يوما منى , ﴿وَالْوَتْرِ﴾ اليوم الثالث (٨).
стр. 3592
وقيل: ﴿الشَّفْعِ﴾ العشر , ﴿وَالْوَتْرِ﴾ أيام مِنى الثلاثة.
وقيل: هو آدم , وكان فرداً فشفع بحواء (١). والله أعلم.
﴿وَالْوَتْرِ﴾ و ﴿الوِتْر﴾: لغتان (٢) , وهو الفرد.
﴿الشَّفْعِ﴾ ما معه مثله , ومنه الشفيع والشفاعة.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾: أقبل.
وقيل: أدبر.
وقيل: يسري من أوله إلى آخره.
وقيل: يسري فيه الساري.
وقيل: ليلة القدر.
وقيل: ليلة براة (٣).
وقيل: ليلة المزدلفة. أقسم الله بهذه كلها.
وقيل: برب هذه الأشياء , وهو ضعيف , وقد سبق.
وجواب القسم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
﴿هَلْ فِي ذَلِكَ﴾: أي في القسم بهذه الأشياء.
﴿قَسَمٌ﴾: مكتفي ومقنع في القسم.
﴿لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾: عقلٍ ولبٍّ وحِلْمٍ (٤).
стр. 3593
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾: هو اسم قبيلة هي قوم هود.
﴿إِرَمَ﴾: قيل: هو اسم الإسكندرية.
وقيل: دمشق.
وقيل: اسم بلد وبساتين (١).
مجاهد: " اسم أم عاد " (٢).
وقيل: أبو عاد , والتقدير: صاحب ﴿إِرَمَ﴾ وابن ﴿إِرَمَ﴾.
وقيل: سبط ﴿إِرَمَ﴾ وهو عاد بن عُوص بن إرم، فحذف المضاف أوله اسمان ,كما قال الزَّجَّاج: " هما عادان أولهما إرم ذات العماد " (٣).
قتادة: " ﴿إِرَمَ﴾ قبيلة من عاد " (٤).
وقيل: معنى ﴿إِرَمَ﴾ القديمة.
وقيل: ﴿إِرَمَ﴾ (٥) هي الحجارة المجموعة على الطرق كهيئة الأعلام , وجمعها الآرام , وكانوا ينتجعون للغيث (٦) , ويجعل كل واحد في منزله إرماً يعرف به.
وقيل: ﴿إِرَمَ﴾ من قولهم: هذا ما روم على هذا , أي: مبنيٌّ عليه , فيكون من صفة البلد أو البستان (٧).
стр. 3594
﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ذات البناء (١) الرفيع.
وقيل: ﴿ذَاتِ﴾ الأجسام الطويلة (٢) , وكان طول الواحد منهم اثني عشر ذراعاً.
وقيل: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم سبعين ذراع.
وقيل: ﴿ذَاتِ﴾ الرفعة والقوة والثبات.
وقيل: ﴿ذَاتِ﴾ عمد سيّارة ينتجعون الغيث والكلأ.
﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ قيل: الضمير يعود إليهم.
وقيل: يعود إلى الأبنية والعمد.
﴿وَثَمُودَ﴾: هم بنو عم عاد.
الَّذِينَ ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾: قطعوه واتخذوه منازل.
وقيل: اتخذوا منها منازل.
﴿بِالْوَادِ﴾: وادي القُرى (٣).
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠)﴾: ﴿ذِي﴾ الجنود الكثيرة.
وقيل: ﴿ذِي﴾ الأبنية.
وقيل: أوتاد يعذب الناس بها (٤).
стр. 3595
وقيل: أوتاد يلعب عليها عنده.
وقيل: أراد أوتاد الخيام (١).
﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١)﴾: تجاوزوا الحد في الكفر والتكبر (٢).
﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢)﴾: بالكفر , والقتل , والسبي , والنهب , وبمنع الناس عن عبادة الله وطاعته.
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)﴾: المبرد: " كل شيء عذب الله به فهو سوط عذاب " (٣).
ابن عيسى: " ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: هو ما يخالط اللحم والدم: يقال: ساطه يسوطه " (٤).
الزَّجَّاج: " جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب " (٥).
الفَرَّاء: " يقال لكل نوع من العذاب سوط، وإن كان يغيره أنه أشده عندهم " (٦).
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾: بحيث يرى ويسمع.
الزَّجَّاج: " يرصد من كفر به " (٧).
الفَرَّاء: " إليه المصير " (٨).
وقيل: عذابه بالمرصاد بحيث لا يفوتونه.
وقيل: برصدهم في الآخرة على قناطر جهنم.
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ﴾ " الزَّجَّاج: يعني به الكافر الذي لا يؤمن بالبعث " (٩).
стр. 3596
ابن عباس: " عتبة بن ربيعة " (١).
الكلبي: " أبي بن خلف " (٢).
مقاتل: " أمية بن خلف " (٣).
﴿إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ اختبره بالغنى واليسر (٤).
﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ رزقه وأنعم عليه.
﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾: فضلني بما أعطاني , يرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا.
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾: بالفقر.
﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾: ضيَّق عليه.
وقيل: جعله بمقدار بلغته (٥).
﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)﴾: يرى الهوان في قلة الحظ منها.
﴿كَلَّا﴾: ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته , وإنما الإكرام والإهانة في الطاعة والمعصية.
وقيل: معنى ﴿كَلَّا﴾ ها هنا أي: لم يكن ينبغي أن يكون حمده على نعمة دون فقره بل ينبغي أن يكون حمده على الحالين جميعاً (٦).
﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧)﴾: أي إهانتي إياهم لتركهم إكرام اليتيم.
مقاتل: "نزلت في قُدَامة بن مَظْعُون (٧) وكان يتيماً في حِجْر أمية بن خلف يدفعه عن حقه , أي لا يكرمونه بإيصال حقّه إليه " (٨).
وقيل: لا يحسنون إليه ولا يرونه (٩).
﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)﴾: أي: لا يأتونه ولا يأمرون به , والتقدير: على إطعام طعام اليتيم.
وقيل: وقع الطعام موقع الإطعام , كالنبات موقع الإنبات.
وقُرئ: ﴿ولا يحضُّون﴾ (١٠) أي لا يأمر بعضهم بعضاً.
﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾: الميراث، وقيل: وأصله الوُرَاث قلبت الواو تاء.
﴿أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾: يأتي على جميعه.
الزَّجَّاج: " يلمون بجميعه وذلك إنهم كانوا لا يورثون صغار الأولاد ولا النساء " (١١).
الفَرَّاء: " ﴿لَمًّا﴾ شديداً " (١٢).
стр. 3597
وقيل: لا يميزون الحلال من الحرام , والمطلق من المحظور.
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾: كثيراً يمنعه عن إخراج حق الله - تعالى -.
وقوله: ﴿جَمًّا﴾ يجوز أن يكون صفةً للمصدر , ويجوز أن يكون حالاً للمال (١).
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾: أي: ينبغي أن يكون الأمر هكذا. وقيل: معناه: حقاً ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ﴾.
ابن عباس: " مُدّت كما يمد الأديم [فتصير] (٢) ملساء بذهاب الأبنية والجبال " (٣).
الزَّجَّاج: " ﴿دُكَّتِ﴾ زلزلت " (٤).
ابن عيسى: " الدَّكُّ: حطّ المرتفع بالبسط , من قولهم: ناقة دَكَّاء لا سَنَام لها " (٥).
﴿دَكًّا دَكًّا﴾ أي: يدك مراراً.
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: ابن عباس: " أمرُ ربك وقضاء ربك " (٦).
وقيل: جاء بلا كيف.
وقيل: ظهر بضرورة المعرفة (٧)(٨).
﴿وَالْمَلَكُ﴾: اسم جنس.
﴿صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾: صفوفاً , أهل كلِّ سماء صفٌّ.
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾: عن النبي ﷺ أنه قال: ((يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام ومع (٩) كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)) (١٠).
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾: أي يتذكر ما أخبر به في الدنيا فيتعظ ويتوب.
﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾: ومن أين له التوبة وليس بدار تكليف؟.
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾: تمنى أن يكون قد قدَّم في الحياة الدنيا أعمالاً صالحة لأجل الحياة التي لا فناء لها.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥)﴾: أي لا يَكلْ الله التعذيب إلى أحد من الملائكة وغيرهم , بل يتولى بنفسه سبحانه.
وقيل: لا يبلغ أحد يومئذٍ من الملائكة (١١) بلاغ الله في العذاب.
وقيل: يومئذٍ لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله في الآخرة (١٢). أورده أبو علي في الحجة (١٣) ووجه هذا أن يجعل "يومئذٍ " مبتدأ وهو مبني على الفتح , و ﴿لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ خبره , والتقدير: فيه , والهاء يعود على هذه الوجوه إلى الله , و " عَذاب " واقع موقع تعذيب , والمراد بأحد الملائكة.
وقرأه الكسائي بالفتح على وجهين: أحدهما: أنه بمعنى لا يبلغ بلاغ الله واحد , الملفوظ رفع وهو المقدّر في الوجه الأول؛ لأن تقدير الأول (١٤): لا يعذب أحد أحداً.
стр. 3598
والثاني: أن الهاء يعود إلى الكافر المتقدم ذكره ,والمعنى: لا يُعَذَّبُ بعذاب هذا الكافر أحد , كقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ... [الأنعام: ١٦٤].
وكذالك الكلام في قوله: ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ (١): الوثاق: الشُّدُّ في الأغلال والسلاسل.
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾: أي: المطمئنة بالله وبالإيمان , من قوله: ... ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ... ﴾ [الرعد: ٢٨].
وقيل: اطمأنت بالبشرى من الملائكة من قوله: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
وقيل: اطمأنت إذا أوتيت كتابها بيمينها.
ابن عباس ﵄: "الخطاب لروح المؤمن يأمرها الله بالرجوع إلى ... الجسد " (٢).
فيكون قوله: ﴿إِلَى رَبِّكِ﴾ أمر ربك.
وقيل: ﴿رَبِّكِ﴾ بَدَن صاحبك.
وقيل: هذا خطاب لها يوم النزع , أي: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً﴾: عن الله ... - تعالى - بما تصيرين إليه من الثواب العظيم والعيش النعيم (٣).
﴿مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾: رضيها الله - تعالى -.
стр. 3599
ثم يقال لها يوم القيامة: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾: أي (١) في كل منهم.
وقيل: في جملة عبادي.
وقيل: مع عبادي.
وقيل: ﴿فِي عِبَادِي﴾ عبادتي وطاعتي , فحذف التاء كإقام الصلاة.
وقُرِئ في الشواذ: ﴿في عبدي﴾ (٢).
﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾: التي أعددت لعبادي الصالحين.
وفي بعض التفاسير: هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان (٣) ﵁ , بَيَّنَ اللهُ - تعالى - أنَّ عثمان سيقتل شهيداً مظلوماً (٤). والله أعلم.
стр. 3600
سورة البلد (١)
عشرون آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَا أُقْسِمُ﴾: سبق نظائره.
وقيل: تقديره (٥) ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾: يعني مكة.
وقيل: الحرم كله، وأنت حاضر , أي القسم بعمرك أولى منه به (٦).
وقيل: أقسم به (٧).
﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾: حالٌّ: نازلٌ فيه.
وقيل: أي لنزولك فيه أقسم به.
وقيل: أقسم به.
﴿بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾: أي: حلال تصنع فيه ما تريد، وذلك أن الله - تعالى - أحلَّ مكة ساعة من النهار حتى قتل من شاء وأسر من شاء , وقُتل ابن خَطَل (٨) يومئذ وهو متعلق بأستار الكعبة.
وقيل: معناه: وأنت حِلٌّ مما صنعت في هذا البلد.
وقيل: تقديره: لا أقسم بهذا البلد وأنت فيه مستحَلُّ الحرمة مضاعُ الحق فيه (٩).
﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣)﴾: قيل آدم وأولاده، ﴿مَا﴾ بمعنى مَنْ.
وقيل: هو للمصدر , أي: وولادته.
وقيل: هو إبراهيم ﵇ وأولاده (١٠).
وقيل ﴿مَا﴾ بمعنى الذي , والمراد به المتناسل من جميع الخلق , قاله أبو علي (١١).
وعن ابن عباس وعكرمة: "ووالد الذي ولد للعاقر " (١٢).
فجعلا (١٣) ﴿مَا﴾ نفياً، أوله وجه آخر. والله أعلم (١٤)(١٥).
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: جواب للقسم (١٦)، يعني بني آدم كلهم.
فِي ﴿كَبَدٍ (٤)﴾: في شدة ومقاساة يكابد (١٧) أمر الدنيا شدائدها (١٨).
стр. 3601
وقيل: من نطفة ثم من علقة تتلبّد (١) في الخلق من تَلبّد (٢) الدم وغلظه (٣).
وقيل: المراد به آدم ﵇ خلق في كبد السماء , قاله ابن زيد (٤).
وقيل: منتصباً معتدلاً.
وقيل: حرباً (٥) غليظ الكبد , تقول: كبد الرجل يكبد كبداً إذا صار غليظ الكبد (٦).
وقيل: ووالد محمد، وما ولد أمته لأنه لهم بمنزلة الأب لقوله: ((إنما أنا لكم مثل ... الوالد)) (٧).
وفي مصحف أُبيّ ﴿وأزواجه أمهاتهم وهو لهم أب﴾ (٨).
ويحتمل والله أعلم إن قوله: ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ بمعنى الوالدة , والتقدير ووالد ووالدة، ولم يؤنث حملاً على ﴿مَا﴾ , ﴿مَا﴾ بمعنى التي , كما في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾: نزلت في أبي الأشد بن كلدة بن أسيد , وكان رجلاً قوياً يجعل تحت أديم عُكاظي ويجذبه (٩) العشرة وزيادة، وقيل: فينقطع الأديم ولا يزول (١٠) قدماه , والمعنى: أيحسب لقوته وبطشه أن لن يقدر عليه أحد من الخلق (١١).
стр. 3602
وقيل: ﴿أَحَدٌ﴾: هو الله سبحانه.
﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦)﴾: كثيراً. وهو صيغة الواحد مشتق من تلبد الشيء إذا كثر واجتمع , أي أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ (١)(٢).
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾: الأحد هو الله - تعالى - أي يظن (٣) أنَّ الله لا يطالبه من أين اكتسب؟ وأين أنفق؟.
وقيل: هو كاذب فيما يقول يحسب أن لم يره أحد من الناس فيكذبه.
ثم عدَّد نعمه عليه وعلى غيره من خلقه فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾: يبصر بهما.
﴿وَلِسَانًا﴾: يعبِّر به عمّا في ضميره.
﴿وَشَفَتَيْنِ (٩)﴾: يستر بهما ثغوره.
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾: طريق الخير وطريق الشر المفضيان إلى الجنة والنار (٤).
قتادة: " النجدان الثديان " (٥).
والنجد: المرتفع (٦).
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾: أي هذا الكافر لم يقتحم العقبة.
стр. 3603
والاقتحام: الدخول في الشيء والمجاوزة له بصعوبة (١).
﴿لَا﴾ بمعنى لم (٢).
وقيل: وهي مكررة معنى.
الفَرَّاء: " لما فسر اقتحام العقبة بثلاثة أشياء صار كأنّه أعاد ﴿لَا﴾ ثلاث مرات " (٣).
قال أبو على: " لا يلزم تكرار ﴿لَا﴾ إذا كان بمعنى لم " (٤).
و ﴿الْعَقَبَةَ﴾ هي عقبة في جهنم يكلّف الكفار صعودها عن جماعة.
وقيل: ﴿الْعَقَبَةَ﴾ طاعة الله , سميت عقبة لكثرة دواعي ضدّها.
وقيل: ﴿الْعَقَبَةَ﴾ حمل النفس على المشقة (٥).
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾: تعظيماً لشأنها.
﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾: تخليصها من الرق بالعتق , أو الإعانة في مال الكتابة.
وقيل: فك رقبته وخلاص نفسه.
﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾: زمان قحط وجوع.
﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾: قرابة النسب.
﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾: لاصق بالتراب من الفقر لا يصونه عنه شيء (٦).
سعيد: " ذا عيال لا مال له " (٧).
стр. 3604
عكرمة: " هو المديون " (١).
وأراد بقوله: ﴿مَا الْعَقَبَةُ﴾ ما اقتحامها , ثم فسر فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾ ومن قرأ بلفظ الفعل جعله بدلاً من قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾ أي فلا فَكَّ رقبة ولا أطعمَ مسكيناً (٢).
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: أي: أقام على إيمانه.
وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ مع الجملة لا يدل على التراخي , وتقديره: وقبل ذلك كان من الذين آمنوا لأنه إذا لم يكن مؤمناً لا ينفعه قربه.
وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ على أصله , والتراخي ها هنا في إخبار الله لا في الإيمان.
وَتَوَاصَوْا ﴿بِالصَّبْرِ﴾: وصى بعضهم بعضاً بالصبر على أداء الطاعات وعن ارتكاب المحرمات.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾: بأن يرق للفقير والمسكين بالأنعام عليهم.
وقيل: تواصوا بالآخرة لأنها دار الرحمة.
﴿أُولَئِكَ﴾: أي الموصوفون بالصفات المتقدمة.
﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾: أي يأخذون نحو (٣) اليمين إلى الجنة.
وقيل: يؤتون كتبهم بأيمانهم (٤).
стр. 3605
وقيل: هم الميامين على أنفسهم.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا﴾: بمحمد ﷺ والقرآن.
هُمْ ﴿أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩)﴾: أي يأخذون نحو (١) الشمال إلى النار.
وقيل: يؤتون كتبهم بشمالهم.
وقيل: هم المشائيم على أنفسهم.
﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾: مطبقة من أصدت البابَ (٢) أطبقته (٣).
وقُرِئَ ﴿مُوْصَدَةٌ﴾ بغير همز أصلاً من الوصيد وهو الباب , أي: مقفلة (٤). والله أعلم.
وإتباعها: قيل: ليلة الهلال.
وقيل: في النصف الأول من الشهر.
وقيل: ليلة البدر يتلوها في الإضاءة والنور الكامل (١).
الفَرَّاء: " يتلوها فيأخذ من نورها , كما يقال: يتلوها فلاناً , أي: يأخذ من علمه. والإتباع والتلوُّ واحد " (٢).
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾: جلَّى الظُّلمة وكشفها , كنى عنها ولم يتقدم ذكرها , كقولهم: والذي شقهن خمساً من واحدة، أي الأصابع , وهبت شمالاً: أي الريح (٣).
وقيل: جلّى الشمس وأظهرها للرَّائين (٤).
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾: ستر الشمس وأظلمها.
وقيل: يغشى الأفق بظلامه.
وقيل: يغشى الأرض (٥).
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾: مجاهد والحسن: "ومن بناها، وهو الله - تعالى -" (٦).
و ﴿مَا﴾ بمعنى " مَنْ ".
قتادة وغيره: " وبنائها " (٧). هكذا في أكثر التفاسير , والصواب وبناء الله إيَّاها؛ لأن فيما تقدم ذكر الفاعل.
﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦)﴾: أي مدّها وبسطها.
стр. 3608
﴿مَا﴾ بمعنى مَنْ. وقيل: وطحو الله إيَّاها.
﴿وَنَفْسٍ﴾: قيل: آدم ﵇.
وقيل: عام (١).
﴿وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾: ومن سواها.
وقيل: وتسوية الله إيَّاها أي: خلقها في أحسن صورة , وجعل فيها العقل والتمييز. وقيل: عدل فيهم.
﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: أعلمها وأودعها وهو من الإلهام الذي بمعنى الالتفاف (٢).
﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾: الزَّجَّاج: " وفَّقَهَا وخذلها " (٣).
ابن عباس: " الطاعة والمعصية " (٤).
وقيل: الشقاوة والسعادة.
وقيل: ألزمها الخير والشر (٥).
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾: جواب القسم , والتقدير: لقد أفلح.
﴿مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾: ابن عباس: " زَكَّى الله نفسه " (٦).
غيره: زكى الإنسان نفسه بطاعة الله , أي طهرها وأصلحها وجعلها زاكية (٧).
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ فات الظفر ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾ وضع قدرها وأخملها , من التدسية وهو الغمس والإخفاء , وأصله من دسَّ الشيء , وفاعل دسَّا كفاعل زكى.
стр. 3609
وقيل: زكى نفسه بالصدقة.
وقيل: ودسَّى نفسه في أهل الخير وليس منهم (١).
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾: بمجاوزتها الحال المحمودة إلى الحال المذمومة.
وقيل: ﴿إِذِ انْبَعَثَ﴾: حين (٢) قام.
﴿أَشْقَاهَا (١٢)﴾: أشقى ثمود وهو قداد بن سالف الأحمير (٣)(٤).
قال الفراء: إنهما كانا رجلين [: فلان بن دهر , والآخر قدار بن سالف. قال: ولم يقل (أشقياها) للآية (٥).
قال الكلبي: هما رجلان] (٦): قدار بن سالف , ومصدع بن دهر " (٧).
وقيل: مصدع بن بهرج ... .
﴿فَقَالَ لَهُمْ﴾: للقوم كلهم.
﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: صالح ﵇.
﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾: أي احفظوها واحذروها أن تنالوها بسوء.
﴿وَسُقْيَاهَا (١٣)﴾: شربها في يوم نصيبها.
وقيل: دورها وشربها.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾: أي كذَّبوه فيما أخبرهم بحلول العذاب.
стр. 3610
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: الناقة , أسند الفعل إليهم جميعاً لما رضوا به.
الفَرَّاء: " فعقروها فكذَّبوه فيكون العقر تكذيباً , أي: كفى بعقرهم إياها تكذيباً " (١).
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾: أهلكهم وأطبق عليهم العذاب (٢).
المفضّل " غضب عليهم " (٣).
والدَّمْدمة: الكلام بغضب (٤).
﴿فَسَوَّاهَا (١٤)﴾: أي الدمدمة.
وقيل: فسوّى ثمود بالهلاك.
وقيل: فسوّى أشجارها وأبنيتها (٥).
﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾: عاقبة تلك الفعلة.
والفعل لله سبحانه، أي: لم يبال.
وقيل: الفعل للأشقى.
وقيل: لرسول الله صالح ﵇ (٦).
وقُرئ بالفاء , وهو للتعقيب (٧).