← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

سورة الطَّارق (١) سبعة عشر آية (٢) (٣) مكية (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢)﴾: في سبب النزول إنها نزلت في أبي طالب وذلك أنه أتى النبي ﷺ فأتحفه بخبز ولبن , وبينما هو جالس يأكل إذ انحطّ نجم , وامتلأ (٥) ماءً ثمّ ناراً ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ فقال: نجم رُمي به وهو آية من آيات الله. فتعجب أبو طالب , وأنزل الله هذه الآيات (٦). قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾: هو ما طرق ليلاً , وأصله الطرق وهو الدَقّ من (٧) أتى ليلاً احتاج إلى الدَقّ للتنبيه , ومنه المِطْرَقة والطريق يدُقّهُ (٨) المارة , وأطرق أمسك , والألف للسلب (٩). وقيل: ﴿الطَّارِقُ﴾ الساكن.

стр. 3572

والمراد بالآية فيما ذهب إليه الجمهور: ﴿النَّجْمُ﴾: وهو اسم للجنس (١) , وطرُوقها: ظهورها بالليل (٢). وذهب بعضهم إلى أنه الثُّريّا , كما سبق في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١]. وقال بعضهم: هو زحل. وعن ابن عباس ﵄: " أن زُحَلْ إذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة " (٣). وجاء عن علي ﵁ أيضاً: ولعلّهما أرادا هبط من حيث مرأى العين فإنها كلها في العين تُضِيء (٤) من السماء الدنيا فإن لا تفارق أفلاكها (٥) " (٦). والله أعلم. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣)﴾: المضيء من الثقوب , وهو الإضاءة. وقيل: المرتفِع من قولهم: ثَقُبَ الطائرُ إذا لَحِقَ ببطن السماء ارتفاعاً. وقيل: ﴿الثَّاقِبُ﴾: من الثقب وهو النفوذ ونفوذه قيل: إضاءته من السماء السابعة إلى الأرض. وقيل: نفوذه طلوعه. وقيل: ﴿الثَّاقِبُ﴾: الشيطان حين يرمى به , فلا يكون وصفاً لزحل بل يكون وصفاً لنجوم القذف. وقيل: ﴿الثَّاقِبُ﴾: المتضح. وقيل: المبيض.

стр. 3573

وكلٌّ قريب (١). ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾: جواب للقسم. ﴿لَمَّا عَلَيْهَا﴾ " ما " زيادة , أي لعليها , والمعنى: أن على كل نفس حافظاً يحفظ عمله ورزقه وأجله ونفسه (٢). وقيل: بمعنى إلاّ. [قال سيبويه: " يأتي ﴿لَمَّا﴾ بمعنى إلا] (٣): تقول نشدتُك اللهَ لما فعلتَ كذا ... وإلاّ فعلتَ " (٤). والمعنى: ما نفسٌ إلاّ عليها (٥). ﴿حَافِظٌ (٤)﴾: من ربها. ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾: يعني الكافر المنكر قدرة الله على البعث. ﴿مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾، ثم بين فقال: ﴿خُ ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٦] قٍ (٦)﴾: أي مابين ماء الرجل وماء المرأة فوحد لامتزاجهما. ومعنى ﴿دَافِقٍ﴾ : منصب باعتماد شديد , تقول: دفقت الماء فاندفق وتدفق. ﴿دَافِقٍ﴾ بمعنى مدفوق عند الكوفيين , وكذلك ليل نائم وسر كاتم.

стр. 3574

وعند البصريين: تقديره ذو دفق كتامر ولابن (١). ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾: ﴿الصُّورِ﴾ الظهر. و ﴿التَّرَائِبِ﴾ عظام الصدر. قال: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ترائبها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ (٢) (٣). فماء الرجل من الصلب , وماء المرأة من الترائب. وقيل: من بين صلب الرجل وترائبه (٤). وعن الضحاك: " ﴿التَّرَائِبِ﴾ العينان واليدان والرجلان " (٥). وعن سعيد: " ﴿التَّرَائِبِ﴾: " الأضلاع إلى (٦) أسفل الصلب , أربع من هذا الجنب وأربع من هذا الجنب " (٧). مجاهد: " من بين المنكبين والصدر " (٨). وقيل: هي عصارة الولد (٩) ومنه يكون الولد. ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾: عكرمة ومجاهد: " على ردِّ الماء في الإحليل بعد دفوقه " (١٠).

стр. 3575

الضحاك: " أي (١) هو قادر على أن يرده ماء كما كان , فيرد من الشيخوخة إلى الشباب , ومن الشباب إلى الطفولة والصغر حتى يصير كما كان " (٢). قتادة: " على بعثه وإعادته بعد موته لقادر (٣) " (٤). ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾: يمتحن ويستخرج المكتوم. قيل: فرائض (٥) الله من الأعمال التي لو شاء العبد أن يقول فعلتها ولم يكن فعلها أمكنه كالصوم والوضوء (٦) وغسل الجنابة (٧). ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ﴾: في نفسه ﴿وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾: عشيرة ومنعة. ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١)﴾: يرجع بالغيث وأرزاق العباد كل عام. وقيل: ﴿الرَّجْعِ﴾ المطر والماء. قال: أبيض كالرجع رَسُوب إذا ... ما ثَاخَ في محتفلٍ يختلي (٨). عن ابن عباس- ﵄: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ السَّحاب فيه المطر " (٩). وقيل: رجعها طلوع شمسها كل نهار ونجومها كل ليل (١٠).

стр. 3576

﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾: الشق بالنبات، ومثله: ﴿شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦]. مجاهد: " هما السدّان بينهما طريق نافد , مثل مأزمي (١) عرفة " (٢). وقيل: ذات الأودية (٣). ﴿إِنَّهُ﴾: أي القرآن. ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣)﴾: حقٌّ وجدٌّ وجزل يفصل بين الحق والباطل. ويحتمل أن ذكر القيامة: قولٌ فصلٌ: قاطع لا مَثْنَويَّة فيه ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾: بالكذب واللعب والباطل. ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥)﴾: يعني أهل مكة , من قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنفال (٣٠)]. ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ قيل: هو استدراج الله أتاهم (٤) من حيث لا يعلمون. وقيل: انتقم منهم في الآخرة بالنار، وبالسيف في الدنيا. وقيل: نقض الله كيدهم وإبطاله عليهم كيد (٥). ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾: اجعل لهم مهلة وأجلاً لا تستعجل هلاكهم. والتمهيل والإمهال لغتان (٦). ﴿رُوَيْدًا (١٧)﴾: صفة مصدر محذوف. أي: إمهالاً قليلاً. قال ابن جنّي: " هذه ألفاظ مختلفة والمعنى واحد إنمّا اختلفت (٧) اجتناباً للتكرار" (٨) , وتقديرها: مهّل ثم أمهل ثم رويداً , أي أرودهم رويداً , وأروَد وأمهل بمعنى. ورويد تصغير أرواد (٩) بالترخيم. قيل: هو ما وقع بهم يوم بدر. وقيل: هو يقع في القيامة. وقيل: هذا منسوخ. وقيل: محكمٌ (١٠). والله أعلم.

стр. 3577

سورة الأعلى (١) سبع عشرة آية (٢) (٣) مكية (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾: أصل التسبيح التنزيه , وقد تقدم , والاسم زيادة , والتقدير: سبّح ربك. وقيل: اسمه صفته وقيل: ومعناه نزّه وصفه عمّا لا يليق به. وقيل: نزه اسمه عن أن يسمى به غيره. وقيل: صَلِّ. وجاء مرفوعاً أن النبي ﷺ لمّا نزلت هذه الآية قال: "اجعلوها في سجودكم " (٥). وعن أُبيّ ﵁: " إنه كان يفتتح هذه السورة بسبحان ربي الأعلى , ويقول: معناه: قل سبحان ربي الأعلى " (٦). وقيل: ارفع صوتك بقراءته. قال الشاعر: قبَّحَ (٧) الإله وجوه تغلب كلما ... سَبحَ الحجيج وكبروا إهلالا (٨) (٩)

стр. 3578

﴿الْأَعْلَى﴾: علا كل شيء قُدْرَهً وسلطاناً , والألف للمبالغة لا للمقابلة. ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾: أي الخلائق. ﴿فَسَوَّى (٢)﴾: مستوياً أشهدَه على نفسه أنه (١) خلقه على الفطرة. وقيل ﴿فَسَوَّى﴾: أحسن. ابن جرير: " عدّل، والتسوية التعديل " (٢). ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ أي ﴿قَدَّرَ﴾ الأشياء , والتخفيف والتشديد بمعنى. وقيل: ﴿قَدَّرَ﴾ بالتَّخفيف: ملك. و ﴿قَدَّرَ﴾ بالتشديد جعله قادراً ﴿فَهَدَى﴾ (٣). الفَّراء: " فهدى وأضل فاقتصر على أحد الضدين " (٤). الزَّجَّاج: " فهداه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً " (٥). وقيل: هدى الإنسان لمصالحه والبهائم لمراتعه. وقيل: هدي الذكر لمأتى الإناث. وقيل: هداه لمعاشه (٦). ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾: أنبت ما ترعاه الدواب.

стр. 3579

﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾: هو ما جفَّ من النبت وهشم فحمله السيل. وقيل: الغثاء: الأخلاط من أصناف شتى. ﴿أَحْوَى (٥)﴾: أسود محترقاً (١). الفَرَّاء والزَّجَّاج: فيه تقديم وتأخير , تقديره: أخرج المرعى أحوى أسود من شدة خضرته وكثرة رِيِّه (٢). وقيل: من كل لون. و ﴿أَحْوَى﴾ على هذا الوجه: حال لـ ﴿الْمَرْعَى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾. ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾: عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه مخافة أن ينساه , فأنزل الله - تعالى -: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ (٣) أي: نُعلّمك ونَحفظُ عليك ما تقرؤه ولا تنساه , أي: وأنت لا تنساه أخبار. وقيل: نهي، وألفه ألف الفواصل , كقوله: ﴿الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] و ﴿السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] , وهذا تعسفٌ (٤). ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: الفَرَّاء: " وهو لا يشاء وما نسي ﷺ شيئاً من القرآن " (٥). الحسن وقتادة: " إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه (٦) إذا تركت قراءته " (٧). ابن جرير: لا تنساه (٨) إذا درسته ولم تترك قراءته حتى نسخ (٩) " (١٠).

стр. 3580

وقيل: معنى لا ينسى: لا يترك (١) العمل بما أمرت به إلا ما شاء الله أن لا تعمل به بالنسخ (٢). الزَّجَّاج: " ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ثم تذكره (٣) " (٤) من قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]. ابن عيسى: " ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يؤخر إنزاله " (٥). ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾: ابن جرير: " ﴿الْجَهْرَ﴾: ما ظهر , ﴿وَمَا يَخْفَى﴾: الوسوسة " (٦). وقيل: ﴿الْجَهْرَ﴾: ما تحفظه (٧) , ﴿وَمَا يَخْفَى﴾: ما تنساه بعد النسخ. وقيل: ﴿الْجَهْرَ﴾: قراءته , ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ مخافة نسيانه (٨). ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨)﴾: للخلّة اليسرى , وهو سهولة عمل الخير. وقيل: اليسرى الجنة , أي ييسر لك (٩) أسباب دخولها (١٠). ﴿فَذَكِّرْ﴾: أي بالقرآن. وقيل: بالله رغبة ورهبة. ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾: أي الذكرى نافعة. ﴿وإِنْ﴾ مخففة من المثقلة. وقيل: تقديره ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ وإن لم تنفع (١١) فيكون الشرط غير معتد به , وقد سبق أمثاله. وقيل: ذكرهم إن طمعتَ في قبولهم. وقيل: ﴿إِنْ﴾ بمعنى النفي. ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)﴾: سيتعظ من يخشى الله. ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١)﴾: ويتجنب الذكرى الأشقى الكافر. ﴿الَّذِي يَصْلَى﴾: (١٢) يدخل. ﴿النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)﴾: نار جهنم. والصغرى: نار الدنيا. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم , غسلت بماء البحر مرتين ولولا ذلك لما خُلقت فيها منفعة)) (١٣). وقيل: الطبقة السفلى منها. ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾: نفي موتاً بصفة, وحياةً بصفة. وقيل: أي لا يموت موتاً مريحاً ولا يحيا حياة مَلَذَّة. وقيل: هي عبارة عن شِدَّةٍ بلغت النهاية. ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ صادق البقاء (١٤) ونال الفوز.

стр. 3581

﴿مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾: عكرمة: " قال لا إله إلا الله " (١). الزَّجَّاج: " تَكَثَّر بالتقوى " (٢). وقيل: يتطهر من المعاصي. قتادة: "أخرج الزكاة المفروضة " (٣). وقيل: صدقة الفطر. ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾: أي التكبير يوم العيد. ﴿فَصَلَّى (١٥)﴾: صلاة العيد. وقيل: الصلوات الخمس. وقيل: صلاة الليل (٤). ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾: على الآخرة , والضمير للأشقين (٥). وقرئ بالتاء (٦) على تقدير: قل لهم , فالخطاب لهم أيضاً. وقيل: الخطاب للمؤمنين. وقيل: أي: بل تؤثرون الاستكثار من الدنيا على الاستكثار من الآخرة (٧). ﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾: أي ﴿خَيْرًا﴾ للمؤمنين. و ﴿وَأَبْقَى﴾ للجزاء والثواب.

стр. 3582

قتادة: " ﴿خَيْرًا﴾ في الخير , و ﴿وَأَبْقَى﴾ في البقاء " (١) وهذا تفسير لا يخفى على أحد. ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨)﴾: هذا إشارة إلى فلاح المتزكي وكون الآخرة خيرٌ وأبقى. وقيل: إشارة إلى ما في السورة أجمع. وقيل: إشارة إلى جميع القرآن (٢). والصُّحُف: جمع صَحِيفة. ثم أبدل فقال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ أي ما أنزل عليهما.- صلوات الله عليهم أجمعين -.

стр. 3583

سورة الغَاشِيَة (١) سِتٌّ وعشرون آية (٢) (٣) مكية (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾: ﴿هَلْ﴾ استفهام , ومعناه ها هنا: تعظيم المستفهم عنه , أي: ينبه (٥) الغاشية. الزَّجَّاج: أي: لم يكن هذا من علمك ولا من علم قومك حتى أعلمتكم " (٦). ﴿الْغَاشِيَةِ﴾ القيامة؛ لأنها تغشى القلوب بشدائدها (٧). سعيد: " ﴿الْغَاشِيَةِ﴾ النار " (٨)، من قوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ [إبراهيم: ٥٠] ". ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾: أي وجوه الكفار، وعَبَّرَ بها عن أصحابها؛ لأنها تشمل (٩) على الحواس الخمس.

стр. 3584

﴿خَاشِعَةٌ (٢)﴾: ذليلة. ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾: تعالج السلاسل والأغلال. وقيل: تقاسي (١) الشدائد وتكابد المكاره. السُّدي: " ﴿عَامِلَةٌ﴾ في الدنيا ﴿نَاصِبَةٌ﴾ في الآخرة " (٢). وقيل: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ في الدنيا , أي في غير ما أمره الله. وقيل: هم نُسَّاك (٣) اليهود والنصارى من الرهبانيّة وغيرهم (٤). ﴿تَصْلَى نَارًا﴾: تدخل , من صَلِيَ يَصْلَى، و ﴿تَصْلَى﴾، من أصلاه الله (٥). ﴿حَامِيَةً (٤)﴾: أي متناهية في الحرارة. ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (٥)﴾: بلغت إنائها في نضجها (٦) وإدراكها. وقيل: بلغت وقتها وحان شرابها من آناء الليل. ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾: سعيد: " الضريع: الحجارة " (٧). الحسن: " الضريع: هو الذي يضرعون عنده ويذلّون لما في أكله من الشدة " (٨).

стр. 3585

الضحاك: "شجرة في النار من جنس النار يشبه الضريع , أو من جنس لا تفنيه النار " (١). وقيل: هذا مثلٌ. والضريع عند العرب: نبت لاطئ بالأرض له شوك يقال لرطبه: الشبرق , فإذا يبس سمي ضريعاً , ويقال: إنه يسمن الإبل رطباً (٢). وذكر أنّ أبا جهل قال لما نزلت هذه الآية: استهزأ وقال: وما بال الضريع سيسمننا في الدنيا كما يسمن إبلنا؟! , فأنزل الله: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾: فضلاً عن السِّمن (٣). المبرد: هو أبشمُ مطعم وأخبثه (٤). وقيل: الضريع: سُمٌّ. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾: أي وجوه المؤمنين. قيل: أراد و ﴿وُجُوهٌ﴾ بواو العطف , فحذف الواو. ﴿نَاعِمَةٌ﴾ متنعمة في لين العيش. ﴿لِسَعْيِهَا﴾: طاعتها وعملها في الدنيا. والمعنى: لأجل سعيها. ﴿رَاضِيَةٌ (٩)﴾: (٥) رضيت عملها إذ أرادت حميد عاقبتها. وقيل: فيه تقديم , والتقدير: راضية لسعيها , واللام زيادة , كما تقول: ضارب لزيد , وأنت تريد: ضارب زيد. ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾: غرف فوق غرف.

стр. 3586

وقيل: عالية الشأن. ﴿لَا تَسْمَعُ﴾: أي الوجوه. ﴿فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾: كلمة ذات لغو , وهو الكلام الساقط غير المرضي. الفَرَّاء: " نفس لاغية تحلف كاذبة " (١). قتادة والزجاج: " مأثما " (٢). ﴿فِيهَا﴾: في الجنة. ﴿عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾: عين ماءٍ جارية على وجه أرضها من غير أخدود لا ينقطعُ أبداً. ﴿فِيهَا سُرُرٌ﴾: جمع سرير. ﴿مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾: أي: طوال قوائمها منصوبة (٣) على أنشازٍ يطّلعُ القاعدُ عليه على ما خوّله الله - تعالى - من النعيم , طوله مائة فرسخ. ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)﴾: جمع كوب , وهو الآنية لا عروة لها ولا خرطوم. وقيل: الكوب القدح. ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾: وضعت على حافات الأنهار. وقيل: وضعت تزييناً للمجالس. ﴿وَنَمَارِقُ﴾: جمع نمرقَة بالفتح والضم , وهي الوسادة. وقيل: أنصافها. ﴿مَصْفُوفَةٌ (١٥)﴾: موضوعة بعضها إلى جنب بعض على الطول. ﴿وَزَرَابِيُّ﴾: جمع زربيّ , وهو البساط (٤).

стр. 3587

﴿مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾: متفرقة في المجالس مختلفة الألوان. وقيل: مفروشة. ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾: خَصَّ الإبل بالذِّكر؛ لِحُبُّ العرب إيَّاها , وممارستهم أحوالها , وأنها تنقاد (١) مع عِظم جسمها (٢) , وكثرة أجزائها للصبي الطفل. وقيل: تلفيقها بالأول من وجه وهو: إنهم قالوا: كيف يصعد المؤمن السرير الموصوف بالطول المذكور , فذكر الله الإبل؛ أي أن السرير تطأطئ للمؤمن كما تطأطئ الإبل رأسها لراكبها (٣). ابن عيسى: " الإبل: السَّحاب , ذكره في كتاب الاشتقاق " (٤). ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾: أي رفعت عن الأرض غير منفصلة. ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)﴾: على الأرض غير منفصلة. المبرد: الفائدة في ذكر الجبل: أنهم يصعدون إلى الجبل الصيخود (٥) عامّة يوم (٦) , فإذا أفضوا إلى أعلاه أفضوا إلى عيون منفجرة وثمار مُتَهَدِّلة لم تحرثها (٧) الأيدي نعمة من الله وبُلْغَةً إلى أجل , أليس الذي خلق هذا بقادر على أن يخلق ما أراد في الجنة " (٨). ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾: بسطت.

стр. 3588

استدل بعضهم بهذا على أن الأرض مبسوطة وليست على شكل الكرة، [ومن قال: إنها على شكل الكرة] (١) , أجاب فقال: بسطت في مرأى العين (٢). ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾: أي: ذكرهم الأدلة , وحثهم على التفكير فيها , ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ليس عليك إلاّ الدعاء والتذكير. ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ : مُسَلَّط (٣) جَبَّار (٤). وقيل: حفيظ يكتب (٥) عليهم ما يفعلون. الحسن: " برب يخبرهم ما يريد " (٦). ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣)﴾: أي: ﴿تَوَلَّى﴾ عنك ﴿وَكِيلًا﴾ بالله. والاستثناء عند الجمهور منقطع , تقديره: لكن من تولى وكفر فيعذبه الله. وقيل: متصل , تقديره: لَسْتَ عليهم بمُسلّط إلاّ الكافر فإنك مُسَلَّط عليه بالجهاد (٧). الفَرَّاء: " يجوز أن يكون استثناءً متصلاً من ﴿مُذَكِّرٌ﴾ أي: إلاّ من لا يقبل فلست بمذكر له إذا لم ينفعه ذلك " (٨). الزَّجَّاج: " الآية منسوخة بآية السيف " (٩).

стр. 3589

﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾: أي في النار. ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾: رجوعهم لا يفوتوننا (١) وإن طال المدى. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾: في القيامة , فنجازي المحسن بإحسانه , والمسيء بإساءته.

стр. 3590

سورة الفَجْر (١) ثلاثون آية (٢) (٣) مكية (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾: هو شق عمود الصبح , والمراد به: فجر كل يوم. وقيل: فجر يوم النحر. وقيل: فجر يوم عرفة. ابن عباس ﵄: " صلاة الفجر " (٥). علي ﵁: " فجر أول يوم من المحرم " (٦). وقيل: فجر أول يوم من ذي الحجة. ﴿وَالْفَجْرِ﴾ فجران: مستطيل وهو من الليل. وقيل: ومعترض وهو من النهار , والقسم واقع عليه (٧). وقيل: انفجار الماء من العيون , والنبات من الأرض (٨). قتادة: " انفجار الماء من بين (٩) أصابع رسول الله ﷺ يوم الطائف " (١٠).

стр. 3591

الحسن: " انفجار الناقة من الصخرة لصالح ﵇ " (١). ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾: الجمهور على أنها: (٢) عشر ذي الحجة. وقيل: العشر الأولى من محرم. وقيل: العشر الآخِر من شهر رمضان (٣). ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾: ابن عباس ﵄: ﴿وَالشَّفْعِ﴾ الخلق , ﴿وَالْوَتْرِ﴾ الخالق " (٤). وعنه أيضاً: " ﴿وَالشَّفْعِ﴾ يوم النحر , ﴿وَالْوَتْرِ﴾ يوم عرفة " (٥). وقيل: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ الصلوات , فإن فيها شفعاً ووتراً. [وقيل: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ الخلق، فإن فيهم شفعاً ووتراً] (٦). وقيل: ﴿الشَّفْعِ﴾ أيام الدنيا , ﴿وَالْوَتْرِ﴾ يوم القيامة. وقيل: ﴿الشَّفْعِ﴾ أبواب الجنة , ﴿وَالْوَتْرِ﴾ أبواب النار. الحسن: " ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ العدد كله " (٧). وقيل: ﴿الشَّفْعِ﴾ يوما منى , ﴿وَالْوَتْرِ﴾ اليوم الثالث (٨).

стр. 3592

وقيل: ﴿الشَّفْعِ﴾ العشر , ﴿وَالْوَتْرِ﴾ أيام مِنى الثلاثة. وقيل: هو آدم , وكان فرداً فشفع بحواء (١). والله أعلم. ﴿وَالْوَتْرِ﴾ و ﴿الوِتْر﴾: لغتان (٢) , وهو الفرد. ﴿الشَّفْعِ﴾ ما معه مثله , ومنه الشفيع والشفاعة. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾: أقبل. وقيل: أدبر. وقيل: يسري من أوله إلى آخره. وقيل: يسري فيه الساري. وقيل: ليلة القدر. وقيل: ليلة براة (٣). وقيل: ليلة المزدلفة. أقسم الله بهذه كلها. وقيل: برب هذه الأشياء , وهو ضعيف , وقد سبق. وجواب القسم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ﴾: أي في القسم بهذه الأشياء. ﴿قَسَمٌ﴾: مكتفي ومقنع في القسم. ﴿لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾: عقلٍ ولبٍّ وحِلْمٍ (٤).

стр. 3593

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾: هو اسم قبيلة هي قوم هود. ﴿إِرَمَ﴾: قيل: هو اسم الإسكندرية. وقيل: دمشق. وقيل: اسم بلد وبساتين (١). مجاهد: " اسم أم عاد " (٢). وقيل: أبو عاد , والتقدير: صاحب ﴿إِرَمَ﴾ وابن ﴿إِرَمَ﴾. وقيل: سبط ﴿إِرَمَ﴾ وهو عاد بن عُوص بن إرم، فحذف المضاف أوله اسمان ,كما قال الزَّجَّاج: " هما عادان أولهما إرم ذات العماد " (٣). قتادة: " ﴿إِرَمَ﴾ قبيلة من عاد " (٤). وقيل: معنى ﴿إِرَمَ﴾ القديمة. وقيل: ﴿إِرَمَ﴾ (٥) هي الحجارة المجموعة على الطرق كهيئة الأعلام , وجمعها الآرام , وكانوا ينتجعون للغيث (٦) , ويجعل كل واحد في منزله إرماً يعرف به. وقيل: ﴿إِرَمَ﴾ من قولهم: هذا ما روم على هذا , أي: مبنيٌّ عليه , فيكون من صفة البلد أو البستان (٧).

стр. 3594

﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ذات البناء (١) الرفيع. وقيل: ﴿ذَاتِ﴾ الأجسام الطويلة (٢) , وكان طول الواحد منهم اثني عشر ذراعاً. وقيل: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم سبعين ذراع. وقيل: ﴿ذَاتِ﴾ الرفعة والقوة والثبات. وقيل: ﴿ذَاتِ﴾ عمد سيّارة ينتجعون الغيث والكلأ. ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ قيل: الضمير يعود إليهم. وقيل: يعود إلى الأبنية والعمد. ﴿وَثَمُودَ﴾: هم بنو عم عاد. الَّذِينَ ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾: قطعوه واتخذوه منازل. وقيل: اتخذوا منها منازل. ﴿بِالْوَادِ﴾: وادي القُرى (٣). ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠)﴾: ﴿ذِي﴾ الجنود الكثيرة. وقيل: ﴿ذِي﴾ الأبنية. وقيل: أوتاد يعذب الناس بها (٤).

стр. 3595

وقيل: أوتاد يلعب عليها عنده. وقيل: أراد أوتاد الخيام (١). ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١)﴾: تجاوزوا الحد في الكفر والتكبر (٢). ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢)﴾: بالكفر , والقتل , والسبي , والنهب , وبمنع الناس عن عبادة الله وطاعته. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)﴾: المبرد: " كل شيء عذب الله به فهو سوط عذاب " (٣). ابن عيسى: " ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: هو ما يخالط اللحم والدم: يقال: ساطه يسوطه " (٤). الزَّجَّاج: " جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب " (٥). الفَرَّاء: " يقال لكل نوع من العذاب سوط، وإن كان يغيره أنه أشده عندهم " (٦). ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾: بحيث يرى ويسمع. الزَّجَّاج: " يرصد من كفر به " (٧). الفَرَّاء: " إليه المصير " (٨). وقيل: عذابه بالمرصاد بحيث لا يفوتونه. وقيل: برصدهم في الآخرة على قناطر جهنم. ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ﴾ " الزَّجَّاج: يعني به الكافر الذي لا يؤمن بالبعث " (٩).

стр. 3596

ابن عباس: " عتبة بن ربيعة " (١). الكلبي: " أبي بن خلف " (٢). مقاتل: " أمية بن خلف " (٣). ﴿إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ اختبره بالغنى واليسر (٤). ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ رزقه وأنعم عليه. ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾: فضلني بما أعطاني , يرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا. ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾: بالفقر. ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾: ضيَّق عليه. وقيل: جعله بمقدار بلغته (٥). ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)﴾: يرى الهوان في قلة الحظ منها. ﴿كَلَّا﴾: ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته , وإنما الإكرام والإهانة في الطاعة والمعصية. وقيل: معنى ﴿كَلَّا﴾ ها هنا أي: لم يكن ينبغي أن يكون حمده على نعمة دون فقره بل ينبغي أن يكون حمده على الحالين جميعاً (٦). ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧)﴾: أي إهانتي إياهم لتركهم إكرام اليتيم. مقاتل: "نزلت في قُدَامة بن مَظْعُون (٧) وكان يتيماً في حِجْر أمية بن خلف يدفعه عن حقه , أي لا يكرمونه بإيصال حقّه إليه " (٨). وقيل: لا يحسنون إليه ولا يرونه (٩). ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)﴾: أي: لا يأتونه ولا يأمرون به , والتقدير: على إطعام طعام اليتيم. وقيل: وقع الطعام موقع الإطعام , كالنبات موقع الإنبات. وقُرئ: ﴿ولا يحضُّون﴾ (١٠) أي لا يأمر بعضهم بعضاً. ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾: الميراث، وقيل: وأصله الوُرَاث قلبت الواو تاء. ﴿أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾: يأتي على جميعه. الزَّجَّاج: " يلمون بجميعه وذلك إنهم كانوا لا يورثون صغار الأولاد ولا النساء " (١١). الفَرَّاء: " ﴿لَمًّا﴾ شديداً " (١٢).

стр. 3597

وقيل: لا يميزون الحلال من الحرام , والمطلق من المحظور. ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾: كثيراً يمنعه عن إخراج حق الله - تعالى -. وقوله: ﴿جَمًّا﴾ يجوز أن يكون صفةً للمصدر , ويجوز أن يكون حالاً للمال (١). ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾: أي: ينبغي أن يكون الأمر هكذا. وقيل: معناه: حقاً ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ﴾. ابن عباس: " مُدّت كما يمد الأديم [فتصير] (٢) ملساء بذهاب الأبنية والجبال " (٣). الزَّجَّاج: " ﴿دُكَّتِ﴾ زلزلت " (٤). ابن عيسى: " الدَّكُّ: حطّ المرتفع بالبسط , من قولهم: ناقة دَكَّاء لا سَنَام لها " (٥). ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ أي: يدك مراراً. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: ابن عباس: " أمرُ ربك وقضاء ربك " (٦). وقيل: جاء بلا كيف. وقيل: ظهر بضرورة المعرفة (٧) (٨). ﴿وَالْمَلَكُ﴾: اسم جنس. ﴿صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾: صفوفاً , أهل كلِّ سماء صفٌّ. ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾: عن النبي ﷺ أنه قال: ((يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام ومع (٩) كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)) (١٠). ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾: أي يتذكر ما أخبر به في الدنيا فيتعظ ويتوب. ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾: ومن أين له التوبة وليس بدار تكليف؟. ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾: تمنى أن يكون قد قدَّم في الحياة الدنيا أعمالاً صالحة لأجل الحياة التي لا فناء لها. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥)﴾: أي لا يَكلْ الله التعذيب إلى أحد من الملائكة وغيرهم , بل يتولى بنفسه سبحانه. وقيل: لا يبلغ أحد يومئذٍ من الملائكة (١١) بلاغ الله في العذاب. وقيل: يومئذٍ لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله في الآخرة (١٢). أورده أبو علي في الحجة (١٣) ووجه هذا أن يجعل "يومئذٍ " مبتدأ وهو مبني على الفتح , و ﴿لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ خبره , والتقدير: فيه , والهاء يعود على هذه الوجوه إلى الله , و " عَذاب " واقع موقع تعذيب , والمراد بأحد الملائكة. وقرأه الكسائي بالفتح على وجهين: أحدهما: أنه بمعنى لا يبلغ بلاغ الله واحد , الملفوظ رفع وهو المقدّر في الوجه الأول؛ لأن تقدير الأول (١٤): لا يعذب أحد أحداً.

стр. 3598

والثاني: أن الهاء يعود إلى الكافر المتقدم ذكره ,والمعنى: لا يُعَذَّبُ بعذاب هذا الكافر أحد , كقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ... [الأنعام: ١٦٤]. وكذالك الكلام في قوله: ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ (١): الوثاق: الشُّدُّ في الأغلال والسلاسل. ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾: أي: المطمئنة بالله وبالإيمان , من قوله: ... ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ... ﴾ [الرعد: ٢٨]. وقيل: اطمأنت بالبشرى من الملائكة من قوله: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. وقيل: اطمأنت إذا أوتيت كتابها بيمينها. ابن عباس ﵄: "الخطاب لروح المؤمن يأمرها الله بالرجوع إلى ... الجسد " (٢). فيكون قوله: ﴿إِلَى رَبِّكِ﴾ أمر ربك. وقيل: ﴿رَبِّكِ﴾ بَدَن صاحبك. وقيل: هذا خطاب لها يوم النزع , أي: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً﴾: عن الله ... - تعالى - بما تصيرين إليه من الثواب العظيم والعيش النعيم (٣). ﴿مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾: رضيها الله - تعالى -.

стр. 3599

ثم يقال لها يوم القيامة: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾: أي (١) في كل منهم. وقيل: في جملة عبادي. وقيل: مع عبادي. وقيل: ﴿فِي عِبَادِي﴾ عبادتي وطاعتي , فحذف التاء كإقام الصلاة. وقُرِئ في الشواذ: ﴿في عبدي﴾ (٢). ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾: التي أعددت لعبادي الصالحين. وفي بعض التفاسير: هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان (٣) ﵁ , بَيَّنَ اللهُ - تعالى - أنَّ عثمان سيقتل شهيداً مظلوماً (٤). والله أعلم.

стр. 3600

سورة البلد (١) عشرون آية (٢) (٣) مكية (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَا أُقْسِمُ﴾: سبق نظائره. وقيل: تقديره (٥) ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾: يعني مكة. وقيل: الحرم كله، وأنت حاضر , أي القسم بعمرك أولى منه به (٦). وقيل: أقسم به (٧). ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾: حالٌّ: نازلٌ فيه. وقيل: أي لنزولك فيه أقسم به. وقيل: أقسم به. ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾: أي: حلال تصنع فيه ما تريد، وذلك أن الله - تعالى - أحلَّ مكة ساعة من النهار حتى قتل من شاء وأسر من شاء , وقُتل ابن خَطَل (٨) يومئذ وهو متعلق بأستار الكعبة. وقيل: معناه: وأنت حِلٌّ مما صنعت في هذا البلد. وقيل: تقديره: لا أقسم بهذا البلد وأنت فيه مستحَلُّ الحرمة مضاعُ الحق فيه (٩). ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣)﴾: قيل آدم وأولاده، ﴿مَا﴾ بمعنى مَنْ. وقيل: هو للمصدر , أي: وولادته. وقيل: هو إبراهيم ﵇ وأولاده (١٠). وقيل ﴿مَا﴾ بمعنى الذي , والمراد به المتناسل من جميع الخلق , قاله أبو علي (١١). وعن ابن عباس وعكرمة: "ووالد الذي ولد للعاقر " (١٢). فجعلا (١٣) ﴿مَا﴾ نفياً، أوله وجه آخر. والله أعلم (١٤) (١٥). ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: جواب للقسم (١٦)، يعني بني آدم كلهم. فِي ﴿كَبَدٍ (٤)﴾: في شدة ومقاساة يكابد (١٧) أمر الدنيا شدائدها (١٨).

стр. 3601

وقيل: من نطفة ثم من علقة تتلبّد (١) في الخلق من تَلبّد (٢) الدم وغلظه (٣). وقيل: المراد به آدم ﵇ خلق في كبد السماء , قاله ابن زيد (٤). وقيل: منتصباً معتدلاً. وقيل: حرباً (٥) غليظ الكبد , تقول: كبد الرجل يكبد كبداً إذا صار غليظ الكبد (٦). وقيل: ووالد محمد، وما ولد أمته لأنه لهم بمنزلة الأب لقوله: ((إنما أنا لكم مثل ... الوالد)) (٧). وفي مصحف أُبيّ ﴿وأزواجه أمهاتهم وهو لهم أب﴾ (٨). ويحتمل والله أعلم إن قوله: ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ بمعنى الوالدة , والتقدير ووالد ووالدة، ولم يؤنث حملاً على ﴿مَا﴾ , ﴿مَا﴾ بمعنى التي , كما في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]. ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾: نزلت في أبي الأشد بن كلدة بن أسيد , وكان رجلاً قوياً يجعل تحت أديم عُكاظي ويجذبه (٩) العشرة وزيادة، وقيل: فينقطع الأديم ولا يزول (١٠) قدماه , والمعنى: أيحسب لقوته وبطشه أن لن يقدر عليه أحد من الخلق (١١).

стр. 3602

وقيل: ﴿أَحَدٌ﴾: هو الله سبحانه. ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦)﴾: كثيراً. وهو صيغة الواحد مشتق من تلبد الشيء إذا كثر واجتمع , أي أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ (١) (٢). ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾: الأحد هو الله - تعالى - أي يظن (٣) أنَّ الله لا يطالبه من أين اكتسب؟ وأين أنفق؟. وقيل: هو كاذب فيما يقول يحسب أن لم يره أحد من الناس فيكذبه. ثم عدَّد نعمه عليه وعلى غيره من خلقه فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾: يبصر بهما. ﴿وَلِسَانًا﴾: يعبِّر به عمّا في ضميره. ﴿وَشَفَتَيْنِ (٩)﴾: يستر بهما ثغوره. ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾: طريق الخير وطريق الشر المفضيان إلى الجنة والنار (٤). قتادة: " النجدان الثديان " (٥). والنجد: المرتفع (٦). ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾: أي هذا الكافر لم يقتحم العقبة.

стр. 3603

والاقتحام: الدخول في الشيء والمجاوزة له بصعوبة (١). ﴿لَا﴾ بمعنى لم (٢). وقيل: وهي مكررة معنى. الفَرَّاء: " لما فسر اقتحام العقبة بثلاثة أشياء صار كأنّه أعاد ﴿لَا﴾ ثلاث مرات " (٣). قال أبو على: " لا يلزم تكرار ﴿لَا﴾ إذا كان بمعنى لم " (٤). و ﴿الْعَقَبَةَ﴾ هي عقبة في جهنم يكلّف الكفار صعودها عن جماعة. وقيل: ﴿الْعَقَبَةَ﴾ طاعة الله , سميت عقبة لكثرة دواعي ضدّها. وقيل: ﴿الْعَقَبَةَ﴾ حمل النفس على المشقة (٥). ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾: تعظيماً لشأنها. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾: تخليصها من الرق بالعتق , أو الإعانة في مال الكتابة. وقيل: فك رقبته وخلاص نفسه. ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾: زمان قحط وجوع. ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾: قرابة النسب. ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾: لاصق بالتراب من الفقر لا يصونه عنه شيء (٦). سعيد: " ذا عيال لا مال له " (٧).

стр. 3604

عكرمة: " هو المديون " (١). وأراد بقوله: ﴿مَا الْعَقَبَةُ﴾ ما اقتحامها , ثم فسر فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾ ومن قرأ بلفظ الفعل جعله بدلاً من قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾ أي فلا فَكَّ رقبة ولا أطعمَ مسكيناً (٢). ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾: أي: أقام على إيمانه. وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ مع الجملة لا يدل على التراخي , وتقديره: وقبل ذلك كان من الذين آمنوا لأنه إذا لم يكن مؤمناً لا ينفعه قربه. وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ على أصله , والتراخي ها هنا في إخبار الله لا في الإيمان. وَتَوَاصَوْا ﴿بِالصَّبْرِ﴾: وصى بعضهم بعضاً بالصبر على أداء الطاعات وعن ارتكاب المحرمات. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾: بأن يرق للفقير والمسكين بالأنعام عليهم. وقيل: تواصوا بالآخرة لأنها دار الرحمة. ﴿أُولَئِكَ﴾: أي الموصوفون بالصفات المتقدمة. ﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾: أي يأخذون نحو (٣) اليمين إلى الجنة. وقيل: يؤتون كتبهم بأيمانهم (٤).

стр. 3605

وقيل: هم الميامين على أنفسهم. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا﴾: بمحمد ﷺ والقرآن. هُمْ ﴿أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩)﴾: أي يأخذون نحو (١) الشمال إلى النار. وقيل: يؤتون كتبهم بشمالهم. وقيل: هم المشائيم على أنفسهم. ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾: مطبقة من أصدت البابَ (٢) أطبقته (٣). وقُرِئَ ﴿مُوْصَدَةٌ﴾ بغير همز أصلاً من الوصيد وهو الباب , أي: مقفلة (٤). والله أعلم.

стр. 3606

سورة الشَّمْس (١) خمس عشرة آية (٢) (٣) مكية (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالشَّمْسِ﴾: سراج النهار. ﴿وَضُحَاهَا (١)﴾: مجاهد " ضوؤها " (٥). قتادة والفراء: " النهار كلّه " (٦). وقيل: ﴿ضُحَاهَا﴾ ارتفاعها وبلوغها ضحى النهار. وقيل: إشراقها وحرّها. ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾: مجاهد: " ساواها " (٧). غيره: " تبعها " (٨).

стр. 3607

وإتباعها: قيل: ليلة الهلال. وقيل: في النصف الأول من الشهر. وقيل: ليلة البدر يتلوها في الإضاءة والنور الكامل (١). الفَرَّاء: " يتلوها فيأخذ من نورها , كما يقال: يتلوها فلاناً , أي: يأخذ من علمه. والإتباع والتلوُّ واحد " (٢). ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾: جلَّى الظُّلمة وكشفها , كنى عنها ولم يتقدم ذكرها , كقولهم: والذي شقهن خمساً من واحدة، أي الأصابع , وهبت شمالاً: أي الريح (٣). وقيل: جلّى الشمس وأظهرها للرَّائين (٤). ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾: ستر الشمس وأظلمها. وقيل: يغشى الأفق بظلامه. وقيل: يغشى الأرض (٥). ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾: مجاهد والحسن: "ومن بناها، وهو الله - تعالى -" (٦). و ﴿مَا﴾ بمعنى " مَنْ ". قتادة وغيره: " وبنائها " (٧). هكذا في أكثر التفاسير , والصواب وبناء الله إيَّاها؛ لأن فيما تقدم ذكر الفاعل. ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦)﴾: أي مدّها وبسطها.

стр. 3608

﴿مَا﴾ بمعنى مَنْ. وقيل: وطحو الله إيَّاها. ﴿وَنَفْسٍ﴾: قيل: آدم ﵇. وقيل: عام (١). ﴿وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾: ومن سواها. وقيل: وتسوية الله إيَّاها أي: خلقها في أحسن صورة , وجعل فيها العقل والتمييز. وقيل: عدل فيهم. ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: أعلمها وأودعها وهو من الإلهام الذي بمعنى الالتفاف (٢). ﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾: الزَّجَّاج: " وفَّقَهَا وخذلها " (٣). ابن عباس: " الطاعة والمعصية " (٤). وقيل: الشقاوة والسعادة. وقيل: ألزمها الخير والشر (٥). ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾: جواب القسم , والتقدير: لقد أفلح. ﴿مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾: ابن عباس: " زَكَّى الله نفسه " (٦). غيره: زكى الإنسان نفسه بطاعة الله , أي طهرها وأصلحها وجعلها زاكية (٧). ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ فات الظفر ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾ وضع قدرها وأخملها , من التدسية وهو الغمس والإخفاء , وأصله من دسَّ الشيء , وفاعل دسَّا كفاعل زكى.

стр. 3609

وقيل: زكى نفسه بالصدقة. وقيل: ودسَّى نفسه في أهل الخير وليس منهم (١). ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾: بمجاوزتها الحال المحمودة إلى الحال المذمومة. وقيل: ﴿إِذِ انْبَعَثَ﴾: حين (٢) قام. ﴿أَشْقَاهَا (١٢)﴾: أشقى ثمود وهو قداد بن سالف الأحمير (٣) (٤). قال الفراء: إنهما كانا رجلين [: فلان بن دهر , والآخر قدار بن سالف. قال: ولم يقل (أشقياها) للآية (٥). قال الكلبي: هما رجلان] (٦): قدار بن سالف , ومصدع بن دهر " (٧). وقيل: مصدع بن بهرج ... . ﴿فَقَالَ لَهُمْ﴾: للقوم كلهم. ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: صالح ﵇. ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾: أي احفظوها واحذروها أن تنالوها بسوء. ﴿وَسُقْيَاهَا (١٣)﴾: شربها في يوم نصيبها. وقيل: دورها وشربها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾: أي كذَّبوه فيما أخبرهم بحلول العذاب.

стр. 3610

﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: الناقة , أسند الفعل إليهم جميعاً لما رضوا به. الفَرَّاء: " فعقروها فكذَّبوه فيكون العقر تكذيباً , أي: كفى بعقرهم إياها تكذيباً " (١). ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾: أهلكهم وأطبق عليهم العذاب (٢). المفضّل " غضب عليهم " (٣). والدَّمْدمة: الكلام بغضب (٤). ﴿فَسَوَّاهَا (١٤)﴾: أي الدمدمة. وقيل: فسوّى ثمود بالهلاك. وقيل: فسوّى أشجارها وأبنيتها (٥). ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾: عاقبة تلك الفعلة. والفعل لله سبحانه، أي: لم يبال. وقيل: الفعل للأشقى. وقيل: لرسول الله صالح ﵇ (٦). وقُرئ بالفاء , وهو للتعقيب (٧).
следующие страницы →