﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)﴾: أكثر المفسرين على أنه فارسي معرب، وهو الآجر, يقويه قوله: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] في غير هذه القصة؛ لأن الحجارة تكون (١) من الماء فيذوب كالبرد (٢)(٣).
أبو عُبيدة والزَّجاج: " إنه من السجل، وهو الكثير.
وقيل: من السجل وهو الشديد " (٤).
وقيل: من السجل وهو ملء الدلو أي المكروه الذي يغمرهم.
وقيل: السجيل: اسم السماء الدنيا (٥).
وقيل: من سجين (٦)، فقلب النون لاماً. وقد سبق.
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾: العصف ورق الزرع.
قتادة: " هو التبن " (٧).
وقيل (٨): هو ما على حب الحنطة من القشور.
ومعنى ﴿مَأْكُولٍ﴾: أكلته الدواب فراثته من الروث، فصار درناً (٩)(١٠).
стр. 3677
الزَّجَّاج: " ﴿مَأْكُولٍ﴾ وقع فيه الآكال من قدمه " (١).
ابن عيسى: " مأكول ثمره " (٢)(٣).
وقيل: عصف (٤) مأكول، كقولك: طعام مطعوم وشراب مشروب، أي: شأنه أن يطعم ويشرب، أي: تأكله (٥) الدواب (٦).
ورأيت في بعض التفاسير: إن العصف هو العفص والمأكول هو الذي فيه ثقب. وهذا غلط بعيد (٧). والله أعلم.
стр. 3678
سورة قُرِيش (١)
" أربع آيات " (٢)(٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾: قيل: هذه اللام متصلة بالسورة الأولى.
والمعنى: أهلكهم.
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ واللام لام الصيرورة والعاقبة، كقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].
ويروي عن الكسائيّ: ترك التسمية بينهما , وجاء ذلك عن غيره أيضاً لهذا (٥).
وسماه بعضهم لام العلة. وفيه بعد؛ لأن الله أهلكهم لكفرهم.
وقيل: اللام لام التعجيب، أي: أعجبوا من ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، والمعنى: فليعبدوا ربَّ هذا البيت لإيلاف قريشٍ (٦)، أي: لما أنعم عليكم من إيلافكم، تقول: ألف يألف إلفاً، وإلافاً وآلف يؤلف إيلافاً، بمعنى: وهو نقيضُ الإيحاش ومثله الإيناس.
стр. 3679
وقيل: آلف حمله على الأُلفة (١)، وكلٌّ قد قرئ به (٢)(٣).
وقيل: الإيلاف هي العهود التي كانت يأخذها رجال قريش من ملوك العرب إذا خرجوا في أسفارهم يأمنون بها.
وقريش هم: بنو النضر بن كنانة.
وقيل: بنو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وسموا قريشاً؛ لتجمعهم بعد التفرق، والقرش: الجمع (٤).
وروي أن معاوية سأل ابن عباس ﵄ عن معنى قريش، فقال: ((هي دابة تسكن البحر من أعظمها دابة (٥)، وأنشد:
قريش هي التي تسكن البحـ ... ـر بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا تتـ ... ـرك (٦) يوماً لذي جناحين ريشا)) (٧)(٨).
وقيل: القرش الكسب، وكانوا يأكلون من كسبهم، فسموا به (٩)(١٠).
стр. 3680
﴿إِيلَافِهِمْ﴾: بدل من الأوّل.
﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ الرِّحلة هي: السيرُ على الراحلة , وهي الناقة القوية. والرحل والارتحال: احتمال الرحل للسير، والرَّحل: متاع المسافر.
وقيل: الرحلة لا يكون إلا في طلب المعاش (١).
وكانت لهم رحلتان، رحلةٌ في الشتاء إلى اليمن، ورحلةٌ في الصيف إلى الشام (٢).
عكرمة: " كلتا الرحلتين كانت إلى فلسطين " (٣).
وقيل: كانوا يشتون بمكةَ، ويصيفون بالطائف (٤).
وبالرحلتين كانت تقوم معائشهم، فمنّ الله عليهم بذلك.
وقيل: كان الناس يرتحلون، رحلة في الشتاء، ورحلة في الصيف يحملون إليهم المِيرة وغيرها، فمنَّ الله (٥) عليهم بأن كفاهم مؤنة الارتحال بأنفسهم.
قتادة: " ذكرهم الله نعمته عليهم إذا جعلهم آمنين بالحرم يسافرون ويُتَخَطَّفُ الناس من حولهم " (٦).
وعن ابن عباس ﵄: أنه نهاهم عن الرحلتين، وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت، ويقيموا بمكة كما ألِفوا الرحلتين " (٧).
فيكون اللام بمعنى: الكاف. وهذا معنى رابع للام: ﴿إِيلَافِ﴾ (٨).
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾: أي: بعد الجوعِ الذي أصابهم في سني القحط، حتى أكلوا الجيف والعِلهزَ (٩).
قال سيبويه: " قام ﴿مِنْ﴾ مقام عن، والفرق بينهما: أنَّ عن يقتضي حصول جوع فزال بالإطعام , و ﴿مِنْ﴾ يقتضي المنع من لحاق الجوع، فيكون المعنى: أطعمهم فلم يلحقهم جوع " (١٠).
﴿وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾: وكانوا لا يتعرض (١١) لهم أحد , ولا يُغارُ عليهم كما يغيرُ الناسُ بعضهم على بعضٍ.
وقيل: ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ العدو.
وقيل: ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ أبرهة.
وقيل: ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ الجذام الذي وقعَ وراءَ مكةَ (١٢).
وعن عليٍّ ﵁ ... : " آمَنَ قريشاً أن لا تكون (١٣) الخلافة إلا فيهم " (١٤).
وروت أم هاني بنت أبي طالب عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله - تعالى - فضَّلَ قريشاً (١٥) بسبع خصال لم يعطها أحداً قبلهم، ولا يعطها أحداً بعدهم: إن الخلافةَ فيهم ,
стр. 3681
والحجابةَ , والسقايةَ , والنبوةَ , ونصروا على الفيل، وعبدوا الله سبعَ سنين لم يعبده أحد غيرهم (١)، ونزلتْ فيهم سورة لم يذكر فيها أحد غيرهم: سورة: ﴿لِإِيلَافِ﴾ " (٢).
стр. 3682
سورة الماعُون (١)
" سبع آيات " (٢)(٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)﴾: في سبب النزول: قال مقاتل والكلبي: نزلت في العاص بن وائل السَّهمي (٥)(٦).
قال ابن جريح: كان أبو سفيان بن حرب ينحر كل أسبوع جزورين، فأتاه يتيم يسأله شيئاً، فقرعه بعصاه (٧).
стр. 3683
وقيل: نزلت في أبي جهل (١).
وقيل: عام.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ استفهام تنبيه على المذكور، وتعجيب منه ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: الدين الذي أتى به محمد ﷺ .
والتكذيب به: نسبة المخبر بصحته إلى الكذب فيما أخبر به (٢).
والجمهور: على أن الدِّين ها هنا الحساب والجزاء بعد الموت (٣).
ابن عيسى: " التكذيب بالجزاء من أضر الأشياء؛ لأنه يعدم به الداعي إلى الخير ... والصارف (٤) عن الشر " (٥).
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾: الفاء تُؤذِن (٦) أنَّ هذا سبب الدَّعِّ وترك ... الحض (٧).
والدُّع: الدفع بجفاء وعنف، أي: يدفعه عن حقه بظلمه لعدمه الوالد الذاب عنه (٨).
﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾: بخلاً بمال غيره، فكيف بماله (٩).
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾: دخول الفاء يدل على أنهم هم المذكورون قبل، وأقيم المظهر مكان المضمر (١٠).
стр. 3684
﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾: المفروضة.
﴿سَاهُونَ (٥)﴾: الفرَّاء والزَّجَّاج: " لا يصلونها سِرَّاً؛ لأنهم لا يعتقدون وجوبها، ويصلونها علانية رِيَاءً " (١).
وعن الحسن أنه قال: الحمد لله الذي لم يجعلها في صلاتهم، وجعلها عن صلاتهم " (٢).
ابن عباس ﵄: أي: " يؤخِّرونها عن وقتها " (٣).
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾: لا يقصدون وجه الله، إنما يريدون أن يراهم المسلمون فيحمدونهم عليها.
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾: أبو عبيدة: " الماعون في الجاهلية كلّ منفعة وعطية، وفي الإسلام الطاعة والزكاة " (٤).
الزَّجَّاج: " كلُّ ما فيه منفعة، كالكأس والقدر والدلو " (٥).
وقيل: هو الذي يبذله الجيران بعضُهم لبعض.
الفراء: " الماعون الماء، وأنشد:
. . . . . . . . . . . . . . . . . ... يمج صبيرُهُ الماعون صبَّا (٦)
والصبير: السحاب " (٧).
ابن عيسى: " الماعون القليل القيمة، وأصل المعن القليل " (٨).
وأنشد:
стр. 3685
. . . . . . . . . . . . . . . ... . . . فإنَّ هلاك مالك غير معن (١)
أي: غير القليل.
أبو علي: " مَعَن الشيء سهل , فهو معن " (٢).
وقيل: الماعون المال (٣).
стр. 3686
سورة الكَوْثَر (١)
ثلاث آيات (٢)(٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾: في سبب النزول: أن العاص بن وائل السهمي قال: "إن محمداً صنبور أبتر، فإذا ماتَ انقطعَ ذِكرُه ".
وقيل: نزلتْ في عُقبة بن أبي مُعيط. والأوّل أكثر.
سَمَّى النبيّ ﷺ عند موتِ ابنه عبد الله، وقيل: القاسم أبتر، فأنزل الله هذه السورة (٥).
و ﴿الْكَوْثَرَ﴾: الفوعل من الكثرة (٦).
стр. 3687
ابن عباس ﵄: " هو الخيرُ الكثير " (١).
وأنشد:
وأنتَ كثيرٌ يا ابن مروان طيبٌ ... وكان أبوكَ ابن العقائلِ كوثرا (٢)
الحسن: " ﴿الْكَوْثَرَ﴾: القرآن " (٣).
عكرمة: " النبوة " (٤).
وقيل: " الإسلام " (٥).
ابن عباس في جماعة: " نهر في بُطنان (٦) الجنة، يجري على الياقوت حافتاه ذهب وفضة , ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل , تربته أطيب من المسك على حافتيه من الآنية، مثل عدد النجوم " (٧).
وعن عائشة ﵂: " من أحبَّ أن يسمع خريره، فليجعل إصبعه في أذنيه " (٨).
وعن مجاهد: "ماؤه الخمر " (٩).
وقيل: " ﴿الْكَوْثَرَ﴾ خير الدنيا وخير الآخرة ". وهو القول الأوّل.
عطاء: " حوض النبي ﷺ الذي يكثر الناس عليه يوم القيامة " (١٠)(١١).
стр. 3688
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾: الصلوات الخمس.
وقيل: صلاة العيد.
وقيل: معناه: اشكر الله (١).
﴿وَانْحَرْ (٢)﴾: أي: أضحيتَك يومَ النحر.
علي ﵁: " هو وضع اليمنى على اليسرى [في الصلاة تحت النحر] (٢) " (٣).
وقيل: ارفع يديكَ إلى نحرك في التكبير.
وقيل: استقبل القبلة بنحرك في الصلاة.
سعيد بن جبير: " نزلت هذه الآية بالحديبية حين صد عن البيت، أمره الله تعالى أن يصلي وينحر وينصرف " (٤).
أنس ﵁: " كان النبي (٥) ﷺ ينحر ويصلي يوم العيد، فأنزل الله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ " (٦).
وقيل: وانحر (٧) لله بخلاف عبدة الأوثان، فإنهم ينحرون لأوثانهم (٨).
стр. 3689
﴿إِن شَانِئَكَ﴾: مبغضكَ وعدوكَ (١).
﴿هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾:
الزَّجاج: " يحتمل أن يكون المراد هو المنقطع العقب، وجائز (٢) أن يكون هو المنقطع عنه كل خير " (٣).
ابن جرير: " ﴿الْأَبْتَرُ﴾: الأقل الأذل " (٤).
قتادة: " من عادى محمداً ﷺ صار ذليلاً قليلاً " (٥)(٦).
стр. 3690
سورة الكافرون (١)(٢)
سِتُّ آيات (٣)(٤) مكية (٥)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾: وسبب نزوله: أنَّ رهطاً من قريش قالوا: يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيراً مما في أيدينا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا، وإن كان الذي في أيدينا خيراً مما في يديك، كنت قد شركت في أمرنا وأخذت بحظك منه، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره، فأنزل الله تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة، فغدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قريش، فقرأ عليهم حتى فرغ من السورة، فيئسوا منه عند ذلك " (٦).
стр. 3691
وإنما صار ﴿قُلْ﴾ متلو في السُّور الخمس (١)؛ لأنها نزلت جواباً.
﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ لجماعةٌ مخصوصين، أعلمهُ الله أنهم لا يؤمنون (٢).
وقيل: هو عام، والمعنى معنى الشرط، أي: إن عبدتم الله بشرط أن أعبد إلهكم فلن تعبدوه لأني (٣) لا أعبدها أبداً (٤).
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾: أي: الأصنام وغيرها مما يعبدهُ المشركون؛ لأن العبادة أعلى مراتب الشكر لا على مراتب النعم، والوثن لا يستحقها.
﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾: يعني الله ؛ للجهل بوجوب العبادة.
وذكر بلفظ ﴿مَا﴾، ليتقابل اللفظان ولا يتنافرا. ولم يصح في الأول " من "، وصح في الثاني "ما "، بمعنى: الذي (٥).
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾: قيل: الثاني: تكرار وتأكيد، لحسم أطماعهم من عبادته آلهتهم أبداً. وقيل: الأول: للحال، والثاني: للماضي، وقيل: الأول: للحال، والثاني: للاستقبال، وقيل: الأول: في سنة، والثاني: في سنة أخرى، لقولهم: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة.
وقيل: الأول: عبادة التوحيد، والثاني: عبادة الطاعة.
وقيل: ﴿مَا﴾ في الأول بمعنى: الذي، و ﴿مَا﴾ في الثاني بمعنى: المصدر، أي: ولا أنا عابد عبادتكم، ولا أنتم عابدون عبادتنا أي مثلها , والمعنى: لا معبود أنا واحد ولا عبادتنا واحدة.
стр. 3692
وقيل: بين نزولهما زمان , فصار كتكرار القصص في سائر السور.
وقيل: ذكر الأوّل بلفظ الفعل، ولفظ الفعل يدل على جزء من الزمان , فذكر الباقي (١) بلفظ الاسم، ليدلَ على الأزمنة كلها.
وقيل: في هذا التكرار اختصار وإيجاز هو إعجاز؛ لأنه سبحانه نفى عن نبيِّه ﷺ عبادةَ الأصنام في الحال والماضي والاستقبال، ونفى عن الكفار المذكورين عبادة الله في الأزمنة الثلاثة أيضاً فكان القياسُ يقتضي تكرار هذه اللفظة ست مرات، فذكر لفظي الحال؛ لأن الحال هو الزمان الموجود، واقتصر من الماضي على المسند إليهم , فقال: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ فكان اسم الفاعل بمعنى الماضي، واقتصر من المستقبل على المسند إليه، فقال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، فكان اسم الفاعلين بمعنى المستقبل. ولهذا نظائر (٢).
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾: الشرك ﴿وَلِيَ دِينِ (٦)﴾: الإسلام، وهذا قبل أن أمر بالقتال.
وقيل: لكم جزاؤكم ولي جزائي (٣).
وروي أن ابن مسعود ﵁: ((دخل المسجد والنبي ﷺ جالس، فقال له: نابذ يا ابن مسعود، فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثم قال له في الركعة الثانية: أخلص، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، فلما سلَّمَ، قال: يا ابن مسعود سل تُجَب)) (٤). وعنه ﷺ أيضاً (٥) أنه قال: ((نابذوا عند الموت، قالوا: وكيف ننابذ، فقال اقرؤوا ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾)) (٦).
стр. 3693
سورة النَّصر (١)
ثلاث آيات (٢)(٣) مدنية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾: عكرمة: عن ابن عباس ﵄ قال: " لمَّا أقبل رسول الله ﷺ من غزوة حنين أُنزل عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ " (٥)، أي: معونته على قريش.
وقيل: عام في جميع الكفار، والمفعول (٦) محذوف تقديره: نصر الله إياك (٧).
﴿وَالْفَتْحُ (١)﴾: الاستيلاء على البلاد.
الحسن: "هو فتح مكة؛ لأنَّ العرب أسلمت بإسلام أهل مكة " (٨).
ابن عباس ﵄: " فتح المدائن والقصور " (٩).
﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾:
стр. 3694
أبو عبيدة: " جماعات في تفرقة " (١).
الفَرَّاء: " أسلم الحي بأسره " (٢).
الزَّجَّاج: "جماعات كثيرة " (٣).
ابن عيسى: " جماعة من جماعة كزمرة من قبيلة " (٤).
وقيل: هم أهل اليمن (٥).
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: ((الإيمان يمان، والحكمة يمانية)) (٦)؛ لأنَّ أهل اليمن أعانوه على أعدائه، ولهذا قال النبي ﷺ : ((أجد نفس ربّكم من قِبَلِ ... اليمن)) (٧)، والمعنى: يُنفّس الكرب عن نبيِّه (٨) بأهل اليمن (٩).
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: نزِّهْهُ. والباء للسبب، أي: احِمَدْهُ لتكون (١٠) مُسَبِّحَاً.
وقيل: فسبحه بالتحميد، ويجوز أن يكون الباء للحال، أي: فسبح حامداً (١١).
стр. 3695
﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ عن ابن عباس ﵄: "أنَّ هذا تعريض بقرب أجله ﷺ ، وأنه نعيت إليه نفسُه، وأُمرَ لقرب أجله أن يستغفرَ من ذنوبه ويزيدَ في التسبيح؛ ليكون في آخر عمره أحسنَ طاعة وأكثرَ عبادة " (١).
وكان يقول ﷺ : ((نعى الله إليَّ نفسي)) (٢).
﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾: يقبلُ توبةَ عبده إذا تاب.
ابن عيسى: " يقبلُ توبةَ من بقي، كما يقبل توبة من مضى " (٣).
وعن علي ﵁ أنه (٤) قال: ((لما نزلت هذه السورة، مرض النبي ﷺ فخرج إلى الناس، وخطبهم، وودعهم، ثم دخل المنزل فتوفي)) (٥)، وروى أيضاً: ((أنه عاش بعدها سنتين)) (٦).
وقيل: معنى ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (٧): دم على الاستغفار لأمتك.
وقيل: صغِّر نفسكَ ولا تستكثر.
وقيل: استغفر لأمتك.
وقيل: عاشَ بعدها سنة (٨).
وتسمَّى (٩) هذه السورة: سورة التوديع (١٠).
стр. 3696
وجواب ﴿إِذَا﴾ مضمر تقديره: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ حضر أجلك.
وقيل: جوابه ﴿فَسَبِّحْ﴾. وهو الأظهر (١)، والله أعلم (٢).
стр. 3697
سورة تَبَّت (١)
خمس آيات (٢)(٣) مكية (٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾: عن ابن عباس ﵄: ((لمَّا نزل قوله: ... ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد رسول الله ﷺ الصَّفَا , ونادى بأعلى صوته: يا صباحاه.
وفي رواية قال: ((يا لغالب يا للؤَيّ يالمِرة يا لكِلاب يا لقُصي يا لعبد مناف، فاجتمع إليه قريش)) (٥).
وفي رواية: ((فاجتمع إليه الناس (٦)، بين رجل يجيء، وبين رجل يبعث إليه (٧) رسوله)) (٨).
وفي رواية: ((دعا عمومته وصنع طعاماً وقدمه إليهم في صحفة، وكانوا أربعين نفراً، فأكلوا وشبعوا ولم ينقص منه شيء، ثم قالوا له: مالك، قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أفكنتم تصدقونني، قالوا: بلى)) (٩).
стр. 3698
وفي رواية: ((لو أخبرتكم أنَّ خيلاً بسفح هذا الجبل يريد أن يغير عليكم (١) صدقتموني، قالوا: نعم، قال: فإنِّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لَهَب (٢): تباً لك ألهذا (٣) دعوتنا جميعاً، فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخر السورة)) (٤).
وروي أيضاً: ((أنَّ أبا لهب أتى النبي ﷺ فقال: ماذا أُعْطَى إن آمنت بك يا محمد، قال: كما يعطى المسلمون، فقال: ما لي عليهم فضل، فقال (٥): وأي شيء تبتغي (٦)، قال: تباً لهذا من دين، أن أكون أنا وهؤلاء سواء، فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾)) (٧).
أي: خسرت وخابت.
وقيل: هلكت.
стр. 3699
والتَّباب: الهلاك، من قوله: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧]، أي: هلاك.
وذكر اليد استعارة، والمعنى: تَبَّ هو.
وقيل: تَبَّ عمله، وسمي العمل يَداً لأنها (١) بها يكون.
وقيل: يداه ماله وملكه.
وقيل: معناه (٢) صفرت يده من كلِّ خير (٣).
وأبو لهب: كنيته ,كني به لتلهبِ وجنتيه.
وليس في القرآن كنيةً غير هذه.
وطعنَ بعضُ الملحدين، فقال: نسبة الرجل إلى من ليس له بابن لا يصح.
والجواب: أن الكنية تجري مجرى الأسماء في التعريف، وأسماء الأعلام لا يطلب لها تحقيقاً، إلا ترى أن الرجل يسمى: كافوراً وعنبراً وأسداً وكلباً، ثم لا يراعى في المسمين بها تحقيق ذلك؛ لأنها منقولة من الجنس إلى العلم، وكذلك المنقول من الوصف، كرجل يسمى ضارباً ومضروباً، ولم يضرب قط ولا ضرب، وقد يأتي في الأعلام ما هو مرتجل لا معنى له أصلاً كغطفان اسم رجل كذلك (٤).
هذا واعترض آخر، فقال: إنما يُذَكَر الكُنى تعظيماً وهذا موضع تحقير، والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنَّ اسمه عبد العُزَّى ولم يُرِد سبحانه نسبته إليها.
والثاني: إن المراد باللهب النار، فكأنه قال: أبو النار فيكون النهاية في الذم سماه بما يؤول إليه.
وقيل: إنَّ اسمه وكنيته واحد (٥). والله أعلم.
﴿وَتَبَّ (١)﴾: توكيد يعود إليه، أي: تبَّت يدا أبي لهبٍ وتبَّ أبو لهب.
وقيل: الأول: يجري مجرى الدعاء وتعليم الدعاء.
والثاني: إخبار، أي: وقد تب (٦).
وقيل: إنه أراد أن يرمي رسول الله ﷺ بحجر، فمنع الله يديه عن ذلك، فأضافَ الخسران إليها، وأضافَ العقابَ إليه في الآخرة (٧).
وعن مجاهد: " وتب ابنه " (٨).
[يعني عتبة بن أبي لهبٍ بدعاء النبي ﷺ لما قال: ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك)) (٩)] (١٠).
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾: وذلك أنه قال: إن كان ما يقوله ابن أخي حقاً، فإني أفتدي منه بمالي وولدي، فأنزل: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ (١١)، أي: لا يدفع ولا يغني عنه ماله.
﴿وَمَا كَسَبَ﴾ الجمهور: " ولده " (١٢).
الزَّجَّاج: " ﴿وَمَا كَسَبَ﴾: حيلة ومكايدة " (١٣).
وقيل: ﴿مَالُهُ﴾: ما ورث ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ استفاد.
стр. 3700
و ﴿مَا أَغْنَى﴾: يجوز أن يكون للنفي، ويجوز أن يكون للاستفهام , ويجوز أن يكون الموصولة بمعنى: الذي، أي: والذي كسب، ويجوز أن يكون للمصدر، أي: وكسبه، ويجوز أن يكون نكرة، وقوله: ﴿كَسَبَ﴾ صفته، أي: وشيء كسبه (١).
﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾: سيدخل ناراً ذات تلهّبٍ واشتعال.
﴿وَامْرَأَتُهُ﴾: أمُّ جميل، أخت أبي سفيان، وكانت تُفْرِطُ في إيذاء رسول الله ﷺ ، وتقول: مذمّماً أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا (٢).
﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ ابن عباس ﵄: " كانت تحتطبُ الشوك، وتلقيهِ في طريقِ رسول الله ﷺ ليتأذى به " (٣).
الحسن: " الحمالة: النمامة " (٤).
و ﴿الْحَقِّ﴾: النميمة، وحطب به، أي: سعى به.
وقيل: كانت في الحقيقة تحمل الحطب على ظهرها بحبل في عنقها، فأخبر الله سبحانه، بتخسيس حالها.
وقيل: يجوزُ أن يكونَ له امرأتان، فوصفتْ بهذه الصفة لتمتازَ من الأخرى (٥).
وقيل: تحملُ الحطبَ في النار، ويحتمل أن يكونَ الحطبُ كناية عن الذنب، كما يسمى وزراً (٦).
﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ﴾: أي: في عنقها حبل ﴿مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ (٧).
стр. 3701
أبو عبيدة: المسد: الحبل المفتول من ضروب " (١).
وجاء في التفاسير (٢): " أنه سلسلة من حديد يدخل في فيها، ويخرج من دبرها ويلوي سائرها في عنقها " (٣).
ابن عباس ﵄: " المسد: حبال بمكة " (٤).
قتادة: " المسد: قلادة من ودع " (٥).
وهو جمع ودعة، وهي هنات صغار تخرج من البحر (٦).
ابن جرير: " حَبْلٌ جُمع من أنواع مختلفة، وأنشد:
ومسدٍ أُمِرَّ من أيانِقِ (٧). . . . . . . . . . . . . . . . . . . " (٨)(٩)
وقيل: المسد: شجر بمكة، كانت تحطب منه.
وقيل: شجرة تنبت باليمن.
وقيل: المسد الجريد.
مجاهد: " المسد: عود البكرة إذا كان من حديد " (١٠).
ابن عيسى: "كل ما أحكم فتله فهو مسد " (١١).
وفي بعض التفاسير: أنها كانت تحتطب بحبل من ليف فوضعته ليلة على دكان فخنقها جبريل ﵇ بحبلِ حزمتها، فقتلها به (١٢).
стр. 3702
قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾: مرفوع بالعطف على الضمير في ﴿سَيَصْلَى﴾: أي: سيصلى (١) هو وامرأته، و ﴿حَمَّالَةَ﴾: نصب على الذَّم، ومن رفع جعل ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ رفع بالابتداء، ﴿حَمَّالةُ الحَطَبِ﴾ خبره.
﴿فِي جِيدِهَا﴾ حال، و ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ يرتفعُ (٢) بالظرف (٣).
стр. 3703
سورة الإخلاص (١)
أربع آيات (٢)(٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾: جاءَ في الأخبار: ((منْ قرأَ سورةَ الإخلاص فقد قرأَ ثُلُثَ القرآن)) (٥)؛ لأن القرآن كله مشتمل على ثلاثة أشياء: توحيدُ الله وذكر صفاته.
стр. 3704
والثاني: الأوامر والنواهي التي هي مِن (١) تكاليف الشرع.
والثالث: قصص الأنبياء والمواعظ.
وسورة الإخلاص متجردةً للتوحيد، فقد تضمنت ثلث القرآن على طريق الإجمال، فلذلك من قرأها أُعطيَ من الأجر مثل مَن قرأ ثلث القرآن (٢).
وسبب نزوله في قول قتادة ومقاتل والضحاك: أنَّ نَاساً من اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ , فقالوا: صف لنا ربك، فإن الله أنزل نَعْتَهُ في التوراة، فأخبرنا من أي شيء هو؟ ومن أي جنس؟ أَمِنْ ذَهَبٍ هو أم مِن نُحَاسٍ أم فِضَّةٍ؟ وما يأكل وما يشرب؟ وممن ورث الدنيا ومن يورثها (٣)؟ فأنزل الله - تعالى - هذه السورة (٤).
وقيل: سأله ابن سَلام امتحاناً، فلما أجابه بذلك عرف صدقه، وآمن به.
وعن أبي كعب وجابر ﵄: " أنَّ المشركين قالوا: يا محمد: (٥) أنسب لنا ربك، فأنزل الله هذه السورة " (٦).
وقيل: نزلت في سؤال: عامر بن الطُّفيل (٧) وأَرْبَدُ بن قيس (٨)(٩)، وقد مضى القول فيه في سورة الرعد (١٠).
стр. 3705
وتسمَّى (١) هذه السورة نَسَبَ الرب سبحانه، وفي الحديث: ((صحبه سبعون ألف ملك، كلَّما مروا بأهل سماء سألوهم عما معهم، فقالوا: نسبة الرَّب )) (٢).
في ﴿هُوَ﴾ قولان: أحدهما: أنه ضمير الأمر والشأن، فيكون ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، و ﴿أَحَدٌ﴾: خبره.
والثاني: أن يكون كناية عن ﴿اللَّهُ﴾، أي: الذي سألتموني نَسَبَهُ (٣) ﴿اللَّهُ﴾، فيكون ﴿أَحَدٌ﴾ خبراً بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أو بدلاً من الخبر، و ﴿اللَّهُ﴾ بدل عن الضمير، و ﴿أَحَدٌ﴾ خبر ﴿هُوَ﴾ (٤).
стр. 3706
ويحتمل أنه يعود إلى اسم ﴿اللَّهُ﴾ في قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , ويقويه قول ابن عباس وابن مسعود وابن عمر ﵃: ما كان يعرف رسول الله ﷺ ختم السورة حتى ينزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " (١).
ومعنى: ﴿أَحَدٌ﴾ المتفردُ بصفاته.
وقيل: الأحد بمعنى: الأوّل؛ لأنه أول الأشياء وسابق الكل.
و ﴿أَحَدٌ﴾ يأتي على وجهين:
أحدهما: بمعنى: واحد , وهو الذي لا ثاني له إما في الوجود، وإما في الصفة، والله واحد من حيث لا موجود يوصف بما يوصف به ولا شيء يسدُّ مسدَّه - تعالى -، وأصله وحد قلبت واوه همزة.
والثاني: أن يكون بمعنى: العموم والشِّياع، وذلك لا يستعملُ إلا في النفي كقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة (٤٧)].
وقيل: ليس أصلُ هذا من الواو كالأوّل (٢).
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾: ابن عباس ﵄: ﴿الصَّمَدُ﴾ (٣): السيد الذي تناهى سُؤْدَدُه ويصمد بالحوائج إليه، أي: يقصد (٤)، وهذا قول الجمهور (٥).
مجاهد والضحاك: وجاء مرفوعاً أيضاً: ﴿الصَّمَدُ﴾ " الذي ليس بأجوف " (٦).
стр. 3707
قتادة: " ﴿الصَّمَدُ﴾: الباقي، الذي لا يفني " (١).
وقيل: ﴿الصَّمَدُ﴾: خالق الأشياء.
وقيل: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يستغني عنه شيء.
وقيل: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي فسره الله تعالى بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ (٢).
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾: نفي الأولاد والصاحبة، وَلَمْ ﴿يُولَدْ﴾: نفي الوالدين، وقدم ذكر ﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ لأن من الكفار من ادعى أنَّ له ولداً، ولم يدعِّ أحدٌ أنه مولود.
وقيل: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فيورث، وَلَمْ ﴿يُولَدْ﴾ فورث (٣).
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾: أي: لا يماثله ولا يساويه أحد، و ﴿أَحَدٌ﴾ ها هنا للعموم. كما سبق.
مجاهد: "لا صاحبةَ له؛ لأن المرأةَ كُفؤ الرجل " (٤).
الزَّجَّاج: " أي: شبيهاً ومثلاً، والتقدير: ولم يكن أحد كفواً له " (٥).
﴿أَحَدٌ﴾ اسم كان، و ﴿كُفُوًا﴾: خبره، و ﴿لَهُ﴾ صلة عند سيبويه ".
قال أبو علي: "ويجوز أن يكون ﴿لَهُ﴾ صفة لـ ﴿كُفُوًا﴾ فلما تقدم، انتصب على الحال " (٦).
стр. 3708
سورة الفَلَق (١)
خمس آيات (٢)(٣) مكية. وقيل: مدنية (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾: وسبب نزول المعوذتين: ما رواه البخاري في صحيحه وذكره المفسرون وذلك: أن غلاماً من اليهود كان يخدمُ رسول الله ﷺ فدنت (٥) إليه اليهود ولم يزالوا به حتى أخذ مُشَاطة رأسه (٦) ﷺ , وعدة أسنانٍ من مشطه، فأعطاها (٧) اليهود، فسحروه فيها وكان الذي تولى ذلك: لبيد بن أعصم اليهودي (٨)، ثم دسها في بئر [لبني] (٩) زُريق يقال لها: ذِروان، فمرض النبي ﷺ وانتشر شعر رأسه، وكان يرى أنه يأتي النساء ولا
стр. 3709
يأتيهن وجعل يذوب ولا يدري ما عراه، فبينا هو نائم ذات يوم أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجله، فقال الذي عند رجله للذي عند رأسه: ما بال الرجل، قال: طُبَّ، قال: وما طُبَّ، قال: سُحِرَ، قال: ومن سحره، قال: لبيد بن أعصم اليهودي، قال فبم طَبَّهُ، قال: بمشط ومشاطة، قال: وأين هو (١)، قال: في جُفَّ طلعة، تحت راعوفة في بئر ذروان، فانتبه النبي ﷺ ، وقال: يا عائشة أما علمت أن الله أخبرني بدائي، ثم بعث علياً والزبير وعمار بن ياسر ﵃، فنزحوا ماء البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه، وإذا وتر معقدة فيه إحدى عشر عقدة مغروزة بالإبر , فأنزل الله سورتي المعوذتين (٢)، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة , ووجد رسول الله ﷺ خفة حتى انحلت العقدة الأخيرة، قام النبي ﷺ كأنما نشط من عقال، وجعل جبريل ﵇ يقول: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن حاسد وعين والله يشفيك، فقيل: يا رسول الله أفلا نأخذ الخبيث فنقتله، فقال: أما أنا فقد شفاني الله وأكره أن أثير على الناس ... شراً)) (٣). الجُفُّ: قشر الطلع (٤)، والراعوفة: حجر في أسفل البئر يقوم عيها المائح (٥).
والمشاطة: ما يسقط من الشعر مع المشط (٦).
قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾: أي: أحترز وأستجير، ومعاذ الله (٧) من كذا، أي: أحترز به منه (٨)(٩).
стр. 3710
والعرب تقول: أطيب اللحم عوذة، أي: ما عاذ بالعظم، أي: لزق به (١).
﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ابن عباس ﵄: في جماعة: " الصبح، لقوله: ... ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، ولقولهم: أبين من فلق الصبح " (٢).
وقيل: هو بيتُ جهنم، إذا فتحَ بابه استغاث أهل النار من شدة حره.
وعن ابن عباس أيضاً وأبي هريرة وكعب ﵃: " اسم بئر ذات أودية لها شعاب واسمها الهبهب " (٣).
وقيل: اسم لجهنم (٤).
الزَّجَّاج: " ﴿الْفَلَقِ﴾ الخلق " (٥).
﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾: هو كل شيء سوى الله وصفاته.
وقيل: أي: النار، وقيل: الشيطان (٦).
﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ﴾: ابن عباس والفراء والزَّجَّاج: " هو الليل " (٧).
والغسق الظلام.
الزَّجَّاج: " لأن الليل أبرد من النهار، والغاسق: البارد " (٨).
ابن عيسى: " الغاسق: الهاجم بضرر، من قولهم: غسقت عينه جرى دمعها، وغسقت القرحة: جرى صديدها " (٩).
стр. 3711
أبو هريرة ﵁ مرفوعاً: " الغاسق الثُّريا، فإن الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها " (١).
وقيل: الغاسق: القمر.
وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: " أخذ النبي ﷺ بيدي، ونظر إلى القمر، فقال: ((تعوذي بالله من هذا، فإنه الغاسق إذا وقب)) (٢).
وقيل: هو الشمس. والكلّ مراد فإن اللفظ يحتمله (٣).
﴿إِذَا وَقَبَ (٣)﴾: دَخَل. وقيل: أدبر. واشتقاقه من الوقب , وهو كل ثقب أو حفرة يستنقع فيه الماء.
و ﴿وَقَبَ﴾: دخل الوقب. وأوقبه: أدخله (٤).
﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾: النفث: نفخ من غير ريق بخلاف التفل , والمراد بهن: بنات لبيد السواحر وغيرهن (٥) و ﴿الْعُقَدِ﴾: جمع عقدة، وفي كيفية ذلك أقوال:
стр. 3712
أحدها: أنه إيهام الأذى، وتخييل المرض.
والثاني: إنه يؤثر كتأثير العين في المعيون.
والثالث: أنه بمعونة الجن (١).
وفيه سحر للنبي ﷺ قولان: قال بعضهم: سحرَهُ لبيد بما سحر، وقد سبق , وعليه الجمهور، وأنكر بعضهم وقالوا: إن الله تعالى أنكرَ على من قال هذا في صفةِ النبي ﷺ ,حيث يقول: ﴿يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] الآيات (٢).
وقيل: أراد بـ ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ النساء اللواتي يسلبن قلوب الرجال بحبهن.
قال أبو تمام:
السَّالبات الفتى عزيمته ... بالسحر والنافثات في عقد (٣)(٤)
وقيل: هنَّ السواحر التي تنفث في العقد كأنها تنفخ فيها بشيء تقرأه (٥).
﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾: يعني لبيداً.
وقيل: اليهود كُلّهم، وقيل: حَاسِدٍ ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ المؤمنون (٦).
الحسد: تمني زوالُ النعمةِ من صاحبها، وشرُّ الحاسد: عَينه، وقيل: شره إيقاعُ الشرَّ بالمحسودِ بتتبع عثراته وابتغاءِ مساوئه.
والوسوسةُ: الحديثُ الخفي، لقوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه: ١٢٠]، وصوتُ الحلي يسمَّى وسواساً.
والموسوسُ: الذي يكثرُ الحديثَ في نفسه، ووسوسة الشيطان تصل (١) إلى القلب في خفاء.
وقيل: وسواس الناس في نفسه، وهي وسوسته التي يحدِّث فيها (٢) نفسه (٣).
﴿الْخَنَّاسِ (٤)﴾: هو الذي يكثر الخُنُوْس , وهو التأخر (٤)، كما جاء (٥) في الحديث: ... ((أنَّ الشيطان جاثمٌ على قلب ابن آدم، فإذا ذكرَ الله تنحى وخنس، وإذا غفلَ التقمَ قلبَه فحدثه ومنّاه)) (٦).
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾: قال الفراء: " يجوزُ أن يكونَ المرادُ بالنَّاس ها هنا الجنُّ، وكما جعل من الإنس شياطين كذلك ها هنا جعل من الجنِّ ناساً , فيكون المعنى ﴿فِي صُدُورِ﴾ جمعٍ من الجنَّة، وجمعٍ من النَّاس " (٧).
قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾: جمع جانّ.
وقال غيره: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ متصل بقوله: ﴿شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) مِنَ الْجِنَّةِ﴾، فهو: بيان أن الموسوس (٨) منهم.
стр. 3715
قوله: ﴿وَالنَّاسِ (٦)﴾: هو عطفٌ على ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ أي: من شر الوسواس والناس (١). وعلى قول الفراء ومن تابعه: عطف على الناس من الجنة (٢)، كما سبق.
ابن عيسى: " تقديره: من شر الوسواس الذي يقع من الجن والإنس " (٣).
وكرَّر لفظ ﴿النَّاسِ﴾ تبجيلاً لهم وتكرمةً (٤).
وقيل: كرر لانفصال كل آية من الأخرى لعدم حرف العطف.
وقيل: المراد بالأوّل الأطفال، ومعنى الربوبية يدل عليه.
وبالثاني: الشُّبَّان، ولفظ الملك المنبئ عن السياسة يدل عليه.
وبالثالث: الشُّيوخ، ولفظ إله المنبئ عن العبادة والطاعة يدل عليه.
وبالرابع: الصَّالحون، والشيطان مولع بإغوائهم دون غيرهم.
وبالخامس: المفسدون، وعطفهُ على المعوَّذِ منهم يدلُّ عليه (٥).
[والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب] (٦).
* * *