← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ من تحريم هذه الأشياء والتعري في الطواف. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ أي: وقت معين يأتيهم فيه عذاب الاستئصال إن لم يؤمنوا. ابن عيسى: الأجل الواحد يدل على تقارب أعمار أهل ذلك العصر. ويحتمل (١) أن المراد بالأمة: الآحاد، كقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، أي: لكل أحد أجل لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، وهو قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾. قوله ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: لا يطلبون التأخر لشدة بأسهم. ويحتمل أن تأخر (٢) واستأخر بمعنى. ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ من بني آدم (٣). ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ يقرؤون عليكم كتبي. وقيل: المراد بهم مشركوا العرب، والمراد بالرسل: محمد ﷺ . وقيل: يقصون دلائل (٤) ربوبيتي. ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ أي: الشرك. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ العمل. ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾ أصلاً.

стр. 387

وقيل: لا يحزنون على ما فاتهم من نعيم الدنيا. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كذبوا رسلنا برد آياتنا. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ تعظموا عن الإيمان بها. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾ لا يبرحون. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: أشد في كفره. وقيل: لا أحد أظلم منه (١). ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ فأنكر النبوة ورد الرسالة. ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قيل: الكتاب: اللوح المحفوظ، أي: ما كتب لهم من العمر والرزق والعمل والشقاوة والسعادة. وقيل: الكتاب: القرآن وما كتب لهم فيه. ابن عباس ﵄: زرقة العيون وسواد الوجوه (٢). وقيل: هو العذاب الأكبر الذي أعده الله للكفار. وقيل: هو ما أوجب من حفظ عهودهم إذا أعطوا (٣) الجزية. وقيل: الكتاب: كتاب الحفظة، أي: الجزاء على الطاعات والمعاصي. ويحتمل أن التقدير: أولئك ينالهم ما قسم لهم كما ينال المؤمنين ما قسم لهم (٤)، ثم تتغير أحوالهم عند الموت، وهو قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ أي: ملك الموت وأعوانه. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يقبضون أرواحهم ويتوفون عددهم.

стр. 388

وقيل: يتوفونهم عذاباً وإن لم يموتوا. ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: عبدتموهم. ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ ضاعوا فلا نراهم. ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾. ﴿قَالَ ادْخُلُوا﴾ أي: قال الله. وقيل: قالت الملائكة وخزنة جهنم. ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ مضت. ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾. لم يتكلم المفسرون في تكرار ﴿فِي﴾، ووجهه: أن الثانية متعلقة بالدخول، والأولى بمعنى مع وهي حال (١)، أي: ادخلوا النار مجتمعين معهم. ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ أي: النار (٢). ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ أي: في الدين، الكافر يلعن الكافر واليهودي اليهودي. والأخوة تستعمل في النسب والمشابهة (٣) والمشاركة في الشيء. وأنث لتأنيث الأمة. ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ أي: تداركوا واجتمعوا. ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ دخولاً ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ دخولاً. وقيل: أخراهم: التباع، والأولى: القادة، واللام: لام السبب (٤).

стр. 389

﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ زينوه لنا وسنوا الضلالة (١) فاقتدينا بهم. ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: عذابا ذا (٢) زيادة مثله عليه. ابن عباس ﵄: زيادة حياتٍ وأفاعٍ (٣). وقيل: الضعف: المثل. وقيل: القسط. وحكى الماوردي أن الضعف هاهنا: العذاب، وهو بعيد (٤). ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ للقادة بكفرهم وإغوائهم، وللتابع بكفرهم وتقليدهم والاقتداء بهم (٥). أي: كفيتم ما تسألون ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾. التاء (٦) يصلح للاتصال والانفصال والياء للكل (٧). ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ فإنكم كفرتم مثل كفرنا وتساوينا في الكفر. وقيل: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: لم تؤمنوا إذ كفرنا وإنكم في دعائكم علينا ظالمون. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾ أي: فذوقوا بكسبكم وكفركم ولا تحيلوا الذنب على غيركم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ أي: عن (٨) الإيمان بها. ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ لصعود طاعاتهم وأدعيتهم وأرواحهم كما تفتح للمؤمنين. وقيل: لنزول الرحمة. وقيل: لدخول الجنة. ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ يدخل البعير ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ في ثقبة الإبرة، أي: لا يدخلونها أبداً. وقال الماوردي: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ قولان، أحدهما: ثقب الإبرة، والثاني (٩): السم القاتل الذي يدخل (١٠) في مسام البدن، وهذا سوء ضبط منه فإنه لم يفهم كلام ابن عيسى (١١).

стр. 390

﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾ مثل هذا (١) الذي ذكرنا (٢) نجزي الكافرين (٣). ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ فرش (٤). ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ قيل: لحف ولباس، وقيل: ظلل. وانصرف ﴿غَوَاشٍ﴾ لأن الياء لما جاز حذفه من الآحاد تخفيفاً صار حذفه من الجموع (٥) لازماً، فلما حذف الياء صار لها في الآحاد نظير (٦) فدخله التنوين. وقيل: التنوين بدل من الياء الساقط. والقول هو الأول. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾ أي: الكافرين ثم ذكر جزاء المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ طاقتها. والتكليف: إلزام ما فيه كلفة، أي: مشقة. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾. قوله ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ اعتراض. وقيل: تقديره: منهم، فيكون خبراً، واللذان بعده خبر بعد خبر. ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ نخرج أسباب العداوة من قلوبهم. والغلّ: الحقد الذي يتغلغل إلى صميم القلب. وقيل: هو العصبية (٧) والحسد، يعني أصحاب الجنة. وعن الحسن البصري، عن علي ﵁ أنه قال: فينا أهل بدر نزلت هذه الآية (٨). ابن بحر: هو معطوف على الذين آمنوا، أي: آمنوا وبرئت (٩) قلوبهم من الغلّ. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ فإن النظر إلى الماء الجاري من الملاذ. ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ وفَّقنا وأرشدنا لما هذا جزاءه. ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ بأنفسنا. ﴿لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ لضللنا. وقيل: ﴿هَدَانَا﴾ دعانا إليه ودلنا عليه. ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: أتوا بالحق ووقع الموعود على ما سبق الوعد به (٨).

стр. 391

﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ أعطيتموها، وقيل: أورثتم منازل أهل النار. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾. وقوله ﴿تِلْكُمُ﴾ إشارة إليها بعد المعاينة. وقيل: إشارة إلى ما وعدوا به في الدنيا (١)، أي: هذا جزاء طاعتكم في الدنيا. ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا﴾ أي (٢): في الدنيا ﴿حَقًّا﴾ صدقاً. ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ هذا (٣) سؤال تقرير يتضمن تحسير الكفار (٤). ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ فيه لغتان (٥)، وذلك أنهم إذا (٦) صاروا إلى النار زال عنهم الصمم والبكم والعمى التي (٧) في قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]. ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ نادى مناد، وهو صاحب الصور، نداءً أسمع الفريقين. وقيل: أعلم معلم بينهم من أهل الجنة والنار. ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ إذا شددت أن فهو مفعول ﴿فَأَذَّنَ﴾، ومن خفف فكذلك (٨)، واسمه مضمر، ويحتمل أن يكون بمعنى: أي (٩).

стр. 392

﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صفة للظالمين. ويصدون بمعنى صدوا. وقيل: تقديره: كانوا يصدون في الدنيا. وقيل: تم الكلام على الظالمين ثم (١) استأنف فقال: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يطلبون لها (٢) الاعوجاج والتدافع في التناقض (٣) في اللفظ والمعنى ويلبسون على الجهال. و﴿عِوَجًا﴾ مفعول ثان ليبغون، تقول: (٤) بغيتك الشيء. وقيل: مصدر، كقولهم: رجع القهقرى. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ﴾ بالدار الآخرة. ﴿كَافِرُونَ (٤٥)﴾. ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ هو السور الذي في قوله ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد: ١٣] وهو الأعراف أيضاً. وقيل: الأعراف: أعالي السور، وأعالي كل شيء: أعرافه. والأعراف في الآية واحد، ومثله: ثوبٌ أَسْمالٌ، أي (٥): خَلَق، وثوبٌ أخماسٌ (٦) وبُرْمَةٌ أَعْشَار (٧).

стр. 393

أبو عبيدة: كل عالٍ مرتفع (١) من الأرض أعراف (٢). وقيل: جمع (٣) واحدها عُرْف، وكل مرتفع عُرْف، ومنه عُرْفُ الفرس والديك. وقيل: هو من المعرفة، وعليها قوم جعلهم الله على تعريف أهل الجنة وأهل النار. ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ قيل: هم الأنبياء، وقيل: هم ملائكة رجال، أي: ذكور (٤)، كقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]. وقيل: هم الفقهاء والعلماء، وقيل: هم الصالحون وأفاضل المؤمنين، وقيل: هم الشهداء، وهم عدول الآخرة، فهؤلاء علوا في الدنيا وفي الآخرة (٥) بعلمهم وعملهم فتعالى وارتفع (٦) منازلهم في الآخرة، وقيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. وقيل: هم قوم جعلهم الله تعالى على معرفة أهل الجنة وأهل النار كما سبق، يميزون بعضهم من بعض. وعن النبي ﷺ : (أنهم قوم خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم فقتلوا فأعتقهم الله من النار لأنهم قتلوا في سبيله وحُبِسوا عن الجنة بمعصية آباءهم) (٧).

стр. 394

وقيل: هم (١) قوم بطأت بهم صغائرهم إلى (٢) آخر الناس، وقيل: هم (٣) قوم رضي عنهم (٤) آباؤهم دون أمهاتهم أو أمهاتهم دون آبائهم، وقيل: هم أولاد الزنا، وقيل: هم الذين كانوا في (٥) الفترة ولم يبدلوا دينهم، وقيل: هم أولاد المشركين، وقيل: هم المراءون. ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ أي: كلهم، وهم أصحاب الجنة وأصحاب النار. ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ بما أُعطوا من الثواب والنعيم أو من عذاب الجحيم، وقيل: سيماء المؤمنين بياض الوجوه ونظارتها وسيماء الكافرين زرق العين وسواد الوجه (٦). وسيما يُمدّ ويُقصر (٧)، وسيمياء فيه لغة، واشتقاقه من السومة، وهي العلامة، وقيل: هو مقلوب من (٨) الوسم، كالجاه (٩) من الوجه.

стр. 395

﴿وَنَادَوْا﴾ يعني أصحاب الأعراف. ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ أهلها. ﴿أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ تهنئة منهم لأهل (١) الجنة. ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾ على الوجوه الأولى: حال للمخاطبين، فيكون خطاباً لهم قبل الدخول، وليس في الآية ما يدل على دخولهم بعد، وعلى الوجوه الأخرى: حال للمسلمين، وهذا أظهر. قوله ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾ أي: في دخول الجنة. ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي (٢): مواجهتهم (٣) قبل الدخول وبعده (٤)، على القولين. ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ أي: إذا نظروا إلى أصحاب النار استعاذوا بالله من (٥) أن يكونوا من أهلها. ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ ذكر المفسرون أن الرجال هاهنا: الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونظرائهم، وذلك أنهم قالوا إن بلالاً وسلمان وعماراً وأمثالهم يدخلهم الله الجنة ويدخلنا النار، كلا والله إن الله لا يفضل خدمنا ورعاتنا علينا، وأقسموا أن لا يخصهم (٦) بفضل دونهم، فناداهم

стр. 396

أصحاب الأعراف (١). ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ لم يدفع عنكم كثرتكم وشوكتكم، وقيل: جمعكم المال. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾ استكباركم عن الإيمان، أي: تعظمكم. ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ حلفتم في الدنيا. ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ يعني الجنة، والمشار إليهم: سلمان وبلال وصهيب وخباب (٢). ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾ هذا قبل الدخول، ويحتمل: أقسمتم لا ينالهم الله برحمة وقد قال (٣) الله لهم ادخلوا الجنة، وقيل: أقسم أهل النار لا يدخل أصحاب الأعراف الجنة، فقال الله تعالى ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، وقيل: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ من كلام الملائكة. ابن بحر: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ من كلام أصحاب الأعراف لأنفسهم ثم يرجعون إلى مخاطبة أنفسهم فيقول بعضهم لبعض: ادخلوا الجنة (٤). ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ رفع بالابتداء (٥)، ﴿الَّذِينَ﴾ خبره، لا يجوز غيره. وقوله ﴿وَنَادَى﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوعد، وكذلك أكثر ألفاظ القيامة. ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا﴾ صبوا.

стр. 397

﴿عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ مقدار ما تبرد أبداننا ويزيل عطشنا. والإفاضة: إجراء الماء من معالي (١). ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الطعام. ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا﴾ أي: ماء الجنة وطعامها تحريم منع. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ فحرموا وأحلوا ما شاءوا، وقيل: دينهم عيدهم (٢). ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ اغتروا (٣) بطول البقاء، ثم استأنف فقال: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ نتركهم في العذاب، وقيل: نعامل (٤) معهم معاملة المنسي، وقيل: نجازيهم على نسيانهم (٥). ﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ أي: تركوا العمل له. ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ ينكرون المعرفة بأنها من عند الله. ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ يعني القرآن. ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ بيناه بالتحليل والتحريم (٦) والوعد والوعيد وغيرها، وقيل:

стр. 398

﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ جعلناه يفهم شيئاً شيئاً. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: بعلم منا ونحن عالمون بتفصيله، وقيل: على علم في الكتاب. ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ يجوز أن يكون حالاً، ويجوز أن يكون وصفا للكتاب، ويجوز أن يكون مفعولاً له (١). ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ما ينتظرون، أي: يلحقهم لحوق (٢) المنتظر. ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ ما يؤول إليه أمرهم من العذاب في الدنيا والنار في العقبى، وقيل: ثوابه، وقيل: عاقبته، وقيل: حقيقته. ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ تركوا الاستعداد له. ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ أقروا حين لا ينفعهم. ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ تمنوا شفيعاً أو رداً (٣) إلى دار الدنيا وضمنوا عملاً يخالف ما عملوا فلم يجابوا إلى ملتمسهم. ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: خسروا أعظم ما يخسره الخاسرون. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾ أي: لم تنفعهم عبادتهم (٤) الأصنام. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أراد السموات والأرض وما بينهما، وقد فصلها (٥) في سورة السجدة (٦)، وأول هذه الأيام الأحد وآخرها

стр. 399

الجمعة (١) وكل يوم من هذه الأيام الستة كألف سنة. وقيل: خلقه في أيام لتشاهد الملائكة حدوث شيء بعد شيء. وزيف ابن بحر هذا القول فقال: ليس يعقل كون الملائكة قبل كون السموات والأرض لأنهم لا يستغنون عن مكان يحويهم، وحمل على (٢) أن المراد من الست تعليم العباد، قال: وأصل جميع الحساب من ستة ومنها يتفرع سائر العدد بالغاً ما بلغ (٣)، ويحتمل أن الله تعالى فرق خلق هذه الأشياء فكان خلقه سبحانه لشيء منها في كل يوم من الأيام الستة كلمح بالبصر، والله أعلم. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ مذهب السنة والجماعة أن الاستواء هاهنا لا يفسر بما لم يصف الله ذاته به (٤). الحسن: استوى أمره (٥). وقيل: استولى، وأنشد: قد استوى بشرٌ على العراق ... من غير سيفٍ ودمٍ مهراقِ (٦) وأضاف الاستيلاء إلى العرش وإن كان سبحانه مستولياً على الكل لأنه أعظم

стр. 400

شيء خلقه، وهذا ضعيف، لأن ثم للتراخي، واستيلاء الله تعالى على الأشياء ليس بمحدث. وروي عن ابن عباس ﵄: ﴿اسْتَوَى﴾: استقر (١). وهذا لا يقتضي مكاناً بل هو كما قال ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ (٢) مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧]. وقيل: معناه علا، كقوله ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]. وقيل: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أقبل على خلق (٣) العرش فيمن قال خلق العرش بعد السماء، ومن قال خلقه قبل السماء، قال: أقبل على نقله. وقيل: معناه لم يخلق بعد (٤) السموات والأرض وما بينهما إلا العرش كما سبق في البقرة (٥). وفي العرش أقوال (٦): قيل: هو السرير. وقيل (٧): العرش: الملك، ويقال: لمن ذهب ملكه أو عزّه: ثُلَّ عرشه، وقيل:

стр. 401

العرش: السقف، يعني السموات، من قوله ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الحج: ٤٥]، وقال هذا القائل في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، أي: عرش هذا الخلق العظيم يريد بناءه وسقفه (١). ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي: جعل الليل يغطي نور النهار ويذهب بضوئه. وتقديره: يغشي الليل النهار (٢) ويغشي النهار الليل، كقوله تعالى ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]، فاكتفى بأحد الضدين. ابن بحر: يغطي النهار وضياءه بالليل، فعلى هذا يكون الليل ظرفاً. ﴿يَطْلُبُهُ﴾ يعقبه. ﴿حَثِيثًا﴾ محمولاً على السرعة، فعيل بمعنى مفعول، مِنْ: حَثَّه. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ أي: وخلق الشمس والقمر والنجوم ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ مذللات جاريات مجاريهن. وقيل: مسخرات للخلق، كقوله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] بأمره، أي: كل ذلك كان بأمره، وقيل: قال لها كوني مسخرة فتسخرت بأمره، وقيل: بإرادته، وقيل: لأمره. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ أي: الخلق العظيم والأمر النافذ، وقيل: له الخلق كله والأمر (٣) الذي لا يخالف، وقيل: له الخلق وله الأمر فيهم، وقيل: الخلق والأمر واحد فعطف لتقدم ذكر الخلق والأمر في الآية.

стр. 402

﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (١) تعالى بالوحدانية وعظم بدوام (٢) البقاء، وقيل: معناه أن ذكر رب العالمين بركة عليكم وعلى من ذكره منكم. ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ تذللاً. ابن عيسى: التضرع: التذلل، وأصله الميل في الجهات ذلاً، من قولهم: ضَرَعَ الرجل، إذا مال بإصبعه يميناً وشمالاً ذلاً وخوفاً. وقيل: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ سراً وإخلاصاً، ونصبها (٣) على الحال أو على المفعول له. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ الذين يسألون الله درجة الأنبياء والمرسلين، وقيل: يدعوا على (٤) من لا يستحقه، وقيل: هو الذي يرفع صوته عند الدعاء، فإن أبا موسى الأشعري ﵁ قال: كان النبي ﷺ في غزاة فأشرفوا على واد، فجعل الناس يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم، فقال ﷺ : (أيها الناس: أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً إنه معكم) (٥). وقيل: الاعتداء: السجع في الدعاء، حكاه هشام في تفسيره (٦).

стр. 403

﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ أي: بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان، وقيل: بالمعصية، وقيل: بالظلم. ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ بعد أن أصلحها الله ببعث الأنبياء وبيان الشرائع ومنع الناس عن المعصية والظلم، ولولا الأنبياء والشرائع لأكل الناس بعضهم بعضا، وقيل: معناه لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر بمعاصيكم. ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا﴾ من عقابه. ﴿وَطَمَعًا﴾ في ثوابه، قيل: خوفاً من الرد وطمعاً في الإجابة، ونصبها على الحال أو على المفعول له. ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ أي: يلحق المحسن دون المسيء، وقيل معناه: ما وعد الله المحسن قريب من المحسن لأن ما هو آت قريب. وفي تذكير ﴿قَرِيبٌ﴾ قولان: أحدهما: أنه محمول على المعنى، والمراد به: الثواب والنعيم. الأخفش: المراد به (١): المطر (٢)، وهذا مذهب البصريين. وقال الكوفيون: القريب والبعيد إذا أردت بهما النسب تثنى وتجمع وتؤنث، وإذا أردت بهما قرب المكان وبعده فلا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، وأنشد (٣):

стр. 404

عَشِيَّةَ لا عفراءُ مِنْكَ قريبةٌ ... فتدنو ولا عفراءُ مِنْكَ بعيدُ ويحتمل: أن المراد به المفعول، أي: مُقَرَّبة (١)، فيصير من باب (٢): كف خصيب وعين كحيل. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ أي: يثيرها سهلة (٣) من عال. ﴿بُشْرًا﴾ بالبشارة، كقوله ﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قدام المطر وأمام الغيث. و(نشراً) (٤) تهّب من كل صوب، كقوله ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ [المرسلات ٣]، من قولهم: أنشر الله الموتى فنشرت، أي: أحياها فحيت، وقيل: لها نَشْر، أي: رائحة طيبة، وقيل: مِنْ: نشرت: ضد الطي، أي: تنشر السحاب. وعن أبي بكر بن عياش (٥): لا تقطر من السماء قطرة حتى تعمل فيها أربع رياح، فالصبا (٦) تهيج السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه (٧). ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا﴾ أي: رفعت الريح سحاباً وحملته.

стр. 405

والإقلال: رفع الشيء بتمامه من غير تعب، والسحاب: جمع سحابة. ﴿ثِقَالًا﴾ أي: بالماء، جمع: ثقيل، نحو: حِمْل. ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ﴾ أي: إلى بلد، وقيل: لإحياء بلد، وذّكر للجنس. ﴿مَيِّتٍ﴾ لا نبات به. ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾ بالبلد، وقيل: بالسحاب. ﴿الْمَاءَ﴾ المطر. ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ على الوجهين. ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أنواع (١) حمل الأشجار. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أحيينا هذا البلد بإخراج الثمرات، وحياة الأرض: خروج نباتها. ﴿نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ من الأجداث. وروى الثعلبي في تفسيره عن أبي هريرة وابن عباس ﵃: إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أمطر عليهم (٢) أربعين عاماً كمني الرجال من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان، فينبتون من قبورهم بذلك المطر كما ينبتون في بطون أمهاتهم وكما ينبت الزرع من الماء، حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم تلقى عليهم نومة فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصور الثانية عاشوا وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم كما يجد النائم إذا استيقظ من (٣) نومه، فعند ذلك يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾

стр. 406

فيناديهم المنادي ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ [يس: ٥٢] (١). ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾. ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ يريد الأرض العذب التراب لا حجارة به (٢) ولا ملح، ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ بعلمه ومشيئته، وقيل: بإطلاقه له وحفظه من الآفات. ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ يريد السبخة، ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ قليلاً عسيراً. وأصل النكد: العسر والشؤم. وقيل: هذا مثل ضربه الله للمؤمنين يسمع القرآن فينتفع به ومثل للكافر (٣) يسمعه فلا ينتفع به. وقيل: الأرض الطيبة والخبيثة كلتاهما من الأرض، وهو مثل لآدم ﵇ وذريته كله منه (٤) فمنهم طيب مؤمن ومنهم خبيث كافر. ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نبينها. ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ نعمتي ويطيعوني (٥). ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ بعثه الله وكان ابن خمسين سنه. ﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحدوه وأطيعوه. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ لا إله سواه فلا تعبدوا معه (٦) غيره.

стр. 407

﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن لم تؤمنوا. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ يوم القيامة. ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ الأشراف منهم. ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ نجدك. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ خطأ وذهاب عن الرشاد. ﴿مُبِينٍ (٦٠)﴾ بين. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)﴾. ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ النُّصح: خلاف الغش، تقول: نصحته ونَصَحْتُ له. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾ لأنه أوحى إلي دونكم، وقيل: أعلم ثوابه وعقابه. ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ استفهام إنكار، والمعنى: بَعُدَ في عقولكم وجوده. ﴿أَنْ جَاءَكُمْ﴾ من أن جاءكم. ﴿ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وحي ورسالة. ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ أي: أنزل عليه، وقيل: مع رجل ﴿مِنْكُمْ﴾: من جملتكم. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ليخوِّفكم المكروه. ﴿وَلِتَتَّقُوا﴾ عبادة الأصنام. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)﴾ إن أطعتموه. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ نسبوه إلى الكذب. ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ أي: نوحاً.

стр. 408

﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ بنيه: سام وحام ويافث وستة رجال (١)، وقيل: كانوا ثمانين، أربعين (٢) رجلاً وأربعين امرأة. ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ في السفينة. ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾ عمى القلب، تقول: رجل أعمى: الذي (٣) لا يرى بعينيه، ورجلٌ عَمٍ: لا يهتدي بقلبه، وقيل: ﴿عَمِينَ﴾: جاهلين، وقيل: ضالين عن الحق. ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ يريد: وأرسلنا إلى عاد، فهو عطف على نوح. وعاد: هي عاد (٤) الأولى، عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح (٥). ﴿أَخَاهُمْ﴾ أي: في النسب. ﴿هُودًا﴾ هو هود بن عبدالله، وقيل: هود بن شالخ (٦). ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ أي: أفلا تتقون عذاب الله. ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ أي: في ضلال بتركك ديننا. والسفاهة: خفة العقل والحلم، والسفاهة بلغة حمير: الجنون. ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)﴾ في ادعائك. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا

стр. 409

لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ سبق (١). ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: في (٢) مساكنهم ومنازلهم وأموالهم. وكان مساكنهم بالأحقاف من رمل عالج من حضرموت إلى شِحْرِ عُمَان (٣). ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ طولاً وقوة وامتداداً وسعة، وقيل: كان طول الواحد منهم اثني عشر ذراعاً، وقيل: سبعين ذراعاً، وقيل: ثمانين. الكلبي: أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستون ذراعاً (٤). وقيل: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ﴾ في الناس ﴿بَسْطَةً﴾ قوة عليهم وغلبة. ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ نِعَمَه، واحدها: إلى (٥)، مثل: مِعَى، وهو الصحيح، وقيل: أَلَى (٦)، بالفتح كقفا، وقيل: إلْيٌ، كحِسْى (٧). ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ لكي تبقوا في الجنة. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنام،

стр. 410

استفهام إنكار، أي: لا نفعل ذلك. ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ يعني العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾. ودل (١) قوله ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ عليه. ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ نزل ووجب، أي: دنا ذلك. ﴿رِجْسٌ﴾ عذاب، وكل مستقذر رجس، والرجس: الصوت الشديد أيضاً. ابن بحر: الرِّجس ضد (٢) التزكية. أبو عمرو: الرجس: الرجز، قلب زاءه سيناً (٣). ﴿وَغَضَبٌ﴾ إرادة انتقام (٤). ﴿أَتُجَادِلُونَنِي﴾ أتخاصمونني. ﴿فِي أَسْمَاءٍ﴾ أي: في أصنام (٥). ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أسماء لا تستحقها. ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: سميتموها آلهة من غير حجة ولا بيان. الثعلبي: سمو صنماً ضداً وصنماً صموداً وصنماً الهبّار (٦). ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ نزول العذاب.

стр. 411

﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)﴾. ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ يعني من آمن به. ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ بنعمة منا عليهم. ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: أهلكناهم هلاك استئصال، والدابر: الأصل، وقيل: الدابر: آخر من بقي منهم. ﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾ زيادة ذم لهم. ابن بحر: أي: لو بقوا ما كانوا ليؤمنوا. ثم سلَّط الله عليهم الريح سبعَ ليالٍ وثمانية أيام حسوماً فَأُهلكوا. ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ وأرسلنا إلى ثمود، اسم قبيلة عظيمة، مشتق من الثمد، وهو: الماء القليل، وجَدُّهُم ثمود بن عاد (١) بن إرم بن سام بن نوح. ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ هو صالح بن عبيد (٢). ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هذا جواب لقولهم له (٣) ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)﴾ [الشعراء: ١٥٤]. ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ إضافة تخصيص، كبيت الله، ولأنها لم تكن من اجتماع ذكر وأنثى بل أخرجها الله من صخرة منفردة في ناحية الحِجْر، وكان ديارهم الحجر بين الحجاز والشام، يقال لتلك الصخرة الكاتبة (٤)، فتمخَّضت الصخرة تمخُّض (٥)

стр. 412

النتوج بولدها، ثم تحرَّكت الهضبة فانصدعت عن ناقة عشراء، ثم نتجت سقباً مثلها في العظم. ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ تدل على صدق (١) نبوتي. ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ عشبها وخلاها، أي: سهل الله لكم أمرها فليس عليكم منها مؤنة. ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ لا تقربوها بنحر وعقر. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أنزلكم وأسكنكم، من: البواء، وهو: المنزل (٢)، واشتقاقه من باء: إذا رجع. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي (٣): وسع عليكم فصرتم أرباب قصور وحصون (٤). ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ أي: تنقبون الجبال للبيوت (٥)؛ لأن الأبنية لم تكن تفي بعمرهم. ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾. ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الكفار منهم.

стр. 413

﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أي: المؤمنين، ثم أَبْدَلَ (١) فقال: ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ إليكم (٢). ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥)﴾. ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾. ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ عقرها قدار بن سالف ومصدع بن دهر (٣)، وتأتي القصة في موضعها (٤). ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ جاوزوا الحد في كفرهم وتعظموا أن يؤمنوا (٥). ﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ تكذيباً واستهزاءاً. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾ صادقاً في ادعائك النبوة ووعيدك إيانا بالعذاب. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة (٦)، وفي الآية الأخرى ﴿الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] و [الحجر: ٨٣]، وفي آية ثالثة ﴿بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ [الحاقة: ٥]، ووجه ذلك أن الطاغية

стр. 414

صفة لكل عذاب جاوز الحد في الفساد، والرجفة: الصيحة التي زعزعتهم وحركتهم للهلاك، وقيل: ما توا بالرجفة والصيحة جميعاً، وقيل: الصيحة الأمر والدعاء والنداء، أي: الله أمرها وناداها بأن تهلك بالرجفة الشديدة المفرطة، وقيل: الطاغية: سيول وقعت بعقب الرجفة. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ بلدهم، وقيل: منازلهم، فوحد للجنس. ﴿جَاثِمِينَ (٧٨)﴾ ميتين خامدين كرماد (١) الجاثم، والجواثم: الأثافي (٢)، وكل مالاط بالأرض ساكناً جاثم. ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي (٣): لما عقروا الناقة فارقهم. ﴿وَقَالَ﴾ لهم عند فراقه (٤) إياهم. ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾. وقيل: أعرض بعد نزول العذاب بهم، وقال هذا القول كما خاطب النبي ﷺ قتلى بدر (٥). ﴿وَلُوطًا﴾ أي: وأرسلنا لوطاً. الأخفش: واذكر لوطاً (٦).

стр. 415

هو لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم ﵉ (١). ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهم أهل سدوم (٢). ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ استفهام تقريع وتوبيخ وإنكار على ارتكاب القبيح، والفاحشة هاهنا: اللواط. ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ أي: لم يعرف (٣) هذا الفعل قبل اليوم، ولا يرى ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان قوم لوط (٤). وقيل: عالمي زمانهم، وهذا هاهنا بعيد، والمراد بالعالمين: الناس. ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ أي: لشهوة الجماع التي حقها أن تنال من النساء. ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ أي: لا من النساء. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ بل رَدٌّ لجوابٍ عَسَى -زعموا- أن يكون لهم عذر (٥)، أي: لا عذر لكم ولا حجة. ابن عيسى: ﴿بَلْ﴾ إضراب عن الأول إلى جميع المعايب من عبادة الأوثان وإتيان الذكران. والإسراف (٦) والجهل توأمان، ولهذا قال في النمل ﴿تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾ [النمل: ٥٥].

стр. 416

﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لوطاً (١) وابنتيه ذهورا (٢) وريثا، وقيل: ريثاء (٣) وعيثاء ومن آمن معه. أي: لم يكن لهم جواب فعدلوا إلى السفاهة والاستهزاء. ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾ يتنزهون عن أعمالكم (٤)، وقيل: يتعززون عن إتيان أدبار الرجال وأدبار النساء، وقيل: يتحرجون. ابن بحر: يرتقبون أطهار النساء ليجامعوهن فيها (٥). ابن عباس: عابوهم بما يتمدح به (٦). ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: من آمن به. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ واسمها واهلة فإنها كانت تسر الكفر. ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣)﴾ من الباقين، وغَلَّبَ المذكر، وقيل: من الباقين في عذاب الله، وقيل: من الغائبين عن النجاة، تقول: غبر عنا، أي: غاب، وقيل: من المعمرين. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ فُسِّرَ بقوله سبحانه ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨٢ ـ ٨٣]. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾ أي: الكافرين.

стр. 417

﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ وأرسلنا إلى مدين (١). الفراء: إلى أهل مدين، ومدين اسم بقعة، وأنشدنا: رُهْبَانُ مَدْيَن لو رأوْكِ تَنزلَّوا ... والعُصْمُ من شَعَفِ العَقُولِ الفادرِ (٢) غيره: مدين بن إبراهيم الخليل ﵇، وقيل: اسم رجل كان يقال له مدينان (٣)، وكان سبط نوح ﵇، وجعل اسماً للقبيلة وهم أصحاب الأيكة (٤). قتادة: أرسل مرتين، مرة إلى مدين ومرة إلى أصحاب الأيكة (٥). ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ هو شعيب ابن توبة، وقيل: شعيب ابن ميكيل (٦). وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وقيل: كان نبياً لم تكن له معجزة، وأنكر الزجاج هذا القول، وقال: الدليل على أن له معجزة قوله ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال: ولا تقبل نبوة بغير معجزة (٧). ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: ما أوتي من المعجزة. ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ الإيفاء: إتمام (٨) الشيء إلى حد الواجب فيه. ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوا حقوقهم بتطفيف الكيل ونقصان الوزن. ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر. ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ بعد بعث الأنبياء والأمر بالعدل والإحسان. والأليق بالآية: ولا تفسدوا بالظلم والعدوان في الكيل والميزان. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾ أي: الإيمان السابق على إيفاء الكيل والوزن (٩)، وكانوا أهل كفر وبخس للمكيال والميزان. ﴿وَلَا تَقْعُدُوا﴾ ولا تجلسوا. ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ طريق. ﴿تُوعِدُونَ﴾ تتهددون بالمكاره.

стр. 418

﴿وَتَصُدُّونَ﴾ تمنعون. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن الإيمان به. الزجاج: سبيله الذي آمن به (١). ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: يريد الإيمان. ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: تلتمسون للسبيل زيغاً، وقيل (٢): تريدون الاعوجاج والعدول عن القصد، وقيل: هو إخبارهم (٣) أن ما أتى به شعيب باطل غير مستقيم، وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطريق ويقولون لمن قصد شعيباً ليؤمن به: إن شعيباً كذَّاب لا يفتننك عن دينك. السدي: كانوا عشارين (٤). ابن زيد: يقطعون الطريق (٥). ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ فأكثر عددكم، وقيل: كنتم فقراء فأغناكم، وقيل: كنتم عجزه فجعلكم ذوو مقدرة. ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)﴾ أي: آخر أمر (٦) قوم لوط. ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ خطاب للمؤمنين، أي: اصبروا على أذى هؤلاء الكفار، وقيل: خطاب للكفار تهديداً لهم، أي: اصبروا حتى تروا ماذا يستقبلكم. ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الذين تعظموا عن الإيمان. ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ عاد موضوعة لفعلٍ عُمِلَ (٧) مرة، وقد تستعمل للابتداء بمعنى صار، قال الشاعر: تلك المكارم لا قَعْبَانِ من لَبَنٍ ... شِيبَا بماءٍ فعادا بَعْدُ أبوالا (٨)

стр. 419

ولم يكن اللبن بولاً (١)، وقيل: خطاب للذين معه دونه، وقيل: خاطبوه على زعمهم، والملة: الشريعة. ﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨)﴾ أي: كيف نعود في ملتكم ونحن له كارهون، والكاره للشيء لا يصير إليه اختياراً، وقيل: معناه أتجبروننا على العود وإن كرهنا، قالوا: نعم، قال (٢) شعيب: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قد اختلقنا على الله الكذب. ﴿إِنْ عُدْنَا﴾ دخلنا. ﴿فِي مِلَّتِكُمْ﴾ في (٣) دينكم. ﴿بَعْدَ إِذْ﴾ إذ (٤) بمعنى الوقت، وأضاف بعد إليه. ﴿نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ خلصنا. ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا﴾ وما ينبغي. ﴿أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ نصير إلى ملتكم. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ أي: يشاء الكفر لنا فحينئذ نصير والكفر بمشيئة الله، وقيل: كان في ملتهم أشياء يجوز تعاطيها، وقيل: هذا على وجه البعد وأنه لا يكون، كقوله سبحانه: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وكقولهم (٥): حتى يَبْيَضَّ

стр. 420

القارُ ويَشيبَ الغُراب (١). ويحتمل: إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا، وقيل: ﴿نَعُودَ فِيهَا﴾ كناية عن القرية. ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاط علمه بما يكون منا ومنكم. ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ هو جواب لقولهم ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ﴾، أي: فوضنا أمورنا إليه. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ بَيِّن مصيرنا ومصيرهم، وهذا حين أذن الله له في الدعاء عليهم (٢)، وقيل: افتح: اعمل واحكم (٣) واقض، والفتاح: القاضي بلغة عُمان (٤)، لأنه يتولى فصل (٥) الأمور وفتح المشكلات. وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ماكنت أعرف معنى ﴿افْتَحْ﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: لعلي أفاتحك، أي: أخاصمك إلى القاضي (٦). ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ الحاكمين. ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ وتركتم دينكم. ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠)﴾ مغبونون، وقيل: جاهلون، وقيل: عجزة. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة، وفي آية أخرى ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٨٣] ,

стр. 421

قيل: صيحة (١) جبريل، وقيل: الصيحة: اسم العذاب، وقيل: هو الأمر والنداء، وقيل: لا تخلو زلزله من صياح ورياح. وذكر المفسرون أن الله سبحانه سلط عليهم حراً شديداً أخذ بأنفسهم فدخلوا البيوت فدخل عليهم البيوت فلم ينفعهم ظل ولا بناء وأنضجهم الحر، فبعث الله سحاباً (٢) فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح وطيبها وظل السحابة، فنادوا: عليكم بها، فخرجوا إلى البرية فلما اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، ألهبها الله عليهم ناراً ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلو وصاروا رماداً، وهو عذاب يوم الظلة (٣). وقيل: أهلك مدين بالزلزلة وأصحاب الأيكة بالحر وكان شعيب ﵇ مبعوثا إليهما. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ مدينتهم. ﴿جَاثِمِينَ (٩١)﴾ ميتين. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ يقيموا فيها وينعموا، وأصله من المَغْنَى، والمغَاني: وهي المنازل (٤)، تقول: غَنِىَ يَغْنَى غِنَىً وغُنْياً وغُنْياناً، قال: وغَنِيتُ دهراً قبل مَجْرى داحسٍ ... لو كان للنفس اللجوجِ خلودُ (٥) آخر: ولقد تغنى بها جيرانك الـ ... ممسكو منكَ بأسبابِ الوصالِ (٦)

стр. 422

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)﴾ الهالكين، لا كما زعموا وقالوا ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠)﴾. ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ بعد أن نزل بهم العذاب. ﴿وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ في نزول العذاب. ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى﴾ أحزن. ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾ عَزَّى نفسه عنهم، وقيل: وتولى عنهم وقال حين رأى أوائل العذاب. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا﴾ يريد فكذبوه (١) فأخذنا. ﴿أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: عاقبناهم (٢)، والبأساء: الشدة في أنفسهم، والضراء: ما نالهم في أموالهم. الحسن: الجوع والفقر (٣). ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)﴾ لكي يتضرعوا، وقيل: عاملناهم معامله الشاكّ (٤). ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا﴾ حولنا.

стр. 423

﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ الشدة والفقر. ﴿الْحَسَنَةَ﴾ الراحة والغنى. ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي: كَثُروا. قتادة: سُرُّوا (١). الحسن: حتى سمنوا وسمنت دوابهم (٢). ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ أي: هذه عادة الدهر، أي (٣): بعد كل خصب جدب، وبعد كل جدب خصب، فكونوا على ما أنتم عليه. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة، وهي الأخذ على غرة. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ بنزول العذاب. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ الشرك والمعاصي. ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ لأنزلنا عليهم. ﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني المطر. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ يعني النبات. أي: لوسعنا عليهم النعمة ورفعنا عنهم الجدب والقحط، وقيل: بركات السماء: قبول الدعاء، وبركات الأرض: تسهيل الحاجات (٤). ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾ أي: الأنبياء. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ عاقبناهم.

стр. 424

﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ بكفرهم وسوء صنيعهم. ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ يريد الكافرين منهم. ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ عذابنا. ﴿بَيَاتًا﴾ ليلاً ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾. ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ نهاراً (١). ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ ساهون لا هون. ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ استدراجه، وقيل: عذابه، وقيل: جزاء مكرهم. ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ أي: الذين لا يؤمنون به. ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ يُبَيِّن. ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ يسكنون فيها وينالون من ثمارها. ﴿مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ أي: الأمم الخالية الذين أهلكوا بقبيح فعلهم فعمل هؤلاء أعمالهم وعتوا على ربهم. ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أهلكناهم كما أهلكنا مَنْ قَبْلَهُم. ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ نختم عليها. ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ أي: الهدى، وقيل: لا يجيبون، من قولنا: سمع الله لمن حمده. قال: دعوتُ اللهَ حتى خفتُ أَلَاّ ... يكونَ اللهُ يسمعُ ما أقولُ (٢)

стр. 425

﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ أي: قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم (١) لوط وقوم شعيب. ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ نخبرك أخبارها ونبين لك آثارها. ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات والدلالات والأمر والنهي. ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ فيه أقوال: أحدها: أن قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعود إلى الرسل، تقديره: أن مجيء الرسل (٢) لم يسلب عنهم اسم الكفر والتكذيب بل بقوا كافرين مكذبين كما كانوا قبل الرسل. والثاني: أن الفعل (٣) في قوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لقوم، والفعل في قوله: ﴿كَذَّبُوا﴾ لقوم آخرين (٤)، أي: تواطئوا على تكذيب الرسل. والثالث: لو أهلكناهم ثم أحييناهم لم يؤمنوا بما كذبوا من قبل الإهلاك، كقوله ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. والرابع: أن الله علم منهم قبل خلقه إياهم أنهم يكفرون ويكذبون بتوحيد الله فلم يخالفوا معلوم الله فيهم. والخامس: أن المراد من قوله ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يوم الميثاق، أي: أضمروا التكذيب يوم أقروا بالإيمان (٥). ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أي: كما وصفنا يطبع الله ﴿عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)﴾. ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ أي: وفاء عهد، وهو ما عهد إليهم في الكتب، وقيل: عهد يوم الميثاق، وقيل: هو ما ركبه في العقول، وقيل: من عهد: من طاعة. ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ يريد وجدنا فأكده بإن ثم خفف (٦) وألزم بعده اللام، والكوفيون يجعلون إن للنفي واللام بمعنى إلا، وهذا لا يعرف له أصل (٧).
следующие страницы →