أمتي أقصر الأمم أعماراً وأقلها أعمالاً، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر , فقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، الذي حمل فيه الإسرائيليُّ السلاحَ في سبيل الله (١).
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾: جبريل.
﴿فِيهَا﴾: في ليلة القدر (٢).
وأفرد جبريل بالذكر تخصيصاً، كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقيل: ﴿الرُّوحُ﴾ القرآن، من قوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِي﴾ ... [النحل: ٢].
وقيل: هم جيل غير الملائكة.
وقيل: هم حفظة الملائكة.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: أي: بإذن الله ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾: أي: من جهة كل أمر يُقْضَى في تلك الليلة.
وقيل: بكل أمر، فـ ﴿مِنْ﴾ بمعنى: الباء، أي: بكل أمر مقدور.
﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾: ﴿سَلَامٌ﴾ خبر، والمبتدأ ﴿هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، والمعنى: تلك الليلة سالمة من أن يحدث فيها داء , أو يستطيع أن يعمل فيها شيطان.
وقيل: هو تسليم الملائكة على أولياء الله وأهل طاعته , كما جاء في الأخبار (٣).
стр. 3642
وقوله: ﴿حَتَّى﴾ متصل بقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾. وقيل: متصل بـ ﴿سَلَامٌ﴾ على أنه بمعنى مسلمة. وقيل: خبر المبتدأ. و ﴿هِيَ﴾ المبتدأ. وفيه ضعف؛ لأن جميع الليالي بهذه الصفة، فإن قلت: تقديره: هي منعوت بما سبق ذكره , ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ خبر المبتدأ (١).
واختلفوا في وقتها. فقال بعضهم: إنها مستترة في السنة.
وقال بعضهم: مستترة في شهر رمضان.
وقيل: في العشر الأخير (٢).
وقيل: ليلة الحادي والعشرين (٣).
وقال بعضهم: أنها كانت خاصة لرسول الله ﷺ فرفعت بموته (٤). والله أعلم.
стр. 3643
سورة لَمْ يَكُنِ (١)
ثمان آيات (٢)(٣) مدنية. وقيل: مكية (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: ﴿مِنْ﴾ للتبيين.
وقيل: للتبغيض.
﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى.
﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾: أي: ومن العرب وغيرهم من عبدة الأوثان.
﴿مُنْفَكِّينَ﴾: منفصلين ومنتهين، والتقدير: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ عن الكفر، وحذف لأن صلة ﴿الَّذِي﴾ تدل (٥) عليه.
стр. 3644
وانفكّ لازم فكَّ الشيء، أي: فصله عن غيره بشدة , وهو يأتي على وجهين بمعنى انفصل فيحتاج إلى فاعل فحسب، فيأتي [مفتقراً] (١) إلى اسم وخبر ككان، ويلزمه حرف ... النهي، ومعناه: لا يزال (٢).
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾: القرآن، هذا قول قتادة (٣).
وقيل: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ مفارقين بعضهم بعضاً، أي: متفرقين، ودل على ذلك قوله: ... ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ﴾.
وقيل: معنى الآية: لا يؤمنون حتى يتبين لهم الحق.
الفَرَّاء: " لم يكونوا تاركين لصفة محمد ﷺ ، وفي كتابهم أنه نبي حتى ظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا " (٤)، كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].
ابن جرير: " لم يكونوا متفرقين في أمر محمد ﷺ حتى تأتيهم البينة، أي: إرسال الله إياه إلى خلقه " (٥).
وعلى هذين القولين لا يحسن عطف ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ لأن المشركين لم يكونوا مؤمنين به.
وقيل: لم يكونوا ليتركوا منفكين عن حجج الله وتبيانه (٦) حتى تأتيهم الحجج ودلالاته فتقوم الحجة عليهم.
وقيل: لا ينفكون عن كفرهم حتى يأتيهم (٧) كتاب من السماء كقوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣].
стр. 3645
وقيل: لا ينتهون عند كفرهم حتى يأتيهم الموت (١).
﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾: يعني: محمداً ﷺ ، وهو بدل من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ فيمن فسَّرَها به.
وقيل: رفع بالابتداء (٢) على الاستئناف، أي: الذين كفروا به رسول من الله، أي: جاء من عند الله (٣).
﴿يَتْلُو﴾: يقرأ عليهم ﴿صُحُفًا﴾: أي: القرآن.
﴿مُطَهَّرَةً (٢)﴾: من الباطل.
وقيل: لا يمسه إلا المطهرون.
قتادة: " يَتْلُو ﴿صُحُفًا﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليهم أحسن الثناء " (٤).
وقيل: يتلوا بتلاوته القرآن صُحُفَاً مطهرة، يعني: اللوح المحفوظ.
وقيل: صحف إبراهيم وموسى ﵉.
وقيل: ذكر القرآن بلفظ جمع تعظيماً له، ولأنه يجمع (٥) ما في كتب الله.
﴿فِيهَا﴾: في الصحف ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾: مستقيمة غير ذات عوج.
ابن عيسى: " القيّمة المستمرة في جهة الصواب " (٦).
وقيل: ﴿قَيِّمَةٌ﴾ داعية إلى الحق، وقيل: عادلة (٧).
قيل: المراد بالكتب السور، وقيل: الأحكام.
وقيل: الصحيفة اسم المكتوب فيه، والكتاب اسم المكتوب.
وقيل: الصحف الأوراق والكتب السطور (٨)(٩).
стр. 3646
﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾: محمد والقرآن، أي: لم يختلفوا في مبعثه وكونه نبيّاً إلاّ بعد ظهوره بغياً وحسداً.
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾: ليوحدوه.
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: من غير شركٍ وشكٍ ونفاقٍ.
﴿حُنَفَاءَ﴾: على دين إبراهيم مائلاً عن الأديان كلها حاجّين مُخْتَتِنِين. وقد سبق.
﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾: أي: الملّة القيّمة والشريعة القيّمة.
ومن جعله وصفاً للدين , ثم أضاف إلى الوصف واعتذر بأن التاء للمبالغة كالعلَّامة.
فقوله بعيد وعذره أبعد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في يوم القيامة، وقيل: في حكم الله.
وقيل: أكثر ألفاظ القيامة جاءت بلفظ الماضي؛ لأن قولك: إن زيداً في الدار يوجب أن يكون فيها حالة للإخبار (١).
﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ أي: شرارهم.
و ﴿الْبَرِيَّةِ﴾: الخلق , مشتقة من برأَ الله الخلق (٢).
الفَرَّاء: " هو من البري، وهو من التراب. وقال: العرب تقول (٣): بفيه البرى وحمى الخيبري وشرُّ ما يُرى " (٤)(٥).
стр. 3647
وقال الكسائي: " هي من بريتُ العودَ " (١)، قراءة من همز (٢) يدفع قول الشيخين (٣).
﴿إِن الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾: خيارهم.
﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ﴾: أي: دخولُ جنات ﴿عَدْنٍ﴾: إقامة.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: لا يموتون ولا يخرجون.
﴿﵃﴾: بإيمانهم وَرَضُوا ﴿عَنْهُ﴾: إذ نالوا ما أرادوا.
﴿ذَلِكَ﴾: أي: الخلود في جناتِ عدنٍ، وقيل: رضيَ الله.
﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾: أطاعَهُ واجتنَبَ معاصيه (٤).
وقيل: خشي ربه علمه , من قوله: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠].
قال بعض المفسرين: فالعلماء خيار الأمة بالنص إذاً (٥).
стр. 3648
سورة الزِّلزال (١)
ثمان آيات (٢)(٣) مكية، وقيل: مدنية (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾: أي: حُرّكت حركة شديدة لقيام السّاعة وفناء الأرض.
وقيل: قبل الساعة , وهي من أشراط السّاعة.
وأصله عند الكوفيين: من زل فعُديَّ بتكرار العين، ثم قلب الوسطى إلى جنس الفاء (٥).
وعند البصريين: من مضاعف الرُّباعي (٦).
وأضاف ﴿زِلْزَالَهَا﴾ إليها؛ لأن المعنى: زلزالها الذي يليق بها.
وقيل: زلزالها الموعود.
وقيل: لروي الآية.
والزِّلزال بالكسر: المصدر، وبالفتح: الاسم (٧)(٨).
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾: كنوزها وموتاها.
стр. 3649
ومن جعله في الدنيا قال: تخرج كنوزها (١) , وأثقال عنده: جمع ثَقَل بفتحتين وهو: الشيء المصون الكريم على صاحبه (٢).
وعند غيره جمع ثقل , والإنسان حياً ثقلاً عليها , وميتاً ثقلاً (٣) لها (٤).
ويحتمل أن الأثقال جمع , لقوله : ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] , فيكون المعنى: أخرجتِ الأرضُ الجنَّ والإنسَ من باطنها إلى ظاهرها (٥). والله أعلم.
﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣)﴾: قيل: هو عامٌّ.
وقيل: الإنسان الكافر؛ لأن المؤمن يعلم ذلك فلا ينكر وقوعه (٦).
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ﴾: بدل من ﴿إِذَا﴾ العامل فيه ﴿تُحَدِّثُ﴾، والمعنى: تخبر.
﴿أَخْبَارَهَا (٤)﴾ أبو عبيدة: " ما عمل عليها من خير وشر" (٧).
وقيل: شهدت بما شاهدت بأن يجعلها الله حيواناً ناطقاً قادراً على الكلام.
وقيل: ينطقها بقدرَته سبحانَه.
وقيل: يخلق لها كلاماً.
وقيل: تحديثها: إخراجها الأثقال، وخبرها: بيانٌ يقوم مقام الكلام: بأن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرة قد أتى، وأنه لا بد من الجزاء والفوز لمن اتقى، والنار لمن عصى.
وقيل: تُحَدِّث أنت أيها الإنسان بما عملت عليها (٨).
وقال صاحب النظم " تقديره: وقال الإنسان يومئذٍ ما لها تحدِّث أخبارها " (٩).
стр. 3650
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾: أَمرَها.
وقيل: قال لها.
وقيل: ألهمَها.
وقيل: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ جواب ﴿مَا لَهَا﴾ (١).
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾: قيل: يصدرون عن قبورهم إلى موضع المحاسبة , متفرقين متبددين (٢) لا يلوي أحد على أحد للهول الواقع.
وقيل: متفرقين بالأديان والنحل.
وقيل: يصدر الناس عن موقف الحساب إلى مثواهم، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار (٣).
و ﴿أَشْتَاتًا﴾: جمع شَتٍّ , وشِتٍّ بالكسر والفتح، وشتيت.
﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾: أي: صحائف أعمالهم , فحذف المضاف.
وقيل: جزاء أعمالهم , فحذف.
وقيل: ليعرفوا ما عملوا من رؤية القلب.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: قيل: نملة صغيرة.
وقيل: مثقال ذرة رأس نملة.
وقيل: هي الذرة تقع (٤) في الكُوة.
﴿خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾: يراه مكتوباً في الصحيفة.
وقيل: جزاءه. وقيل: يعرفُ.
стр. 3651
فمن قال: يرى جزاءه، قال: يراه (١) المؤمن في الدنيا والآخرة، والكافر يرى جزاءه في الدنيا بالصحة والأمن المال والولد.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾: على الأوجه الثلاثة: فالمؤمن يراه في الدنيا بالأحزان والمصائب والأمراض، والكافر يراه في الدنيا والآخرة (٢).
مقاتل: " نزلت في رجلين، كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة (٣) واللقمة والكسرة، ويقول: إنما نوجد على ما نعطي ونحن نحبه، والآخر يتهاون بالذنب الصغير والكذبة (٤) والغيبة والنظرة، ويقول: ما من هذا عليّ شيء إنما أوعد الله بالنار على الكبائر (٥)، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ إلى آخر السورة " (٦).
стр. 3652
سورة العاديات (١)
إحدى عشرة آية (٢)(٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾: وسبب نزولها (٥): ما روى سِمَاك (٦) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ بعث خيلاً , فأسهبت شهراً لم يأته منها خبر , فأُرْجف بهم فنزلت ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ (٧).
стр. 3653
مقاتل: بعث رسول الله ﷺ سريةً إلى حي من كنانة، واستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري (١)، فتأخر خبرهم، فقال المنافقون: قتلوا جميعاً، فأخبر الله - تعالى - عنهم وأنزل ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ (٢).
جمع عادية، وهي التي تعدو، والعدو: السرعة في المشي، والتباعد في الخطى، وأصلة المجاوزة، ومنه العداوة والعدوان , والعدوة مصدر وقع موقع الحال، أي: يضبحن ضبحاً.
والمراد بها: خيول الغزاة.
عن ابن عباس ومن تابعه: أقسم الله بها شرفاً للغزاة (٣).
وروي عن علي وابن مسعود ﵄: أنها إبل الحاج (٤).
وروي أن علياً أنكر على ابن عباس حمله العاديات على خيل، وقال: إنها نزلت في وقعة بدر، ولم يكن معنا حينئذٍ إلا فرسَان أحدهما للمِقْداد، والآخر للزُّبير (٥).
واحتجَّ ابن عباسٍ بالضبح، وقال: إن الإبل لا يضبح، فإن الضبحَ أصواتُ أجوافِها إذا عدت ليس بالصهيل ولا الحمحمة.
وقيل: الضبح: الخضيعة.
قال الخليل: " الضبح نوع من العَدْوِ" (٦). وعلى هذا يصح القولان.
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾: ابن عباس ﵄: " توري (٧) فرسانها النار ليظن فيهم الكثرة " (٨).
стр. 3654
عطاء: " هي الخيل يستخرج النار بنعالها إذا عدت في الأرض ذات الحجارة " (١).
مجاهد: " هي أفكار العلماء، يستنبط (٢) المعاني " (٣).
عكرمة: " من الألسنة، تظهر الحقّ بالنطق " (٤).
وقيل: هي الحيل تهيج الحرب بين أصحابها.
وقيل: هي مكر الرجال (٥).
وقيل: هي الإبل تنسم بمناسمها الحصى فيصطك بعضها ببعض فتنقدح النار فيها، ويسمَّى تلك النار: نار أبي حُبَاحِب (٦).
وقيل: شَّبهت بها، وكان أبو حُبَاحِب (٧) رجلاً بخيلاً.
﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾: أي: يُغير أصحابُ الخيلِ وقتَ الصبح.
وقيل: نهاراً جهاراً.
وقيل: هي الإبل إذا فاضت من عرفات.
ومعنى أغار: أتى الغور.
وقيل: إغارتهم اشتراؤهم الذبائح، وذبحهم إياها , لأنهم (٨) أغاروها، واستدل هذا القائل بقول العرب: أشرق ثَبِير كيما نُغير (٩).
стр. 3655
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ﴾: هيجن به.
الفَرَّاء: " بمكان الذي هنَّ فيه " (١).
وقيل: بالعدو، ودل عليه ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾.
وقيل: بالصبح، أي: فيه.
﴿نَقْعًا (٤)﴾: غباراً.
وقيل: ﴿نَقْعًا﴾: صوتاً.
وقيل: ﴿نَقْعًا﴾: اسم لما بين عرفات إلى مزدلفة. وهذا بعيد.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾: أي: الخيل دخلت وسط جمع من العدو (٢) تغير عليهم. وقيل: الإبل توسطن المزدلفة، وهي جمع. تقول: وسَطَ يَسِطُ , وكذلك وسَّط بالتشديد وتوسَّط.
وجاز عطف ﴿فَأَثَرْنَ﴾ و " وسطن "، وهو فعل على , و "المغيرات " وهي اسم لأنها في المعنى: والتي أغارت، وعطف بالفاء؛ لأن التقدير: عدت فأورت فأغارت.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾: جواب القسم , وهو عام.
﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾: ابن عباس ﵄: " لكفور " (٣).
وقيل: لبخيل يمنع حق الله.
وقيل: " لجاحد نعم الله، غير شاكر " عن الحسن (٤).
стр. 3656
وقيل: هو العاصي.
وفسَّرَ النبي ﷺ فقال: ((الكنود: الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده)) (١).
﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾: أي: وإن الله على كنوده شهيد.
وقيل: و ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ من قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤].
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾: أي: لأجل حبّ المال.
﴿لَشَدِيدٌ (٨)﴾: بخيل.
وقيل: وإنه لشديد الحبِّ للخير وهو المال.
وقيل: معنى شديد: قوي.
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾: أي: هذا الإنسان إِذَا ﴿بُعْثِرَ﴾: قلِّب وبحث وأثير (٢).
﴿مَا فِي الْقُبُورِ (٩)﴾: من الموتى، ﴿مَا﴾ بمعنى: من.
﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾:
الزَّجَّاج: " بُيِّن ما فيها من الخير والشر " (٣).
ويحتمل أنه من قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ".
﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾: عالم فيجازيهم على جميع أعمالهم من الخير والشر.
﴿وخُصَّ يَوْمَئِذٍ﴾ بالذكر، والله عالم بهم في جميع الأزمات؛ لأن الجزاء يقع يومئذ. وقيل: تقديره، وجعل ما في الصدور يومئذ (٤).
стр. 3657
وقوله: (١): ﴿إِذَا بُعْثِرَ﴾ لا يجوز أن يكون ظرفاً ليعلم؛ لأن العلم الآن، ولا يجوز أن يكون ظرفاً لقوله: ﴿بُعْثِرَ﴾؛ لأنه مضاف إليه، ولا يعمل المضاف إليه في المضاف، ولا يجوز أن يكون ظرفاً ﴿لَخَبِيرٌ﴾؛ لأن ما بعد ﴿إِنَّ﴾ لا يعمل في ما قبله فهو منصوب بفعل دل عليه ﴿لَخَبِيرٌ﴾، أي: يعلم الله إذا بعثر، والمراد به الجزاء (٢). والله أعلم.
стр. 3658
سورة القارعة (١)
إحدى عشرة آية (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾: أي: القيامة؛ لأنها تقرعُ القلوبَ.
ابن عيسى: " البلية التي تقرع القلوب بشدة المخافة " (٥).
وقيل: هي الصيحة التي ذكرت في القرآن (٦).
وقيل: هي النار (٧).
﴿مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾: هي عظيمة الشأن، فظيعة الحال (٨).
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾: أي: لا تعرفها (٩)؛ لأنك لم تعهد مثلها.
﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾: أي: هي واقعة يوم يكون.
الزَّجَّاج: " إعراب ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ كـ ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ ... [الحاقة: ١ - ٢] " (١٠).
стр. 3659
وقيل: ﴿الْقَارِعَةُ﴾ مبتدأ، ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ صفته، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ اعتراض , ﴿يَوْمَ يَكُونُ﴾ خبره , والتقدير: القارعة الهائلة واقعة يوم يكون. والأول أظهر.
والقرع: ضربٌ له صوت ,كقرع الباب والناب، ومقرعة الدواب، والمقارعة في الحرب. ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ عام.
﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾: قيل: كغوغاء الجراد (١). ومثله: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧].
الزَّجَّاج: " ما تراه كصغار الْبَقِّ يتهافتُ في النار " (٢).
المبرد: " أشياءً بين الذبابِ والبعوض يضرب بها المثل في الجهل " (٣).
أبو عُبيدة: " طائر يتساقط في النار والسراج ليس ببعوض ولا ذباب " (٤).
وقيل: النّاس خاصّ في الكفار وهم يتهافتون في النار يوم القيامة كتهافت الفراش.
ومعنى ﴿الْمَبْثُوثِ﴾: المتفرق لا يتجه لجهة واحدة بل يموج بعضهم في بعض (٥).
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾: كالصوف.
أبو عُبيدة: " ذي الألوان " (٦)، كقوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ الآية ... [فاطر: ٢٧].
стр. 3660
وقيل: المصبوغ.
﴿الْمَنْفُوشِ (٥)﴾: المندوف لخفة سيرها (١).
﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾: جمع ميزان.
الحسن: " هو ميزان له كفتان جعل الله رجحان إحدى كفتيه علامة سعادة صاحبه " (٢).
وقيل: ﴿ثَقُلَتْ﴾ بالحسنات.
وقيل: الموازين جمع موزون.
وقيل: الميزان الوزن، والمعنى: من عِظَمِ قَدْرِه عند الله.
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾: ذات رضىً.
وقيل: في معنى مفعول، أي: مرضية.
وقيل: راضٍ صاحبُها كيوم صائم، وليل نائم.
وقيل: كاملة، كأنها أعطيت ما تكمل به صفاتها حتى رضيت.
وقيل: رضيتْ صاحبَها فقرّت.
ويحتمل ﴿فِي عِيشَةٍ﴾ راضٍ صاحِبُها، فلما حذف الصاحب أُنِّثَ حملا على اللفظ (٣).
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾: بِضِدِّ الوجوه (٤) المتقدمة.
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾: أي: مسكنه ومأواه (٥).
و ﴿هَاوِيَةٌ﴾ من أسماء جهنم.
قتادة وعكرمة: " فأم رأسه هاوية منحدرة إلى النار من أعلى إلى أسفل " (٦).
стр. 3661
وقيل: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ مثل قول العرب: هوت أُمُّه , وهي كلمةٌ تستعملُ عند عِظَمِ المكروه وشدةِ المصيبة (١).
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠)﴾: الجمهور: على أن الضمير يعودُ إلى ﴿هَاوِيَةٌ﴾ (٢).
وقيل: إلى ﴿الْقَارِعَةُ﴾.
وقيل: إلى الفعلة المذكورة، والهاء للاستراحة.
ثم فسرَّ فقال: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾: أي: بلغت النهاية في الحرارة , نعوذ بالله من النار ونكالها.
стр. 3662
سورة التكاثر (١)
ثمان آيات (٢)(٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلْهَاكُمُ﴾: شغلكم، تقول (٥): لها لَعِبَ، ولهى عن الشيء: غفل (٦).
﴿التَّكَاثُرُ (١)﴾: هو تَكَلُّفُ الكثرة مالاً وعدداً.
و ﴿التَّكَاثُرُ﴾: أيضاً التفاخر بكثرة.
و ﴿التَّكَاثُرُ﴾: أيضاً الكثرة (٧).
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾: أي: حتى (٨) متم.
وقيل: معنى ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾: ذكرتم موتاكم في مكاثرتكم، وذلك أنه تفاخر ... بنو عبد مناف (٩) وبنو سَهْم (١٠)، فكثرت بنو عبد مناف بني سهم، فقال بنو سهم: البغي
стр. 3663
أهلكنا في الجاهلية، ثم تكاثروا بالأموات فكثرت بنو سهم بني عبد مناف، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (١)(٢).
الزَّجَّاج وغيره: وهو عام فيمن يبلغ بهم حب الدنيا والحرص على الإكثار فيها , حتى يغفلوا عن طاعة الله , فيموتوا على ذلك , يقال لهم: هذا في الآخرة إذا خفّت موازينهم شُغلتُم بالإكثار من الدنيا عن طاعة الله حتى متم (٣).
وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه السورة، فقال: ((ابنُ آدم يقول: مالي مالي وإنما لك من مالك ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبستَ فأبليت أو أعطيت فأمضيتَ، ولو أن لابن آدم واديين من مالٍ لا بتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوبُ الله على من ... تاب)) (٤).
﴿كَلَّا﴾: أي: ليس الأمر الذي ينبغي أن تكونوا عليه التكاثر.
وقيل: توكيد ينوب عن اليمين.
وقيل: ردع وزجر عن التكاثر افتخاراً.
﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾: ستعلمون (٥) بعد هذا أن الاشتغال بطلب الإكثار خطأ ... عظيم.
﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾: التكرار تأكيد للوعيد، وتغليظ للمنهي عنه.
وقيل: إنهما في وقتين، أحدهما في القبر، والآخر في القيامة.
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ ... (٦) إنه قال: " ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ إلى قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ " (٧)؛ لأنه وعيد بعذاب القبر.
وقيل: الأول: للكفار، والثاني: للمؤمنين.
ثم قال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾: أيها الناس ما لكم وعليكم.
﴿عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾: علماً يقيناً , وهو ما يثلج به الصدر بعد اضطراب الشك.
وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف , تقديره: لشغلكم ذلك عن غيره.
قتادة: " علم اليقين أن يعلم الإنسان أن الله باعثه بعد الموت " (٨).
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾: اللام لام القسم. أقسم الله تعالى أنهم يرون الجحيم.
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾: عيناً لستم عنها بغائبين. والتكرار تأكيد.
وقيل: الأول: قبل الدخول، والثاني: بعد الدخول.
وقيل: الأول: من رؤية العين، والثاني: من رؤية القلب.
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾: ابن مسعود ﵁: " عن الصحة والأمن فيم أفنيتموهما؟ " (٩).
стр. 3664
ابن عباس- ﵄: " كل ما أنعم الله به من الصحة والأمن والسمع والبصر، وقرأ ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (١).
وعن علي ﵁: " خبز الشعير والماء البارد " (٢).
مجاهد وقتادة: " كل ما التذَّه الإنسان فإنه نعيم " (٣).
و ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الخبر.
وقيل: يسألون (٤) في النار تبكيتاً لهم وتنديماً، كقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] الآية. والله أعلم.
стр. 3665
سورة العصر (١)
ثلاث آيات (٢)(٣) مكية (٤).
قتادة: "مدنية " (٥).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾: الدهر (٦).
الحسن: " أحد طرفي النهار " (٧).
والعرب تسمي الغداة والعشاء: العصرين، واليوم والليل: العصرين، والشتاء والصيف العصرين (٨).
وعن علي ﵁: " ونوائب العصر " (٩).
وقيل: أرادوا أهل العصر.
стр. 3666
وقيل: وربِّ العصر (١).
[وقيل: وصلاة العصر] (٢)(٣).
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾: هلاك (٤).
وأصله ذهاب رأس المال (٥).
قتادة: " خسروا منازلهم وأهاليهم في الجنة " (٦).
الفَرَّاء: " ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾: عقوبة بذنوبه " (٧).
وقيل: في خسر من عمره. فقد قال بعض الصالحين: يا ابن آدم أنت في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك (٨).
وقيل: أيضاً الإنسان إذا تنفس تنقص (٩).
﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: بما دعا إليه الشرع.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: بالإقامة على الحق قولاً وفعلاً.
الحسن: " (بالحق): كتاب الله " (١٠).
وقيل: طاعة الله واجتناب معاصيه.
стр. 3667
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾: على تحمل المشاق في الله.
وأعاد لفظ ﴿تَوَاصَوْا﴾ تعظيماً لشأن الصبر.
وروى أبو أُمَامة عن أُبَيّ بن كعب ﵃ قال: ((قرأت هذه السورة على رسول الله ﷺ فقال: أقسم ربكم بآخر النهار ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أبو جهل، ... ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ أبو بكر، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عمر، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ عثمان، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ علي - رضوان الله عليهم أجمعين -)) (١)(٢).
стр. 3668
سورة الهُمَزَة (١)
تسع آيات (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾: ابن عباس ﵄: هو (٥) المشَّاء بالنميمة المفرق بين الأحبة الباغي للبريء العيب " (٦).
قال الخليل: الهمزة: الذي يعيب الناس من خلفهم، واللمزة: الذي يعيب مواجهة " (٧).
وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان (٨).
الحسن: " الهمزة الذي يهمز جليسه بعينه، أي: بكسرها ويومئ إليه، واللمزة الذي يستقبل أخاه بوجه ويغيب له بآخر " (٩).
نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقيل: في الأخنس بن شريق.
وقيل: في جَمَيل بن عامِر الجُمَحِي (١٠).
стр. 3669
وقيل: هو عامٌّ (١).
﴿الَّذِي جَمَعَ﴾: قيل: محله رفع بالابتداء، أي: هو الذي جمع، وليس بوصف لما قبله؛ لاختلافهما في التعريف والتنكير.
ولا يجوز أن يكون بدلاً من ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾؛ لأنه يصير تقديره: ويل لكل الذي جمع مالاً، وهذا لا يصح.
ولا يمتنع (٢) [أن يكون بدلاً من كلّ , فيكون التقدير: ويل للذي جمع , فيكون محله ... جراً , ويجوز أن يكون نصباً بإضمار أعني (٣).
ومعنى: ﴿مَالًا جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢)﴾: أحرزه واتخذه عدة.
والتشديد يقتضي الجمع شيئاً بعد شيء (٤).
وقيل: أحصاه مرة بعد أخرى , وحفظ عدده.
والتعديد: الحفظ.
وقيل: أَكْثَرَهُ؛ لأن في تكثير عينه تكثير عدده (٥).
стр. 3670
المبرد والحسن: " صنّفه إبلاً وغنماً وأرضاً وذهباً وفضةً " (١).
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ الزَّجَّاج: " أي يعمل عمل من لا يظن أن ... يموت " (٢).
﴿كَلَّا﴾: ردع عن هذا الحسبان.
وقيل: معناه: لا يخلد أحد في الدنيا.
وقيل: هو متصل بما بعده , بمعنى: حقَّاً.
﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾: ليطرحن في جهنم.
وقيل: هي اسم من أسماء النار , أي تحطم كل شيء وتكسره (٣).
وقيل: اسم الدرك الأسفل من النار.
وقيل: الدرك الثاني.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥)﴾: تعجب وتعظيم.
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦)﴾: تفسير لها.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾: تصل إلى القلوب بإحراقها الأجساد المشتملة عليها والعظام والجلود.
وقيل: يبلغ ألمها إلى القلب , والألم إذا وصل إلى القلب مات صاحبه , فهم في حال من يموت ولا يموت , كقوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] (٤).
﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: النار أو الحطمة.
﴿مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾: مطبقة , لا يدخلها روح ولا فرج , من أصدت الباب: أطبقته.
стр. 3671
وقيل: من الوصيد , وهو الباب فيمن لم يهمز أصلاً (١).
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾: قيل: في عُمد يعذبون بها في النار , جمع عمود.
وقيل: الحطمة مطبقة عليهم بعَمَد بفتحتين كإهاب وأُهُب , وأديم وأُدُم (٢).
وقيل: هي عمد تطرح على الأبواب إذا أغلقت فيمتد عليهم ليتأكد يأسهم في الخروج (٣).
الحسن: " تفسير ذلك في الكهف ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] , فلجهنم سُرادق وللسُّرادق عُمُد " (٤).
وروي عن الحسن أيضاً: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في دهر طويل لا انقطاع له (٥).
وقيل: العمد الممددة: قيود طوال] (٦).
стр. 3672
سورة الفِيْل (١)
[خمس آيات (٢) , مكية (٣).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾: الفَرَّاء: " ألم تخبر " (٤).
وقيل: معناه: الأمر , أي: اعلم.
المبرد: " ألم تعلم , ومفعولاه محذوفان " (٥).
و ﴿كَيْفَ﴾ مفعول ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ (٦).
وفي ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعجُّب. عجّب الله نبيَه من كفر العرب , وقد شاهدت هذه العظيمة من آيات الله (٧).
وقيل: هذه معجزة لا يُظهرها الله إلَاّ لنبيّ.
وقيل: كان في ذلك الوقت نبي يقال له: خالد بن سِنان العَبسي (٨).
стр. 3673
وقيل: ذلك معجزةُ لرسول الله ﷺ لأنه ولدَ تلك السنة. وقيل: ذلك اليوم.
وقيل: بعد تلكَ الوقعة لخمسٍ وخمسين يوماً.
وقيل: كان قبل مولده ﷺ بثلاثٍ وعشرين سنةً (١).
﴿بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾: هم قومٌ من الحبشة , ملكهم أبرهة بن الصَّبَّاح , الملقّب: بأشرم , كنيته: أبو يكسوم (٢).
ابن جرير: " أبرهة دون الملك الأعظم بالحبشة] (٣) , وكان الملك النجاشيُّ واسمه: أصحمة (٤)، ومعناه العطية. فبنى بيتاً باليمن ودعا الناس إلى الحج بدل الكعبة، وهَمَّ بتخريب الكعبة، ليصرف الناس عن الكعبة إلى بنائه، وكان اسم بنائه: القُلِّيس " (٥).
وقيل: بنى بيعةً، فحضرها قوم من قريش وأوقدوا ناراً لحاجتهم، ثم رحلوا عنها فلم يطفئوها، فهبتْ ريحٌ وهيجتِ النار، وأحرقتْ البيت، فقيل له: إنما فعل ذلك أهلُ مكةَ مكايدةً، فهَمَّ بتخريبِ الكعبةِ، واستباحةِ أهلها، فلما وصل إلى ذي المجاز امتنعتِ الفيلةُ من التوجه نحو مكة، وإذا صُرِفَت عنها إلى غيرها أسرعت مشياً وكان معه اثنا عشر فيلاً، وفيها واحد كبير لم يُرَ مثله، وكان اسمه: محموداً، وكنيته: أبو العباس.
وقيل: لم يكن معه إلا هذا الواحد، واسم بيعته بالعربية: الهيكل , وبالحبشية: ماسرجسان، فقدم بعض كبار عساكره فاستاقَ ما بها من المواشي والنَعم، وكان فيها مائتا بعيرٍ لعبد المطلب، وكان هو رئيسُ مكةَ، فأتى أبرهة وكلَّمه في إبله، فحقره حيثُ لم يتكلم في أمر الكعبةِ، فقيل لعبد المطلب: ذلك، فقال: أُرْدُد عليَّ إبلي ودونَكَ البيت، فإن له رباً سيمنعه، فأمر بإبله، فردَّتْ عليه، وأتى عبد المطلب وأخذ (٦) حلقة باب الكعبة، وهو يقول:
стр. 3674
يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهمُ حماكا
إن عدوَّ البيت من عادكا ... امنعهُمُ أن يُخربوا قراكا
ثم أصبح عبد المطلب وارتفع على الجبل، وأقبل نحو الكعبة رافعاً يده يدعو، ويقول:
لا هُمَّ إن المرء يَمْـ ... ـنَع رحله فامنع رحالكْ
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غَدْواً مِحالكْ
إن كنت تاركهم وقبـ ... لتنا فأمر ما بدا لكْ
ثم إن أبرهة تهيأ للدخول، وعبَّأَ الجيش وهيَّأَ الفيلة، فأنشأ الله - تعالى - من شاطئ البحر طيراً سوداً صغار المناقير خضر الأعناق طوالها، قد أقبلت كالليل يكسع بعضها بعضاً، أمام كل فرقة طير يقودها أحمر المنقار، وكان في مناقيرها وأظافيرها ثلاثة أحجار، فجاءت حتى حاذت بعسكر القوم، ركدت فوق رؤوسهم , فلما توافت الرعال كلها أهالت ما في مناقيرها على من تحتها مكتوب على كل حجر اسم من يقتله به، فجعل الحجر يقع على رأس صاحبه فيصل إلى جوفه، وكانت الحجارة أكبر من العدسة، وأصغر من الحُمُّصَة لا يصيب منها أحداً إلا هلك، وليس كلهم يصيب، فتولى أبرهة بمن بقي هاربين فجعل أبرهة يسقط عضواً عضواً.
وقيل: لم يفلت منهم إلا أبو يكسوم فسار وطائر فوقه يطير ولا يشعر به، حتى دخل على النجاشي فأخبره بما أصابهم , فلمّا استتم كلامه أتاه الطائر فرماه به فسقط فمات فأرى الله النجاشي كيف كان هلاك أصحابه (١).
قتادة: " أبو يكسوم هو أبرهة، ونجى الفيل الملقب بمحمود لإحجامه عن الإقدام على الحرم " (٢).
ثم إنَّ الطير انصاعت راجعة من حيث جاءت , فلمّا أبطأ على عبد المطلب مجيء القوم، ذهب ينظر ما خبرهم، فوجدهم قد بادوا، فحمل ما شاء من صفراء وبيضاء، وأذن [أهل] (٣) مكة، فصاروا إلى معسكرهم، فانتهبوا ما فيه (٤).
стр. 3675
قوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾: عزمهم على هدم الكعبة، وإبطال دين الله.
﴿فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾: إبطال وإذهاب (١).
وقيل: ﴿كَيْدَهُمْ﴾ مرادهم، من قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: (٧٦)].
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣)﴾
الزَّجَّاج: "جماعات من ها هنا وجماعات من ها هنا " (٢).
أبو عبيدة: " جماعات في تفرقة " (٣).
قتادة: " أبابيل كثيرة " (٤).
وقيل: هي العنقاء المُغَرِّب (٥)(٦).
واحدها: إِبالة.
وقيل: إيبالة، وقيل: إِبَّوْل، وقيل: إبِّيل (٧).
وقيل: هي جمع لا واحد له من لفظه كعباديد (٨).
стр. 3676
﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)﴾: أكثر المفسرين على أنه فارسي معرب، وهو الآجر, يقويه قوله: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] في غير هذه القصة؛ لأن الحجارة تكون (١) من الماء فيذوب كالبرد (٢)(٣).
أبو عُبيدة والزَّجاج: " إنه من السجل، وهو الكثير.
وقيل: من السجل وهو الشديد " (٤).
وقيل: من السجل وهو ملء الدلو أي المكروه الذي يغمرهم.
وقيل: السجيل: اسم السماء الدنيا (٥).
وقيل: من سجين (٦)، فقلب النون لاماً. وقد سبق.
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾: العصف ورق الزرع.
قتادة: " هو التبن " (٧).
وقيل (٨): هو ما على حب الحنطة من القشور.
ومعنى ﴿مَأْكُولٍ﴾: أكلته الدواب فراثته من الروث، فصار درناً (٩)(١٠).
стр. 3677
الزَّجَّاج: " ﴿مَأْكُولٍ﴾ وقع فيه الآكال من قدمه " (١).
ابن عيسى: " مأكول ثمره " (٢)(٣).
وقيل: عصف (٤) مأكول، كقولك: طعام مطعوم وشراب مشروب، أي: شأنه أن يطعم ويشرب، أي: تأكله (٥) الدواب (٦).
ورأيت في بعض التفاسير: إن العصف هو العفص والمأكول هو الذي فيه ثقب. وهذا غلط بعيد (٧). والله أعلم.
стр. 3678
سورة قُرِيش (١)
" أربع آيات " (٢)(٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾: قيل: هذه اللام متصلة بالسورة الأولى.
والمعنى: أهلكهم.
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ واللام لام الصيرورة والعاقبة، كقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].
ويروي عن الكسائيّ: ترك التسمية بينهما , وجاء ذلك عن غيره أيضاً لهذا (٥).
وسماه بعضهم لام العلة. وفيه بعد؛ لأن الله أهلكهم لكفرهم.
وقيل: اللام لام التعجيب، أي: أعجبوا من ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، والمعنى: فليعبدوا ربَّ هذا البيت لإيلاف قريشٍ (٦)، أي: لما أنعم عليكم من إيلافكم، تقول: ألف يألف إلفاً، وإلافاً وآلف يؤلف إيلافاً، بمعنى: وهو نقيضُ الإيحاش ومثله الإيناس.
стр. 3679
وقيل: آلف حمله على الأُلفة (١)، وكلٌّ قد قرئ به (٢)(٣).
وقيل: الإيلاف هي العهود التي كانت يأخذها رجال قريش من ملوك العرب إذا خرجوا في أسفارهم يأمنون بها.
وقريش هم: بنو النضر بن كنانة.
وقيل: بنو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وسموا قريشاً؛ لتجمعهم بعد التفرق، والقرش: الجمع (٤).
وروي أن معاوية سأل ابن عباس ﵄ عن معنى قريش، فقال: ((هي دابة تسكن البحر من أعظمها دابة (٥)، وأنشد:
قريش هي التي تسكن البحـ ... ـر بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا تتـ ... ـرك (٦) يوماً لذي جناحين ريشا)) (٧)(٨).
وقيل: القرش الكسب، وكانوا يأكلون من كسبهم، فسموا به (٩)(١٠).
стр. 3680
﴿إِيلَافِهِمْ﴾: بدل من الأوّل.
﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ الرِّحلة هي: السيرُ على الراحلة , وهي الناقة القوية. والرحل والارتحال: احتمال الرحل للسير، والرَّحل: متاع المسافر.
وقيل: الرحلة لا يكون إلا في طلب المعاش (١).
وكانت لهم رحلتان، رحلةٌ في الشتاء إلى اليمن، ورحلةٌ في الصيف إلى الشام (٢).
عكرمة: " كلتا الرحلتين كانت إلى فلسطين " (٣).
وقيل: كانوا يشتون بمكةَ، ويصيفون بالطائف (٤).
وبالرحلتين كانت تقوم معائشهم، فمنّ الله عليهم بذلك.
وقيل: كان الناس يرتحلون، رحلة في الشتاء، ورحلة في الصيف يحملون إليهم المِيرة وغيرها، فمنَّ الله (٥) عليهم بأن كفاهم مؤنة الارتحال بأنفسهم.
قتادة: " ذكرهم الله نعمته عليهم إذا جعلهم آمنين بالحرم يسافرون ويُتَخَطَّفُ الناس من حولهم " (٦).
وعن ابن عباس ﵄: أنه نهاهم عن الرحلتين، وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت، ويقيموا بمكة كما ألِفوا الرحلتين " (٧).
فيكون اللام بمعنى: الكاف. وهذا معنى رابع للام: ﴿إِيلَافِ﴾ (٨).
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾: أي: بعد الجوعِ الذي أصابهم في سني القحط، حتى أكلوا الجيف والعِلهزَ (٩).
قال سيبويه: " قام ﴿مِنْ﴾ مقام عن، والفرق بينهما: أنَّ عن يقتضي حصول جوع فزال بالإطعام , و ﴿مِنْ﴾ يقتضي المنع من لحاق الجوع، فيكون المعنى: أطعمهم فلم يلحقهم جوع " (١٠).
﴿وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾: وكانوا لا يتعرض (١١) لهم أحد , ولا يُغارُ عليهم كما يغيرُ الناسُ بعضهم على بعضٍ.
وقيل: ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ العدو.
وقيل: ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ أبرهة.
وقيل: ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ الجذام الذي وقعَ وراءَ مكةَ (١٢).
وعن عليٍّ ﵁ ... : " آمَنَ قريشاً أن لا تكون (١٣) الخلافة إلا فيهم " (١٤).
وروت أم هاني بنت أبي طالب عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله - تعالى - فضَّلَ قريشاً (١٥) بسبع خصال لم يعطها أحداً قبلهم، ولا يعطها أحداً بعدهم: إن الخلافةَ فيهم ,