وإتباعها: قيل: ليلة الهلال.
وقيل: في النصف الأول من الشهر.
وقيل: ليلة البدر يتلوها في الإضاءة والنور الكامل (١).
الفَرَّاء: " يتلوها فيأخذ من نورها , كما يقال: يتلوها فلاناً , أي: يأخذ من علمه. والإتباع والتلوُّ واحد " (٢).
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾: جلَّى الظُّلمة وكشفها , كنى عنها ولم يتقدم ذكرها , كقولهم: والذي شقهن خمساً من واحدة، أي الأصابع , وهبت شمالاً: أي الريح (٣).
وقيل: جلّى الشمس وأظهرها للرَّائين (٤).
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾: ستر الشمس وأظلمها.
وقيل: يغشى الأفق بظلامه.
وقيل: يغشى الأرض (٥).
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾: مجاهد والحسن: "ومن بناها، وهو الله - تعالى -" (٦).
و ﴿مَا﴾ بمعنى " مَنْ ".
قتادة وغيره: " وبنائها " (٧). هكذا في أكثر التفاسير , والصواب وبناء الله إيَّاها؛ لأن فيما تقدم ذكر الفاعل.
﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦)﴾: أي مدّها وبسطها.
стр. 3608
﴿مَا﴾ بمعنى مَنْ. وقيل: وطحو الله إيَّاها.
﴿وَنَفْسٍ﴾: قيل: آدم ﵇.
وقيل: عام (١).
﴿وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾: ومن سواها.
وقيل: وتسوية الله إيَّاها أي: خلقها في أحسن صورة , وجعل فيها العقل والتمييز. وقيل: عدل فيهم.
﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: أعلمها وأودعها وهو من الإلهام الذي بمعنى الالتفاف (٢).
﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾: الزَّجَّاج: " وفَّقَهَا وخذلها " (٣).
ابن عباس: " الطاعة والمعصية " (٤).
وقيل: الشقاوة والسعادة.
وقيل: ألزمها الخير والشر (٥).
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾: جواب القسم , والتقدير: لقد أفلح.
﴿مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾: ابن عباس: " زَكَّى الله نفسه " (٦).
غيره: زكى الإنسان نفسه بطاعة الله , أي طهرها وأصلحها وجعلها زاكية (٧).
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ فات الظفر ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾ وضع قدرها وأخملها , من التدسية وهو الغمس والإخفاء , وأصله من دسَّ الشيء , وفاعل دسَّا كفاعل زكى.
стр. 3609
وقيل: زكى نفسه بالصدقة.
وقيل: ودسَّى نفسه في أهل الخير وليس منهم (١).
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾: بمجاوزتها الحال المحمودة إلى الحال المذمومة.
وقيل: ﴿إِذِ انْبَعَثَ﴾: حين (٢) قام.
﴿أَشْقَاهَا (١٢)﴾: أشقى ثمود وهو قداد بن سالف الأحمير (٣)(٤).
قال الفراء: إنهما كانا رجلين [: فلان بن دهر , والآخر قدار بن سالف. قال: ولم يقل (أشقياها) للآية (٥).
قال الكلبي: هما رجلان] (٦): قدار بن سالف , ومصدع بن دهر " (٧).
وقيل: مصدع بن بهرج ... .
﴿فَقَالَ لَهُمْ﴾: للقوم كلهم.
﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: صالح ﵇.
﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾: أي احفظوها واحذروها أن تنالوها بسوء.
﴿وَسُقْيَاهَا (١٣)﴾: شربها في يوم نصيبها.
وقيل: دورها وشربها.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾: أي كذَّبوه فيما أخبرهم بحلول العذاب.
стр. 3610
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: الناقة , أسند الفعل إليهم جميعاً لما رضوا به.
الفَرَّاء: " فعقروها فكذَّبوه فيكون العقر تكذيباً , أي: كفى بعقرهم إياها تكذيباً " (١).
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾: أهلكهم وأطبق عليهم العذاب (٢).
المفضّل " غضب عليهم " (٣).
والدَّمْدمة: الكلام بغضب (٤).
﴿فَسَوَّاهَا (١٤)﴾: أي الدمدمة.
وقيل: فسوّى ثمود بالهلاك.
وقيل: فسوّى أشجارها وأبنيتها (٥).
﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾: عاقبة تلك الفعلة.
والفعل لله سبحانه، أي: لم يبال.
وقيل: الفعل للأشقى.
وقيل: لرسول الله صالح ﵇ (٦).
وقُرئ بالفاء , وهو للتعقيب (٧).
стр. 3611
سورة والليل (١)
إحدى وعشرون آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾: أي: يغشي النّهار فيذهب به , ويُذْهِب ضَوْءَه. عن الحسن (٥).
وقيل: (٦) يغشى الأفق بظلامه.
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾: ظهر وبان.
وقيل: تجلى الليل فيزل ظلامه.
وقيل: أنار وأضاء.
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾: أي: ومن خلق، وهو الله تعالى، ويريد بهما آدم وحواء ﵉.
وقيل: عامٌّ في بني آدم.
وقيل: عام في كل ذي زوج (٧).
وقيل: ﴿مَا﴾ للمصدر، أي: وخلق الله الذكر والأنثى.
стр. 3612
وقيل: تقديره: وما خلقه. ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ بدلان من إلهاء (١).
وقُرِئ في الشواذ: بالخفض على البدل من ﴿مَا﴾ (٢).
وفي مصحف ابن مسعود: ﴿والذكرِ والأنثى﴾ (٣) بغير " ما " (٤) وجاء مرفوعاً أيضاً (٥).
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾: إن عملكم وكسبكم لمختلف ومتباعد جداً، فساع للدنيا الفانية والمعصية والعقاب، وساع للدار الباقية والطاعة والثواب.
وفي (٦) سبب النزول: عن ابن عباس ﵄: نزلت في رجل كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، وكان الرجل إذا جاء فدخل الدار وصعد النخلة ليأخذ منها التمر فربما سقطت تمرة، فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرجل من نخلته حتى يأخذ التمرة من بين أيديهم، فإن وجد تمرة في فيّ أحدهم أدخل إصبعه حتى يخرج التمرة من فيّه، فشكا الرجل إلى النبي ﷺ وأخبره بما يلقى من صاحب النخلة، فقال له ﷺ : اذهب، فلقي صاحب النخلة، فقال له: تعطيني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان، ولك به نخلة في الجنة، فقال له الرجل: إن لي نخلاً كثيرة وما فيها نخلة أعجب إلي تمرة منها، ثم ذهب الرجل، وفي المجلس رجل كان سمع الكلام من رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أتعطيني ما أعطيت الرجل نخلة في الجنة إن أنا أخذتها، قال: نعم، فذهب الرجل فابتاعها (٧) منه بأربعين نخلة، فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن النخلة قد صارت في ملكي وهي لك، فذهب رسول الله ﷺ إلى الرجل الفقير فقال له: النخلة لك ولعيالك فأنزل الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ (٨).
стр. 3613
وعن ابن مسعود ﵁: " أنها نزلت في أبي بكر الصديق (١) ﵁، وفي أمية وأُبيّ ابنّي خلف حين عذَّبا (٢) بلالاً على إسلامه، فاشتراه أبو بكر منهما ببُرد من ذهبوعشر أواقٍ، وأعتقه " (٣).
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾: أي: ما أمر به وندب (٤) إليه.
﴿وَاتَّقَى (٥)﴾: ربّه واجتنب محارمه.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾: ابن عباس ﵄: " لا إله إلا الله " (٥).
مجاهد: " الجنَّة والثواب " (٦).
ابن جرير: " بالخُلْفِ (٧) من الله على نفقته " (٨).
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾: نهيّئه، ﴿لِلْيُسْرَى (٧)﴾: للخُلّة اليسرى، وهو: الأمر السهل الذي لا يقدر عليه إلا المؤمنون.
قال الفرّاء: " العود إلى العمل الصالح " (٩).
وقيل: الجنة.
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾: بما أُمِرَ بإعطائه أو نُدِبَ إليه.
﴿وَاسْتَغْنَى (٨)﴾: عن ربه بزعمه.
وقيل: واستغنى بماله.
стр. 3614
وقيل: طلب الغنى بِنَخْلَةٍ.
﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾: بلا إله إلا الله , وبالجنّة , وبالخلف.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾: نهيئه ﴿لِلْعُسْرَى (١٠)﴾: للخُلَّة المؤدّية إلى النار.
وقيل: للنار (١)، ولفظ التيسير للازدواج.
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾: مات , تفعل (٢) من الرّدي، وهو الهلاك.
وقيل: سقط في النار.
الفرّاء: "نزلت في أبي سفيان " (٣).
الزَّجَّاج: " نزلت في رجل أكرَهُ ذكره , وإيَّاه عني أيضاً " (٤).
وإنما كره ذكره لأنه نزل فيه قبل الإسلام.
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾: دلالة الرشد.
الزَّجَّاج: " أنّ نُبين طريق الهدى من طريق الضلال" (٥).
وقيل: من اهتدى فطريقه على الله، كقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].
﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾: فنعطي (٦) منهما من نشأ ونحرم من نشأ.
وقيل: معناه: فمن طلبهما من غير مالكها فقد أخطأ الطريق.
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾: أعلمتكم مُخَوِّفَاً ﴿نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾: تتوهّج وتتغيّظ.
﴿لَا يَصْلَاهَا﴾: لا يدخلها ﴿إِلَّا الْأَشْقَى (١٥)﴾: الكافر.
стр. 3615
أبو عبيدة: " الأشقى بمعنى: الشقي " (١). وقد سبق نظائره.
﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾: أي: كذب رسل الله (٢).
﴿وَتَوَلَّى (١٦)﴾: أعرض عن الإيمان.
الفرّاء: " ﴿كَذَّبَ﴾: قصر فيما أمر به " (٣).
واستدل المُرْجئة (٤) بالآية على ما يزعمون: أنه لا يدخل النار إلا كافرٍ مكذبٍ متولٍ.
وليس فيه دليل؛ لأن هذه نار خُصَّ الكافرون بها.
والنار دركات. هذا معنى كلام الزجاج (٥).
وتنكير النار في الآية يدل على صحة هذا التأويل.
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾: المؤمن ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ﴾: الفقراء (٦)، ومن أمر بصرفه إليه.
﴿يَتَزَكَّى (١٨)﴾: يخرج زكاة ماله، ويطلب أن يكون زاكياً عند الله.
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩)﴾:
قتادة: "ما لأحد عند الله نعمة تجازيه بها إلاّ أن تفعل (٧) فعلاً يبتغي وجه ربه , فيستحق الجزاء والثواب " (٨).
стр. 3616
غيره: نزلت في أبي بكر ﵁ وذلك أنه لما اشترى بلالاً في جماعة فأعتقهم، قال المشركون: ما فعل ذلك إلا ليدٍ كانت عنده لبلال، فنفى الله - تعالى - ذلك عنه، فقال: وما لأحد أي (١) لبلال وغيره عنده من نعمة جازاه بها (٢)(٣).
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾: لكن فعل ما فعل ابتغاء الله.
قيل: الاستثناء محمول على المعنى، أي: لم يعط لشيء إلا لطلب وجه الله.
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾: ينال ما يتمناه.
قال الفرَّاء: هذا اللام متصلة في المعنى بالهاء، وتقديره: ماله عند أحد من نعمة تجزى، أي: ما لأبي بكر عند أحد نعمة يتوقع عليه المكافأة في المستأنف (٤).
والمعنى: أنفق ما أنفق لوجه الله، لا يريد (٥) جزاء ولا شكوراً، واستدل على هذا المعنى، بقول الشاعر:
لقد خفت حتى ما تزيد (٦) مخافتي ... على وعلٍ في ذي المطارة عاقل (٧)(٨)
أي: ما يزيد (٩) مخافة وعل. وهذا المعنى حسن، ولكن اللفظ متعسف. والله أعلم.
стр. 3617
سورة والضُّحى (١)
إحدى عشرة آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالضُّحَى (١)﴾: يعني النهارَ كله.
ابن عباس ﵂: " الضوء ".
قتادة: " ساعةً من ساعات النهار " (٥).
قُطْرب: " طلوعُ الشمس " (٦).
وقيل: أوّل ساعةٍ منه.
وقيل: صدرُ النّهار.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾: ابن عباس ﵄: " أقبل ".
وعنهُ " وأدبر " (٧).
الحسن: " غشى بظلامه وستر " (٨) , من قولهم: رأيت فلاناً متسجّياً بثوبه.
الفَرَّاء: " أظلم " (٩).
стр. 3618
غيرهم: " سكن , من قولهم: طرف ساجٍ " (١)، ويحتمل سجي في الخلق، أي: سكن.
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾: جواب القسم، ومعناه: ما تركك من إنعامه وإكرامه ووحيه وإلهامه (٢).
واشتقاقه من توديع المسافر.
وقيل: من توديع الثوب، وهو صونه عن الابتذال.
﴿وَمَا قَلَى (٣)﴾: ولا أبغضكَ مُذْ أحبك (٣).
وحذف المفعول لفواصل الآي.
وسبب نزوله أنه تأخَّر الوحي أياماً.
قيل: خمسةَ عشر.
وقيل: أربعين يوماً.
وقيل: ثلاثة أيام , فقالت قريش: إن محمداً قد ودعه ربه وقلاه (٤).
وذكر البخاري ومسلم - رحمهما الله -: أنَّ امرأة من قريش قالت للنبي ﷺ : ((ما أرى شيطانك إلاّ قد ودّعك , فنزلت ﴿وَالضُّحَى﴾ (٥).
وذكر أنها كانت أمُّ جميل أخت أبي سفيان (٦)(٧)، وذكر أيضاً: أن رسول الله ﷺ قال ذلك في شكواه إلى (٨) خديجة ﵂ حين انقطع الوحي، ... فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ (٩).
стр. 3619
وروى الأسود بن قيس (١) عن جُنْدب (٢) أنَّ رسول الله ﷺ رُمي بالحجر في إصبعه فَدَمِيت،
فقال:
هل أنت إلاّ إصبعٌ دُمِيْتِ ... وفي سبيل الله ما لقيتِ
فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا تقوم , فقالت له امرأة: يا محمد ما أرى شيطانك إلا تركك، فأنزل الله - تعالى - (٣): ﴿وَالضُّحَى﴾ (٤).
وقالت جماعة من المفسرين: سببُ انقطاعِ الوحي تركه الاستثناء (٥). كما سبق في الكهف، وقال بعضهم جاءه سائل، فأعطاه مرة بعد أخرى فزجره ﷺ وانقطع (٦) الوحي (٧). والله أعلم.
﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾: أي: وللدار الآخرة وما أعدَ الله لك فيها خيرٌ لك من الدار الدنيا وما فيها؛ لأنها تدومُ وتبقى، وهذه تبيد (٨) وتفنى.
стр. 3620
وقيل: ولآخر عمرك، خير لك من أوّله لما تنال فيه من النصر والفتح والظفر (١).
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾: ابن عباس ﵄: ((ألفُ قصرٍ من لؤلؤ ترابُهن المسكُ , وفيها ما يليق بها من الأزواج وغيرها)) (٢).
وقيل: الشفاعةُ في أمتك، وروي أن النبي ﷺ قال: لما نزلت هذه الآية ((إذاً لا أرضى، وواحد من أمتي في النار)) (٣).
وقيل: هي في الدنيا بالنصر والفتح (٤).
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (٦)﴾: أي: لا أبا لك ولا كافلَ لك، فآواكَ إلى من كفلَكَ ورباك (٥) وهو عمك أبو طالب.
وقيل: هذا متصل بأوّل السورة، أي: لم يودعك كما لم يودعك حين كنت يتيماً.
وقيل: يجدك يتيماً فريداً عديَم النظير من الدرة اليتيمة فآواك (٦) إلى كرامته واصطفاك لرسالته (٧).
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾: الزَّجَّاج: ضالاً عما أنتَ عليه اليوم من الإيمان والقرآن، من قوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، ومِن قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] (٨).
стр. 3621
وقيل: وجدَ (١) أمتَكَ ضالاً (٢) فهداهم بك.
وقيل: ووجدَكَ ضالاً في طريق الشام.
وقيل: في شعاب مكةَ هداك إلى الطريق (٣).
وقيل: ﴿وَجَدَكَ ضَالًّا﴾ (٤)، أي: ضالة لا تعرف منزلتك عند الله (٥).
﴿فَهَدَى (٧)﴾: قومك إليك.
وقيل: وجدك محباً، فهداك إلى المحبوب من قوله: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] , أي: حبك (٦).
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾: فقيراً لا مالَ لك.
وقيل: " ذا عيال فأغناك (٧) بالقناعة "، عن الفَرَّاء (٨).
غيره: " بمال خديجةَ ﵂ تبذلُهُ لك، ثم بمال الغنائم، حيث أحلَّها لك" (٩).
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾: أي: لا تظلمه، واذكر يُتْمَكَ.
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾: سائل البِر (١٠).
﴿فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾: لا تزجرهُ ولا تردهُ خائباً بل بَذلُ قليلٍ أو ردُّ جميلٍ.
стр. 3622
السُّدي: " سائلُ العلم فلا تنهره وأجبه برفق ولين " (١).
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾: النبوة والقرآن وكلمة الإخلاص.
﴿فَحَدِّثْ (١١)﴾: بلّغ أمتَكَ.
وقيل: حدِّث كلَ يومٍ شُكراً جديداً.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((سألتُ ربي مسألةً وددت أني لم أكن سألته، قلت: أي ربِّ إنه قد كان أنبياءٌ قبلي منهم من سخّرتَ له الريح، وذكر سليمان، ومنهم من كان يحيي الموتى، وذكر عيسى ابن مريم ... ﵉، ومنهم ومنهم (٢)، فقال الله - سبحانه -: ألم أجدك (٣) عائلاً فأغنيتك، قال: قلت: بلى أي ربي، قال: ألم نشرح لكَ صدركَ ووضعتُ (٤) وزرَكَ، قال: قلتُ: بلى أي ربِّي)) (٥)(٦).
стр. 3623
سورة الشَّرح (١)(٢)
ثمان آيات (٣)(٤) مكية (٥)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾: استفهام تقرير، أي: أزلنا الهمَّ ونفينا الحزنَ عن قلبك ووسعناه ولم نجعله (٦) ضيقاً حرجاً (٧).
ابن كيسان: " كان النبي ﷺ في بدء الأمرِ إذا أتاه جبريل ﵇ بالوحي شقَّ عليه استماعه والنظر إلى جبريل ﵇، فوسَّعَ الله قلبَه لذلك " (٨).
وعن عمر ﵁: " أن جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ فاستخرج قلبَه فغسله، ثم ملأَهُ إيماناً وحكمةً " (٩).
قيل: كان هذا حين ثَمَّ لرسول الله ﷺ حولان من رضاعه.
وقيل: كان هذا يوم الميثاق.
стр. 3624
الزَّجَّاج: " شرح الله (١) صدره للإسلام ووسَّعَهُ للإيمان " (٢).
وقيل: شرحَ بالحكمة والإيمان (٣) والقرآن.
وقيل: بما نصب من الأدلة (٤).
الفَرَّاء: " تلين قلبك " (٥).
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ غفرنا لك ما تقدَّمَ من ذنبِك وما تأخَّر.
وقيل: وزرَ أمتك، فأضاف إليه لاهتمامه به.
وقيل: خفَّفْنا عنك (٦) أعباء النبوة.
وقيل: لم نكلفك فوق طاقتك (٧).
قال الضحاك: " ﴿وِزْر﴾ اسم صنم وضع على ظهره، فجاء جبريل فحطه، ولو لم يحطه لأثقل ظهره " (٨).
وهذا تفسير يستحيى من ذكره , ولفظٌ وضع لا يقتضي وجوباً , كما تقول: رفع القلم عن الصبي ولم يكن القلم موضوعاً عليه.
﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾: أي: أثقلَه حتى سمعَ له نقيض، وهو: صوت
الرَّحل (٩) والنعامة وغيرهما.
стр. 3625
وقيل: هو مِن النقض، وهو: البعير المهزول، أي: خففنا عنك ما كانَ أثقله حتى صار كالنقض. وكلاهما مثلان (١).
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾: قيل: بالنبوة.
وقيل: رفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رُفعَ في الدنيا.
والجمهور على أن المعنى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾: فلم أُذكر إلاّ ذُكرتَ معي، (٢) فجاء هذا مرفوعاً (٣)(٤).
وجاء مرفوعاً (٥) أيضاً: ((أن جبريل ﵇ جاءه , فقال: بأن الله يقول ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ فلم أُذكر إلا ذُكرتَ معي)) (٦).
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾: أي: مع الشدَّةِ والاجتهادِ في الدين ومقاساةِ الكفار يسراً رخاءً وجزاءً، والتكرار للتأكيد.
وقيل (٧): إنَّ مع العسر الذي أنت فيه من مقاساة الكفار، يسراً في الدنيا بالظفر والغنيمة (٨).
стр. 3626
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ﴾: الذي أنتَ فيه ﴿يُسْرًا (٦)﴾: في الآخرة بالجنة والثواب فالعسرُ واحد لكونه معرفة، واليسرُ اثنان لكونه نكرة (١)، وكما جاء في الحديث: ((لا يغلب عُسْرٌ يُسْرِيْن)) (٢).
وقال بعضهم: لا يحتمل اللفظ هذا المعنى، كما لا يحتمله قول القائل: بأن مع الفارس رمحاً إن مع الفارس رمحاً أن يكون معه رمحان.
قلت: وليس هذا وزان الآية؛ لأن الرمح جثة، واليسر حدث، ووزان هذا أن يقول: إن للصائم (٣) فرحة، إن للصائم فرحة، أي: فرحة عند الإفطار، وفرحة عند ... لقاء (٤) - الله - تعالى (٥).
стр. 3627
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾: أي: من التبليغ.
﴿فَانْصَبْ (٧)﴾: اتعب بالعبادة.
وقيل: فإذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء.
قيل: قبل التسليم , وهذا قول ابن مسعود ﵁ (١).
وقيل: بعد التسليم، وهو قول الأكثرين.
وقيل: فإذا فرغت من الفرائض، فاتعب بالنوافل (٢).
﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾: ابن مسعود ﵁: " فارغب إليه بدعائك " (٣).
وقيل: ارغب (٤) إليه دون غيره.
المبرد: " ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أي: دم على الطاعات من غير فتور , واطلب إليه من غير قصور " (٥).
стр. 3628
سورة والتِّين (١)
ثمان آيات (٢)(٣) مكية (٤)
[ابن عباس ﵄: مدنية] (٥)(٦)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾: ابن عباس والحسن في جماعة: " تينكُم الذي تأكلون وزيتونَكم الذي تعصرون " (٧).
وخَصَّ ﴿التِّينِ﴾ بالقسم؛ لأنه يشبُهُ ثمارَ الجنةِ ليس فيه ما يُنفى ويُطرح، وخص ﴿الزَّيْتُونِ﴾ لكثرة منافعه , ولأنه لا دخانَ لِدُهْنه ولا لحطب شجره عند الإيقاد (٨).
ابن عيسى: " التين ثمرة شجرة كالخبيص (٩) مهيأة على التدوير، مخلَّصة (١٠) من شائب التنغيص، وأما ﴿الزَّيْتُونِ﴾ فيُعتصر منه الزيتُ الذي للاصطباغ والدهان (١١) واتخاذ الصابون " (١٢).
стр. 3629
وقيل: هما جبلان يُنبِتان التين والزيتون بالشام، سميا باسمهما.
وروي عن كعب: " ﴿التِّينِ﴾ دمشق ﴿الزَّيْتُونِ﴾ بيت المقدس " (١).
وقيل: جبلاها، وقيل: مسجداها.
وعن ابن عباس أيضاً: " ﴿التِّينِ﴾ مسجد نوح ﵇ على الجودي , ﴿الزَّيْتُونِ﴾ مسجد بيت المقدس " (٢).
وقيل: ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ مسجد أصحاب الكهف ومسجد إيليا.
وقيل: قسم بجميع نعم الله التي منها ﴿التِّينِ﴾ وهو طعام، ﴿الزَّيْتُونِ﴾ وهو إدام.
والله أعلم.
﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾: هو جبل موسى ﵇ بمدين , واسمه زبير.
ومعنى: ﴿سِينِينَ﴾: المبارك، وقيل: الحَسن.
وقيل: المشجر (٣).
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾: يعني مكةَ بالإجماع، من قوله: ﴿حَرَمًا آَمِنًا﴾ ... [القصص: ٥٧] , ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
و ﴿الْأَمِينِ﴾ بمعنى: الآمن أيضاً، وقيل: أمين: آمن (٤) فيه الخلق.
وقيل: مأمون على ما أودعه الله من معالم دينه (٥).
المبرد: هي أربعة: " جبل طور تيناء، وهو (٦) دمشق، وطور زينا وهو بيت المقدس، وطور سيناء وهو جبل موسى ﵇ ... ، وطور تيمنايا وهو (٧) مكة " (٨).
стр. 3630
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: جواب القسم. و ﴿الْإِنْسَانَ﴾ عام (١).
ابن عباس ﵄: أبو الأشدين بن (٢) كلدة (٣).
مقاتل: " أبو جهل " (٤).
عطاء: الوليد بن المغيرة (٥).
قتادة: (٦) " عتبة وشيبة " (٧).
﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾: منتصبُ القامةِ معتدلها، يتناول مأكوله بيده وسائر الحيوان منكب (٨).
مجاهد: " في أحسن صورة " (٩).
عَطِية (١٠): "أراد في شبابه أوّل ما نشأ " (١١)، والتقدير: في تقويم أحسن تقويم.
стр. 3631
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ﴾: أي: الإنسان ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾: أي: إلى الهرم أو الخرف ... ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]. والسافلون: هم الزمنى ... والضعفى (١) ومن لا يجد حيلة , ولا يهتدي سبيلاً (٢).
﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾:
ابن عباس ﵄ جعل الاستثناء منقطعاً , أي: لكن الذين آمنوا وإن ردوا إلى أرذل العمر فإن أجرهم يكتب لهم كما كانوا يعملونه في صحتهم (٣).
وجاء في الآثار: "من قرأ القرآن واتبع ما فيه لم يرد إلى أرذل العمر " (٤).
وقيل: الاستثناء صحيح على تقدير: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ فانقطعت أعمالهم فلا يكتب (٥) لهم حسنة إلا الذين آمنوا فإن أجرهم لا ينقطع (٦).
والأكثر على أن ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ النار، والتقدير: أسفل قوم سافلين.
والاستثناء صحيح. و ﴿أَسْفَلَ﴾ نصب على الحال.
وقيل: على الظرف، أي: مكاناً ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾.
وقوله: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي (٧): غير مقطوع، وقيل: غير منقوص.
وقيل: غير ممنونٌ به عليهم.
стр. 3632
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾: الأخفش والمبرد: " ﴿مَا﴾ (١) بمعنى: مَن " (٢).
وقيل: أي شيء يكذبك؟.
وفي المخاطب به قولان: أحدهما: إنه الإنسان، والمعنى: فمن يحملك على الكذب.
وقيل: ومن يجدك كاذباً ﴿بَعْدُ﴾، أي: بعدَ هذا القسم.
وقيل: بعدها البيان بالدين والجزاء (٣) والبعث.
والثاني: إنه النبي ﷺ ، والمعنى من ينسبك إلى الكذب.
وقيل: من يبين إنك كاذب بعد هذا البيان وبعد قدرتنا على خلق الإنسان وتقويمه، أي: كل شيء يصدقك ويشهد لما جئت به (٤).
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾: قيل: هو من الحكم والقضاء.
وقيل: من الحكمة والحاكمين هم (٥) الحكماء، ويجوز أن يكون أحكم من الحكمة , والحاكمين من الحُكم (٦).
وعن قتادة في جماعة: أن رسول الله ﷺ إذا قرأ هذه السورة قال: ((بلى وإنَّا على ذلك من الشاهدين)) (٧).
стр. 3633
سورة العَلَق (١)
تسع عشرة آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ذكر البخاري ومسلم - رحمهما الله - في صحيحيهما: أنّ أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان (٥) لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حُبب إليه الخلاء وكان يأتي حراء فيتحنَّث فيه (٦)، - والتَّحَنُّثُ: التعبد [الليالي] (٧) ذوات العدد - ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة ﵂ ... ، فيتزود بمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال رسول الله ﷺ : فقلت له ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني , فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني , فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني , فقال: ... ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
стр. 3634
﴾، حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة , فقال: زملوني، فزملوه، حتى ذهب عنه الرَّوع ... " (١).
وعن عائشة ﵂: " إن أول ما نزل من القرآن، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ " (٢).
قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: أبو عبيدة: " الباء زيادة، وتقديره: اقرأ اسم ربك " (٣).
وقيل: اقرأ القرآن باسم ربك تيمناً وتبركاً , وهو أن يفتتح بذكره , كقوله: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١].
﴿الَّذِي خَلَقَ (١)﴾: أي: خلق المكونات كلها، فحذف المفعول؛ لأن حذف المفعول في مواضع، أبلغ من ذكره، كما تقول: فلان يعطي ويهب.
المبرد: " المراد به ذكر الفاعل فحسب " (٤).
ثم خَصَّ منها ما هو أعلى مرتبة، فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: يعني بني آدم.
واللام للجنس.
﴿مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾: جمع علقة , والمراد بها: ابتداءَ الخلقةِ إلى تمامها.
وقيل: آدم ﵇.
وقيل: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ من طين , يعلق بالكَفِّ , ثم كرَّر للتأكيد، فقال:
стр. 3635
﴿اقْرَأْ﴾: ويحتمل أن الأول للعموم , والثاني للخصوص كما قلنا: (خلق خلق).
وَرَبُّكَ ﴿الْأَكْرَمُ (٣)﴾: الأعظم كرماً.
وقيل: الحليم عن جهل العباد (١).
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾: الحسن: " علم الإنسان الكتابة بالقلم" (٢) أي: بخلق قلم.
وقيل: علَّم القرآن بأن كتبة الله بالقلم باللوح المحفوظ , فقرأ ونقل.
﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾: يعني الكتابة والحرف وغيره مما فيه صلاح دنياه ودينه (٣).
ويحتمل أن الأوّل (٤) عام، ثم خَصَّ كما سبق.
﴿كَلَّا﴾: تأكيد بمعنى حقاً.
وقيل: زجر عما يأتي ذكره في الآية من الطغيان.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)﴾: نزلت في أبي جهل إلى آخر السورة.
ومعنى ﴿لَيَطْغَى﴾: ليبطر في غناه ويتجاوزُ حده ويستكبر على ربه.
﴿أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾: رأى نفسه غنياً.
﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾: المرجع في الآخرة , فيجازي على طغيانه ومجاوزته حده في كفره.
стр. 3636
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل (١) يعفّر محمد ﷺ وجهَه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: واللات والعُزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ رقبتَه. قال: فقيل له: ها هو ذا يصلي , فانطلق ليطأ رقبته.
قال: فما فَجِئَهُمْ إلاّ وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه , فقيل له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه خندقاً من النار وهولاً وأجنحةً. قال النبي ﷺ : لو دنا مني لاختطفته الملائكة فجعلته عضواً عضواً , فأنزل الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ (٢).
الحسن: " كان أُمَيَّة بن أَبي (٣) الصَّلت (٤) ينهى عن الصلاة " (٥).
وقيل: عامٌّ في الناس جميعاً.
والظاهر: أرأيت أبا جهل ينهى محمداً ﷺ عن الصلاة.
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١)﴾: يعني المصلي.
﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾: يأمر بتقوى الله، واجتناب معاصيه.
стр. 3637
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)﴾: يعني: الناهي، والمعنى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ والمنهي على الهدى آمر بالتقوى، والناهي كاذب ومتولٍ، فما أعجب من ذا (١).
و ﴿أَرَأَيْتَ﴾ من باب ظننت، والمفعول الثاني (٢) محذوف , كما يحذف خبر المبتدأ لدلالة الحال عليه، والتقدير: أرأيت الذي ينهى مُبطلاً.
وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾: خبره " (٣).
وقيل: المعنى أرأيت الذي فعل هذا الفعل ما الذي يستحق بذلك من العقاب.
﴿كَلَّا﴾: ردع وزجر.
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾: عن إيذاء رسول الله ﷺ ومنعه عن الصلاة.
﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾: نأخذُ بها.
والسَّفع: الأخذ.
وقيل: لَنَجُرَنَّ بناصيته إلى النار. والسفع: الجر.
وقيل: لنسودنَّ وجهه. وكنَّى عن الوجه بالناصية.
والسَّفع: تأثير النار والشمس (٤) , ثم أبدل فقال:
﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾: أي: صاحبها كاذبٌ خاطئ.
стр. 3638
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)﴾ وذلك أن النبي ﷺ زجره حين نهاه عن الصلاة، فقال أبو جهل: يا محمد لقد علمت ما بها أكثر نادياً مني؟ فأنزل الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ (١): أي: قوم ناديه.
والنادي: المجلس، والمعنى: عشيرته وقومه.
﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾: وهم خزنة النار، واشتقاقه من الزبن، وهو: الدفع.
واختلفوا في واحدها , فقيل: زباني.
وقيل: زبني. وقيل: زابن.
وقيل: لا واحد له من لفظه (٢).
وجاء في التفسير " لو دعاهم لأخذتهم الملائكة عياناً " (٣).
وقيل: هذا في القيامة.
﴿كَلَّا﴾: ليس الأمر على ما يظنه (٤) أبو جهل.
﴿لَا تُطِعْهُ﴾: فيما يريد من ترك الصلاة ﴿وَاسْجُدْ﴾: على رغمه.
﴿وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾: تقرَّب إلى الله بطاعتك.
وقيل: واقترب بالسجدة فإن أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا كان ساجداً.
وقيل: تقديره: واسجد وقل لأبي جهل اقترب على وجه الوعيد , كما قال النبي ﷺ : ((لو دنا مني لاختطفته الملائكة عياناً)) (٥)(٦).
стр. 3639
سورة القَدْر (١)
خمس آيات (٢)(٣) مكية (٤). الضحاك: مدنية (٥).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: القرآن.
وإن لم يتقدم ذكره في السورة (٦).
وقيل: أنزلنا جبريل (٧).
وقيل: أنزلنا أوّل القرآن (٨).
﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾: وقيل: أنزلنا بعضَ القرآن , لِمَا قال مقاتل: " كان ينزل كل ليلة قدر ما يحتاج إليه (٩) إلى مثلها من قابل " (١٠).
стр. 3640
والأول أصح. لما روي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: " أنزلَ القرآن جملةً واحدة من اللوح المحفوظ ليلة القدر إلى السماء الدنيا , ثم أنزل على النبي ﷺ نجماً نجماً في عشرين سنة " (١).
ويحتمل إنَّا أنزلنا القرآن في ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ , أي: في شأن ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ومنزلتها , كما تقول: نزلت سورة والليل في أبي بكر , أي: في شأنه (٢).
ويحتمل أنَّ الهاء يعود إلى القضاء والقدر النازل في ليلة القدر (٣).
وسمي ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ لمكان القضاء والقدر الجاري فيها.
وقيل: ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ من القدر والمنزلة (٤).
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾: على التعظيم والتفخيم.
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾: أي: الطاعة والعبادة فيها تقوم (٥) مقام الطاعة والعبادة في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر (٦).
وفي سبب النزول: أن رسول الله ﷺ ذكر رجلاً من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه ألف شهر فعجب لذلك عجباً شديداً وتمنى أن يكون ذلك في أمته , فقال: يا رب (٧) جعلت
стр. 3641
أمتي أقصر الأمم أعماراً وأقلها أعمالاً، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر , فقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، الذي حمل فيه الإسرائيليُّ السلاحَ في سبيل الله (١).
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾: جبريل.
﴿فِيهَا﴾: في ليلة القدر (٢).
وأفرد جبريل بالذكر تخصيصاً، كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقيل: ﴿الرُّوحُ﴾ القرآن، من قوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِي﴾ ... [النحل: ٢].
وقيل: هم جيل غير الملائكة.
وقيل: هم حفظة الملائكة.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: أي: بإذن الله ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾: أي: من جهة كل أمر يُقْضَى في تلك الليلة.
وقيل: بكل أمر، فـ ﴿مِنْ﴾ بمعنى: الباء، أي: بكل أمر مقدور.
﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾: ﴿سَلَامٌ﴾ خبر، والمبتدأ ﴿هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، والمعنى: تلك الليلة سالمة من أن يحدث فيها داء , أو يستطيع أن يعمل فيها شيطان.
وقيل: هو تسليم الملائكة على أولياء الله وأهل طاعته , كما جاء في الأخبار (٣).
стр. 3642
وقوله: ﴿حَتَّى﴾ متصل بقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾. وقيل: متصل بـ ﴿سَلَامٌ﴾ على أنه بمعنى مسلمة. وقيل: خبر المبتدأ. و ﴿هِيَ﴾ المبتدأ. وفيه ضعف؛ لأن جميع الليالي بهذه الصفة، فإن قلت: تقديره: هي منعوت بما سبق ذكره , ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ خبر المبتدأ (١).
واختلفوا في وقتها. فقال بعضهم: إنها مستترة في السنة.
وقال بعضهم: مستترة في شهر رمضان.
وقيل: في العشر الأخير (٢).
وقيل: ليلة الحادي والعشرين (٣).
وقال بعضهم: أنها كانت خاصة لرسول الله ﷺ فرفعت بموته (٤). والله أعلم.
стр. 3643
سورة لَمْ يَكُنِ (١)
ثمان آيات (٢)(٣) مدنية. وقيل: مكية (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: ﴿مِنْ﴾ للتبيين.
وقيل: للتبغيض.
﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى.
﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾: أي: ومن العرب وغيرهم من عبدة الأوثان.
﴿مُنْفَكِّينَ﴾: منفصلين ومنتهين، والتقدير: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ عن الكفر، وحذف لأن صلة ﴿الَّذِي﴾ تدل (٥) عليه.
стр. 3644
وانفكّ لازم فكَّ الشيء، أي: فصله عن غيره بشدة , وهو يأتي على وجهين بمعنى انفصل فيحتاج إلى فاعل فحسب، فيأتي [مفتقراً] (١) إلى اسم وخبر ككان، ويلزمه حرف ... النهي، ومعناه: لا يزال (٢).
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾: القرآن، هذا قول قتادة (٣).
وقيل: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ مفارقين بعضهم بعضاً، أي: متفرقين، ودل على ذلك قوله: ... ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ﴾.
وقيل: معنى الآية: لا يؤمنون حتى يتبين لهم الحق.
الفَرَّاء: " لم يكونوا تاركين لصفة محمد ﷺ ، وفي كتابهم أنه نبي حتى ظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا " (٤)، كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].
ابن جرير: " لم يكونوا متفرقين في أمر محمد ﷺ حتى تأتيهم البينة، أي: إرسال الله إياه إلى خلقه " (٥).
وعلى هذين القولين لا يحسن عطف ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ لأن المشركين لم يكونوا مؤمنين به.
وقيل: لم يكونوا ليتركوا منفكين عن حجج الله وتبيانه (٦) حتى تأتيهم الحجج ودلالاته فتقوم الحجة عليهم.
وقيل: لا ينفكون عن كفرهم حتى يأتيهم (٧) كتاب من السماء كقوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣].
стр. 3645
وقيل: لا ينتهون عند كفرهم حتى يأتيهم الموت (١).
﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾: يعني: محمداً ﷺ ، وهو بدل من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ فيمن فسَّرَها به.
وقيل: رفع بالابتداء (٢) على الاستئناف، أي: الذين كفروا به رسول من الله، أي: جاء من عند الله (٣).
﴿يَتْلُو﴾: يقرأ عليهم ﴿صُحُفًا﴾: أي: القرآن.
﴿مُطَهَّرَةً (٢)﴾: من الباطل.
وقيل: لا يمسه إلا المطهرون.
قتادة: " يَتْلُو ﴿صُحُفًا﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليهم أحسن الثناء " (٤).
وقيل: يتلوا بتلاوته القرآن صُحُفَاً مطهرة، يعني: اللوح المحفوظ.
وقيل: صحف إبراهيم وموسى ﵉.
وقيل: ذكر القرآن بلفظ جمع تعظيماً له، ولأنه يجمع (٥) ما في كتب الله.
﴿فِيهَا﴾: في الصحف ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾: مستقيمة غير ذات عوج.
ابن عيسى: " القيّمة المستمرة في جهة الصواب " (٦).
وقيل: ﴿قَيِّمَةٌ﴾ داعية إلى الحق، وقيل: عادلة (٧).
قيل: المراد بالكتب السور، وقيل: الأحكام.
وقيل: الصحيفة اسم المكتوب فيه، والكتاب اسم المكتوب.
وقيل: الصحف الأوراق والكتب السطور (٨)(٩).